خطب مختارة - [56] التذكير بالموت وبما بعده

منذ 2016-03-01

استبقوا الخيرات، وبادِروا قبل أن تتمنّوا المهلةَ وهيهاتَ هيهات، ولا تغترّوا بحياةٍ تقود إلى الممَات، لا يُرى في حُشودِها إلاّ الشتات، ولا يُسمَع في ربوعِها إلا "فلانٌ مرِض" و"فلانٌ مات".

الخطبة الأولى:

أيّها المسلمون، إنكم في دارٍ ليست للبقاءِ وإن تراخى العمر وامتدَّ المدى. أيّامُها مراحل، وساعاتها قلائل، والمرءُ لا شكَّ عنها راحِل. شبابُها هرَم، وراحتُها سَقَم، ولذّاتُها نَدَم. الدنيا قنطرةٌ لمن عَبَر؛ وعبرةٌ لمن استبصَر واعتبر، {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران:185].

فاستبقوا الخيرات، وبادِروا قبل أن تتمنّوا المهلةَ وهيهاتَ هيهات، ولا تغترّوا بحياةٍ تقود إلى الممَات، لا يُرى في حُشودِها إلاّ الشتات، ولا يُسمَع في ربوعِها إلا "فلانٌ مرِض" و"فلانٌ مات".

أيّها المسلمون، طوبى لمن فرَّ من مَواطِن الرِّيَب ومواقِع المقتِ والغضَب، مستمسِكًا بدينه، عاقدًا عليه بكِلتا يدَيه، قد اتَّخذه من الشّرور ملاذًا ومن الفِتنِ مَعاذًا. ويا خسارَ من اقتَحَم حِمى المعاصي والآثام، وأَرتعَ في الموبقاتِ العِظام، وأحكَم عَقدَ الإصرارِ على الذنوبِ والأوزار. هلك المصِرّ الذي لا يُقلِع، وندِم المستمرُّ الذي لا يَرجِع، وخابَ المسترسِلُ الذي لا ينـزِع، {وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ} [الحجرات:11].

أيها المسلمون، الموتُ في كلّ حين ينشُر الكفنا، كم شيّعنا من الأقران، كم دفنّا من الإخوان، كم أضجعنا من الجيران، كم فقدنَا من الخِلاّن. فيا من أَسْمَعَتْه المواعظُ إرشادًا ونُصحًا، هلاّ انتهيتَ وندمتَ، وفتحتَ للخير عينَيك، وقُمتَ للهُدى مَشيًا على قدمَيك، لتحصُل على غايةِ المراد، وتسعَد كلَّ الإسعاد، فإن عصيتَ وأبيت وأعرضتَ وتولّيت حتى فاجأك الأجل فستعلم يومَ الحساب مَن عصَيت، وستبكي دمًا على قُبح ما جَنيتَ، {يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى . يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي} [الفجر:23، 24]، {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً . يَا وَيْلَتِي لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلاً . لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنْ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولاً} [الفرقان:27-29].

أيّها المسلمون، أين مَن بلَغوا الآمال؟! أين من جمَعوا الكنوز والأموال؟! فاجأهم الموتُ في وقتٍ لم يحتسبوه، وجاءهم هولٌ لم يرتقِبوه، تفرّقت في القبورِ أجزاؤُهم، وترمّل مِنْ بعدهم نساؤهم، وتيتّم خلفَهم أولادُهم، واقتُسِم طريفُهم وتِلادهم، يقول رسول الهدى عليه الصلاة والسلام: «إذا وُضِعت الجنازةُ فاحتمَلها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحةً قالت: قدّموني قدّموني، وإن كانت غيرَ صالحة قالت:يا ويلَها أين تذهبون بها؟! يسمَع صوتَها كلُّ شيء إلا الإنسان، ولو سمعها الإنسان لصعق» [صحيح البخاري: 1380]

يا مشغولًا قلبُه عن عبادة الله وطاعته، أعَلى قلبك حجابٌ؟! أنسيتَ الموتَ وسكرته وصعوبتَه ومرارتَه؟! أنسيتَ القبر وضمَّتَه ووحشته وظلمتَه والحسابَ وشدّتَه؟! يقول رسول الهدى  صلى الله عليه وسلم: «ما رأيتُ منظرًا قطّ إلاّ والقبر أفظعُ منه» [صحيح ابن ماجه: 3461]، وكان عثمان بن عفان رضي الله عنه إذا وقَف على قبرٍ يبكي حتى يبلَّ لحيتَه، فقيل: تذكر الجنّةَ والنار ولا تبكي، وتبكي من هذا! قال: إنّ رسولَ الله  صلى الله عليه وسلم قال: «إنّ القبرَ أوّلُ منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعدَه أيسرُ منه، وإن لم ينجُ منه فما بعدَه أشدُّ منه» [صحيح الترمذي: 2308]، ويقول رسول الهدى عليه الصلاة والسلام : «إنّ أحدَكم إذا مات عُرِض عليه مقعدُه بالغداةِ والعشيّ، إن كان مِن أهل الجنّة فمِن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدُك حتى يبعثَك الله يومَ القيامة» [صحيح مسلم: 2866]. أرواحٌ في أعلى علِّيِّين، وأرواح في أسفلِ سافلين، أرواح في حواصِل طيرٍ خُضرٍ تسرح في الجنّة حيث شاءت، وأرواحٌ في تنُّور الزّناة والزواني، وأرواحٌ في نهرِ الدم تُلقَم الحجارةَ وهم أكلةُ الربا، وآخرون تُثلَم رؤوسهم بالحجارة وهم الذين يأخذون القرآن فيرفضونه وينامون عن الصلاة المكتوبة.

فلنتذكر يا عباد الله القبورَ، ولنتذكَّر النفخَ في الصور، ولنتذكّر البعثَ والنشور، ولنتذكَّر الكتابَ المسطور، ولنتذكَّر السماءَ يومَ تتغيَّر وتمور، والنجومَ يومَ تنكدِرُ وتغور، والصراطَ يوم يُمَدّ للعبور، فهذا ناجٍ وهذا مأسور، {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا . ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا}  [مريم:71: 72]. يقول رسولِ الهدى صلى الله عليه وسلم: «يمرُّ أوّلكم كالبرق، ثم كمرّ الرّيح،ثم كمرّ الطير وشَدّ الرجال، تجري بهم أعمالهم، ونبيُّكم قائمٌ على الصراط يقول: ربّ سلِّم سلِّم، حتى تعجز أعمالُ العباد، حتى يجيء الرجلُ فلا يستطيع السيرَ إلا زَحفًا، وفي حافتَي الصراط كلاليبُ معلَّقة مأمورةٌ [بأخذ] من أُمِرت به، فمخدوشٌ ناجٍ ومكدوس في النار» [صحيح مسلم: 195]، يقول أبو هريرة رضي الله عنه: "والذي نفسُ أبي هريرة بيده، إن قَعر جهنّم لسبعين خريفًا" 

اللهم إنا نسألك الجنة ونعوذ بك من النار.

الخطبة الثانية:

أما بعد، فأينَ الباكي على ما جَنى؟! أين المستغفِر قبل الفَنا؟! أين التائب ممّا مضى؟! فالتَّوبُ مقبول، وعفو الله مأمول، وفضله مبْذول، «إنّ الله عز وجل يبسط يدَه بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يدَه بالنهار ليتوبَ مسيء الليل، حتى تطلُعَ الشمس من مغربها» [صحيح مسلم: 2759]. فيا فوزَ من تاب، ويا سعادةَ من آب، وربّه يقول:   {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ} [طه:82].

أيّها المسلم، لا تغترَّ في هذه الدنيا بقوّة أو فُتُوَّة، فما الصحّةُ إلا مركبُ الألم، وما الفُتُوّة إلا مِطيّة الهرَم، وما بعد المقيلِ إلا الرّحيل إلى منـزلٍ كريم أو منـزلٍ وَبيل، {فَأَمَّا مَنْ طَغَى . وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا . فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى . وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى . فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات:37-41] .

أيها المسلمون، اتّقوا الله في أوامره ونواهيه؛ وأداءِ فرائضه واجتناب معاصيه، لا تكونوا أشباهًا لمن نسِي المصير، لا تكونوا أتباعًا لأهل التفريطِ والتقصير، تمسَّكوا بخلالِ الإيمان وشرائع الإسلام، {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور:31]. ومَن كان عليه فريضةٌ فليقضِها، ومن كان عليه كفّارة فليؤدِّها، «من كانت له مظلمةٌ لأحدٍ من عرضِه أو شيءٍ فليتحلَّلْه منه اليومَ، قبل أن لا يكونَ دينارٌ ولا درهمٌ، إن كان لهعملٌ صالحٌ أخذ منه بقدرِ مظلمتِه، وإن لم تكنْ له حسناتٌ أخذ من سيئاتِ صاحبِه فحمل عليه» [صحيح البخاري: 2449]

اللهم اجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه. اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه؛ وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه. اللهم اجعلنا ممن إذا ذُكِّر تذكر، وإذا أذنب استغفر.

  • 10
  • 0
  • 1,306
المقال السابق
[55] التحرش بالمرأة
المقال التالي
[57] التذكير بخطورة التكفير

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً