خطب مختارة - [129] المرأة ماذا يريدون بها

منذ 2016-08-11

إن دعاة التبرج والاختلاط لا يَدْعون إلى السفور والانحلال صراحة، ولذلك يستخدمون ألفاظًا براقة؛ وعباراتٍ خداعة؛ لتحقيق مآربهم الدنيئة؛ وأهدافهم الحقيرة؛ كل ذلك مع الأسف الشديد في غفلة منا أو تغافل أو جهل من كثير من المسلمين، ويزيد الأسى حينما تعلم وجودَ بعض الأنظمة التي تقر التبرج والسفور والاختلاط في بعض دوائر العمل لدينا.

الخطبة الأولى

عباد الله، إن الله تبارك وتعالى أراد لنساءنا وبناتنا أن يعشن في حفظٍ وكرامةٍ وعزةٍ ومنعةٍ؛ بنورِ الشريعة الوضاء؛ فشرع لهنّ الحجاب، ومنعهن من الاختلاط بالرجال؛ لئلا يكنّ حِمىً مباحًا أو حقًا مُشاعًا للأنفس المريضة، وأمرهن بالقرار في البيت ليبقين جواهر مصونة، ودرر مكنونة، حفاظًا على كرامتها وحماية للمجتمع من الفتنة، وقد جعل الإسلامُ  لهن الدَّور الفاعل في المجتمعِ؛ ولتقوم بهذا الدورِ الفاعل لابد أن تعرف وتعي حقيقة دورها ورسالتَها، ولابد أن تتربى من صِغَرِها على معاني الفضيلةِ، وتشب على مناظرِ العفافِ، وتحيا مستمسكةً بتعاليم الدينِ ومبادئه القيِّمة، مترفعةً عن السفاسف، مقبلةً على المعالي، يخفقُ قلبُها بحبِّ الله تعالى، وتشرق نفسها بنور الإيمان، وترى أن دينها أغلى ما تملك في هذه الدنيا، فتحافظ عليه؛ وتبادر لتنفيذ أمر الله بلا تردد؛ متأسية بسلفها الصالح؛ حين ذاك يتوِّج رأسَها عزةُ الإسلام؛ لتطمس بنورها ظلمات المنهزمين.

أيها المؤمنون، إنّ رياح التبرج والسفور والاختلاط يُراد لها أن تعصف بمجتمعاتنا؛ لإفساد المجتمع؛ وتقويض دعائم الشريعة؛ وذلك من قِبَل أصحاب الشهوات ودعاة السفور والاختلاط من الجاهلين والعلمانيين والمنافقين وعملاء الغرب؛ ممن يسعون لإخراج المرأة المسلمة من بيتها بشكل غربي؛ مختلطة بالرجال؛ نازعة لحجابها، ويتخذون في ذلك أساليب شتى، على رأسها التهوين من التبرج والاختلاط؛ والدعايةُ لهما؛ ودفع المرأة إلى ميادين العمل المختلط، وتشجيعُها على ارتياد الأماكن العامة المختلطة، والتساهلُ في العلاقات بأشكالها بين الرجل والمرأة، في سلسلة طويلة حلقاتها متصلة، متدرجين من الألبسة التي تحجم الجسم وتظهر مفاتنه إلى عباءات ضيِّقة ومزركشة لا تمتّ للحجاب بصِلَة، مرورًا بإخراج الوجوه بحجة أنّ في كشف الوجه خلاف.

ولم يكتفوا بكشفه بل زينوه بالأصباغ ، لينتهوا بتحويل الحجاب من مقصده الأسمى وتفريغه من هدفه الأسنى ليكون زينة في ذاته، ويرون أن ذلك من مقتضيات العصر ومتطلبات الحضارة، وبعض هؤلاء أعني دعاة التبرج والاختلاط يشنون حربًا على العفاف باسم الحرية الشخصية، ويزعمون أن التزام المرأة بهذا الحجاب وبعدَها عن الاختلاط بالرجال فيه إهانةٌ لكرامتها وعائقٌ يحول دون تطور المجتمع، بل إن بعضهم ينظر إلى ما نحن عليه ونساؤنا من التمسك بمبادئ ديننا أنه رجعي قديم يجب التحلل منه لمسايرة ركب الحضارة والتقدم والتطور.

ويزينون حياة الاختلاط وخروج المرأة من بيتها باسم المساواة بين الرجل والمرأة، وبعض دعاة التبرج والاختلاط يقومون بالتلفيق والتلاعب بأقوال العلماء؛ والبحث عما شذّ من أقوالهم؛ بل ويتفننون في ليِّ أعناق النصوص من الكتاب والسنة؛ ليقتنع الناس بما يقولون، فدعاة التبرج والاختلاط يأملون أن تسير المرأة المسلمة مساوية للرجل في كل شيء.

أيها الإخوة الكرام إن دعاة التبرج والاختلاط لا يَدْعون إلى السفور والانحلال صراحة، ولذلك يستخدمون ألفاظًا براقة؛ وعباراتٍ خداعة؛ لتحقيق مآربهم الدنيئة؛ وأهدافهم الحقيرة؛ كل ذلك مع الأسف الشديد في غفلة منا أو تغافل أو جهل من كثير من المسلمين، ويزيد الأسى حينما تعلم وجودَ بعض الأنظمة التي تقر التبرج والسفور والاختلاط في بعض دوائر العمل لدينا.

وصدق الله إذ يقول: {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا} [النساء: 27]. وإن نبينا صلى الله عليه وسلم قال محذرًا: «اتقوا الدنيا واتقوا النساء؛ فإن أولَ فتنةِ بني إسرائيل كانت في النساء» [السلسلة الصحيحة: 911]، ولاشك ولا ريب أن ما يفعلُه دعاةُ التبرج والاختلاط إيقادٌ لنار هذه الفتنة؛ من أجل ذلك كان لا بد من فضح أساليبهم وطرقهم وحيلهم ومكرهم، قال الله سبحانه: {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآَياتِ ولِتستَبِينَ سَبِيلُ المُجرِمِين} [الانعام: 55]، وقد أمر الله بمجاهدة المنافقين كمجاهدة الكفار؛ قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدْ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 73]، وذلك بهدف أن نتمكن من التصدي لانحرافهم؛ وإيقاف زحفهم حفاظًا على طهارة مجتمعاتنا وحمايةًِ لنسائنا من العابثين، وحتى لا تصيبُنا العقوبات في الدنيا والآخرة؛ كما قال جل وعلا: { وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} [الأنفال: 25]. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.

الخطبة الثانية

أيها المؤمنون: إن المرأة المسلمة لم تكن يومًا من الأيام في ظل الإسلام مُضيّعةً أو مهملة، ولم تعرف البشريةُ دينًا ولا حضارةً أكمل من الإسلام في العناية بالمرأة ورعايتها والاهتمام بها؛ فقد جعلها مرفوعةَ الرأس عاليةَ المكانة؛ مرموقةَ القدْر؛ تتمتّع بشخصيةٍ محترمة وحقوقٍ مقرّرة وواجبات معتبرة، وعدَّها نعمةً عظيمةً وهِبةً كريمة؛ يجب إكرامُها وإعزازها فرعى حقَّها طفلةً؛ وأمًّا؛ وزوجة؛ وأختًا ؛ وكفِل لها كامل حقها، لتتفرّغ لرسالتها الأسمى وهي فارغةَ البال من هموم العيش ونصب الكدح والتكسُّب، فتعيشَ حياةً كريمة في مجتمعها المسلم.

ولذلك فإنه من الخطأ العظيم في الرأي ومن الفسادِ في التصوُّر الظنُ بأن المرأة قعيدةَ البيت لا عملَ لها؛ أو أنَّها عالَةٌ على أهلها، أو أنها معطلة عن خدمة مجتمعها؛ فهذا جهل بمهمَّتها التي هي من أشرفِ الأعمال؛ فهي تربيَ الأجيالِ وتقومُ عليهم، وتوجد السكن والراحة  لولي أمرها الذي يكدح لأجل هذه الأسرة، فالمرأة في ظل الإسلام الدرة المصونة والجوهرةُ الغالية مربيـةٌ الأبطـال، ومصنعٌ للرجـال.

عباد الله، إن حال المرأة المسلمة التي تتلقى الأوامر من ربها الرحيم بها، تختلف تمامًا عن حال المرأة الغربية أو المستغربة التي تخالف أمر الله؛ لأنها تستبدلُ أمر من هو بها رحيم؛ بأمر من  لا يرحـمُها؛ بل يريدُها ألعوبة ضائعة.

عباد الله، يجب أن يعلم أن الشرع لا يمانع عمل المرأة خارج بيتها لحاجتها أو لحاجة مجتمعها؛ إنما يشترط عليها في ذلك أن تحافظ على حجابها وحشمتها؛ كما يشترط عدم اختلاطها بالرجال في هذا العمل.

أيها الإخوة الكرام؛ يجب أن نعلنها صريحة؛ ولا نتردد فيها؛ ولا نسترضي فيها أحدًا؛ ولا نجامل على حساب الحقيقة؛ نعلنها ونقول: إن الإسلام لم يساوِ المرأة بالرجل المساواة المطلقة؛ لأن ذلك ظلم لها، والإسلام أتى برفع الظلم وإقامة العدل، ونذكر في ذلك قول رب العالمين: {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ} [آل عمران: 36].

ولقد ساوى الإسلام المرأة بالرجل في الكرامة وأصل التكليف والجزاء، أما في تفاصيل التكليف فلم يساوِ بينهما المساواة المطلقة؛ لما بين المرأة والرجل من فروق معلومة في خلقتها وقوتها؛ ولما تحتاجه المرأة من الحماية والرعاية، وليبقى الرجل بصفات رجولته؛ وتبقى المرأة بصفات أنوثتها، والسعيد من وعظ بغيره؛ ولينظر من ينادي بالمساواةِ المطلقة إلى المرأة الغربية وماذا كسَبت ؟! وماذا بقي لها لم تخسرْه ؟! وماذا جنا مجتمعُها من مساواتها بالرجل ؟!، ويكفينا  أن نفخر بما وجدته المرأة المسلمة من رعاية وعناية في ديننا؛ وهذا نبينا وقدوتنا صلى الله عليه وسلم يقول: «خيركم خيركم لأهله؛ وأنا خيركم لأهلي» [سنن الترمذي: 3895]، وقال صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع: «استوصوا بالنساء خيرا» [صحيح مسلم: 1468].

فلنستجب لوصية نبينا، ولنَحذر ونُحذِّر ونحفظ نساءنا من أن يكنَّ ألعوبة في أيدي دعاة التبرج والاختلاط. اللهم احفظنا ونساءنا من كيد الماكرين وشر المفسدين.

  • 6
  • 0
  • 9,429
المقال السابق
[128] المخطط الصفوي في بلاد المسلمين
المقال التالي
[130] المرض فوائد وأسرار

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً