من أبجدية السعادة الزوجية - قُم مِن اللَّيل

منذ 2022-05-11

وما أجْمل أنْ يكون لكُم ليلةً أو ليلتين من كلٍ أسبوع تجتمعون فيها على الصَّلاة معًا، فكم من سَعادة في النَّفْس وهَناءَة في البَال تلك التي تُحدِثها هذه الرَّكعات

  سَهمٌ لا يخيبُ، ومِفتاحٌ يفُكٌّ مغاليقَ الأبواب، يفَرِّج الله به كلَّ هَمٍّ، ويُزيل به كلَّ غَمٍّ، مَن وُفِّق إليه هُدِي إلى كلِّ خَير، إنما هو قيَام الليل، ومنَاجاة الرَّبِّ – سبحانه وتعالى – في وقْت نامَت فيه العيون، ورقَدت فيه الأجسَاد، وخَلا كل حَبيبٍ بحبيبه، وذرفت فيه العُيون ولهَجَت فيه الألْسن بكل صَادقٍ من الدَّعوات، وانعقدَت فيه الآمال، وعَظُم فيه الرَّجاء، وحَسُنت فيه الظُّنون بالله تعالى.

    قال رسول الله -صَلى الله عليه وسَلم- في فضْله: عن سَهْل بن سعد -رضي الله عنه- أنَّ رسُول الله -صلى الله عليه وسلم-قال : « « أتاني جِبريل فقَال: يا محمد ! عِشْ ما شِئْت فإنَّك ميِّت، وأحْببْ من شِئْت فإنك مُفَارقه، واعْمل ما شِئْت فإنَّك مجْزي به، واعْلم أنَّ شَرَف المؤمن قيَامه بالليل، وعِزُّه استغْناؤه عن النَّاس» » [رواه الحاكم، والبيهقي، وحسنه المنذري، والألباني] .

   وقال النِّبي -صَلَّى الله عليه وسَلم- لمعَاذ -رضي الله عنه-: « « ألا أدلُّك على أبْواب الخَير؟ الصَّوم جُنَّة، والصَّدقَة تُطْفئ الخَطيئة كما يُطفئ الماء النَّار وصَلاة الرَّجُل من جَوف اللَّيل ثم تَلا» : { { تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} } [السجدة: 16-17 » رواه الترمذي بسند صحيح]

   ولا يظُنُّ العبْد أنَّه بما أُوتي من قُدرة وقُوة، أو فِطْنة وذَكَاء، أو خِبْرة وعِلْم، أو ثَقافة وفَهْم قَادِر على إصْلاح نفسِه وذريَّته وأهْل بيته بمفرده دونما عَون من الله – جَل في عُلاه – أو دونما فضْل من الله ورعايته، فكَم من صالحين عَانوا من أبنائهم! كانوا على غير الهُدى، وكم من ذوي الضَّلال والغِواية خَرجتْ من أصْلابهم آياتٌ في التُّقى والصَّلاح والهِداية والإيمَان، ولقد كان نبيَّا الله نُوح  ولوط – عليهما السَّلام – خيرَ شَاهد ودليلٍ على الصِّنف الأوَّل، وكان خَالد بن الوليد وعكْرمة بن أبي جهل- رضيَ الله عنهما- خير شاهِد ودليلٍ على الصِّنف الثَّاني.

   ولكِنَّ الذي لا شَك فيه، ولا ريْب معه أنَّ في قيامِك اللَّيل ولو بركعتين، ووقوفِك بين يدَي الله – سبحَانه وتعَالى -، وابتهالِك له، ودعَواتك في جوفِ الليل، ورجائِك أنْ يبارك الله لك في أهْلك وذريتِّك، وأن يمنحك وإيَّاهم الصَّلاح والتقوى، وأنْ يمنَّ عليكم بالسَّعادة في الدنيا والآخرة، لا شَكَّ  أن ذلك من أعظَم أسْباب حصُول السَّعادة وأنواع السُّرور، ويعظم الأمْر إنْ كان هَذا ديْدنَ الأسرة وعادَتها، كلٌّ حسْب استطاعته، ووفْق قدْرته، ففي الحَديث عَنْ أَبي هُريرة – رضِي الله عنه- قَالَ: «قالَ رسُولُ اللَّهِ ﷺ:  "رحِمَ اللَّه رَجُلا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ، فصلىَّ وأيْقَظَ امرأَتهُ، فإنْ أَبَتْ نَضحَ في وجْهِهَا الماءَ، رَحِمَ اللَّهُ امَرَأَةً قَامت مِن اللَّيْلِ فَصلَّتْ، وأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا فإِن أَبي نَضَحَتْ فِي وجْهِهِ الماءَ» [رواهُ أَبُو داود بإِسنادِ صحيحٍ] ، وَعنْهُ وَعنْ أَبي سَعيدٍ رَضِي اللَّه عنهمَا، قَالا: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: " «إِذَا أَيقَظَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ مِنَ اللَّيْل فَصَلَّيا أَوْ صَلَّى ركْعَتَينِ جَمِيعًا، كُتِبَا في الذَّاكرِينَ وَالذَّكِراتِ» [رواه أَبُو داود بإِسناد صحيحٍ] .

   وقَد كان للسَّلف الصَّالح حَالات مع الله في قيَام الليل، وقصصًا تفيضُ بها كتبُ السِّيرة، وتسَجِّل اجتهادهم وعنايتهم به، قال سَعيد بن المسيب رحمَه الله : إن الرَّجُل ليصلي بالليل، فيجعَل الله في وجْه نورًا يحبُّه عليه كل مُسْلم، فيراه من لم يره قَط فيقول : إنِّي لأحِبُّ هذا الرَّجُل !! .

   أخَذ الفضيل بن عِياض -رحمَه الله- بيد الحُسَين بن زياد -رحِمه الله-، فقَال له : يا حُسين : ينزل الله -تعالى- كُلَّ ليْلة إلى السَّماء الدنيا فيقول الربُّ: كَذب من أدَّعى محبتي فإذا جَنَّه الليل نَام عَني ؟!! أليس كل حبيبٍ يخلو بحبيبه ؟!! ها أنا ذا مطَّلع على أحبائي إذا جَنَّهم الليلُ، غدًا أقِرُّ عيونَ أحبَّائي في جَنَّاتي .

   قَالت امرأة مَسْروق بن الأجْدع : والله ما كان مَسْروق يصْبح من ليلة من الليالي إلا وساقاه منتفخَتان من طُول القِيام !! ....، وكان -رحمه الله- إذا طَال عليه الليل وتعِب صَلَّى جالسًا، ولا يترك الصَّلاة، وكان إذا فَرغ من صَلاته يزْحف ( أي إلى فراشه ) كما يزْحَف البَعِير !! 

   عن جعْفر بن زيد -رحمه الله- قال : خرجْنا غزاة إلى كأبول وفي الجيش صِلة بين أيشَم العَدوي  -رحمَه الله- قال : فترك النَّاس بعد العَتمَة ( أي بعْد العِشَاء ) ثم اضطَّجع فالتمسَ غفْلة النَّاس، حتى إذا نام الجيْش كلُّه وثبَ صِلة فدخَل غَيضَة وهي الشَّجَر الكثيفُ الملتفُّ على بعْضِه ، فدخَلتُ في أثرِه، فتوضَّأ ثم قَام يصَلِّي فافتتحَ الصَّلاة، وبينما هو يصَلي إذا جَاء أسَدٌ عظيمٌ فدَنا منه وهو يصَلَّي!! ففزعت من زئير الأسَد فصَعدت إلى شَجرة قَريبة، أما صِلة فوالله ما التفتَ إلى الأَسَد !! ولا خاف من زئيره، ولا بالى به !! ثم سَجَد صِلة فاقترب الأسَدُ منه فقلت: الآن يفترسُه !! فأخَذ الأسَد يدورُ حوله ولم يصِبه بأيِّ سُوء ، ثم لما فَرَغ صِلة من صَلاته وسَلَّم ، التفتَ إلى الأسَد وقال: أيُّها السَّبُع اطْلب رزقَك في مكانٍ آخَر !! فوَلَّى الأسَد وله زئيرٌ تتصَدَّع منه الجِبَال !! فما زالَ صِلة يصَلِّي حتى إذا قرُبَ الفجْر !! جلسَ فحَمِد محامَد لم أسمَع بمثلها إلا ما شَاء الله، ثم قال: الله إني أسألك أن تجِيرني من النار، أو مثلي يجْترئُ أن يسْألك الجنَّة !!! ثم رجَع -رحمه الله- إلى فراشِه (أي ليُوهِم الجيشَ أنَّه ظلَّ طُوال الليل نائمًا) فأصْبح وكأنَّه باتَ على الحشَايا (وهي الفُرش الوثيرة النَّاعمة والمراد هنا أنه كان في غَاية النَّشَاط والحيوية) ورجَعْت إلى فراشِي فأصبَحتُ وبي من الكَسَل والخُمُول شيء الله به عَليم .

   وما أجْمل أنْ يكون لكُم ليلةً أو ليلتين من كلٍ أسبوع تجتمعون فيها على الصَّلاة معًا، فكم من سَعادة في النَّفْس وهَناءَة في البَال تلك التي تُحدِثها هذه الرَّكعات، ما يتخَللها من دعواتٍ مباركاتٍ صادقاتٍ مخلصاتٍ، يستجيب لها الرَّب -سبحانه وتعالى- كما وعَد.

   واعلم – أخي الكَريم – أنَّ كل ما جمعْتَه من مَال لأبنائك وذرِّيتك، من حُطَام هَذه الدنيا هو زائِل لا محَالة، ولا يبْقى إلا مَا تركتَه فيهم من أثرٍ من ركعَة في ليلٍ، أو آية من كتابِ الله -عزَّ وجَل-، أو كلمةٍ طيِّبة تُعلِّمها إيَّاهم، أو خُلُق نبيل غَرستَه فيهم، أو صَدَقة عوَّدتهم عليها، أو وجْهًا أو بابًا من أبوابِ الخَير دللْتهم عليه، ذلك خيرٌ وأبقى، قال الله تعالى: " {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا} " [الكهف: (46)]  وقد ذكر الطَّبري في تفسِيرها: وعن عليّ، عن ابن عباس، قوله وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ قال: هي ذكر الله؛ قول لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، وتبارك الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأستغفر الله، وصلَّى الله على رسُول الله والصِّيام والصَّلاة والحجّ والصَّدقة والعِتْق والجِهاد والصِّلة، وجميع أعمَال الحَسَنات، وهنّ الباقيات الصَّالحات، التي تبْقى لأهلِها في الجَنة ما دامَت السَّماوات والأَرض.

  فليكُن لكَ ولأهْل بيتك نصِيبًا من صَلاة الليل، تقِفُون فيه ببَابه، وتُسِّرون إليه بحاجَاتكم، وترجُون فيه أن يمنحَكم السَّعادة وأنْ يهبَكم الطُّمأنينة والسَّكينة، فكَم من بابِ كانَ مغلقًا! وكَم من طَريق كان مَسْدودًا! وكم من مصيبةٍ نزلتْ بالعبْد! وكمْ من هَمٍّ وقَع به! وكَرْب اشْتدَّ عَليه! لم يرفعْه إلا ركعتَان في جوفِ الليل الآخِر، ودعْوة صَادقة ودمْعة حرَّى بين يَديْه – سبحَانه وتعالى- فعَوِّد نفسَك، ورَبِّ أبناءك وأهلَك على قيام الليل تنْعم بسَعادة الدُّنيا وفلاحِ الآخِرة والفَوز بهَا، وتكونوا أسْرةً سعيدة بإذن الله تعالى.

  • 0
  • 0
  • 277
المقال السابق
فَقِّهِّم
المقال التالي
هَدِّئ مِن رَوعِك

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً