دليل المسلم الجديد - [48] الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

منذ 2016-10-25

شرح لأهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمنهجية الشرعية لتحقيق ذلك مع بيان آداب النصيحة.

أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الحمد لله
أولاً:
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من شعائر الإسلام العظيمة، وقد عدَّها بعض العلماء من أركان الدين، والواجب على كل مسلم أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وليس هذا لطائفة من المسلمين دون آخرين، بل هو واجب على كل من يعلم شيئاً من دين الله تعالى أن يبلِّغه أمراً أو نهياً.
قال الله تعالى :
{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [آل عمران:110].
وقال الله تعالى :
{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران:104].
وقال سبحانه وتعالى :
{لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ سورة المائدة الآية . كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المائدة:78-79].
قال ابن عطية – رحمه الله تعالى - :
والإجماع منعقد على أن النهي عن المنكر فرض لمن أطاقه وأمن الضرر على نفسه وعلى المسلمين، فإن خاف فينكر بقلبه ويهجر ذا المنكر ولا يخالطه.
انظر (تفسير القرطبي: 6 / 253).
ثانياً:
ويُشترط لإقامة هذه الشعيرة شروط لا بدَّ من وجودها، وأكثرها يتعلق بالآمر الناهي، وبعضها يتعلق بذات الشعيرة .
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله تعالى- :
الشرط الأول: أن يكون عالماً بحكم الشرع فيما يأمر به أو ينهي عنه، فلا يأمر إلا بما علم أن الشرع أمر به، ولا ينهي إلا عما علم أن الشرع نهي عنه، ولا يعتمد في ذلك على ذوق، ولا عادة.
الشرط الثاني: أن يعلم بحال المأمور: هل هو ممن يوجَه إليه الأمر أو النهي أم لا؟ فلو رأى شخصاً يشك هل هو مكلف أم لا : لم يأمره بما لا يؤمر به مثله حتى يستفصل.
الشرط الثالث: أن يكون عالماً بحال المأمور حال تكليفه ، هل قام بالفعل أم لا؟
فلو رأى شخصاً دخل المسجد ثم جلس، وشك هل صلي ركعتين: فلا يُنكر عليه، ولا يأمره بهما، حتي يستفصل.
الشرط الرابع: أن يكون قادراً على القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بلا ضرر يلحقه، فإن لحقه ضرر: لم يجب عليه، لكن إن صبر وقام به: فهو أفضل؛ لأن جميع الواجبات مشروطة بالقدرة والاستطاعة؛ لقوله تعالى :
{فاتقوا الله ما استطعتم } [التغابن:16]، وقول الله تعالى: {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} [البقرة:286].
الشرط الخامس: أن لا يترتب على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مفسدة أعظم من السكوت، فإن ترتب عليها ذلك: فإنه لا يلزمه، بل لا يجوز له أن يأمر بالمعروف أو ينهي عن المنكر.
(مجموع فتاوى الشيخ العثيمين:8 / 652 – 654 ) مختصراً.
ثالثاً:
وإذا علمتَ أخي السائل أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان من واجبات الشريعة، وتحققت الشروط الشرعية اللازمة لإقامتهما: فاعلم أن رؤيتك للمنكر وعدم نصحك لصاحبه سبب في ترتب الإثم عليك، إلا أن يقوم غيرك بالإنكار عليه؛ لأنه يكون فرض عينٍ عليك في حال أن تكون رأيت المنكر وليس ثمة من ينصحه غيرك، فإن وُجد غيرك وقام عنك بهذا الشعيرة: فإنه يصير فرض كفاية ، يسقط عنك الإثم إذا قام بالواجب غيرك.
قال ابن قدامة – رحمه الله تعالى- :
واشترط قومٌ كون المنكِر مأذوناً فيه من جهة الإمام أو الوالي، ولم يجيزوا لآحاد الرعية الحسبة، وهذا فاسد؛ لأن الآيات والأخبار تدل على أن كل مَن رأى منكراً فسكت عنه: عصى ، فالتخصيص بإذن الإمام تحكم.
(مختصر منهاج القاصدين: ص 124 ) .
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله تعالى - :
وقد يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرضَ عينٍ، وذلك في حق من يرى المنكر وليس هناك من ينكره وهو قادر على إنكاره، فإنه يتعين عليه إنكاره لقيام الأدلة الكثيرة على ذلك، ومن أصرحها قول النبي صلى الله عليه وسلم :
«مَن رأى منكم منكراً فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» أخرجه مسلم في صحيحه.
(فتاوى الشيخ ابن باز: 3 / 212).
رابعاً:
ولا فرق بين أن تكون هذه المنكرات في الشارع أو في البيت أو في العمل، فإن استطاع المسلم إنكارها من غير ضرر يلحقه: فلا يُعذر بترك إنكارها.
قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله تعالى- :
فالمؤمنون والمؤمنات يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، المؤمن لا يسكت ، إذا رأى مِن أخيه منكراً : ينهاه عنه، وهكذا إن رأى مِن أخته أو عمته أو خالته أو غيرهن , إذا رأى منهن منكراً : نهاهنَّ عن ذلك , وإذا رأى مِن أخيه في الله أو أخته في الله تقصيراً في الواجب : أنكر عليه ذلك، وأمره بالمعروف، كل ذلك بالرفق والحكمة، والأسلوب الحسن.
فالمؤمن إذا رأى أخاً له في الله تعالى يتكاسل عن الصلوات أو يتعاطى الغيبة أو النميمة أو شرب الدخان أو المسكر أو يعصي والديه أو أحدهما أو يقطع أرحام : أنكر عليه بالكلام الطيب، والأسلوب الحسن، لا بالألقاب المكروهة والأسلوب الشديد، وبين له أن هذا الأمر لا يجوز له ... .
كل هذه المنكرات يجب على كل واحد من المؤمنين والمؤمنات والصلحاء إنكارها، وعلى الزوج والزوجة، وعلى الأخ، والقريب، وعلى الجار، وعلى الجليس، وعلى غيرهم القيام بذلك كما قال الله تعالى في وصف المؤمنين والمؤمنات :
{يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [التوبة:71]، وقال المصطفى عليه الصلاة والسلام : «إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقابه»، ويقول عليه الصلاة والسلام : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان».
وهذا عام لجميع المنكرات، سواء كانت في الطريق، أو في البيت، أو في المسجد، أو في الطائرة، أو في القطار، أو في السيارة، أو في أي مكان، وهو يعم الرجال والنساء جميعاً، المرأة تتكلم، والرجل يتكلم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن في هذا صلاح الجميع ونجاة الجميع .
ولا يجوز السكوت عن ذلك من أجل خاطر الزوج أو خاطر الأخ أو خاطر فلان وفلان، لكن يكون بالأسلوب الحسن والكلمات الطيبة، لا بالعنف والشدة، ومع ملاحظة الأوقات المناسبة، فقد يكون بعض الناس في وقت لا يقبل التوجيه ولكنه في وقت آخر يكون متهيئا للقبول، فالمؤمن والمؤمنة يلاحظان للإنكار والأمر بالمعروف الأوقات المناسبة ولا ييأس إذا لم يقبل منه اليوم أن يقبل منه غدا، فالمؤمن لا ييأس، والمؤمنة لا تيأس، بل يستمران في إنكار المنكر، وفي الأمر بالمعروف وفي النصيحة لله تعالى ولعباده مع حسن الظن بالله تعالى والرغبة فيما عند الله عز وجل.
(فتاوى الشيخ ابن باز:4 / 50).
خامساً:
وهل معنى ذلك أنه يجب عليه الإنكار على كل حالقٍ للحيته، وكل مسبلٍ لإزاره، وكل شاتم وساب يسمعه؟ وهل يجب عليه التقاط كل ورقة فيها اسم الله تعالى من الشارع؟ وهل يجب عليه الوقوف لكل خطيب يسمعه يحكي حديثاً ضعيفاً أو موضوعاً؟
الجواب في كل ذلك - وما يشبهه - : لا ، لا يجب عليه فعل ذلك؛ لتعذر هذا القيام بهذه الأمور من كل داعية إلى الله سبحانه، وخاصة أن أكثر من يراهم يفعلون المنكرات قد علموا حكم الله تعالى في فعلهم، وقد أقيمت عليهم الحجة، ولو أن الشرع أوجب عليه فعل ذلك لأفنى عمره في الوقوف مع أولئك العاصين ونصحهم على حساب القيام بمصالحه ومعاشه، وهو مما لا يمكن أن تأت به الشريعة.
قال علماء اللجنة الدائمة:
يكفيك للخروج من الإثم والحرج: أن تنصح الناس بعدم استعمال ما ذكر فيما فيه امتهان، وأن تحذرهم من إلقاء ذلك في سلات القمامة، وفي الشوارع، والحارات، ونحوها، ولست مكلفاً بما فيه حرج عليك مِن جعل نفسك وقفاً على جمع ما تناثر من ذلك في الشوارع ونحوها، وإنما ترفع من ذلك ما تيسر منه دون مشقة وحرج.
الشيخ عبد العزيز بن باز ، الشيخ عبد الرزاق عفيفي ، الشيخ عبد الله بن غديان ، الشيخ عبد الله بن قعود .
(فتاوى اللجنة الدائمة: 4 / 73 – 75).
وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله تعالى - :
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية، إذا قام به مَن يكفي سقط عن الناس، وإذا لم يقم به من يكفي : وجب على الناس أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، لكن لابد أن يكون بالحكمة، والرفق، واللين؛ لأن الله أرسل موسى وهارون إلى فرعون وقال :
{فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه:44]، أما العنف: سواء كان بأسلوب القول، أو أسلوب الفعل: فهذا ينافي الحكمة، وهو خلاف ما أمر الله تعالى به.
ولكن أحياناً يعترض الإنسان شيء يقول : هذا منكر معروف، كحلق اللحية مثلاً، كلٌّ يعرف أنه حرام - خصوصاً المواطنون في هذا البلد - ، ويقول : لو أنني جعلتُ كلما رأيت إنساناً حالقاً لحيته - وما أكثرهم - وقفتُ أنهاه عن هذا الشيء: فاتني مصالح كثيرة، ففي هذه الحال: ربما نقول بسقوط النهي عنه؛ لأنه يفوِّت على نفسه مصالح كثيرة ، لكن لو فرض أنه حصل لك اجتماع بهذا الرجل في دكان أو في مطعم أو في مقهى: فحينئذٍ يحسن أن تخوفه بالله تعالى، وتقول : هذا أمر محرم، وأنت إذا أصررت على الصغيرة صارت في حقك كبيرة، وتقول الأمر المناسب.
(لقاءات الباب المفتوح: 110 / السؤال رقم 5 ).
ونحن نأسف جدّاً على المسلمين الذين عصوا ربهم تعالى في لباسهم وسلوكهم وأفعالهم وأقوالهم، ونحن نحث كل من استطاع أن يوصل رسالة الإسلام الصافية لهؤلاء أن يفعل، وحيث يسمع المسلم أو يرى منكراً ويستطيع إنكاره أو تغييره فليفعل، ولا يجب عليه ذلك في كل منكرٍ يراه أو يسمعه، ولا شك أن المنكرات تتفاوت فيما بينها من حيث عظمها وقبحها، وتتفاوت فيما بينها من حيث كونها تتعدى للآخرين أو يكون أثرها على العاصي نفسه فقط، فحيث قبحت المعصية أو عظمت فالإنكار يتحتم على المسلم أكثر من المعاصي التي يقل قبحها وتخف عظمتها، فمن سمع من يسب الله تعالى أو الدين، فليس إثم ذلك وقبحه كمن سمع من يسب شخصاً من خصومه.
وحيث تتعدى المعصية للآخرين فيتحتم الإنكار أكثر مما لو كان أثرها على العاصي نفسه ، وهكذا ، والمهم في كل ذلك أن يبقى قلب المسلم حيّاً ينكر المنكر حيث يعجز عنه بيده أو لسانه ، ومن استطاع تغيير المنكر بيده ولسانه فلا يقصِّر في ذلك .
قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله تعالى- :
والإنكار بالقلب فرض على كل واحد؛ لأنه مستطاع للجميع، وهو بغض المنكر، وكراهيته، ومفارقة أهله عند العجز عن إنكاره باليد واللسان؛ لقول الله سبحانه:
{وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأنعام:68] وقال الله تعالى في سورة النساء: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ [النساء:140]، وقال الله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} [الفرقان:72]، ومعنى لا يشهدون الزور لا يحضرونه.
(فتاوى الشيخ ابن باز:3 / 212 ، 213) .
والله  تعالى أعلى وأعلم.


آداب النصيحة
الحمد لله
النصيحة معلم بارز من معالم الأخوة الإسلامية، وهي من كمال الإيمان، وتمام الإحسان، إذ لا يكمل إيمان المسلم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وحتى يكره لأخيه ما يكره لنفسه، وهذا هو دافع النصح.
روى البخاري (57) ، ومسلم (56) عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله تعالى عنه قَالَ:
«بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ» .
وروى مسلم (55) عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
«الدِّينُ النَّصِيحَةُ، قُلْنَا لِمَنْ؟ ، قال: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ».
قال ابن الأثير رحمه الله تعالى:
" نَصيحةُ عامّةِ المسلمين: إرشادُهم إلى مصالِحِهم" انتهى من (النهاية :5 /142).

وللنصيحة آداب عامة ينبغي أن يتحلى بها الناصح الشفيق ، منها:
- أن يكون دافعه في النصيحة محبة الخير لأخيه المسلم، وكراهة أن يصيبه الشر، قال ابن رجب رحمه الله تعالى:
" وأما النصيحة للمسلمين: فأن يحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه، ويشفق عليهم ويرحم صغيرهم ، ويوقر كبيرهم، ويحزن لحزنهم، ويفرح لفرحهم  وإن ضره ذلك في دنياه، كرخص أسعارهم، وإن كان في ذلك فوات ربح ما يبيع في تجارته، وكذلك جميع ما يضرهم عامة، ويحب ما يصلحهم، وألفتهم، ودوام النعم عليهم، ونصرهم على عدوهم، ودفع كل أذى ومكروه عنهم . وقال أبو عمرو بن الصلاح: "النصيحة كلمة جامعة تتضمن قيام الناصح للمنصوح له بوجوه الخير إرادةً وفعلاً " انتهى من (جامع العلوم والحكم:ص 80) .
- أن يكون مخلصا فيها ، يبتغي بها وجه الله تعالى، فلا يريد بها إظهار العلو والارتفاع على أخيه.
- أن تكون تلك النصيحة خالية من الغش والخيانة، قال الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى:" النصح هو الإخلاص في الشيء وعدم الغش والخيانة فيه . فالمسلم لعظم ولايته لأخيه ومحبته لأخيه: ينصح له ويوجهه إلى كل ما ينفعه، ويراه خالصا لا شائبة فيه ولا غش فيه. ومن ذلك قول العرب: ذَهَبٌ ناصح ، يعني سليما من الغش. ويقال عسل ناصح، أي: سليم من الغش والشمع " انتهى من (مجموع فتاوى ابن باز:5/ 90) .
- ألا يريد بالنصيحة التعيير والتبكيت ، وللحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى رسالة خاصة في: "الفرق بين النصيحة والتعيير".
- أن تكون النصيحة بروح الأخوة والمودة، لا تعنيف فيها ولا تشديد ، وقد قال الله تعالى :
{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل:125].
- أن تكون بعلم وبيان وحجة ، قال السعدي رحمه الله تعالى: "من الحكمة الدعوة بالعلم لا بالجهل والبداءة بالأهم فالأهم ، وبالأقرب إلى الأذهان والفهم، وبما يكون قبوله أتم، وبالرفق واللين، فإن انقاد بالحكمة، وإلا فينتقل معه بالدعوة بالموعظة الحسنة، وهو الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب. فإن كان المدعو يرى أن ما هو عليه حق. أو كان داعية إلى الباطل ، فيجادل بالتي هي أحسن، وهي الطرق التي تكون أدعى لاستجابته عقلا ونقلا . ومن ذلك الاحتجاج عليه بالأدلة التي كان يعتقدها ، فإنه أقرب إلى حصول المقصود، وأن لا تؤدي المجادلة إلى خصام أو مشاتمة تذهب بمقصودها ، ولا تحصل الفائدة منها بل يكون القصد منها هداية الخلق إلى الحق لا المغالبة ونحوها " انتهى من (تفسير السعدي:ص 452) .
- أن تكون في السر، فلا يجهر بها أمام الناس إلا للمصلحة الراجحة . قال ابن رجب رحمه الله تعالى: " كان السَّلفُ إذا أرادوا نصيحةَ أحدٍ، وعظوه سراً، حتّى قال بعضهم: مَنْ وعظ أخاه فيما بينه وبينَه فهي نصيحة، ومن وعظه على رؤوس الناس فإنَّما وبخه. وقال الفضيل: المؤمن يَسْتُرُ ويَنْصَحُ، والفاجرُ يهتك ويُعيِّرُ" انتهى من (جامع العلوم والحكم:1/ 236) .
وقال ابن حزم رحمه الله تعالى: " إِذا نصحت فانصح سرا لَا جَهرا، وبتعريض لَا تَصْرِيح، إِلَّا أَن لَا يفهم المنصوح تعريضك، فَلَا بُد من التَّصْرِيح .... فَإِن تعديت هَذِه الْوُجُوه فَأَنت ظَالِم لَا نَاصح" انتهى من (الأخلاق والسير:ص 45) .
على أنه إذا افترض أن في الجهر بالنصح مصلحة راجحة: فلا حرج على الناصح أن يجهر بنصحه، كأن يرد على من أخطأ في مسائل الاعتقاد أمام الناس، لئلا يغتروا بقوله ويتبعوه على خطئه، وكمن ينكر على من أباح الربا، أو ينشر البدعة والفجور بين الناس، فمثل هذا نصحه علانية مشروع، بل قد يكون واجبا، للمصلحة الراجحة، ودرء المفسدة الغالبة.
قال ابن رجب رحمه الله تعالى: " إن كان مقصوده مجرد تبيين الحق، ولئلا يغتر الناس بمقالات من أخطأ في مقالاته : فلا ريب أنه مثاب على قصده ، ودخل بفعله هذا بهذه النية في النصح لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وأئمة المسلمين وعامتهم" انتهى من (الفرق بين النصيحة والتعيير:ص 7) .
- أن يختار الناصح أحسن العبارات، ويتلطف بالمنصوح، ويلين له القول.
- أن يصبر الناصح على ما قد يلحقه من أذى بسبب نصحه.
- كتمان السر، وستر المسلم، وعدم التعرض لعرضه، فالناصح رفيق شفيق محب للخير راغب في الستر.
- أن يتحرى ويتثبت قبل النصيحة، ولا يأخذ بالظن، حتى لا يتهم أخاه بما ليس فيه .
- أن يختار الوقت المناسب للنصيحة. قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه : "إِنَّ لِهَذِهِ الْقُلُوبِ شَهْوَةً وَإِقْبَالًا، وَإِنَّ لَهَا فَتْرَةً وَإِدْبَارًا، فَخُذُوهَا عِنْدَ شَهْوَتِهَا وَإِقْبَالِهَا، وَذَرُوهَا عِنْدَ فَتْرَتِهَا وَإِدْبَارِهَا " .
رواه ابن المبارك في (الزهد:1331).
- أن يكون الناصح عاملاً بما يأمر الناس به، وتاركاً لما ينهى الناس عنه ، قال الله تعالى- موبخاً بني إسرائيل على تناقض أقوالهم مع أفعالهم-:
{أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [البقرة:44]، وقد جاء الوعيد الشديد في حق من يأمر الناس بالمعروف ولا يأتيه، وينهاهم المنكر ويأتيه.

والله تعالى أعلى وأعلم.

  • 6
  • 2
  • 13,396
المقال السابق
[47] أحكام شرعية متعلقة بالطلاق
المقال التالي
[49] التوبة

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً