هدي النبي صلى ‌الله عليه وسلم في هيئة ‌جلوسه

منذ 2021-11-25

أوَد أن ‌أذكر ‌نفسي ‌وإياكم بأدب من الآداب النبوية العظيمة التي ينبغي لنا أن نحافظ عليها، ومنها الأدب في ‌هيئة ‌الجلوس..

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وخاتم النبيين، محمد وآله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

 

فيا أيها ‌الأخيار الأبرار، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، في هذه المشاركة أوَد أن ‌أذكر ‌نفسي ‌وإياكم بأدب من الآداب النبوية العظيمة التي ينبغي لنا أن نحافظ عليها، ومنها الأدب في ‌هيئة ‌الجلوس، وجاء العنوان ‌على ‌النحو التالي: (هدي النبي صلى ‌الله عليه وسلم في هيئة جلوسه).

 

‌أولًا: من هدي النبي صلى ‌الله عليه وسلم في هيئة جلوسه خارج الصلاة:

‌ *هيئة ‌الاحتباء[1]:

عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ بِفِنَاءِ الكَعْبَةِ، ‌مُحْتَبِيًا بِيَدِهِ»[2].

 

قال ابن بطال: يجوز الاحتباء لمن جلس في حبوته، فأما إن تحرك وصنع بيديه شيئًا أو صلى، فلا يجوز له ذلك؛ لأن عورته تبدو إلا أن يكون احتباؤه على ثوب يستر عورته، فذلك جائز[3].

 

هيئة القرفصاء[4]:

عَنْ ‌قَيْلَةَ ‌بِنْتِ ‌مَخْرَمَةَ قَالَتْ: «رَأَيْتُ النبِي صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ ‌قَاعِدًا ‌الْقُرْفُصَاءَ، فلما رَأَيْتُ النبِي صَلى اللهُ عَلَيْهِ وسلم الْمُتَخَشعَ فِي الْجِلْسَةِ، أُرعدت مِنَ الفَرَق»[5].

 

قال ابن حجر: "قاعدًا القرفصاء"، قالت: فلما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ‌المتخشع ‌في ‌الجلسة (الخاشع والمتواضع)، أُرعدت من الفرق، فقال له جليسه: يا رسول الله، أرعدت المسكينة، فقال ولم ينظر إليَّ: يا مسكينة، عليك السكينة، فذهب عني ما أجد من الرعب[6].

 

*هيئة التربع[7]:

عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: «كَانَ النبِي صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ إِذَا صَلى الْفَجْرَ ‌تَرَبعَ ‌فِي ‌مَجْلِسِهِ حَتى تَطْلُعَ الشمْسُ حَسْنَاءَ»[8].

 

معناه: أنه كان يجلس متربعًا في مجلسه إلى أن ترتفع الشمس، "حسناء" ... والمعنى: حتى تطلع الشمس نقيةً ‌بيضاءَ ‌زائلةً ‌عنها ‌الصفرة التي تتخيل فيها عند الطلوع، بسبب ما يعترض دونها على الأفق من الأبخرة والأدخنة[9].

 

هيئة الاستلقاء (وضع إحدى الرجلين على الأخرى):

عَنْ عَبادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمهِ أَنهُ «رَأَى رَسُولَ اللهِ صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ ‌مُسْتَلْقِيًا ‌فِي ‌المَسْجِدِ، وَاضِعًا إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الأُخْرَى» وَعَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيبِ، قَالَ: «كَانَ عُمَرُ، وَعُثْمَانُ يَفْعَلَانِ ذَلِكَ»[10].

 

وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ أَن النبِي صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ، قَالَ: «‌لَا ‌يَسْتَلْقِيَن ‌أَحَدُكُمْ ثُم يَضَعُ إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى»[11].

 

‌قال الطيبي: بين ‌حديث ‌عباد ‌بن ‌تميم ‌وجابر أن وضع إحدى الرجلين على الأخرى قد يكون على النوعين: أن تكون رجلاه ممدودتين إحداهما فوق الأخرى ولا بأس بهذا؛ فإنه لا ينكشف شيء من عورته بهذه الهيئة، وأن يكون ناصبًا ركبة إحدى الرجلين ويضع الرجل الأخرى على الركبة المنصوبة، وعلى هذا فإن أمِن انكشاف العورة بأن يكون عليه سراويل، أو يكون إزاره أو ذيله طويلين، جاز وإلا فلا[12].

 

وجملة القول في هيئة الجلوس:

‌ قال النووي: يجوز ‌القعود ‌متربعًا ‌ومفترشًا ‌ومتوركًا ومحتبيًا، والقرفصاء والاستلقاء على القفا، ومد الرجل، وغير ذلك من هيئات القعود ونحوها، ولا كراهة في شيء من ذلك إذا لم يكشف عورته، ولم يمد رجله بحضرة الناس[13].

 

ثانيًا: هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الجلوس للتشهد:

قَالَ أَبُو حُمَيْدٍ الساعِدِي: أَنَا كُنْتُ أَحْفَظَكُمْ لِصَلَاةِ رَسُولِ اللهِ صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ «رَأَيْتُهُ إِذَا كَبرَ جَعَلَ يَدَيْهِ حِذَاءَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ، ثُم هَصَرَ ظَهْرَهُ[14]، فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ اسْتَوَى حَتى يَعُودَ كُل فَقَارٍ مَكَانَهُ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ وَلَا قَابِضِهِمَا، وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ القِبْلَةَ، فَإِذَا جَلَسَ فِي الركْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ اليُسْرَى، وَنَصَبَ اليُمْنَى، وَإِذَا جَلَسَ فِي الركْعَةِ الآخِرَةِ قَدمَ رِجْلَهُ اليُسْرَى، وَنَصَبَ الأُخْرَى وَقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ»[15].

 

قوله: (فَإِذَا جَلَسَ فِي الركْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ اليُسْرَى، وَنَصَبَ اليُمْنَى، وَإِذَا جَلَسَ فِي الركْعَةِ الآخِرَةِ قَدمَ رِجْلَهُ اليُسْرَى، وَنَصَبَ الأُخْرَى وَقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ).

 

قال النووي: السنة في قعود آخر الصلاة التورك، وفي أثنائها الافتراش.

 

و‌الافتراش: أن يضع رجله اليسرى بحيث يلي ظهرُها الأرض، ويجلس عليها، وينصب اليمنى، ويضع أطراف أصابعها على الأرض متوجهة إلى القبلة.

 

والتورك: أن يخرج رجليه، وهما على هيئة الافتراش من جهة يمينه، ويمكن وركه من الأرض [16].

 

وقال الحافظ ابن حجر: الحديث حجةٌ قوية للشافعي، ومَن قال بقوله في أن ‌هيئة ‌الجلوس ‌في ‌التشهد ‌الأول ‌مغايرة ‌لهيئة ‌الجلوس في الأخير، وخالف في ذلك المالكية والحنفية، فقالوا: يسوي بينهما، لكن قال المالكية: يتورَّك فيهما كما جاء في التشهد الأخير، وعكسه الآخرون، وقد قيل في حكمة المغايرة بينهما: إنه أقربُ إلى عدم اشتباه عدد الركعات، ولأن الأول تعقبه حركة بخلاف الثاني، ولأن المسبوق إذا رآه علِم قدرَ ما سبق به، واستدل به الشافعي أيضًا على أن تشهد الصبح كالتشهد الأخير من غيره؛ لعموم قوله في الركعة الأخيرة، واختلف فيه قول أحمد، والمشهور عنه اختصاص التورك بالصلاة التي فيها تشهدان[17].

 

وجملة القول في هيئة الجلوس للتشهد أثناء الصلاة:

قال النووي: قال أصحابنا لا يتعين للجلوس في هذه المواضع هيئة للإجزاء، بل كيف وجد أجزأه، سواء تورك أو افترش، أو مد رجليه، أو نصب ركبتيه أو أحداهما، أو غير ذلك، لكن ‌السنة ‌التورك ‌في ‌آخر ‌الصلاة والافتراش فيما سواه[18].

 

ثالثًا: هدي النبي صلى الله عليه وسلم في هيئة الجلوس للآكل:

عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سُلَيْمٍ حَدثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: «رَأَيْتُ النبِي صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ ‌مُقْعِيًا ‌يَأْكُلُ تَمْرًا[19].

 

قال النووي: قوله (مقعيًا)؛ أي ‌جالسًا ‌على ‌أليتيه ناصبًا ساقيه، ومحتفز هو بالزاي؛ أي مستعجل مستوفز غير متمكِّن في جلوسه[20].

 

وعَنْ عَلِي بْنِ الأَقْمَرِ سَمِعْتُ أَبَا جُحَيْفَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ: «لَا ‌آكُلُ ‌مُتكِئًا» [21].

 

قال الخطابي: المتكئ هنا هو المعتمد على الوطاء الذي تحته، وكل من استوى قاعدًا على وطاء فهو متكئ، والاتكاء مأخوذ من الوكاء، ووزنه الافتعال منه، فالمتكئ هو الذي أوكى مقعدته وشدها بالقعود على الوطاء الذي تحته، والمعنى أني إذا أكلت لم أقعد متمكنًا على الأوطية والوسائد، فِعْلُ مَن يريد أن يستكثر من الأطعمة، ويتوسع في الألوان، ولكني آكل علقة وآخذ من الطعام بلغة، فيكون قعودي مستوفزًا له [22].

 

وقال ابن القيم: ويذكر عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يجلس للأكل متوركًا على ركبتيه، ويضع بطن قدمه اليسرى على ظهر اليمنى تواضعًا - صلى الله عليه وسلم - لله عز وجل، وأدبًا بين يديه، قال: وهذه الهيئة أنفع هيئات الأكل وأفضلها؛ لأن الأعضاء كلها تكون على وضعها الطبيعي الذي خلقها الله تعالى عليه[23].

 

وجملة القول في هيئة الجلوس للأكل:

أنه لا يأكل متكئًا ولا ساقطًا على وجهه، ولا قائمًا، بل ‌يجلس ‌على ‌ركبتيه ‌أو ‌على ‌هيئة ‌الإقعاء، أو على قدميه، أو يرفع الركبة اليمنى، ويجلس على الركبة اليسرى[24].

 

‌ختامًا:

‌أسأل ‌الله جل وعلا أن يوفِّقنا لاتباع هديه صلى الله عليه وسلم في جلوسه، وفي سائر أحواله، وأن يتقبل عملي خالصًا لوجهه الكريم، وأن يوفق الجميع لما فيه الخير، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

 


[1] ‌الاحتباء، ‌هو: أَن ينصب الرجل سَاقيه ويدير عَلَيْهِمَا ثَوْبه، أَو يعْقد يَدَيْهِ على رُكْبَتَيْهِ مُعْتَمدًا على ذَلِك؛ ينظر: مشارق الأنوار على صحاح الآثار: القاضي عياض (1/ 177).

[2] صحيح البخاري (8/ 61) رقم (6272).

[3] شرح صحيح البخاري لابن بطال (9/ 55).

[4] القرفصاء، هي: ‌جلسة ‌المحتبي إلا أنه لا يحتبي بثوب، ولكن يجعل يديه مكان الثوب؛ ينظر: غريب الحديث للقاسم بن سلام (3/ 57).

[5] صحيح الأدب المفرد (ص458)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها (5/ 157) رقم(‌‌2124).

[6] فتح الباري لابن حجر (11/ 65).

[7] ‌ تربع، أي: جلس متربعًا، وهو أن يقعد الرجل على وركيه، ويمد ركبته اليمنى إلى جانب يمينه، وقدمه ‌اليمنى ‌إلى ‌جانب ‌يساره، وركبته اليسرى يمدها إلى جانب يساره، وقدمه اليسرى إلى جانب يمين؛ ينظر: المفاتيح في شرح المصابيح (5/ 143).

[8] ‌ سنن أبي داود (4/ 263) رقم (4850).

[9] ‌ تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة للبيضاوي (3/ 215).

[10] صحيح البخاري (1/ 102) رقم(475)، صحيح مسلم (3/ 1662) رقم (2100).

[11] صحيح مسلم (3/ 1662) رقم (2099).

[12] شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن (10/ 3070).

[13] المجموع شرح المهذب (4/ 472).

[14] هصر ‌ظهره يعني ثناه ثنيًا شديدًا في استواء بين رقبته وظهره؛ ينظر: المغرب في ترتيب المعرب (ص504).

[15] صحيح البخاري (1/ 165) رقم (828).

[16] روضة الطالبين وعمدة المفتين (1/ 261).

[17] فتح الباري لابن حجر (2/ 309).

[18] المجموع شرح المهذب (3/ 450).

[19] ‌ صحيح مسلم (3/ 1616) رقم (2044).

[20] ‌ شرح النووي على مسلم (13/ 227).

[21] ‌ صحيح البخاري (7/ 72) رقم (5398).

[22] ‌ معالم السنن للخطابي (4/ 243) .

[23] زاد المعاد في هدي خير العباد (4/ 203).

[24] لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح (7/ 230).

_______________________________________________
الكاتب: سلامة إبراهيم محمد دربالة النمر

  • 6
  • 0
  • 432

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً