التنشئة الدينية في الصغر كالنقش على الحجر

منذ 2023-07-16

التربية والتعليم في الصِّغَر كالنقش على الحجر، هكذا قال أجدادنا؛ اعترافًا منهم بأهمية دور الأسرة في النشأة باعتبارها المحضن الأول للطفل

التربية والتعليم في الصِّغَر كالنقش على الحجر، هكذا قال أجدادنا؛ اعترافًا منهم بأهمية دور الأسرة في النشأة باعتبارها المحضن الأول للطفل، وتُعَدُّ التنشئة الدينية على حب الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- فرضَ عينٍ على أفراد الأسرة، التي تُعَدُّ اللبِنَة الأولى لبناء مجتمع إسلامي معتزٍّ بدينه ووطنه، مِنْ هنا تأتي أهمية توضيح عرض أهمية التربية الدينية؛ حتى ينفذها الآباء والأمهات بالأفعال قبل الأقوال.

 

الأطفال وحب الله ورسوله:

يجب أن نربي ونُعَوِّد أطفالنا على حب الله تعالى منذ الصغر، فمن يتربَّ على حب الله منذ صغره، فهو إن وقع في الخطأ عند الكبر فإنه سرعان ما يتوب ويعود إلى الله؛ لأن قلبه معلق بحب الله تعالى وبخشيته، كما أن محبة الله ورسوله تجلب السعادة في الدنيا وفي الآخرة، ويكون حب الله ممحِّصًا له في الشدائد، وسندًا له وعونًا، فيجب أن نُعَوِّد أبناءنا على حب الله تعالى، والنبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أكثرَ من أي مخلوق آخر، كما يجب أن نعلمهم ونزرع في قلوبهم كره الكفر والشرك بالله، وكُرْه النار والكفار والمشركين، وأن يسعوا دائمًا وطيلة حياتهم إلى حب الله تعالى ورسوله؛ فالله يحب عباده، فكيف لا يحب العبادُ الله؟ وتظهر مظاهر حب الله تعالى لعباده في كثير من آياته - سبحانه وتعالى - إذ يقول: {يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} [الفرقان: 70] وما إلى هذه الآيات التي يُظْهِر فيها الله تعالى رحمته ورأفته بعباده.

 

كما يجب أن نعلِّم أبناءنا أنَّ حب الله تعالى ليس بالرزق الكثير، ولا بالمال الوفير وحسْب، ولكن المال والرزق يمكن أن يكونا سببًا لنقمة الله - عز وجل - على عبده، مثلما استجاب الله تعالى دعاء إبليس، الذي طلب من الله تعالى أن يؤجل عقابه إلى يوم الدين، فاستجاب الله لدعائه، ولكن ليوقعه في شر الأعمال، ولكن مظاهر حب الله تظهر في الابتلاء، وفي مدى صبر العبد على البلاء، فقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «مَن كانَ يُحِبُّ أن يَعلَمَ مَنزِلَتَهُ عِندَ اللهِ، فَلْيَنظُرْ كَيفَ مَنزِلَةُ اللهِ عِندَهُ»، وفي حديث آخر يقول -صلى الله عليه وسلم-: «إذا أحَبَّ اللهُ العَبدَ، نادى جِبريلَ: إنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلانًا فَأَحبِبْهُ، فَيُحِبُّهُ جِبريلُ، فَيُنادي جِبريلُ في أهلِ السَّماءِ: إنَّ اللهَ يحبُّ فُلانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أهلُ السَّماءِ، ثُمَّ يوضَعُ لَهُ القَبولُ فِي الأَرضِ»؛ لذا يجب علينا أن نربي أولادنا على حب الله ورسوله والإسلام والمسلمين، ويجب أن نعود أبناءنا على الكلمات التي تدل على أن الله تعالى يراهم، وأن الله معهم، وأن الله يراقبهم ويساعدهم، فالطفل يحب أمه وأباه؛ لأنهما معه دائمًا، ويساعدانه ويراقبانه في تصرفاته، فلو علم أن الله تعالى يفعل كل ذلك - ولله المثل الأعلى - فإن قلبه سيتعلق بخالقه - سبحانه وتعالى.

 

أما عن حب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيجب أن نعود أبناءنا على حب رسول الله من خلال تعاليمه -صلى الله عليه وسلم- التي علَّمَنا إياها، فلم يترك الحبيب -صلى الله عليه وسلم- شيئًا في حياتنا إلا علمَنَا إياه، فيجب على الأم أن تزرع تلك الأشياء في نفس طفلها، وتقرأ له سيرة الرسول وقصصه - عليه الصلاة والسلام - وتُعَلِّمه أن حب الله ورسوله من كمال الإيمان؛ حيث قال -صلى الله عليه وسلم-: «فوالذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده»، وتُعَلِّم أبناءها أن حب الله في اتباع رسوله؛ فقد قال الله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].

 

الأطفال والقيم الإسلامية:

قال الدكتور عبدالفتاح إدريس - الأستاذ بكلية التربية جامعة الأزهر -: لا شك أن التربية جزء هام جدًّا في حياة الإنسان، وخاصة التربية القائمة على أساس ديني وعلى عقيدة دينية راسخة، وقد أكد كثير من التربويين أن التربية الدينية للأبناء أحد أجود أنواع التربية، فيجب على الوالدين أن يسعيا ويبذلا قصارى جهدهما لتعليم أبنائهما الدين الإسلامي الذي بعث الله تعالى به سيد الخلق -صلى الله عليه وسلم- فيجب على الوالدين زرع وترسيخ العقيدة الإسلامية داخل أبنائهما، ويتم ذلك من خلال الاستمرار في ذكر اسم الله - سبحانه وتعالى - أمام الطفل، وينبغي أن يكون ذكر اسم الله في الأوقات الطيبة؛ كمثل قول: "الحمد لله" عند حدوث شيء جيد، وتوعية الطفل بأنه إذا فعل كذا، فإن الله تعالى سيُحِبه، وإذا أحبه الله فإنه سيُدْخِله الجنة يوم القيامة، والابتعاد عن تنفير الأطفال بالأقوال التي بها العذاب والجحيم، وما إلى ذلك، كما يجب أن تذكر الأم عظمة الله تعالى في خلق الكون، وجعله يتأمل في كل المخلوقات، كما أنه من أهم الأشياء أن يقوم الأب والأم بتعويد أبنائهما على اتخاذ الرسول -صلى الله عليه وسلم- قدوة لهم، ويقولا له دائمًا: "الرسول كان يفعل كذا"، و"الرسول علَّمَنا كذا" وما إلى ذلك، وتوجيه الطفل إلى هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- من خلال المواقف المختلفة، وتقول له الأم: إن الرسول نَهَانَا عن كذا، وأمرنا بكذا.

 

وأكد إدريس على أنه يجب على الوالدين أن يقوما بتعويد الأطفال على العادات الإسلامية الأصيلة منذ الصغر، مثل: الصوم، والصلاة، وما إلى ذلك، فضلاً عن تحفيظهم القرآن منذ الصغر، وتشجيع الطفل على الالتزام بخُلق الدين الحنيف في شتى المجالات، فضلاً عن تنمية القِيَم الاجتماعية التي حثَّنا عليها الإسلام؛ مثل: زيارة الأقارب، وزيارة المريض، والنظافة، والصدق، والأمانة، وغيرها من التعاليم الإسلامية، كما يجب الاستفادة من قصص الأنبياء والصالحين؛ لتحفيز الأطفال للقيام بأفعال معينة، والبعد عن أخرى، واستخدام الأناشيد الدينية والتربوية؛ لغرس القيم والمبادئ في نفوس الأطفال، ويبقى عدم المغالاة في تربية الأبناء تربية دينية، وتكليف الأبناء فوق طاقتهم؛ حتى لا يكرهوا الالتزام بالدين، ولا ننفرهم من القيام بتعاليم الدين الإسلامي، بل يجب المحافظة على أوقات المرح بالنسبة للأبناء، وعدم التركيز على تعلُّم الدين فقط؛ حتى لا يصابوا بالملل.

 

فتى قلبه معلق بالمسجد، وفتاة تحب الحجاب:

قال الدكتور صبري عبدالرؤوف - أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر -: المسجد من أهم المؤسسات الدينية الموجودة في العالم الإسلامي، وأهم وأعظم مدرسة عرفتْها البشرية؛ لذا يجب علينا أن نربط الأطفال بالمساجد منذ الصغر؛ حتى يتعودوا عليها، كما يجب أن نعلق قلوبهم بالمساجد منذ الصغر؛ ليكونوا شبابًا قلبهم معلق بالمساجد؛ ليظلهم الله في ظله يوم القيامة، ومن أهم الوسائل التي تجعل الأبناء قلوبهم معلقة بالمساجد اصطحاب الأبناء في الصلاة، وخاصة صلاة الجمعة، وتعليم الابن الجلوس بجانب الأب، وعدم اللهو بالمسجد؛ حتى لا يُشَوِّش على الكبار، وتدريبه على الاستماع إلى الخطبة، والإنصات إليها، وبعد الصلاة نشجعه لكي يُكَوِّن صداقات داخل المسجد من الأطفال المصلِّين مثله، أو بالرجال كبار السن، وما إلى ذلك، واصطحاب الابن إلى صلاة القيام في رمضان، والاستماع إلى القرآن الكريم، وتعليمهم آداب المسجد؛ من عدم إزعاج المصلين، والحفاظ على نظافة المسجد، وما إلى ذلك، كما يجب ربط صلاة الجمعة بزيارة الأماكن المحببة إلى قلب الطفل، مثل: زيارة الجد، أو شراء الأغراض، وما إلى ذلك؛ حتى يحب صلاة الجمعة.

 

وأكد عبدالرؤوف على أن الحجاب من أهم الأشياء التي يجب تعويد البنات الصغيرات عليه منذ الصغر، فالحجاب هو الذي يسترهن، والحجاب هو تاج المرأة والفتاة، ولكن يجب أن تكون هناك طرق لينة بعيدة عن العنف والإلزام لتعويد الفتيات على الحجاب، وجعله محببًا لديهن، فيجب أن يبدأ الوالدان في تعويد الابنة على الحجاب منذ الصغر؛ لأنها إذا كبرت وبلغت وهي ليست محجبة، فإنه من الصعب إقناعها بالحجاب بشكل سريع، ولكن سيحتاج كثيرًا من الوقت، كما يجب إظهار محاسن الحجاب للفتيات، مثل: إبداء الإعجاب به إذا أرادته الفتاة، وتقول لها: إنه يجعلها جميلة، ويجعل وجهها منيرًا، وإخبارها بأن الله تعالى يحب ويرضى عن المحجبات من الفتيات والنساء، وأنها ستفعل ذلك لمرضاة الله، ليس لأنه أصبح عادة وفرضًا عليها، كما يمكن أيضًا أن تعرض الأم على الفتاة النماذج النسائية المحجبة والناجحة في عملها، والتي لها مكانة في المجتمع، والتعريف بأن المرأة يجب أن تكون مستورة، ولا تنكشف على أي أحد، وأن الحجاب من صفات الاحترام والصلاح، وللصحبة دور هام في تكوين السلوك، فيجب الحرص على أن تصاحب الابنةُ الفتياتِ الملتزمات والمحتشمات، وأن تكون الأم قدوة ومثلاً يُحتذَى بها من جانب الابنة، في الأخلاق والسلوكيات، وأخيرًا تعتبر الهدية من أهم السبل للوصول إلى قلب الإنسان، فيجب أن تتم مكافأة الابنة عند احتشامها وارتدائها للحجاب.

____________________________________________________
الكاتب: أحمد جمال سالم

  • 3
  • 1
  • 1,071

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً