سقوط الأندلس دروس وعبر - (4) الحقيقة التاريخية لإسبانيا

منذ 2016-03-06

إن أسبانيا ما كان لها أن تدخل التاريخ الحضاري، لولا القرون الثمانية التي عاشتها في ظل الإسلام وحضارته، وكانت بذلك باعثة النور والثقافة إلى أوروبا المجاورة المتخبطة آنذاك في ظلمات الجهل والتخلف

قد يتوهم بعض أصحاب النوايا الساذجة، أو التشكيل المنهجي الخطأ، أن الأحداث التاريخية -وعلى الأخص ذكرى سقوط الأندلس- إنما تعني علميًّا فتح الجراح، والاحتفال بالهزيمة، ويغيب عنهم أنه استدعاء وإحياء لعبرة ماضٍ غني بالعبر، لتصويب الحاضر وإبصار المستقبل، لا يستغنى عنها في صيرورة الأمة التاريخية، ومشروعها في النهوض الحضاري، فالذكرى استصحاب للماضي، ورؤية للحاضر، وإطلالة على المستقبل، خاصة وأن الأندلس لم تكن أرضًا فقط احتلها العسكر المسلم، وقضوا فيها زمنًا، وإنما هـي مرادفة للحضارة، والمعرفة، والقيم الإنسانية، والكسب العلمي، الذي يشكل الأرضية التي تقف عليها الحضارة الأوروبية اليوم، كما أن الأندلس لا تزال تعني فيما تعني: الحيز الهام من المكتبة الإسلامية في الفقه، والتفسير، والحديث، والقضاء والأدب، ولا يزال أعلام الأندلس من المعالم الكبرى في التراث الإسلامي، والميراث العلمي، والتشكيل الثقافي، حتى أننا نستطيع القول: إن ثقافة وحضارة المغلوب لا تزال حتى اليوم، أقوى من سلطة وقوة الغالب، ولا تزال الفترة الإسلامية هـي مرحلة التنوير والحضارة في التاريخ الأسباني كله.. وإذا حذفنا حضارة المسلمين من تاريخ أسبانيا، فماذا يبقى لها غير الممارسات الوحشية التي يندى لها الجبين؟! الأمر الذي دعا الكثير من الأسبان اليوم للعودة إلى الجذور، والبحث عن هويتهم وحضارتهم الحقيقية، التي لا بد أن يرتكزوا إليها.

يقول (أمريكو كاستروا) -وهو أكبر مؤرخي أسبانيا المعاصرين، والذي توفي قبل سنوات قليلة- في كتابه (الحقيقة التاريخية لأسبانيا): "إن الأندلسيين هـم الذين خلقوا أول شعور وطني في أسبانيا، وأنه لولاهم لما أصبح لأسبانيا أي تميز أو خصوصية، يعليان من شأنها بين الأمم، ليس من تاريخها الوسيط فحسب، بل في تاريخها الحديث أيضًا".

كما يسجل المستشرق الأسباني (الدكتور بدرومارتينيز مونتابث) شهادته قائلًا: "إن أسبانيا ما كان لها أن تدخل التاريخ الحضاري، لولا القرون الثمانية التي عاشتها في ظل الإسلام وحضارته، وكانت بذلك باعثة النور والثقافة إلى أوروبا المجاورة المتخبطة آنذاك في ظلمات الجهل والتخلف".

لذلك يمكن القول: إن العقلاء في أسبانيا اليوم، يعملون لمصالحة أسبانيا مع نفسها، أو لانتصارها على نفسها، ولتجاوز عقدة التعصب، ومن ثم الإذعان للحقيقة؛ لأن الإسلام لا يزال يعيش في وجدانها، وذاكرتها وتقاليدها، وتراثها الشعبي ولغتها، على الرغم من كل الممارسات ضد الإسلام والمسلمين، ومحاكم التفتيش، ومعاناة المورسكيين، التي وصفها (جوستاف لوبون) في كتابه (حضارة العرب) بقوله: "يستحيل علينا أن نقرأ دون أن ترتعد فرائصنا، من قصص التعذيب والاضطهاد، والتي قام بها المسيحيون المنتصرون على المسلمين المنهزمين، إنهم عمدّوهم عنوة، وسلموهم لدواوين التفتيش، التي أحرقت منهم ما استطاعت من الجموع .. وهكذا تم قتل وطرد ثلاثة ملايين عربي كانوا يشكلون النخبة الفكرية والصناعية في أسبانيا، وهكذا انطفأت حضارتهم الوهاجة التي ظلت تشع على أوروبا منذ ثمانية قرون".

ولعل المشكلة الحقيقية التي يعاني منها العقل المسلم المعاصر، في هـذا الإطار، هـي في افتقاد منهج النظر، أو ما يمكن أن نسميه: منهج الثقافة التاريخية وإدراك الآلية، أو السنن التي تخضع لها الحركة البشرية، والقوانين التي تحكمها وتتحكم فيها، أو بمعنى آخر: غياب الفقه التاريخي، ذلك أن سرد النصوص التاريخية، وتسجيل الحديث التاريخي، دون القدرة على الفقه للقوانين المحركة، أو قوانين الحركة التاريخية، وسننها الماضية في الأمم، لا يغني عن صاحبه شيئًا.. فعلى الرغم من الدعوة الملحة في القرآن الكريم للسير في الأرض، وأهمية التعرف على السنن التي تتحكم بسقوط ونهوض الأمم، وجعل ذلك مسئولية وتكليفًا شرعيًّا: {فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [آل عمران:137]، ولفت نظر الإنسان المسلم إلى أن هـذا السير يجب أن يترافق مع البصارة، والنظر النافذ، الموصل إلى اكتشاف السنن وإدراك قوانين الحركة الاجتماعية، التي مضت وحكمت حركة الأمم، التي خلت والتي سوف تحكم وتتحكم بالأمة المسلمة إذا توفرت مقدماتها وأسبابها، وجعل الغاية في القراءة التاريخية والسير في الأرض هـي اكتشاف السنن {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [آل عمران:137]، أي: انظروا في الكيفيات، في المقدمات التي انتهت بالأمم السابقة إلى المآلات والعواقب التي صارت إليها، حيث لم يرض الله سبحانه وتعالى للمسلمين، أصحاب الرسالة الخاتمة، أن يقتصروا على التجربة الذاتية، أو التاريخ الخاص، إن صح التعبير، وهو التاريخ الإسلامي، وإنما أراد لهم، بل كلفهم بتجاوز ذلك إلى إدراك التاريخ العام للأمم الأخرى، والتعرف على سنن الله الماضية في الخلق، التي كان التاريخ وحركته مخبرها وشاهدها، والتي قد يغيب إدراكها عن الحاضر المشاهد.. تلك السنن التي لا تحابي أحدًا، وإلّا كان مجرد الإيمان، بمفهومه السلبي، كافٍ للنصر على الأعداء.. فأمة الرسالة الخاتمة الخالدة، هـي الوريث الفكري والحضاري والمعياري للأمم السابقة، لذلك لا تستطيع القيام بهذه المهمة دون أن تتمكن من الحصول على رصيد التجربة البشرية كاملة، لتكون قادرة على القيام بمسئوليتها، فالتاريخ ليس تراكم حوادث وحركة عشوائية عبثية لركام من البشر، وإنما هـو استجابة لقناعات فكرية، وموجهات قيمية وتقاليد اجتماعية، وحركة تكمن وراءها سنن وقوانين، هـي أشبه بالساعة التي قد لا نرى منها غير حركة عقاربها دون إدراك منا للآلة التي تختفي وراءها، وتضبط حركة الزمن فيما نراه من حركة عقاربها. 

المصدر: كتاب الصحوة الإسلامية في الأندلس اليوم جذورها ومسارها، للدكتور على المنتصر الكتاني
  • 6
  • 1
  • 2,259
المقال السابق
(3) أسبنة الحقبة الإسلامية
المقال التالي
(5) ضرورة استقراء الحوادث التاريخية

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً