توحيد العبادة

منذ 2023-01-05

العبادة حق لله رب العالمين، ولا تجوز لغيره من الخَلْق، كائنًا من كان، كان مَلَكًا، أو نبيًّا، أو مَلِكًا، أو رئيسًا، أو صالحًا أو طالحًا، أو شجرًا، أو حجرًا، أو شمسًا، أو قمرًا.

العبادة حق لله رب العالمين، ولا تجوز لغيره من الخَلْق، كائنًا من كان، كان مَلَكًا، أو نبيًّا، أو مَلِكًا، أو رئيسًا، أو صالحًا أو طالحًا، أو شجرًا، أو حجرًا، أو شمسًا، أو قمرًا.

 

فكل مخلوق لا يستحق العبادة، أيًّا كان نوعها؛ فلا يستحق الركوع، ولا السجود، ولا الذبح، ولا النذر، ولا الصلاة، ولا الصيام، ولا غيرها؛ لأنها حقٌّ لله الذي أمر بها، وخلق الخلق من أجلها، وفرضها عليهم جميعًا، حتى استوى فيها الذكر والأنثى، والغني والفقير، والحاكم والمحكوم، والحُرُّ والعبد، والشريف الذي يزعم الشرف لنفسه والوضيع الذي وضعه الناس؛ لأنهم جميعًا عبيد لله ربِّ العالمين {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} [مريم: 93]، وصرَّح بأنه ما خلقهم إلَّا لأجل العبادة؛ قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: {إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}؛ أَيْ: إِلَّا لِآمُرَهُمْ أَنْ يَعْبُدُونِي وَأَدْعُوَهُمْ إِلَى عِبَادَتِي؛ ذكره البغوي في ((معالم التنزيل))، ثم قال: يؤيده قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا} [التوبة: 31].

 

فيعلم من ذلك: أنَّ العزة، والشرف، والرفعة، لا تكون إلا بالطاعة لله رب العالمين، وكلما اقترب العبد من ربِّه، ازداد شرفًا، وجاهًا، ورفعةً، من ربه، وكلما بعد عنه، سقط من عين ربِّه، ومن عين مخلوقاته تبعًا لذلك؛ فالشريف العظيم حقًّا هو القريب من العظيم، والساقط البعيد عن الشرف والعظمة هو البعيد من ربِّه، وإذا كان الرجل يجد الأُنسَ، والفرح، والبهجة بقُربِه ممن يُحب من الرجال، فكيف بالقرب من الله، ودعائه، ومناجاته، والبكاء له، والخضوع بين يديه؛ كأنك تراه؟! وكيف لو أنه فعل ذلك في الثلث الأخير من الليل حيث النداء الإلهي ((مَن يدعوني فأستجيبَ له..))؟!

 

ويُعلَم ممَّا سبق: أن الخسران الحقيقي: هو خسران الطاعة لله؛ فلو أن العبد خسر الدنيا، وما فيها، ولم ينل منها حظًّا، بل كان فقيرًا ضائعًا متشرِّدًا، مُهانًا لا يريده أحد، ولا يحبُّه أحد، ولا يريد استقباله أحد؛ بل أبغضوه جميعًا، وفرُّوا منه، وهجروه، فلا يضُرُّه ذلك إن كان لربِّه طائعًا، منيبًا، خاشعًا، ذاكرًا، وربما فاقهم منزلةً عند ربِّ العالمين، فالعبرة برفعة الله للعبد، لا برفعة الناس، وبحبه، لا بحب الناس، وكم من صالح نال منه الخلق، وأبغضوه، وأسقطوه زورًا وبهتانًا، واتباعًا لما يريدون، ولما وضعوه من القوانين المحدثة في الدين، فاتخذوا من أقوالهم الإمام، أو من الجهلة الذين لا قيمة لقولهم في الشريعة، فهذه الشريعة لله ربِّ العالمين، وهي أجل من أن تسلم للجهلة الذين يُضِلُّون الخلق، ويأخذون بأيديهم إلى الهلاك، وربهم يريد لهم النجاة، وما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلا رحمةً لهم، ولا يجوز لواحد ممن ليس من العلماء، القول في الشريعة، ولا الحكم فيها - وهو من أهل الجهل أو النقص - إنما ذلك للعلماء الذين يعلمون الحق، ويرحمون الخلق؛ فلا يحكمون لهوى، ولا انتصارًا لمذهب ما، أو طائفة ما، ولو كان القول في الشريعة للناس جميعًا، لضاعت الشريعة، ولَحكم الناس بالأهواء، ولأخرجوا من الدين مَن لا يريدون، أو حكموا عليه بالانحراف؛ كما هي الحال مع الذين يفرضون آراءهم على المسلمين، ويُوجِبون عليهم الأخذ بها، ويشوِّشون على المسلمين الجُدُد، ويوهمونهم أن الدين على الحال التي هم فيها، قال الإمام الشاطبي: ((الاعتصام)) (2/571): (وكذلك تقديم الجُهَّال على العلماء، وتولية المناصب الشرعية مَن لا يصلح بطريق التوريث، هو من قبيل ما تقدَّم، فإن جعل الجاهل في موضع العالم حتى يصير مفتيًا في الدين، ومعمولًا بقوله في الأموال والأبضاع وغيرها محرم في الشريعة)؛ انتهى.

 

ولا أخسر ممن ضيَّع دينه، ومرق منه، بأن اتخذ المخلوق الضعيف إلهًا؛ فعبده، ودعاه، ورجاه، واستغاث به، وعلق قلبه به، وربما فيه من التعظيم للمخلوق الضعيف ما ليس للخالق العظيم!

 

وأي ضلال أعظم من هذا؟! فهو بلسانه يُقِرُّ لله بالربوبية، والعظمة، والملك، وأنه رب هذا الكون، وخالقه، وخالق الذي فيه من الخلق؛ صغيره وكبيره، دقيقه وجليله، وأقرب المخلوقات إلى عينه السماء، وفيها من الآيات والبراهين على الربوبية ما لا يمكن الإحاطة به، {اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [غافر: 64]، وقال تعالى: {أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا} [النازعات: 27 - 29]، وقال: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [غافر: 57].

 

وهو تحت ظِلِّها، يعيش مما نزل منها، وممَّا يخرج به، من النبات، والزرع، والشجر، والثمر، ولو أراد النفوذ منها إلى غيرها، لَما استطاع إلى ذلك سبيلًا {يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا} [الرحمن: 33].

 

وفوق ذلك هي دليل على اتِّصاف الخالق بالقدرة والعلم الذين ليس لمَن تحتها منه حظ، ودليل على عظمته، وعلوه، وأنه فوق مَن تحتها، وأنهم عالة عليه، وأنَّ له الفضل عليهم، وأنهم في غاية الضعف، ولا يملكون لأنفسهم ضرًّا ولا نفعًا، ولا يخلقون مثقال ذرة.

 

ويعلم منه: ضلال الذي صرف العبادة للمخلوق الذي تحت هذه السماء، وهو على يقين بأن الله هو الذي خلقها، وأنها ملك له، وأنه لا أعظم منه، ولا أجل منه، وأنه على كل شيء قدير، وأنه يسمع ما لا يسمعه المخلوقات، ويرى ما لا يراه المخلوق الضعيف؛ فذهب بعد ذلك كله إلى الميت الذي تحت التراب؛ فدعاه، وشكا أمره، وبكى له؛ فهو مخلوق أولًا، ميت ثانيًا، تحت التراب ثالثًا، مع ذلك كله أحسن الظن به، وقصد قبره، ودعاه، ورفعه له الحاجة، وأساء الظن بربِّ العالمين، الحي القيوم، الذي لا تأخذه سِنَة ولا نوم، السميع البصير، الرحمن الرحيم، الذي وسعت رحمته كل شيء، والذي لا يساويه في الكرم والجود مخلوق {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ} [العلق: 3]، أمر عباده بسؤاله، ووعدهم بالإجابة، وغضب على من لا يسأله، ولا يطرق أبوابه، وهو يحب السائلين له، وكلما كان العبد من السؤال أقرب، كان أقرب من الرحمة، والإجابة، ومن ربِّه، وهو العليم الذي أحاط علمه بكل شيء، وهو أعلم بهم، وبحالهم، أكثر من علمهم به، وكم من مخلوق كان في أسوأ الحالات، وأشد الكربات؛ فكشف عنه همَّه، وأزال عنه كربه، وازداد حبًّا، وقربًا، وإيمانًا بربِّه.

 

وإذا علم أنه على كل شيء قدير، وأنه أحاط بكل شيء علمًا، وأنه غني حميد، رؤوف رحيم، سميع بصير، كريم جواد، علم بأنه لا يستحق الدعاء، ولا الرجاء، ولا الخوف، ولا التوكُّل، صنم، ولا حجر، ولا قبر، ولا جن، ولا ملك ولا إنسان - فيما لا يقدر عليه- كان من الصالحين أو الطالحين، حتى الأنبياء؛ لأن الكمال لله ربِّ العالمين؛ فهو الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وما من حركة إلا وهو سامع بها، مُطَّلِع عليها، وهو الذي يسمع الأصوات بشتى الألوان، ومختلف اللغات، ولا يختلط عليه صوت بصوت، ولا مخلوق بمخلوق، فكل صوت هو سامع به، مطلع على صاحبه، خلافًا للمخلوق، فإنه في غاية الضعف، وفيه من النقص ما لا يستحق معه الدعاء، ولا الرجاء، ولا الاستغاثة، وإن الخضوع للمخلوق الضعيف وصرف العبادة له، لَكذب عليه بلسان الحال؛ إذ كيف استحقَّ المخلوق الذي هو مثلك منك الخضوع والعبادة وأنت على يقين بأنه لا فرق بين وبينه؟! فلِمَ الخضوع والتَّعَبُّد له؟! فإذا كان الخير الذي يصيبه من الحياة والصحة وشتى الأرزاق، هو عين الخير الذي يصيبك ولا فرق؛ فلِمَ طلَبُ الخير منه وهو لا يملك خيرًا؟!

 

وهذا الاسفهام لعُبَّاد الآدميين، من النصارى الذين يعبدون المسيح الذي هو عبد لله، وعُبَّاد القبور والأضرحة؛ كضريح الحسين، والبدوي وغيرهما.

 

وقد ورد في العبادة وإفراد الله بها، وجعلها له وحده لا شريك له، غير ما برهان، منها قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]، وقوله: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 21]، وقوله: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [النساء: 36]، وقوله: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36]، وقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج: 77]، وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الأعراف: 194]، وقوله: {إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 14].

 

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الْإِسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ، وَلَا تُشْرِكَ بِهِ»؛ (أخرجه البخاري).

 

وعَنْ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ: عُفَيْرٌ، فَقَالَ: «يَا مُعَاذُ، هَلْ تَدْرِي حَقَّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ؟ وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ»؟، قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقَّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَلَّا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا»؛ (أخرجه البخاري).

 

وهذه الأحرف - في توحيد العبادة - كنت قد كتبتها ضمن كتابي "الإكليل في توحيد الله الجليل"، ورأيت أن من المصلحة الشرعية إفرادها بمقالٍ، ولعَلَّ الله أن يُيسِّر لنا رفعَ القسم الأول من كتاب "الإكليل" إلى الشبكة ها هنا، يسَّر الله ذلك.

___________________________________________________

الكاتب: ناصر الدين عبدالرحمن طاهر

  • 3
  • 0
  • 586

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً