{واستبقا الباب ...}

منذ 2020-12-16

أمَّا أعظمُ دُروسِ هذا المشهدِ العَجيبِ: فهو أنَّهُ إذا استَحْكَمَت حَبائِلُ الشَّهوةِ فلا تُغَامِرْ بالصُمُودِ مَهمَا كُنتَ في العِلمِ والتَّقوى.. وعَليكَ بالهرُوبِ فَورًا، فالسَّلامَةُ لا يَعدِلُها شَيءٌ.

{واستبقا الباب ...}

يا لهُ من مشهدٍ زاخرٍ ومُؤثرٍ: فامرأةُ العزيزِ حينَ {غَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ} [يوسف: 23]، كانت قد حبكَت الخطَّة، وأحْكمَت غلقَ جميعِ أبوابِ القصرِ، بما فيها البابُ الخارِجي.. فلمَّا بدأ يوسفُ عليه السلامُ بالهَربِ، أخذَ يُفتِّحُ هذهِ الأبوابَ المغلَّقَةَ، بَابًا بعدَ آخرَ وهيَ تُطارِدُه.. وكانَ كلَّمَا عَالجَ بابًا ليفتَحهُ تأخرَّ شيئًا ما، فتقترِبُ هيَ مِنهُ أكثر.. حتى إذا لم يبقَ إلا البابُ الأخيرُ، وهو البابُ الخارِجي، اشتدَّت المطارَدةُ.

 

تأمَّل: {وَاسْتَبَقَا الْبَابَ..} فهو إذن سِباق، والسِباقُ إنَّما يكونُ بِسرَعةٍ شَدِيدَة، ويتطلبُ (مسافةً معقُولةً).. فلَعلَّ هذا البابَ الأخِيرَ كان بعيدًا نوعًا مَا.

 

تأمَّل أيضًا: {وَاسْتَبَقَا الْبَابَ.. } فكِلاهما (في الظَاهِرِ) يجرِي بشِدَةٍ.. لكن شَتانَ بين جَريِ هذا وهذا.. فأحَدُهُما يجرِي هَاربًا من المعصِيةِ.. والآخَرُ يجرِي طَالِبًا لها.. وإنَّما الأعمَالُ بالنيات، لا بالظَواهِرِ.

 

تأمَّل أكثر: {وَاسْتَبَقَا الْبَابَ.. }؛ أي أنَّ (البَابَ) بذَاتِهِ كانَ هدَفًا لكُلِّ مِنهُما، أحَدُهما (يُرِيدُ فَتحهُ ليخرُجَ).. والآخَرُ (يُريدُ إبقَاءَهُ مُغلَقًا) لينَالَ مُرادَهُ، أو لكي لا ينكشِفَ أمرُهُ.. ويَبدو أنَّ يُوسُفَ عليهِ السلامُ قد سَبقَها إلى البابِ بقليل، فلمَّا فتحَهُ وأوشكَ على الخُروجِ، أدْركتُه فجَذَبت قَمِيصَهُ من الخلفِ لتُوقِفَهُ، فتَمَزَّقَ القَمِيصُ، فلمَّا خَرجَ وهي في أثَرِهِ، {أَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ} ينتظرُ أن يُفتحَ لهُ.

 

أمَّا أعظمُ دُروسِ هذا المشهدِ العَجيبِ: فهو أنَّهُ إذا استَحْكَمَت حَبائِلُ الشَّهوةِ فلا تُغَامِرْ بالصُمُودِ مَهمَا كُنتَ في العِلمِ والتَّقوى.. وعَليكَ بالهرُوبِ فَورًا، فالسَّلامَةُ لا يَعدِلُها شَيءٌ.

 

اللهُم ارزُقنَا تَقْواك، واجعَلنَا نخشَاكَ كأنَّا نَراك.

_______________________________________

الكاتب: الشيخ عبدالله محمد الطوالة

  • 2
  • 0
  • 474

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً