فوائد من كتيِّب (صفات المنافقين) لابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى

منذ 2021-02-20

(المنافقون) قلوبهم عن الخيرات لاهية. وأجسادهم إليها ساعية. والفاحشة في فجاجهم فاشية. وإذا سمعوا الحق كانت قلوبهم عن سماعه قاسية. وإذا حفروا الباطل وشهدوا الزور، انفتحت أبصار قلوبهم، وكانت آذانهم واعية.

الحمد لله الذي حذَّر عباده من كيد الأعداء كافَّة والمنافقين خاصَّة: فقال عن الكافرين ( {إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا} )(النساء 101)، وقال عن المنافقين ( {هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ} )( المنافقون 4) والصلاة والسلام على النبي الأمين، البشير النذير والسراج المنير الذي أَمَرَهُ الله بجهاد المنافقين فقال تعالى {(يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ)} (التحريم 9)، وعلى آله وأصحابه الذين وصفهم الله تعالى بقوله (وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) ومن سار على نهجهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين، أما بعد:

فهذه فوائد ومقتطفات، وإشارات وهدايات من رسالة لِعلَّامة اشتهر بطبيب القلوب، والنفاق من أخطر أمراض القلوب فالمنافقون ( {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا} )(البقرة 10)، وقد سبر ابن القيم -رحمه الله -أخبارهم  بالنظر والتأمل في آيات في نصوص الوحيين، فمن أراد الاستزادة فعليه بقراءة كامل الرسالة، ففيها ربط الاستنتاجات بالآيات، والتوسع أكثر، وإنما هذه إشارات تدلُّ على الرسالة ولا تُغْني عنها، وترشد إليها ولا تقوم مقامها، وقد أَدْرَجْتُ ما يستقيم به السياق بين قوسين ليتَسَنَّى نشر كل فائدة بشكل مستقل وعبر بوسائط متعددة من تغريد وتصميم وغيرها، فإلى الفوائد:

  • النفاق هو الداء العضال الباطن الذي يكون الرجل ممتلئا منه، وهو لا يشعر. فإنه أمر خفي على الناس. وكثيرا ما يخفى على من تلبس به فيزعم أنه مُصلح وهو مفسد.
  • فـ (النفاق)الأكبر: يوجب الخلود في النار في دركها الأسفل. وهو أن يظهر للمسلمين إيمانه بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. وهو في الباطن منسلخ من ذلك كله مكذب به. لا يؤمن بأن الله تكلم بكلام أنزله على بَشر جعله رسولا للناس، يهديهم بإذنه. وينذرُهم بأسهَ، ويخوفهم عقابه.
  • هتك الله سبحانه أستار المنافقين، وكشف أسرارهم في القرآن، وجلى لعباده أمورَهم ليكونوا منها ومن أهلها على حذر.
  • ذكَرَ (الله) طوائف العالم الثلاثة في أول سورة البقرة: المؤمنين، والكفار، والمنافقين. فذكر في المؤمنين أربع آيات، وفي الكفار آيتين، وفي المنافقين ثلاث عشرة آية. لكثرتهم وعموم الابتلاء بهم، وشدة فتنتهم على الإسلام وأهله.
  • بلية الإسلام بهم (أي المنافقون) شديدة جداً، لأنهم منسوبون إليه، وإلى نصرته وموالاته، وهم أعداؤه في الحقيقة، يخرجون عداوته في كل قالب، يظن الجاهلُ أنه عِلْم وإصلاح وهو غاية الجهل والإفساد.
  • فللَّه كم (للمنافقين) من معقل للإسلام قد هدموه؟ ! وكم من حِصْن له قد قَلَعُوا أساسه وخربوه؟ ! وكم من عَلمٍ له قد طمسوه؟ ! وكم من لواء له مرفوع قد وضعوه؟ ! وكم ضربوا بمعاول الشبَهِ في أصول غراسه ليقلعوها؟ ! وكم عمّوا عيون موارده بآرائهم ليدفنوها ويقطعوها؟ !
  • (المنافقون) اتفقوا على مفارقة الوحي. فهم على ترك الاهتداء به مُجتمعون { {فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} } [المؤمنون: 53] { {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} } [الأنعام: 112] ولأجل ذلك { {اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} } [الفرقان: 30].
  • (المنافقون) لم يقبلوا هدى الله الذي أرسَل به رسوله. ولم يرفعوا به رأساً، ولم يَروا بالإعراض عنه إلى آرائهم وأفكارهم بأساً.
  •  (المنافقون) خلعوا نصوص الوحي عن سلطنة الحقيقة... وشنوا عليها غاراتِ التأويلات الباطلة.
  • فالظواهر (في المنافقين) ظواهر الأنصار، والبواطن قد تحيزت إلى الكفار، فألسنتهُم ألسنة المسالمين، وقلوبهُم قلوبُ المحاربين، ويقولون: { {آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} } [البقرة: 8].
  • (المنافقون) قد نهكت أمراض الشبهاتِ والشهواتِ قلوبَهم فأهلكتهْا، وغلَبَتْ القصود السيئةُ على إرادتِهم ونياتهم فأفسدَتهْا... { {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} } [البقرة: 10].
  • ففسادُهم في الأرض كثير وأكثر الناس عنه غافلون { {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ - أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ} } [البقرة: 11 - 12].
  • (للمنافق) وجهان: وجه يَلقى به المؤمنين، ووجه يَنْقلب به إلى إخوانه من الملحدين. وله لسانان: أحدهما يَقْبَلهُ بظاهره المسلمون، والآخر يترجم به عن سره المكنون { {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} } [البقرة: 14].
  • (المنافقون) أسماع قلوبهم قد أثقلها الوقر، فهي لا تسمع منادي الإيمان، وعيونُ بصائرهم عليها غِشاوة العمى. فهي لا تبصر حقائقَ القرآن، وألسنتُهم بها خرس عن الحق، فهم به لا ينطقون.{صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ}[البقرة: 18].
  • (المنافقون) يتربصون الدوائر بأهل السنة والقرآن. فإن كان لهم فتح من الله، قالوا: ألم نكن معكم؟ وأقسموا على ذلك بالله جهد أيمانهم. وإن كان لأعداء الكتاب والسنة من النصرة نصيب، قالوا: ألم تعلموا أن عقد الإخاء بيننا محكم، وأن النسب بيننا قريب؟ فيا من يريد معرفتهم، خذ صفاتهم من كلام رب العالمين.
  • (المنافقون) أوامرهم التي يأمرون بها أتباعهم متضمنة لفساد البلاد والعباد، ونواهيهم عما فيه صلاحهم في المعاش والمعاد.
  • فهم (المنافقون) جنس بعضه يشبه بعضا، يأمرون بالمنكر بعد أن يفعلوه. وينهون عن المعروف بعد أن يتركوه ... إن حاكمتهم إلى صريح الوحي وجدتهم عنه نافرين، وإن دعوتهم إلى حكم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم رأيتهم عنه معرضين.
  • (المنافقون) أحسن الناس أجساما وأخلبهم لسانا، وألطفهم بيانا وأخبثهم قلوبا وأضعفهم جنانا...{وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ}[المنافقون: 4].
  • واعلم أنه كلما انقرض منهم (أي المنافقين) طوائف خلفهم أمثالهم، فَذَكر (الله) أوصافهم لأوليائه ليكونوا منها على حذر. وبينها لهم فقال: { {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} } [محمد: 9] هذا شأن من ثقلت عليه النصوص، فرآها حائلة بينه وبين بدعته وهواه.
  • (المنافقون)كاد القرآن أن يكون كله في شأنهم ، لكثرتهم على ظهر الأرض وفي أجواف القبور ... سمع حذيفة رضي الله عنه رجلًا يقول: اللهم أهلك المنافقين. فقال: " يا ابن أخي، لو هلك المنافقون لاستوحشتم في طرقاتكم من قلة السالك".
  • تالله لقد قطع خوف النفاق قلوب السابقين الأولين. لعلمهم بدقّه وجلّه، وتفاصيله وجمله. ساءت ظنونهم بنفوسهم، حتى خشوا أن يكونوا من جملة المنافقين. قال عمر بن الخطاب لحذيفة رضي الله عنهما: " يا حذيفة، نشدتك بالله، هل سماني لك رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم منهم؟ قال: لا. ولا أزكي بعدك أحدا " وقال ابن أبي مُليكة: " أدركت ثلاثين من أصحاب محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول: إن إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل " ذكره البخاري.
  • زَرْع النفاق ينبت على ساقيتين: ساقية الكذب، وساقية الرياء. ومخرجهما من عينين: عين ضعف البصيرة، وعين ضعف العزيمة. فإذا تمت هذه الأركان الأربع، استحكم نبات النفاق وبنيانه.
  • (المنافقون) قلوبهم عن الخيرات لاهية. وأجسادهم إليها ساعية. والفاحشة في فجاجهم فاشية. وإذا سمعوا الحق كانت قلوبهم عن سماعه قاسية. وإذا حفروا الباطل وشهدوا الزور، انفتحت أبصار قلوبهم، وكانت آذانهم واعية.
  • أَمَاراتُ (المنافقين) ... إذا عاهدوا لم يفوا. وإن وعدوا أخلفوا. وإن قالوا لم ينصفوا. وإن دُعوا إلى الطاعة وقفوا. وإذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول صَدَفوا. وإذا دعتهم أهواؤهم إلى أغراضهم أسرعوا إليها وانصرفوا. فذرهم وما اختاروا لأنفسهم من الهوان. والخزي والخسران. فلا تثق بعهودهم. ولا تطمئن إلى وعودهم. فإنهم فيها كاذبون. وهم لما سواها مخالفون.

تمت وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

سالم محمد أحمد

 

  • 8
  • 0
  • 594

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً