الإحسان في مقابل التنافس

منذ 2020-12-25

الشهود الحضاري يتطلب مشاركة الجميع ولا يقوم على الأوائل، فكل إنسان مسئول أن يضرب بسهم في نطاق مهمته التكليفية الاستخلافية وهذا ما يعنيه الإحسان

يتبنى العالم اليوم قيمة التنافس ويعلى من شأنها كأفضل وأسرع وسيلة لزيادة الإنتاج وتحسين الأداء حسب زعمهم ولم يقتصر إدخال هذه القيمة في المجالات المادية كالصناعة والتجارة فقط بل أدخلوها في المجالات الإنسانية والتربوية كالمدارس والبيوت، وهو أمر في غاية الخطورة؛ لأن أقل ما تفرزه هذه البيئات الإحباط أو مقدماته كالتوتر والقلق، فضلا عن الصراع الاجتماعي والاضطرابات النفسية والضغط على الروح، وإذا كان إدخالها في الصناعة والتجارة يمثل خطورة فبإدخالها في التربية تتضاعف الخطورة.

وهذه القيم التنافسية تبناها الغرب إبان ثورته الصناعية الأولى في القرن الثامن عشر، من أجل المادة فطغت هذه القيم على المواطن الغربي نفسه وقيمه الإنسانية من أجل الإنتاج، وأفضل ما وصفت به تلك الحقبة المجتمع الغربي آنذاك بأنه كان (ومازال)حافلاً بالذل اللاإنساني الذي كان أحياناً شراً من العبودية.

وقد أنتجت المساكن البائسة، والشوارع الكئيبة، والأحياء الفقيرة، وكان من أخطر آثار تلك النزعة التنافسية تسابق الغرب نحو الاستعمار واستعباد الشعوب ونهب مقدراتهم، فضلا عن الحروب الدامية وأبرزها الحربين العالميتين التي راح ضحيتها ملايين الأبرياء.

وقد تمخض عن الثورة الصناعية الأولى ثورات أخرها آخرها الثورة الرابعة التي نحن بصددها الآن بفعل التكنولوجيا التي ألغت الدور الإنساني في الصناعة.

وقد حذر الإسلام من هذه القيم أيما تحذير، وقرن إعلائها بالهلاك وذلك قبل الثورة الصناعية الأولى وآثارها بقرون عديدة؛ لأنها كانت سبب في هلاك أمم غابرة تبنتها فكانت أهم عوامل هلاكها وزوالها بالكلية، قال النبي  في آخر ما رواه البخاري:... «فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ » "، وقال الله تعالى:" {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ} ".

وكان الحسن رحمه الله يقول: من نافسك في دينك فنافسه، ومن نافسك في دنيا فألقها في نحره.

وفي مقابل تلك القيم التنافسية المدمرة تبني الإسلام قيم الإحسان وأعلى من قدرها ورفعها فوق منزلة الإسلام والإيمان؛ لأنها تحقق رؤية الإسلام الاستخلافية التكليفية للإنسان على الأرض بإعمارها وإصلاحها بلا إفساد وبلا سفك للدماء.

وإذا كان العدل معيار للشهود الحضاري فإن الإحسان هو مناطه ومحوره، والذي يثمر زيادة في الإنتاج وجودة في الأداء من أجل رضا الله وبغير اكتراث بالآخرين، فلا يضير المحسن نجاح الآخرين ولا يعنيه سوى رضا الله.

الشهود الحضاري يتطلب مشاركة الجميع ولا يقوم على الأوائل، فكل إنسان مسئول أن يضرب بسهم في نطاق مهمته التكليفية الاستخلافية وهذا ما يعنيه الإحسان، وهو مطلب الفاشلين في مهمتهم الاستخلافية " أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ".

اللهم اجعلنى من المحسنين!

محمد سلامة الغنيمي

باحث بالأزهر الشريف

  • 2
  • 0
  • 424

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً