مع القرآن (من الأحقاف إلى الناس) - كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ

منذ 2019-10-11

{ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّىٰ أَتَانَا الْيَقِينُ (47) } [المدثر]

{ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} :

كل نفس مرتهنة موثقة بسعيها , طائرها في عنقها ملتزمة بين يدي الله بما قدمت, فآخذ كتابه بشماله أو آخذ كتابه بيمينه.

أهل اليمين في هذا الموقف عاينوا الفوز وعمهم الفرح الدائم ودخلوا دار الأفراح, حتى إذا ما استقروا وتنعموا على السرر إخواناً متقابلين, بدأ استدعاء الذكريات فتساءل البعض عن المجرمين ومآلهم, فهب فريق منهم  لاستكشاف الأمر وعاين ما لاقاه أهل الإجرام من مهانة وعذاب أليم , فسألهم : ما أسكنكم في هذه الدركات المهينة شديدة العذاب ؟؟؟ فقالوا أسباب إهانتهم بلا تردد:

لم يكونوا من المصلين , هذا السبب الأول, أنهم لم يحسنوا العبادة بل أعرضوا وغرتهم دنياهم.

وأما الثاني فلم يطعموا المسكين ولا تحركت قلوبهم لأصحاب الحاجات.

فجمعوا بين الإساءة للخالق والإساءة للخلق والغرور والإعراض عن الله وعن خلقه.

ثم ذكروا السبب الثالث وهو الخوض بالباطل مع الخائضين, ومجاراة أهل الباطل ومحاربة أهل الحق لمجرد الخوض وعلو الصوت وتحصيل رفعة النفس ولو بالباطل.

وأما الداهية الكبرى التي ختموا بها تعاستهم فهي تكذيبهم للبعث والحساب واليوم الآخر , حتى داهمهم الموت وبعثوا من مراقدهم ولاقوا ما كذبوا به وهاهم فيه يعاينون الإهانة خاضعين.

قال تعالى:

{ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّىٰ أَتَانَا الْيَقِينُ (47) } [المدثر]

قال السعدي في تفسيره:

{ {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} } من أعمال السوء وأفعال الشر { {رَهِينَةٌ } } بها موثقة بسعيها، قد ألزم عنقها، وغل في رقبتها، واستوجبت به العذاب،

{ { إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ} } فإنهم لم يرتهنوا، بل أطلقوا وفرحوا,{ {فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ} }
أي: في جنات قد حصل لهم بها جميع مطلوباتهم، وتمت لهم الراحة والطمأنينة، حتى أقبلوا يتساءلون، فأفضت بهم المحادثة، أن سألوا عن المجرمين، أي: حال وصلوا إليها، وهل وجدوا ما وعدهم الله تعالى؟ فقال بعضهم لبعض: " هل أنتم مطلعون عليهم " فاطلعوا عليهم في وسط الجحيم يعذبون,فقالوا لهم: { {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ } } أي: أي شيء أدخلكم فيها؟ وبأي: ذنب استحققتموها؟

فـ { { قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ} } فلا إخلاص للمعبود،  ولا نفع للخلق المحتاجين.

{ {وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ} } أي: نخوض بالباطل، ونجادل به الحق.

{ {وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ} } هذا آثار الخوض بالباطل، التكذيب بالحق، ومن أحق الحق، يوم الدين، الذي هو محل الجزاء على الأعمال، وظهور ملك الله وحكمه العدل لسائر الخلق.

فاستمرينا على هذا المذهب الفاسد { {حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ} } أي: الموت، فلما ماتوا على الكفر تعذرت حينئذ عليهم الحيل، وانسد في وجوههم باب الأمل.

#أبو_الهيثم

#مع_القرآن

  • 2
  • 1
  • 627
المقال السابق
كلا والقمر
المقال التالي
فما تنفعهم شفاعة الشافعين

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً