فوائد من زاد المعاد (3-4)

منذ 2019-12-11

فوائد من زاد المعاد في هدى خير العباد لابن القيم

سهام العائن إن وجدت المعين مكشوفاً لا وقاية له أثرت فيه:

روح الحاسد مؤذية للمحسود أذى بيناً, ولهذا أمر الله سبحانه رسوله أن يستعيذ به من شره, وتأثير الحاسد في أذى المحسود أمر لا ينكره إلا من هو خارج عن حقيقة الإنسانية, وهو أصل الإصابة بالعين.

ونفس العائن لا يتوقف تأثيرها على الرؤية, بل قد يكون أعمى, فيُوصف له الشيء, فتؤثر نفسه فيه, وإن لم يره, وكثير من العائنين يُؤثر في المعين بالوصف من غير رؤية, وقد قال تعالى لنبيه: { وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ}    [القلم:51] وقال:   {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِن شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ* وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ}   فكل عائن حاسد, وليس كُلُّ حاسد عائن, فلما كان الحاسد أعمَّ من العائن, كانت الاستعاذة منه استعاذة من العائن, وهي سهام تخرج من نفس الحاسد والعائن نحو المحسود والمعين تُصيبه تارة وتخطئة تارة, فإن صادفته مكشوفاً ولا وقاية عليه أثرت فيه, ولا بُد, وإن صادفته حذراً شاكي السلاح لا منفذ فيه للسهام لم تؤثر فيه, وربما رُدَّت السهام على صاحبها.

وقد يعين الرجل نفسه, وقد يعين بغير إرادته, بل بطبعه, وهذا أردأ ما يكون من النوع الإنساني...وإذا كان العائن يخشى ضرراً عينه وإصابتها للمعين, فليدفع شرها بقوله: " اللهم بارك عليه " كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعامر بن ربيعة لما عان سهل ابن حنيف: ( ألا بركت ) أي قلت: اللهم بارك عليه.

ومما يدفع به إصابة العين قول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله.

الطبيب هو من يداوي المريض بتفقد قلبه وصلاحه:

والطبيب إذا كان عارفاً بأمراض القلب والروح وعلاجهما, كان هو الطبيب الكامل, والذي لا خبرة له بذلك وإن كان حاذقاً في علاج الطبيعة وأحوال البدن نصف طبيب, وكل طبيب لا يداوي العليل بتفقد قلبه وصلاحه, وتقوية روحه وقواه بالصدقة, وفعل الخير, والإحسان, والإقبال على الله والدار الآخرة فليس بطبيب, بل متطبب قاصر.

البلاء قد يكون منحة ونعمة:

النفوس تكتسبُ من العافية الدائمة والنصر والغنى طغياناً وركوناً إلى العاجلة, وذلك مرض يعوقها عن جدها في سيرها إلى الله والدار الآخرة, فإذا أراد بها ربها ومالكها وراحمها كرامته, قيض لها من الابتلاء والامتحان ما يكون دواء لذلك المرض العائق عن السير الحثيث إليه, فيكون ذلك البلاء والمحنة بمنزلة الطبيب يسقي العليل الدواء الكريه, ويقطع منه العروق المؤلمة لاستخراج الأدواء منه, ولو تركه لغلبته الأدواء حتى يكون فيها هلاكه.

نعيم القلب وسروره في معرفة الله ومحبته وتوحيده:

القلب خُلِقَ لمعرفة فاطره ومحبته وتوحيده والسرور به, والابتهاج بحبه, والرضي عنه, والتوكل عليه, والحب فيه, والبغض فيه, والموالاة فيه, ودوام ذكره, وأن يكون أحبَّ إليه من كل ما سواه, وأرجى عنده من كل ما سواه, وأجلَّ في قلبه من كل ما سواه, ولا نعيم له ولا سرور ولذة بل ولا حياة إلا بذلك, وهذا بمنزلة الغذاء والصحة والعافية, فإذا فقد غذاءه وصحته وحياته, فالهموم والغموم والأحزان مسارعة من كل صوبٍ إليه, ورهن مقيم عليه.

منافع الصلاة:

الصلاة مجلبة للرزق, حافظة للصحة, دافعة للأذى, مطردة للأدواء, مقوِّية للقلب, مبيِّضة للوجه, مُفرحة للنفس, مُذهبة للكسل, منشطة للجوارح, ممدة للقوى, شارحة للصدر, مغذية للروح, منورة للقلب, حافظة للنعمة, دافعة للنقمة, جالبة للبركة, مُبعدة من الشيطان, مُقربة من الرحمن.

وبالجملة: فلها تأثير عجيب في حفظ صحة البدن والقلب وقواهما, ودفع المواد الرديئة عنهما, وما ابتلي رجلان بعاهة أو داءٍ أو محنة أو بلية إلا كان حظُّ المصلي منهما أقلَّ, وعاقبتهُ أسلم.

وللصلاة تأثير عجيب في دفع شرور الدنيا, ولا سيما إذا أُعطيت حقها من التكميل ظاهراً وباطناً, فما استدفعت شرور الدنيا والآخرة, ولا استجلبت مصالحهما بمثل الصلاة, وسرُّ ذلك أن الصلاة صلة بالله عز وجل, وعلى قدر صلة العبد بربه عز وجل تفتح عليه من الخيرات أبوابها, وتقطع عنه من الشرور أسبابها, وتُفيضُ عليه مواد التوفيق من ربه عز وجل, والعافية والصحة, والغنيمة والغنى, والراحة والنعيم, والأفراح والمسرات, كلها محضرة لديه, ومسارعة إليه.

والصلاة شأنها في تفريح القلب وتقويته, وشرحه وابتهاجه ولذته أكبر شأن... فهي من أكبر العون على تحصيل مصالح الدنيا والآخرة, ودفع مفاسد الدنيا والآخرة, وهي منهاة عن الإثم, ودافعة لأدواء القلوب, ومطردة للداء عن الجسد, ومُنورة للقلب, ومُبيضة للوجه, ومنشطة للجوارح والنفس, وجالبة للرزق, ودافعة للظلم, وناصرة للمظلوم, وقامعة لأخلاط الشهوات, وحافظة للنعمة, ودافعة للنقمة, ومُنزلة للرحمة, وكاشفة للغُمَّة, ونافعة من كثير من أوجاع البطن.

كل ما يحدث في العالم من فساد فبسبب ذنوب العباد:

لم تزل أعمال بني آدم ومخالفتهم للرسل تحدث لهم من الفساد العام والخاص ما يجلب عليهم من الآلام, والأمراض, والأسقام, والطواعين, والقحوط, والجدوب, وسلب بركات الأرض, وثمارها, ونباتها, وسلب منافعها, أو نقصانها أموراً متتابعة يتلو بعضها بعضاً,...وكلما أحدث الناس ظلماً وفجوراً أحدث لهم ربهم تبارك وتعالى من الآفات والعلل في أغذيتهم وفواكههم وأهويتهم ومياههم, وأبدانهم وخلقهم, وصورهم وأشكالهم وأخلاقهم من النقص والآفات, ما هو موجب أعمالهم وظلمهم وفجورهم.

وأكثر هذه الأمراض والآفات العامة بقية عذاب عُذبت به الأمم السابقة, ثم بقيت منها بقية مرصدة لمن بقيت عليه بقية من أعمالهم, حكماً قسطاً, وقضاء عدلاً.

وقد جعل سبحانه...منع الإحسان والزكاة والصدقة سبباً لمنع الغيث من السماء, والقحط والجدب, وجعل ظلم المساكين, والبخس في المكاييل والموازين, وتعدي القوي على الضعيف سبباً لجور الملوك والولاة الذين لا يرحمون إن استرحموا, ولا يعطفون إن استعطفوا, وهم في الحقيقة أعمال الرعايا ظهرت في صور ولاتهم, فإن الله سبحانه بحكمته وعدله يُظهرُ للناس أعمالهم في قوالب وصور تناسبها, فتارة بقحط, وتارة بعدو, وتارة بولاة جائرين, وتارة بأمراض عامة, وتارة بهموم وآلام وغموم..وتارة بتسلط الشياطين عليهم..وتارة بمنع بركات السماء والأرض عنهم...والعاقل يسير بصيرته بين أقطار العالم فيشاهده.

أعظم أسباب شرح الصدر:

التوحيد, وعلى حسب كماله وقوته وزيادته يكون انشراح صدر صاحبه, قال الله تعالى: { أَفَمَن شَرَحَ اللَّـهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ  }[الزمر:22]وقال تعالى  {فَمَن يُرِدِ اللَّـهُ أَن يَهدِيَهُ يَشرَح صَدرَهُ لِلإِسلامِ وَمَن يُرِد أَن يُضِلَّهُ يَجعَل صَدرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ } [الأنعام:125] فالهدى والتوحيد من أعظم أسباب شرح الصدر, والشرك والضلال من أعظم أسباب ضيق الصدر وانحراجه.

النور الذي يقذفه الله في قلب العبد, وهو نور الإيمان, فإنه يشرح الصدر ويُوسعِّه, ويُفرح القلب, فإذا فُقد هذا النور من قلب العبد, ضاق وخرج, وصار في ضيق سجن وأصعبه. 

العلم, فإنه يشرح الصدر, ويوسعه حتى يكون أوسع من الدنيا, والجهل يورثه الضيق والحصر والحبس, فكلما اتسع علم العبد, انشرح صدره واتسع, وليس هذا لكل علم, بل للعلم المورث عن الرسول صلى الله عليه وسلم وهو العلم النافع, فأهله أشرحُ الناس صدراً, وأوسعهم قلوباً, وأحسنهم أخلاقاً, وأطيبهم عيشاً.   

الإنابة إلى الله سبحانه وتعالى, ومحبته بكل القلب, والإقبال عليه, والتنعم بعبادته, فلا شيء أشرحُ لصدر العبد من ذلك,..وللمحبة تأثير عجيب في انشراح الصدر, وطيب النفس, ونعيم القلب, لا يعرفه إلا من له حِسّ به, وكلما كانت المحبَّة أقوى وأشدَّ, كان الصدر أفسح وأشرح, ولا يضيق إلا عند رؤية البطالين الفارغين من هذا الشأن, فرؤيتهم قذى عينه, ومخالطتهم حمى روحه.

دوام ذكره على كل حال, وفي كل موطن, فللذكر تأثير عجيب في انشراح الصدر, ونعيم القلب, وللغفلة تأثير عجيب في ضيقه وحبسه وعذابه.

الإحسان إلى الخلق ونفعهم بما يمكنه من المال, والجاه, والنفع بالبدن, وأنواع الإحسان, فإن الكريم المحسن أشرح الناس صدراً, وأطيبهم نفساً, وأنعمهم قلباً, والبخيل الذي ليس فيه إحسان أضيق الناس صدراً, وأنكدهم عيشاً, وأعظمهم همّاً وغمّاً.

الشجاعة: فإن الشجاع منشرح الصدر, واسع البطان, متَّسع القلب, والجبان: أضيق الناس صدراً, وأحصرهم قلباً, لا فرحة له ولا سرور, ولا لذة له.

ومنها بل من أعظمها: إخراج دغل القلب من الصفات المذمومة التي توجب ضيقه وعذابه, وتحول بينه وبين البُرء, فإن الإنسان إذا أتى الأسباب التي تشرح صدره, ولم يخرج تلك الأوصاف المذمومة من قلبه, لم يحظَ من انشراح صدره بطائل, وغايته أن يكون له مادتان تعتوران على قلبه, وهو للمادة الغالبة عليه منهما.

ترك فضول النظر, والكلام, والاستماع, والمخالطة, والأكل, والنوم, فإن هذه الفضول تستحيل آلاماً وغموماً, وهموماً في القلب, تحصره, وتحبسه, وتضيقه, ويتعذب بها, بل غالب عذاب الدنيا والآخرة منها, فلا إله إلا الله ما أضيق صدر من ضرب في كل آفة من هذه الآفات بسهم, وما أنكد عيشه, وما أسوأ حاله, وما أشدَّ حصر قلبه.

ولا إله إلا الله, ما أنعم عيش من ضرب في كل خصلة من تلك الخصال المحمودة بسهم, فلهذا نصيب وافر من قوله تعالى: {إنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ } [ الانفطار:13] ولذلك نصيب وافر من قوله تعالى: { وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ } [ الانفطار:14]

 

  • 5
  • 0
  • 727

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً