الغزو الفكري اليهودي والنصراني على الإسلام

منذ 2021-11-18

إن الغزو الفكري هذا معناه ومضمونه وغايته التضليل الفكري للمسلمين، ببث المفاهيم الفاسدة عن الدين والحياة والوجود، وعن الاجتماع والأخلاق والسوك، وعن شروط التقدم الحضاري ووسائله، إلى غير ذلك مما يمكن أن يهدم شخصية الفرد المسلم والأمة الإسلامية..

الحمد الله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وإمام المتقين نبينا محمد وآله ومن اتَّبعهم بإحسان إلى يوم الدين: أما بعد:

فإن الغزو الفكري الذي يقوم به الأعداء في وسائلهم المسلحة بالفكرة، والحيلة، والتعليم، والتقدم المادي التكنولوجي، والإغراءات النفسية، وتطبيقات السلوك غير الإسلامي، وشراء ضمائر فئات شتى لها سلطان أو توجيه، أو أي تأثير ما من فئات الأمة الإسلامية، إن الغزو الفكري هذا معناه ومضمونه وغايته التضليل الفكري للمسلمين، ببث المفاهيم الفاسدة عن الدين والحياة والوجود، وعن الاجتماع والأخلاق والسوك، وعن شروط التقدم الحضاري ووسائله، وعن النفس والوجدان والضمير، وعن الغاية من هذه الحياة، ووسائل اغتنام السعادة فيها، إلى غير ذلك مما يمكن أن يهدم شخصية الفرد المسلم والأمة الإسلامية[1].

 

والسنة النبوية تحذِّرنا من هذا الغزو الفكري في أحاديث كثيرة، منها قوله صلى الله عليه وسلم؛ عن أبي سعيد رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال؛ «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُم شِبْرًا بشبْر، وذراعًا بذراع، حتَّى لو سَلَكُوا جُحْر ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ»، قلنا: يا رسول الله؛ اليهودُ والنَّصارى؟ قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم؛ « فَمَن»؟  (رواه الشيخان)[2].

 

يقول لورانس براون في كتابه الذي صدر عام ١٩٤٤م الإسلام كامن في نظامه وفي قدرته على التوسع والإخضاع وفي حيويته، إنه الجدار الوحيد في وجه الاستعمار الأوروبي".

 

بالبحث والاستقراء في صفحات التاريخ الإسلامي، وقر في قلوب أعداء الإسلام أن مواجهة المسلمين بالقوة لا فائدة منها، فقد جربوها عدة مرات ولم تفلح، بل كانوا دائمًا هم الخاسرين، حتى في المعارك التي انتصروا فيها كانت خسارتهم أفدح من خسارة المسلمين، فحول الغرب بناءً على تجاربهم السابقة الغزو العسكري إلى الغزو الفكري، ذلك أن الفكر لا يقاوم إلا بالفكر مثله، ولا يمكن أن يقاوم بالسلاح، ولا تستطيع الجيوش الجرارة أن تجعل إنسانًا واحدًا يعدل عن فكرته بالقوة[3].

 

ومع بشائر الصحوة التي تعيشها معظم أقطار المسلمين وفي إبان مراحل المواجهة الحضارية بين هجمة الأفكار الوافدة على الأجواء الاسلامية، تصدر الفكر الغربي في شكل حركات وتيارات شعوبية وقومية وعلمانية ومذاهب إلحادية، فضلًا عن التيارات السياسية ذات الطابع الإلحادي كالشيوعية والاشتراكية، وما إليها، ومن هنا برزت حاجة الأجيال الصاعدة للتعرف على الطبيعة ونشاط هذه العقائد الوافدة للتعرف عليها بأمل الوقوف أمام مفاسدها وأخطارها[4].

 

ويقول جان بول رو في كتابه الإسلام في الغرب: إن التأثير الغربي الذي ظهر في كل المجالات يقلب رأسًا على عقب المجتمع الإسلامي، ولا يبدو في جلاء أفضل مما يبدو في تحرير المرأة[5].

 

ويقول المبشر لامي: إن التربية المسيحية أو تربية الراهبات لبنات المسلمين، توجِّه للإسلام داخل حصنه المنيع - الأسرة - عدوًا لدودًا وخصمًا قويًّا لا يقوى الرجل على قهره؛ لأن المسلمة التي تربيها يد مسيحية تعرف كيف تتغلب على الرجل، ومتى تغلبت هكذا، أصبح من السهل عليها أن تؤثر على عقيدة زوجها وحسه الإسلامي، وتربي أولادها على غير دين أبيهم، وفي هذه الحالة نكون قد نجحنا في غايتنا من أن تكون المرأة المسلمة نفسها هي هادمة الإسلام.

 

ويقول أيضًا: إن مقاومة الإسلام بالقوة لا تزيده إلا انتشارًا، فالواسطة الفعالة لهدمه وتقويض بنيانه، هي تربية بنيه في المدارس المسيحية، وإلقاء بذور الشك في نفوسهم من عهد النشأة، تفسد عقائدهم الإسلامية من حيث لا يشعرون، وإن لم يتنصر منهم أحدٌ، فإنهم يصيرون لا مسلمين ولا مسيحيين، وأمثال هؤلاء يكونون بلا ارتياب أضر على الإسلام مما إذا اعتنقوا المسيحية وتظاهروا بها.

 

تكاد تكون كلمة الغزو الفكري من معطيات العصر الحديث الذي بُلي بأنواع عديدة من الغزو، جاء بها الاستعمار مع ما جاء به لبلدان العالم الإسلامي، والعالم النامي بعامة- من متاعب وأضرار.

 

وليس خطر الكلمة والفكرة بأقل من خطر الجندي والسلاح في المعركة الضارية التي يشنها أعداء الإسلام على الإسلام وأهله.

 

عندما يتعلق أمر الغزو الفكري بالعالم الإسلامي والفكر الإسلامي والثقافة الإسلامية، فإن الكلام يحتاج منا إلى مزيد إيضاح ومزيد تركيز، إذ الإسلام دين الله سبحانه الذي ارتضاه للبشرية كلها منهجًا وشريعة لحياتهم الدنيا، ومعبرًا وجسرًا وزادًا لحياتهم الأخرى.

 

وهذا الدين كان وما يزال بمبادئه ونظرياته ومُثله وقيمه حربًا على انحراف البشرية عن الحق والميزان، وأعداء الإسلام أعداء أُصلاء للحق والميزان؛ لأن الحق والميزان يحول بينهم وبين الاستغلال والعدوان، لذلك فإن أصحاب المذاهب والنظريات المعادية للإسلام ما سكتوا عنه ولن يسكتوا، وكيف بهم يسكتون وفي الإسلام ومبادئه حربًا لهم، ولما يمارسونه في الناس من أعمال.

 

يعتمد الغزو الفكري على أربع ركائز خبيثة تدعمه وتعمل على نشره وتسهر على تحقيقه، وهذه الأركان يمكن تصنيفها على النحو التالي:

أولًا: الصليبية الحاقدة: وما تملكه من وسائل الاستعمار الاستشراق والتبشير.

 

ثانيًا: التغريب الاجتماعي.

 

ثالثًا: الصهيونية الماكرة: وما تملكه من تخطيط ماسوني وبروتوكولات ونواد.

 

رابعًا: الشيوعية الماركسية: وما تعتمد عليه من تيارات فكرية مخلدة.

 

والواقع أن مجال البحث لا يتوسع لهذه الأمور، وإنما الذي يهمنا هو بيان مظاهر الغزو الفكري وتياراته من حملات تغريب المجتمع الإسلامي، وأهم الوسائل التي اتخذها لنشر التغريب، وعدم المجتمع بوساطة سلاح المرأة، خاصة وأن المرأة في كثير من مجتمعاتنا العربية والإسلامية أكثر تأثرًا من الرجل بحملات الغزو الفكري بحكم طبيعتها العاطفية ورغبتها في مجاراة المودة والبدع ودعاوى التحضر والتفريج[6].

 

من أجل ذلك أصبح الغزو الفكري للإسلام والمسلمين يستهدف الجذور لا القشور، ويحاول القضاء على الجوهر لا العرض، ويركز على تشويه الأصول لا الفروع، ومن هنا تركز الغزو الفكري ضد الإسلام في خزي ضاربة ضد أمرين خطيرين هنا:

القرآن الكريم أصل الشريعة، وما شرحه وفصَّله من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في العالم الإسلامي كله.

 

اللغة العربية لغة القرآن والإسلام، في العالم العربي بالدرجة الأولى وفي كل مكان أن يعنى باللغة العربية بعد ذلك.

 

مفهوم الاستشراق:

الاستشراق هو تلك الحركة البحثية التي أطلقها الغرب، وجعل من الشرق وعقائده وعاداته وثقافته، واجتماعه وأخلاقه، موضوعًا لهذه الحركة البحثية، والناتج من هذه الحركة البحثية هو نتاج معرفي بالأساس، ظهر في صورة دراسات وأبحاث ومؤتمرات وندوات ودوريات كلها تناولت موضوع الشرق تحديدًا الشرق الإسلامي بالدرس والبحث، وبأدوات بحثية غربية خالصة من ابتكار العقل الغربي وأيديولوجيته وتحيزاته الفكرية.

 

والاستشراق في اللغة العربية هو ترجمة لكلمة Orientalism في اللغة الإنجليزية، ويذهب معظم الباحثين المسلمين إلى تصنيف المستشرقين إلى نوعين رئيسيين من حيث الوجهة التحيزية:

النوع الأول: هم الفئة التي درست الإسلام دراسة هدفها النيل من المسلمين والحضارة الإسلامية، وكتاباتهم مملوءة بالحقد والتحامل على الإسلام والمسلمين.

 

والنوع الثاني: من المستشرقين هم الفئة التي توصف بالاعتدال[7].

 

وتتلخص أهداف المستشرقين في:

طمس الهوية الإسلامية وصهر الفكر الإسلامي في بوتقة الجحود والعلمانية إلى أن يصل إلى درجة الكفر والإلحاد؛ يقول تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ۖ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: ١٠٩].

 

يقول المبشر زويمر: "إن من أهم الأساليب إلى تدمير أخلاق المسلم وشخصيته يمكن أن يتم بنشر التعليم العلماني".

 

ويقول المبشر كلي: "يجب أن نشجع إنشاء المدارس على النمط الغربي العلماني؛ لأن كثيرًا من المسلمين قد زعزع اعتقادهم بالإسلام والقرآن، حينما درسوا الكتب المدرسية الغربية وتعلموا اللغات الأجنبية".

 

الغزو الفكري وآثاره المدمرة: يقول المستشرق المعتدل بريستيد عن المستشرقين: إن المستشرقين يريدون قتل حضارة الشرق عمدًا؛ لأنهم يريدون إخفاء الحقيقة.

 

الطعن في القرآن الكريم، والنيل من صاحب الرسالة محمد، فقد بدأ الموقف الغربي من رسول الله مليئًا بالحقد والغضب والكراهية، وأخذ بسيل من السباب والشتائم والافتراءات والشبهات، مارسها أعداء الإسلام، واستمر هذا التيار حتى العصر الراهن[8].

 

ونظرة المستشرقين للمرأة المسلمة، فقد نال موضوع المرأة المسلمة حظًّا وافرًا من جهود المستشرقين، لا يقل أهمية عن اهتماماتهم بالقضايا السياسية والثقافية، بل قد يفوقها جميعًا، فلا تكاد تجد كتابًا يتحدث عن الإسلام دون أن يكون للحديث عن المرأة وقضاياها نصيبٌ فيه.

 

تفتيت وحدة المسلمين وإضعافها، وتمزيق الدول الإسلامية، وعزل الشريعة عن التطبيق في المجتمع الإسلامي، وإحلال القوانين الاقتصادية والتربوية والاجتماعية والسياسية محل الإسلام.

 

فصل المسلمين عن الإسلام، وذلك بتشويه تعاليمه وقوانينه، وعزلها عن مصادرها، وهدم القواعد الأساسية والمقومات الأصلية للكيان الفردي والاجتماعي للمسلمين، وزعزعة ثقتهم بدينهم، ليمهدوا إلى فتح الباب للاستسلام والخضوع للاستعمار وأفكاره، ويمهدوا الطريق للتبشير المسيحي في تحويل عقائد المسلمين ليجعلوهم أتباعهم.

 

إيقاف التيار الزاحف نحو أوروبا؛ حيث يعتنق الألوف من الأوروبيين الدين الإسلامي سنويًّا، ولا يخشى الصليبيون انتشار الديانات الأخرى غير الإسلام.

 

حماية المسيحيين من خطر الإسلام، بحجْب حقائقه عنهم، واطْلاعهم على ما فيه من نقائص مزعومة، حتى لا يلتفت النصارى إلى ما في دينهم من تناقضات لا يقبلها العقل السليم.

 

من أسباب الغزو الفكري اليهودي والنصراني على الإسلام:

الغزو الفكري المعاصر مهما تعدَّدت صوره ومجالاته، فإنه غزو ديني بالدرجة الأولى، يهدف أول ما يهدف إلى فتنة المسلمين وإخراجهم عن دينهم، وإفساد أخلاقهم وأفكارهم، وهذا أمر بيَّنه الله سبحانه في كتابه العزيز[9].

 

١- العداء الصليبي للإسلام شكل الصعار الوبائي لدى الأمم الغربية، فأخذوا مستميتين يوزعون السموم ذات اليمين وذات الشمال، ويفترون الأكاذيب، ويطمسون العقائد ويدبرون المكائد، ويتصيدون السقطات.

 

٢- يدخلون في روع أنفسهم وفي عاطفة بني جلدتهم أنهم أرقى عنصرًا وأفضل عقلًا، وأصلح دينًا، وأنهم أوصياءُ على البشرية وسادة الإنسانية وخزانها ومرشدها.

 

٣- تحول صراعهم من الميدان العسكري إلى ميدان الفكر والكلمة؛ أي الغزو الفكري.

 

٤- حقدهم على الإسلام؛ كقول جلاديستون رئيس وزراء بريطانيا: ما دام القرآن موجودًا فلن تستطيع أوروبا السيطرة على الشرق، ولا أن تكون هي نفسها في أمان، وكقول غيفورد بلغراف الإنجليزي: متى وارى القرآن ومدينة مكة عن بلاد العرب، يُمكننا حينئذ أن نرى العربي يتدرج في سبيل الحضارة التي لم يبعده عنها إلا محمد وكتابه.

 

٥- الخوف الشديد من انتشار الإسلام وقوته، أدرك النصارى أن الاسلام دين دعوة عالمية، وأنه دين سريع التأثير على المدعوين.

 

٦- إدراكهم حقيقة ما أصاب دينهم المحرف من زعزعة مبادئه لدى الإنسان الغربي، لصرف أنظار الغربيين عن نقد ما عندهم من عقائد وكتب، فاشتدت حاجتهم على الهجوم على الإسلام، والتشكيك في أحقية الحضارة الإسلامية.

 

٧- بث أفكاره على الشعوب المستعمرة لتظل خاضعة له قلبًا وقالبًا.

 

٨- الموقف اليهودي أشد تطرفًا وأكثر كيدًا.

 

اليهود يعملون وَفق بروتوكلات حكماء صهيون الهادفة لتحطيم العقائد الدينية المخالفة لهم، وهدم جميع المذاهب وتدمير أخلاق الشعوب.

 

٩- اليهود الصهاينة الذين يتعاظم دورهم في ظل ما يسمى النظام العالم الجديد الذين يحاولون السيطرة على العالم فكريًّا وثقافيًّا وإعلاميًّا، واحتواء الأديان.

 

الهدف في كلها واحد وهو هدم الدين الإسلامي، وأضعاف مقومات نهوض الأمة الإسلامية، ومحاولة فصلها عن دينها.

 

ويقول أشعيا بومان: إن شيئًا من الخوف يحب أن يسيطر على العالم الغربي من الإسلام، لهذا الخوف أسباب منها أن الإسلام منذ ظهر في مكة يضعف عدديًّا، بل إن أتباعه يزدادون باستمرار، وأن هذا الدين من أركانه الجهاد، ولم يتفق قط أن شخصًا دخل في الإسلام ثم عاد نصرانيًّا[10].

 

فالصهيونية حركة خبيثة هدامة، تستهدف القضاء على المبادئ والقيم وكل ما هو غير يهودي، ومن مراحلها محاولة إقامة وطن لليهود في فلسطين المسلمة العربية، وأما بقية مراحلها فهي خدمة اليهودية العالمية، حتى يصبح العالم كله - مسلمون وغير مسلمين - في قبضة اليهود وتحت سيطرتهم كما تزعم ثوراتهم التي زيَّفوها؛ حيث تقول: سيقوم الرب ويقيس الأرض ويجعل عبدة الأوثان - الأميين - تحت يد إسرائيل، ويسلِّم جميع ممتلكاتهم إلى اليهود؛ التوراة سفر المزامير: مزمور ١٤٩-١٥٠ط القاهرة[11].

 

هذه هي الصهيونية أهم ركيزة من ركائز الغزو الفكري للإسلام والمسلمين، تتخذ إلى ذلك كل سبيل، وتسعي في كل مجال مشوهة الإسلام تاريخه وحضارته، ومفسدة للأخلاق ومصطنعة للمشكلات والمتاعب، ومثيرة للفتن والثورات ومقتنصة للعديد من المسلمين تضمهم - على وعي منهم أو غفلة - إلى مؤسساتها ومنظماتها؛ كالماسونية والروتاري، وسائر الأنشطة الاجتماعية والرياضية[12].

 

وهي كانت وما تزال معملًا لتفريخ الأفكار الضارة والفلسفات الهدامة والمذاهب الضالة المنحرفة، مع توجيه تلك الضربات إلى العالم الإسلامي أولًا، وإلى سائر الناس بعد ذلك، وهي في كل ذلك تتعاون مع سائر المراكز والركائز، وتتقارب مع هذه المراكز، وتتعاطف إلى حد أن كثيرين من اليهود وكثيرات من اليهوديات يدخلون في أديان مختلفة عن دينهم زورًا وخداعًا، من أجل الوصول إلى أهدافهم الخبيثة الهدامة التي تحدثنا عنها أنفًا[13].

 

التبشير بالنصرانية بين المسلمين ودس العقيدة الوثنية بين الأمة:

اهتمت الكنيسة بتوجيه جهودها إلى التبشير بالمسيحية في العالم الإسلامي، خاصة بالذات في القرون الأخيرة؛ لتقتلع الإسلام من نفوس الناس وتحل المسيحية محله، مما يطلق عليه عند بعضهم حملات التنصير يوضح ذلك المبشر رايد في قوله: إني أحاول أن أنقل المسلم من محمد إلى المسيح، ومع ذلك يظن المسلم أن لي في ذلك غاية خاصة، أنا لا أحب المسلم لذاته، ولا لأنه أخ لي في الإنسانية، ولولا أني أريد ربحه إلى صفوف النصارى ما كنت تعرضت له لأساعده[14].

 

ويقول کارل بيكر المبشر الألماني: إن الإسلام لما انبسط في العصور الوسطى، أقام سدًّا في وجه انتشار النصرانية، ثم امتد إلى البلاد التي كانت خاضعة لصولجان المسيحية.

 

ويصرح لورانس براون بالهدف الحقيقي المبشرين من عملهم في العالم الإسلامي حين يقول: إذا اتَّحد المسلمون في إمبراطورية عربية، أمكن أن يصبحوا لعنة على العالم وخطرًا، أو أمكن أن يصبحوا أيضًا نقمة له، أما إذا بقوا متفرقين، فإنهم يظلون حينئذ بلا وزن ولا تأثير.

 

ومن هنا كان الخط الذي يتوقعه المبشرون الصليبيون، ورجال الكنيسة من أن يطل الإسلام بوجهه المشرق الوضيء على أوروبا وأمريكا، فيجد قلوبًا مهيأة له وعقولًا متحاربة معه...

 

ختامًا: إن الغزو الفكري والتيارات المعادية للإسلام من الموضوعات التي تشد اهتمام الواعين من أبناء الأمة الإسلامية، وتحتاج من الباحثين والدارسين أن يبذلوا فيها ما يكشف عن خباياها ويوضح أبعادها.

 

أُهيب بعلماء الأمة والآباء والأمهات وشباب الأمة أن يعودوا إلى المنهج الحق منهج القرآن والسنة على ما كان عليه سلفنا الصالح اتباعًا وعلمًا وعملًا، فإن وعد الله حق؛ قال تبارك وتعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 55].

 

ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، فالذي صلح به أول هذه الأمة حتى أصبح سلفًا صالحًا هو هذا القرآن الذي وصفه منزِّلُه بأنه إمام، وأنه موعظة، وأنه نور، القرآن هو الذي أصلح النفوس التي انحرفت عن صراط الفطرة، وحرر العقول من ربقة التقاليد السخيفة، وفتح أمامها ميادين التأمل والتعقل، ثم زكى النفوس بالعلم والأعمال الصالحة، وزيَّنها بالفضائل والآداب.

 

والقرآن هو الذي أصلح بالتوحيد ما أفسدته الوثنية، وداوى بالوحدة ما جرحته الفرقة، واجترحته العصبية، وسوَّى بين الناس في العدل والإحسان، فلا فضل لعربي - إلا بالتقوى - على عجمي، ولا لملك على سوقة إلا في المعروف، ولا لطبقة من الناس فضل مقرر على طبقة أخرى[15].

 

الحمد لله، والله أعلم.

 


[1] الغزو الفكري والتيارات المعادية للإسلام ص ٤٩٩.

[2] رواه البخاري (3456) في كتاب الأنبياء، ومسلم (2669) في كتاب العلم.

[3] الغزو الفكري وأثره على منهج سعيد النورسي في تفسيره للآيات القرآنية، مجلة الإسلام في آسيا العدد الخاص الرابع ديسمبر ٢٠١١م.

[4] المصدر السابق.

[5] أخطار الغزو الفكري على العالم الإسلامي ص٧ د. صابر طعيمة.

[6] الغزو الفكري وأثاره المدمرة على عقل وقلب وفكر المرأة المسلمة المصدر السابق.

[7] المصدر السابق ص١٩.

[8] إسلام أون لين Islamonline الاستشراق.

[9] حقائق الإسلام وخصومة الغزو الفكري ص ١٨-١٩.

[10] كتاب علم الملل ومناهج العلماء فيه ص ٤٣٥ بتصرف.

[11] الغزو الفكري وآثاره المدمرة على عقل وقلب وفكر المرأة المسلمة، وانظر: التبشير والاستعمار في البلاد العربية رفعت محمد مرسي طاحون ص١٠.

[12] الغزو الفكري والتغيرات المعادية للإسلام عبدالحليم ص١٣٣.

[13] المصدر السابق ص ١٣٥.

[14] المصدر السابق ص ١٣٦.

[15] محمد البشير الإبراهيمي، نشر عام 1372هـ الموافق1952م مجلة درر.

_______________________________________________________
الكاتب: روضة محمد شويب

  • 5
  • 0
  • 3,559

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً