مهاجر٠٠ وقع أجره على الله

منذ 2019-09-04

هل لا زلنا على العهد و الوعد الذي قطعناه لربنا في أن نقيم الدين في أنفسنا و فيمن حولنا؟ أم سقطنا في مستنقع الدنيا و مفاتنها فاتبعنا الأهواء وأخلدنا إلى الأرض٠

"لقد جاؤوا الحياة في أوانهم المرتقب، و يومهم الموعود٠٠ 

فحين كانت الحياة تهيب بمن يجدِّد لقِيَمِها الروحية شبابَها و صوابَها، جاء هؤلاء مع رسولهم الكريم مبشرين و ناسكين٠٠

و حين كانت تهيب بمن يضع عن البشرية الرازحة أغلالها، و يحرر وجودها و مصيرها، جاء هؤلاء وراء رسولهم العظيم ثوارا و محررين٠٠

و حين كانت تهيب بمن يستشرف للحضارة الإنسانية مطالع جديدة و رشيدة، جاء هؤلاء روادا و مستشرفين٠" رجال حول الرسول/ خالد محمد خالد.

إنهم صحابة رسول الله صلى الله عليه و سلم، ذلك الجيل الفريد؛ الحميد الفعال، الجميل الخصال، أصدق الناس بذلا للمهج و تضحية بالنفوس، و أشدهم مناصرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحرصهم على اتباعه والاستجابة لأمره٠

بين أيدينا في هذه السطور سيرة أحد هؤلاء الأعلام، إنه ضمرة بن جندب٠ لا يعرفه الكثير من الناس، لكن كفاه شرفا أن يعرفه رب العالمين، و أن ينزل فيه قرآن يتلى إلى يوم الدين٠

هاجر رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى المدينة، و ضمرة رضي الله عنه شيخ مسِن مصاب البصر٠ كان موسرا ذا مال، و له أربعة بنين٠ و لما نزلت: ( { لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر} ) [النساء: 95] ، ترخص عنها أناس من المساكين بمكة، حتى نزلت: ( {ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها} ) [النساء:97] . فقالوا: هذه مرجفة، فقال ضمرة: اللهم قد أبلغت المعذرة و الحجة، و لا معذرة و لا حجة، لئن كان ذهاب بصري إني لأستطيع الحيلة، لي مال و رقيق، اللهم إني أنصر رسولك بنفسي، غير أني أعود عن سواد المشركين إلى دار الهجرة، فأكون عند النبي فأكثر سواد المهاجرين و الأنصار، فقال لبنيه: أخرجوني من مكة فإنه قد قتلني غمُّها٠ فقالوا إلى أين؟ فأومأ بيده إلى ها هنا نحو المدينة - يريد الهجرة - فأكون مع النبي صلى الله عليه و سلم٠ فحملوه و هو شيخ كبير، فلما بلغ التنعيم مات، فقال بعض الصحابة: مات قبل أن يهاجر، فلا ندري أ على ولاية أم لا؟ 

و قول القائل ( أ على ولاية أم لا؟ ) يقصد بها قوله تعالى: ( {إن الذين آمنوا و هاجروا و جاهدوا بأموالهم و أنفسهم في سبيل الله و الذين آووا و نصروا أولئك بعضهم أولياء بعض، و الذين آمنوا و لم يهاجروا ما لكم من ولايتهم شيء حتى يهاجروا } ) [الأنفال:72]

فنزلت فيه خالصة ( {و من يخرج من بيته مهاجرا إلى الله و رسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على  الله} ) النساء:100

ولقد أخبر أبو الحسن الواحدي في كتابه : " أسباب النزول " عن هذه الآية، قال بن عباس رضي الله عنهما في رواية عطاء: كان عبد الرحمن بن عوف يخبر أهل مكة بما ينزل فيهم من القرآن، فكتب الآية التي نزلت : 

( {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} ٠٠) فلما قرأها المسلمون ، قال حبيب بن ضمرة - و هو من الأسماء التي عرف بها ضمرة بن جندب - لبنيه و كان شيخا كبيرا: احملوني فإني لست من المستضعفين، و إني لا أهتدي إلى طريق٠ فحمله بنوه على سرير متوجها نحو المدينة، فلما بلغ التنعيم ، أشرف على الموت٠ فصفق يمينه على شماله و قال : اللهم هذه لك و هذه لرسولك، أبايعك على ما بايعتك يد رسول الله صلى الله عليه و سلم٠ و مات حميدا، فبلغ خبره أصحاب النبي فقالوا: لو وافى المدينة لكان أتَمَّ أجرا، فأنزل الله فيه هذه الآية٠ 

( { و من يخرج من بيته مهاجرا إلى الله و رسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله } )

يا له من أجر!

إبهام الأجر و نسبته إلى الله دليلان على عظمته٠

و قد أشار الشيخ الشعراوي رحمه الله في خواطره إلى معنى ( وقع أجره على الله ) قائلا: " الوقوع هنا هو سقوط، و لكنه ليس كالسقوط الذي نعرفه، بل هو الذهاب إلى الله٠٠و لماذا يستخدم الحق هنا 

"وقع " بمعنى " سقط "؟

و هذا ملحظ هام يجليه الباري جل جلاله، حيث يكون الجزاء أحرص على العبد من حرص العبد عليه، فإذا ما أدرك العبد الموت فالجزاء يسعى إليه و هو عند الله ، و يعرف الجزاء من يذهب إليه معرفة 

كاملة ٠"

كان ظني أن الإنسان هو الذي يسعى إلى الأجر، لكن أن يسعى الأجر إلى الإنسان و أن يتكلف به رب العزة، فهذا لعمري دليل أن لهذا العبد شأن خاص مع الله٠

ترى ما الذي جعل ضمرة بن جندب يستأهل هذا الشرف ويحظى به؟

إنها شفافية الشعور و حساسية الضمير و الصدق مع العزيز القدير.

إنه الحب الصادق لهذا الدين، ضمرة بن جندب رضي الله عنه رجل أعذره الله، فهو مسن لا يستطيع السير، و ضرير لا يهتدي إلى طريق ، و المسافة بين مكة و المدينة ما يناهز 450 كلم، كل ذلك لم يضعف عزيمته ولم ينل من إرادته للخير، تلفت يمينا و شمالا في مكة فاغْتَمَّ، لم يجد حواليه سوى الكفر والنفاق، فتملكه الشوق لرؤية رسول الله و صحبته، فأمر أبناءه و خدمه أن يحملوه لوجهته،

فهو رضي الله عنه يعلم عين اليقين أنه لا يستطيع مبارزة و لا يطيق قتالا، و لكنه يأبى إلا أن ينصر رسول الله بنفسه و لو أن يكثر سواد المهاجرين والأنصار.

و لما باغثه الموت في طريق الهجرة، جدد بيعته لله و رسوله، و ما أجلها من بيعة ! : "اللهم أبايعك على ما بايعتك يَدُ رسول الله صلى الله عليه و سلم ".

و في زمن تبريرات القعود و أعذار النكوص، نحتاج إلى تذكر مثل أولئك العظماء لنتعلم منهم من جديد، نتعلم منهم كيف نرتقي لنكون في مستوى هذا الدين٠

و في زمن الحداثة السائلة التي تنسف القيم و تلغي المباديء، و تعلي من شأن الأثرة والأنانية، و تسعر نار الشهوات، يأتي حدث الهجرة ليذكرنا بالنفوس الكبيرة التي بذلت الغالي و النفيس في سبيل مبادئها و عقيدتها مستعلية عن مصالحها الشخصية و أطماعها الدنيوية.

يأتي حدث الهجرة ليوقظ فينا الوعي بالمعركة المستمرة بين الحق و الباطل.

يأتي ليسائلنا أين نحن من هذه المعركة؟ وماذا قدمنا لنصرة الدين ؟

هل لا زلنا على العهد و الوعد الذي قطعناه لربنا في أن نقيم الدين في أنفسنا و فيمن حولنا؟ أم سقطنا في مستنقع الدنيا و مفاتنها فاتبعنا الأهواء وأخلدنا إلى الأرض٠

هذه دعوة لتجديد بيعتنا لله و رسوله تأسِّيا بضمرة بن جندب رضي الله عنه حين قال : ( أبايعك اللهم على ما بايعتك يَدُ رسول الله صلى الله عليه و سلم٠)

خديجة رابعة

  • 4
  • 0
  • 568

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً