دعوةٌ للتفكر!

منذ 2017-01-23

العدل لا علاقة له بالتساوي أو عدم التساوي في الدنيا!

س::
عندي سؤال، عندي معضلة مع فهم الحكمة من الدعاء، مش ربنا عادل؟ طب إيه الفايدة إنى أدعيه طالما أنا بشتغل وباخد بالأسباب؟، ولو فرضًا أني أنا وواحد كافر بنشتغل نفس الشغل بنفس الجهد، هل ممكن يكافئني انا أكتر لمجرد أنى بدعيه بالنجاح؟ ده تناقض لفهمي لصفة العدل، محتاج أفك التناقض وأعرف الفكرة من الدعاء، وشكرًا
الدعاء ينقسم إلى نوعين من جهة الغرض من الدعاء:

ج::
الدعاء ينقسم إلى نوعين من جهة الغرض من الدعاء:

أولًا: دعاءٌ خاصٌ بمغفرة الذنوب والرزق بالجنة والنجاة من النار، وهذا لا علاقة له بسؤالك.
ثانيًا: دعاء له علاقة بالتوفيق في الدنيا وذلك بعد الأخذ بالأسباب، ذلك أن عدم الأخذ بالأسباب هي معصيةٌ كبيرة واستخفاف بالسنن والله لن يجيب من عصاه واستخف بسننه، وهذا الصنف من الدعاء هو الذي تُسأل عنه، وأقول فيه:
1- نحن ندعو ربنا مبدئيًا كعبادة قلبية تقول بها لله تعالى:
يا رب نحن نعلم أن بيدك كل شيء وأننا نأخذ بالأسباب لأنك أمرتنا بهذا، لكننا نعلم يقينًا الأسباب لا تعمل إلا بأمرك، فنحن ندعوك لتجعلها تعمل، ونحن نعلم أننا إن لم ندعٌك فإنك ستجعلها تعمل لأنك هذه سنة الكون التي وضعتها، لكننا نٌعلِمك ربَنا أننا لم نتكيء على سنتك ولم ننس أنك أنت مُسبب الأسباب، وأننا نعبدك أنت لا نعبد الأسباب.

إذًا فالأصل أن الدعاء عبادةٌ قلبية عظيمةٌ في الأساس، ونحن في الأساس لا ننتظر من ورائه تغير سواء في حدود العادات أو بخوارق العادات، بل هي في الأصل استسلامٌ قلبي كامل لله تعالى.
.
2- لو فرضنا أن هناك مؤمنٌ وكافرٌ قد بذلا نفس الجهد المادي، وفرضنا أن هناك تغيير حدث بالدعاء لصالح المؤمن كفضل وكرم من الخالق الكريم - وليس كسبب يدعو من أجله - فإن هذا لا ينافي العدل من جهتين:
أ- لو نظرنا للدنيا وحدها، فإن من دعا خالقه قد بذل جُهدًا روحيًا وعقليًا أكبر في فهم الحقائق الكونية الكبرى كحقيقة هيمنة الخالق فوق الأسباب وعلوه عليها، وبالتالي لم يتساوى كِلاهما في الجهد المبذول في الدنيا.
.
ب- أن العدل لا علاقة له بالتساوي أو عدم التساوي في الدنيا! فعدم العدل يكون مثلًا إن أحسن كلاهما في العبادة - التي من ضمنها الأخذ بالأسباب في الدنيا - بنفس الدرجة ثم كان مصير أحدهما الجنة ومصير الآخر النار أو كان مصير كليهما الجنة لكنهما تفاوتا في الدرجة.
وكي أوضح هذا أكثر سأضرب مثلًا، هب أن رجلين مسلمين قد عملا نفس العمل وأخذا بالأسباب - التي من ضمنها الدعاء - ثم رزق الله أحدهما ما لم يرزقه للآخر، هل هذا يحدث أم لا؟! بالطبع يحدث! هل هذا يناقض صفة العدل الإلهي؟! بالطبع لا يناقض! لأن العدل الإلهي يقتضي أن يعوض الله الذي لم يرزقه - رغم عمله - ثوابًا أكبر في الآخرة، وهنا يتحقق العدل.
.
بمعنى أوضح وأشمل أن صفة العدل الإلهي لا يصح التفكير فيها في إطار الدنيا فقط، بل يجب أن تكون في إطار الدنيا والآخرة معًا. ولا يصح التفكير فيها إلا في إطار الثواب والعقاب على إرضاء الله أو إسخاطه.

نعود فرضيتك. أحد الناس مؤمنٌ بذل الأسباب ودعا ربه، والآخر ليس بمؤمنٍ بالله بذل الأسباب وهو يعتمد على الأسباب بأنها هي أصل الرزق ولا يوجد من وراءها! هل لو رزق الله المؤمن الداعي أكثر هل هذا يخل بالعدل الإلهي؟! بالطبع لا، لأن المؤمن أخذ رزق جهديه، جهده الروحي وجهده المادي، وأخذ بنوعي الأسباب مادية وروحية، والكافر أخذ رزقًا أقل على جهده المادي فقط!، هذا في الدنيا فقط، لكن الأمر مع ذلك لا يتم إلا في الآخرة، فالكافر لن ينال في الآخرة شيئًا على جهده الدنيوي لأنه لم يعمل لله بل للكسب المادي، وقد حصل على مقابل جهده المادي بكسبٍ مادي، والمؤمن عمل لله ومتوكلًا عليه ومعتقدًا أنه المهيمن على الأسباب، فحصل على كسبٍ مادي أكبر في الدنيا لأنه بذل جهدًا عامًا أكبر (ماديًا + روحيًا وعقليًا) وحصل في الآخرة على ثواب عظيم لأن عمله كان لله...وهذا لعمري هو عين العدل إن نظرنا للعدل نظرةً صحيحة.

 

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام

أحمد كمال قاسم

كاتب إسلامي

  • 1
  • 0
  • 1,278

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً