أعمال القلوب - [33] الورع - ورع الصحابة

منذ 2016-02-02

والورع كلما أخذ به الإنسان كان أسرع جوازًا على الصراط وأخفّ ظهرًا، وتتفاوت في الآخرة بحسب التفاوت في درجات الورع وهو تجنب القبائح لصدق النفس وتوفير الحسنات وصيانة الإيمان، وكذلك البعد عن حدود الله سبحانه وتعالى، وكذلك فإن الإنسان المسلم ينتبه من الاقتراب من حدود الله، لأن الاقتراب منها يوشك أن يوقعه فيها.

والورع كما تقدم إذًا عما هو محرم وعن كل شبهة وعن بعض الحلال الذي يُخشى إذا أخذ منه أن يقع في الحرام.  وإذا أراد خاتمة الورع وأعلى درجة فيه فالورع عن كل ما ليس لله تعالى، وبالتالي لو أن الإنسان أخذ من المباح بنية صالح (أكل بنية التقوِّي، نام بنية الاستيقاظ لقيام الليل، تزوج بنية النفقة على الزوجة وكسب الولد وإعفاف النفس وتكثير المسلمين.......إلخ) تنقلب مباحاته إلى طاعات وعبادات وفي هذه الحالة لا يسوغ له التورّع عنها، لكن تتورع عن مباح قد يؤدي إلى حرام أو يشغل قلبك عن الله والدار الآخرة؛ الورع في هذه الحالة سائغ.

والورع كلما أخذ به الإنسان كان أسرع جوازًا على الصراط وأخفّ ظهرًا، وتتفاوت في الآخرة بحسب التفاوت في درجات الورع وهو تجنب القبائح لصدق النفس وتوفير الحسنات وصيانة الإيمان، وكذلك البعد عن حدود الله سبحانه وتعالى، وكذلك فإن الإنسان المسلم ينتبه من الاقتراب من حدود الله، لأن الاقتراب منها يوشك أن يوقعه فيها، {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا} [البقرة: 187]، {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا} [البقرة: 229]، والحدود يراد بها أواخر الحلال حيث نهى عن القربان، والحدود من جهة أخرى قد يراد بها أوائل الحرام، فلا تتعدوا ما أباح الله لكم ولاتقربوا ما حرّم الله عليكم، فالورع يخلص العبد من قربان هذه وتعدّي هذه وهو اقتحام الحدود، فمجاوزة الحد في الحلال يمكن أن يوقعه في الكبائر العظيمة.

والإنسان المسلم عليه أن يتورع في الجوانب التي قد يؤدى الولوغ فيها للمهالك سواء في النظر، في السمع، في الشم، في اللسان، في البطن، في الفرج، في اليد، في الرجل، السعي، وهكذا..

والنبي صلى الله عليه وسلم قد علمنا الورع فقال: «والإثمُ ما حاك في القلبِ، وتردَّد في الصدرِ وإن أفتاك الناسُ وأفتَوْك» [صحيح الترغيب: 1734]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنك لَن تدَع شيئًا للهِ عزَّ وجلَّ إلا بدَلك اللهُ به ما هو خيرٌ لكَ منه» [السلسلة الصحيحة: 2/734]، وجاء عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أربعٌ إذا كنَّ فيكَ فلا عَليكَ ما فاتَكَ منَ الدُّنيا: حفظُ أمانةٍ، وَصِدْقُ حديثٍ، وحُسنُ خَليقةٍ، وعفَّةٌ في طعمةٍ» [مسند أحمد: 10/138].

وفي الحديث العظيم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الحلالُ بَيِّنٌ، والحرامُ بَيِّنٌ، وبينهما أمورٌ مُشتَبِهاتٌ، لا يعلمُها كثيرٌ من النَّاسِ» [صحيح الجامع: 3193]، وفي رواية: «الحلالُ بيِّنٌ، والحرامُ بيِّنٌ، وبينهما مُشَبَّهاتٌ لا يعلمُها كثيرٌ من الناسِ، فمَنِ اتقى المُشَبَّهاتِ استبرَأ لدينِه وعِرضِه، ومَن وقَع في الشُّبُهاتِ: كَراعٍ يرعى حولَ الحِمى يوشِكُ أن يواقِعَه، ألا وإن لكلِّ ملكٍ حِمى، ألا وإن حِمى اللهِ في أرضِه مَحارِمُه، ألا وإن في الجسدِ مُضغَةً: إذا صلَحَتْ صلَح الجسدُ كلُّه، وإذا فسَدَتْ فسَد الجسدُ كلُّه، ألا وهي القلبُ» [صحيح البخاري: 52]، وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنَّ مِن حُسنِ إسلامِ المرءِ تركَه ما لا يَعنيه» [صحيح ابن حبان: 229]

وحكى لنا النبي صلى الله عليه وسلم: «اشترى رجلٌ مِن رجلٍ عَقارًا له، فوجَد الرَّجلُ الَّذي اشترى العَقارَ في عَقارِه جَرَّةً فيها ذَهَبٌ، فقال له الَّذي اشترى العَقارَ: خُذْ ذَهَبَك منِّي، إنَّما اشتَرَيْتُ منك الأرضَ، ولم أَبْتَعْ منك الذَّهَبَ. وقال الَّذي له الأرضُ: إنَّما بِعْتُك الأرضَ وما فيها، فتحاكَما إلى رجلٍ، فقال الَّذي تحاكَما إليه: ألَكُما وَلَدٌ؟قال أحدُهما: لي غُلامٌ، وقال الآخر: لي جاريَةٌ، قال: أنكِحوا الغُلامَ الجاريةَ، وأنفِقوا على أنفُسِهما منه وتصدَّقَا» [صحيح البخاري: 3472].

وكذلك قصة الصحابة الذين لم يشيروا إلى الصيد وهم حُرُم، فيقول أبو قتادة رضي الله عنه: " كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في القاحة ومنا المحرم ومنا غير المحرم، فرأيت أصحابي يتراءون شيئًا فنظرت  - وفي رواية أنهم ضحكوا ولكن لم يشيروا ولم يعينوا- فإذا حمار وحش فوقع سوطه فقالوا لا نعينك عليه بشيء إنا محرمون، فتناولته فأخذته ثم أتيت الحمار من وراء أكمة فعقرته فأتيت به أصحابي فقال بعضهم كلوا وقال بعضهم لا تأكلوا، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو أمامنا فسألته فقال كلوه فهو حلال"، فكيف إذًا تورعوا عن الإشارة والمعاونة وعن الأكل منه.

وكذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يتورع عن التمرة يجدها في بيته، «أخَذ الحسنُ بنُ عليٍّ رضي اللهُ عنهما تمرةً من تمرِ الصدقةِ، فجعَلها في فيهِ، فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: كَخٍ كَخٍ. ليطرَحَها، ثم قال: أما شَعَرتَ أنَّا لانأكُلُ الصدقةَ» [صحيح البخاري: 1491]، وهذا فيه منع الولد أو الحفيد من أخذ التمر الذي لا يجوز له أكله مع أنه صبي صغير غير مكلّف، وأما قصته صلى الله عليه وسلم في التمرة يجدها فقد أخرجها البخاري ومسلم أيضًا أنه قال صلى الله عليه وسلم:  «إني لأَنْقَلِبُ إلى أهلي، فأَجِدُ التمرةَ ساقطةً على فراشي، فأَرْفَعُها لآكُلُهَا، ثمأَخْشَى أن تكونَ صدقةً فأَلْقِيها».أي لا يأكلها مع أنه جائع [صحيح البخاري: 2432].

وكذلك كان صحابته رضوان الله عليهم فزينب رضي الله عنها حماها الله بالورع في قصة الإفك، فمع أنها من ضرائر عائشة وقد وقع المنافقون في عائشة والناس تناقلوا كلام المنافقين وزينب من ضرائر عائشة وكانت تنافسها وتساميها عند النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن لما جاء الكلام في عائشة مع وجود الداعي للكلام وأنها من الضرار، تقول عائشة رضي الله عنها: "كان الرسول صلى الله عليه وسلم يسأل زينب بنت جحش عن أمري فقال يا زينب ما علمتِ، مارأيتِ؟ فقالت: (يا رسول الله، والله ماعلمت عليها إلا خيرًا) قامت وهي التي كانت تساميني عند النبي صلى الله عليه وسلم فعصمها الله بالورع".

وكذلك كان عبد الله بن عمر رضي الله عنه سمع صوت زمارة راعٍ والإنسان غير مكلّف بما يسمع ولكن بما يستمع إليه فلا يجوز تقصّد السماع والتلذذ به، فمشى في الطريق بسرعة وابن عمر كان يضع إصبعيه في أذنيه  وعدل راحلته عن الطريق وهو يقول يا نافع أتسمع فيقول نعم، فيمضي على حاله واضعًا إصبعيه في أذنيه حتى قلت لا، فوضع يديه وأعاد راحلته إلى الطريق. 

وكذلك أبو بكر الصديق رضي الله عنه بلغ من ورعه في تلك القصة العظيمة التي رواها البخاري وهو أفضل الورعين بعد النبي صلى الله عليه وسلم، كان له غلام يُخرِج له الخراج، وكان أبو بكر يأكل من خراجه فجاء يومًا بشيء فأكل منه أبو بكر فقال له الغلام أتدري ماهذا فقال أبو بكر وماهو؟ قال كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية وما أحسن الكهانة إلا أني خدعته فلقيني فأعطاني بذلك فهذا الذي أكلت منه. فأدخل أبو بكر يده فقاءَ كل شيء في بطنه.

وعن نافع عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان قد فرض للمهاجرين الأولين أربعة آلاف في أربعة، وفرض لابن عمر ثلاثة آلاف وخمسمائة فقيل له هو من المهاجرين فلم نقصته من أربعة آلاف؟ قال: إنما هاجر به أبواه لأنه كان صغيرًا، ليس هو كمن هاجر بنفسه.

وعن ابن شهاب قال ثعلبة بن أبي مالك إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قسم مروطًا بين نساء من نساء المدينة فبقي مرطٌ جيد فقال له بعض من عنده يا أمير المؤمنين أعطِ هذا ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي عندك، يريدون أم كلثوم بنت علي لأن عمر تزوجها فتكون حفيدة النبي صلى الله عليه وسلم، فقال عمر أم سليط أحقّ، و أم سليط هي من نساء الأنصار ممن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال عمر: فإنها كانت تزفر -تخيط- لنا القرب يوم أحد. 

خالد أبو شادي

طبيبٌ صيدليّ ، و صاحبُ صوتٍ شجيٍّ نديّ. و هو صاحب كُتيّباتٍ دعويّةٍ مُتميّزة

  • 8
  • 1
  • 15,308
المقال السابق
[32] الورع - تعريفه ومراتبه
المقال التالي
[34] الورع - فوائد الورع

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً