فوائد مختارة من تفسير ابن كثير (9) من سورة لقمان إلى سورة الأحزاب

منذ 2022-10-03

فهذا الجزء التاسع من فوائد مختارة من تفسير الحافظ ابن كثير رحمه الله من سورة لقمان إلى سورة الأحزاب, أسأل الله أن ينفع بها.


الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين...أما بعد: فهذا الجزء التاسع من فوائد مختارة من تفسير الحافظ ابن كثير رحمه الله من سورة لقمان إلى سورة الأحزاب, أسأل الله أن ينفع بها.

عن ابن عباس رضي الله عنهما, في قوله تعالى: ﴿ {اذكروا الله ذكراً كثيراً} ﴾ [الأحزاب:41] إن الله تعالى لم يفرض على عباده فريضة إلا جعل لها حداً معلوماً, ثم عذر أهلها في حال العذر, غير الذكر, فإن الله تعالى لم يجعل له حداً ينتهي إليه, ولم يعذر أحداً في تركه, إلا مغلوباً على تركه, فقال: { فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ ۚ }  [النساء:103] بالليل والنهار, في البر والبحر, في السفر والحضر, والغني والفقر, والسقم والصحة, والسرّ والعلانية, وعلى كل حال.

  • لا أعصى رسول الله صلى الله عليه وسلم:  

عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله تعالى ﴿ {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة} [الأحزاب:36] الآية وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلق ليخطب على فتاه: زيد بن حارثة رضي الله عنه فدخل على زينب بنت جحش الأسدية رضي الله عنها فخطبها, فقالت: لست بناكحة, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( بل, فانكحيه )) قالت: يا رسول أؤامر في نفسي ؟ فبينما هما يتحدثان أنزل الله هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم, ﴿ { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً } ﴾ الآية, قالت: قد رضيته لي يا رسول الله منكحاً, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( نعم )), قالت: إذا لا أعصى رسول الله صلى الله عليه وسلم, قد أنكحته نفسي.

& قال طلق بن حبيب: التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله, وأن تترك معصية الله على نور من الله مخافة عذاب الله.

  • معنى الصلاة من الله عز وجل وملائكته على العبد:

الصلاة من الله تعالى, ثناؤه على العبد عند الملائكة, حكاه البخاري عن أبي العالية, ورواه أو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عنه, وقال غيره: الصلاة من الله عز وجل: الرحمة, وقد يقال لا منافاة بين القولين, والله أعلم. وأما الصلاة من الملائكة فبمعنى الدعاء للناس والاستغفار.     

& قوله تعالى: ﴿ {ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليُضلّ عن سبيل الله بغير علم} ﴾ [لقمان:6] قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: الغناء, والله لا إله إلا هو, يرددها ثلاث مرات....وكذا قال ابن عباس, وجابر رضي الله عنهما, وعكرمة, وسعيد بن جبير, ومجاهد, ومكحول, وعمرو بن شعيب, وعلي بن بديمة. وقال الحسن البصري: نزلت هذه الآية في الغناء والمزامير.

& الأشقياء الذين أعرضوا عن الانتفاع بسماع كلام الله, وأقبلوا على استماع المزامير, والغناء بالألحان, وآلات الطرب.

& المقبل على اللهو واللعب والطرب, إذا تليت عليه الآيات القرآنية ولى عنها, أعرض وأدبر, وتصامم وما به صمم كأنه ما سمعها, لأنه يتأذى بسماعها, إذ لا انتفاع له بها, ولا أرب له فيها,: ﴿ { فبشره بعذاب أليم} ﴾ [لقمان7] أي: يوم القيامة, يؤلمه كما تألم بسماع كتاب الله وآياته.

لقمان الحكيم:

& اختلف السلف في لقمان هل كان نبياً أو عبداً؟ على قولين, الأكثرون على الثاني

& جاء رجل أسود إلى سعيد بن المسيب, يسأله, فقال له سعيد بن المسيب: لا تحزن, من أجل أنك أسود, فإنه كان من أخيّر الناس ثلاثة من السودان, بلال رضي الله عنه, ومهجع مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه, ولقمان الحكيم كان أسود.

& كان لقمان عبداً حبشياً نجاراً, فقال له مولاه: اذبح لنا هذه الشاة, فذبحها, فقال: اخرج لنا أطيب مضغتين فيها, فأخرج اللسان والقلب, ثم مكث ما شاء الله, ثم قال: اذبح لنا هذه الشاة, فذبحها, أخرج أخبث مضغتين فيها, فأخرج اللسان والقلب, فقال له مولاه: أمرتك أن تخرج أطيب مضغتين فيها فأخرجتهما, وأمرتك أن تخرج أخبث مضغتين فيه فأخرجتهما, فقال له لقمان: إنه ليس من شيء أطيب منهما إذا طابا, ولا أخبث منهما إذا خبثاً.

& قال عمرو بن قيس: كان لقمان عبداً أسود, غليظ الشفتين, مصفح القدمين, فأتاه رجل وهو في مجلس ناس يحدثهم, فقال له: ألست الذي كنت ترعى الغنم في مكان كذا وكذا ؟ قال: نعم, قال: فما بلغك ما أرى ؟ قال: صدق الحديث, والصمت عما لا يعنيني.

& وقف رجل على لقمان الحكيم, فقال: أنت عبد بني الحساس...أنت راعي الغنم ...قال: نعم,...فما الذي يعجبك من أمري؟ قال: وطء الناس بساطك, وغشيهم بابك, ورضاهم بقولك, قال: إن أصغيت إلى ما أقول لك كنت كذلك, قال لقمان: غضي بصري وكفي لساني وعفة طعمتي وحفظي فرجي وقولي بصدق ووفائي بعهدي, وتكرمتي ضيفي, وحفظي جاري, وتركي ما لا يعنيني, فذاك الذي صيرني إلى ما ترى.

 

  • من وصايا لقمان لابنه:

& ﴿ { لا تشرك بالله} ﴾ [لقمان:13] أوصاه أولاً بأن يعبد الله وحده, ولا يشرك به شيئاً, ثم قال محذراً له: ﴿ إن الشرك لظلم عظيم ﴾ أي: هو أعظم الظلم.

& ﴿ {يا بني أقم الصلاة } ﴾ [لقمان:17] أي بحدودها وفروضها وأوقاتها.

& ﴿ { وأمر بالمعروف وانه عن المنكر } ﴾ [لقمان:17] أي: بحسب طاقتك وجهدك, ﴿ واصبر على ما أصابك ﴾ علم أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر, لا بد أن يناله من الناس أذى فأمره بالصبر, وقوله ﴿ إن ذلك من عزم الأمور ﴾ أي: إن الصبر على أذى الناس لمن عزم الأمور.   

& ﴿ {ولا تصغر خدك للناس} ﴾ [لقمان: 18] يقول لا تعرض بوجهك عن الناس إذا كلمتهم, أو كلموك, احتقاراً منك لهم, واستكباراً عليهم, ولكن ألن جنبك وابسط وجهك إليهم.

& ﴿ {ولا تمش في الأرض مرحاً } ﴾ [لقمان:18] أي خيلاء متكبراً جبار عنيد, لا تفعل ذلك يبعضك الله, ولهذا قال: ﴿ إن الله لا يحب كل مختال فخور ﴾ أي مختال معجب في نفسه, فخور أي على غيره.

& ﴿ {واقصد في مشيك } ﴾ [لقمان:19] أي: امش مشياً مقتصداً, ليس بالبطيء المتثبط, ولا بالسريع المفرط, بل عدلاً وسطاً, بين, بين.

& ﴿ {واغضض من صوتك} ﴾ [لقمان:19] أي لا تبالغ في الكلام, ولا ترفع صوتك فيما لا فائدة فيه, ولهذا قال: ﴿ {إن أنكر الأصوات لصوت الحمير} ﴾ قال مجاهد: إن أقبح الأصوات صوت الحمير أي غاية من رفع صوته أنه يشبه بالحمير في رفعه وعلوه, ومع هذا فهو بغيض إلى الله.

 

أما في الدنيا: فإنه هداهم إلى الحق الذي جهله غيرهم, وبصرهم بالطريق الذي ضلّ عنه وحاد عنه سواهم من الدعاة إلى الكفر, أو البدعة, وأساغهم من الطغام.

وأما رحمته بهم في الآخرة فآمنهم من الفزع الأكبر, وأمر ملائكته يتلقونهم بالبشارة بالفوز بالجنة, والنجاة من النار, وما ذاك إلا لمحبته لهم, ورأفته بهم.

  • الصبر:

& سجية الأثبات: الصبر على المصائب, والعلم بأن المقدر كائن لا محالة, وتلقى ذلك بالصبر والثبات, وإنما الصبر عند الصدمة الأولى, أي: أصعبه في أول وهلة, ثم ما بعده أسهل منه, وهو صدق في السجية وثباتها.

الصدق خصلة محمودة, ولهذا كان بعض الصحابة رضي الله عنه, لم تجرب عليه كذبة لا في الجاهلية, ولا في الإسلام, وهو علامة على الإيمان, كما أن الكذب أمارة على النفاق, ومن صدق نجا.

  • البهتان الكبير:

البهتان الكبير أن يحكي أو ينقل عن المؤمنين والمؤمنات ما لم يفعلوه, على سبيل العيب والتنقص لهم, ومن أكثر من يدخل في هذا الوحيد: الكفرة بالله ورسوله, ثم الرافضة الذين ينتقصون الصحابة, ويعيبونهم بما قد برأهم الله منه, ويصفونهم بنقيض ما أخبر الله عنهم, فإن الله عز وجل قد أخبر أنه قد رضي عن المهاجرين والأنصار, ومدحهم, وهؤلاء الجهلة الأغبياء يسبونهم, وينتقصونهم, ويذكرون عنهم ما لم يكن, ولا فعلوه أبداً فهم في الحقيقة منكسو القلوب يذمون الممدوحين ويمدحون المذمومين

 

صنف الناس في الأذكار المتعلقة بآناء الليل والنهار كالنسائي, والمعمري, وغيرهما, ومن أحسن الكتب المؤلفة في ذلك: كتاب " الأذكار ", للشيخ محيى الدين النووي, رحمه الله.

  • منوعات:

& قوله تعالى: ﴿ { وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى دُونَ العَذَابِ الأكْبَرِ } ﴾ [السجدة:21] قال ابن عباس رضي الله عنهما: يعنى بالعذاب الأدنى: مصائب الدنيا, وأسقامها, وآفاتها, وما يحلّ بأهلها مما يبتلي الله به عباده ليتوبوا. وقال البراء بن عزب ومجاهد وأبو عبيدة: يعني به عذاب القبر.

& {فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ ۖ  }  [السجدة:14] أي: يقال لأهل النار على سبيل التقريع والتوبيخ ذوقوا هذا العذاب, بسبب تكذيبكم واستبعادكم وقوعه, وتناسيكم له, إذ عاملتموه معاملة من هو ناس له ﴿ {إنا نسيناكم } ﴾ أي سنعاملكم معاملة الناسي, لأنه تعالى لا ينسي شيئاً ولا يضلّ عنه شيء.

& قال قتادة: إياكم والأعراض عن ذكر الله, فإن من أعرض عن ذكره, فقد اغتر أكبر الغرة, وأعوز أشد العوز, وعظم من أعظم الذنوب.   

& يذكر تعالى تربية الوالدة, وتعبها, ومشقتها في سهرها ليلاً ونهاراً, ليذكر الولد بإحسانها المتقدم إليه.

& لو أن جميع أشجار الأرض جعلت أقلاماً, وجعل البحر مداداً, وأمده بسبعة أبحر معه, فكتبت بها كلمات الله, الدالة على عظمته وصفاته وجلاله, لتكسرت الأقلام, ونفذ ماء البحر, ولو جاء أمثالها مدداً.

 

& لا ينبغي للرجل أن يكون إماماً يقتدى به حتى يتحامى عن الدنيا.

& قال بعض العلماء: بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين.

& أرسل الله عز وجل على الأحزاب ريحاً شديدة الهبوب, قوية, حتى لم يبق لهم خيمة ولا شيء, ولا توقد لهم نار, ولا يقرّ لهم قرار, حتى ارتحلوا خائبين خاسرين.

& قوله ﴿ {وجنوداً لم تروها } ﴾ [الأحزاب:9] هم الملائكة, زلزلتهم والقت في قلوبهم الرعب والخوف.

& ﴿ {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً} ﴾ [الأحزاب:21] هذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله.

& الأحزاب....سلط عليهم هواء فرق شملهم, كما كان سبب اجتماعهم من الهوى, وهم أخلاط من قبائل شتى أحزاب وآراء, فناسب أن يرسل عليهم الهواء الذي فرق جماعتهم, وردهم خائبين خاسرين بغيظهم وخنقهم.

& لا تخاطب المرأة الأجانب كما تخاطب زوجها....تخاطب الأجانب بكلام ليس فيه ترخيم.

& قال مجاهد: كانت المرأة تخرج تمشي بين الرجال فذلك تبرج الجاهلية.

& القنوت هو الطاعة في سكون.

& الخشوع: السكون والطمأنينة والتؤدة والوقار والتواضع, والحامل عليه الخوف من الله تعالى ومراقبته.

& الصدقة: هي الإحسان إلى الناس المحاويج الضعفاء, الذين لا كسب لهم, ولا كاسب, يعطون من فضول الأموال, طاعةً لله وإحساناً إلى خلقه.

& يختبر عباده بالخوف والزلازل ليميز الخبيث من الطيب.

& قال محمد بن الحسين بن علي _ من ولد علي رضي الله عنه _ : ما دخل قلب رجل من شيء من الكبر, إلا نقص من عقله بقدر ذلك.

& الصوم زكاة البدن, أي: يزكيه ويطهره وينقيه من الأخلاط الرديئة طبعاً وشرعاً....والصوم من أكبر العون على كسر الشهوة.

& كل رسول نبي, ولا ينعكس.   

& ذكر الخطيب البغدادي, في كتابه " الجامع لآداب الراوي والسامع " قال: رأيت بخط الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله, كثيراً ما يكتب اسم النبي صلى الله عليه وسلم من غير ذكر الصلاة عليه كتابة, قال: وبلغني أنه كان يصلي عليه لفظاً.

& عن ابن عباس عن عمر, رضي الله عنهم, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, طلق حفصة, رضي الله عنها, ثم راجعها. وهذا إسناد قوي.

                    كتبه / فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ

 

  • 1
  • 1
  • 342

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً