خُطْبَةٌ بِعُنْوَانِ : جُهْدُ اَلطَّاقَةِ فِي بِرِّ الْأُمِّ
اَلْعُنْصُرُ الْأَوَّلُ: وَصِيَّةُ اللَّهِ تَعَالَى بِلْإِحْسَانِ إِلَى الْوَالِدَيْنِ. الْعُنْصُرُ الثَّانِي: عَجْزُ الْإِنْسَانِ أَنْ يُوفِيَ حَقَّ أُمِّهِ. ....
✍: اَلْعَنَاصِرُ الْأَسَاسِيَّةُ :
✍: اَلْعُنْصُرُ الْأَوَّلُ: وَصِيَّةُ اللَّهِ تَعَالَى بِلْإِحْسَانِ إِلَى الْوَالِدَيْنِ.
✍: الْعُنْصُرُ الثَّانِي: عَجْزُ الْإِنْسَانِ أَنْ يُوفِيَ حَقَّ أُمِّهِ.
✍: الْعُنْصُرُ الثَّالِثُ: بَرَكَةُ الْإِحْسَانِ إِلَى الْوَالِدَيْنِ.
✍: الْمَوْضُوعُ
وَرَدَ فَى صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ « أَقْبَلَ رَجُلٌ إِلَى نَبِىِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ فَى سَبِيلِ اللَّهِ أَبْتَغَى الْأَجْرَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ هَلْ مِنْ وَالِدَيْكَ أَحَدٌ حَىٌّ ؟ قَالَ نَعَمْ كِلَاهُمَا حَىٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ تَبْتَغَى الْأَجْرَ مِنْ اللَّهِ ؟ قَالَ نَعَمْ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَارْجِعْ الَى وَالِدَيْكَ فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُمَا ) » .
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْكِرَامُ : إِذَا كَانَ الْإِسْلَامُ قَدْ حَثَّ عَلَى وُجُوبِ الْوَفَاءِ الَى الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ فَإِنَّهُ رَكَّزَ وَشَدَّدَ عَلَى الْوَفَاءِ لِلْأُمِّ خَاصَّةً . .
قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «« إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُوصِيكُمْ بِأُمَّهَاتِكُمْ إِنَّ اللَّهَ يُوصِيكُمْ بِأُمَّهَاتِكُمْ إِنَّ اللَّهَ يُوصِيكُمْ بِأُمَّهَاتِكُمْ »
وَإِذَا كَانَ الْإِسْلَامُ قَدْ رَهِبَ مِنْ عُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ وَعَدَّهُ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ فَقَدْ رَهِبَ وَخَوِفَ مِنْ عُقُوقِ الْأُمَّهَاتِ خَاصَّةً . .
قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «« إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ عَلَيْكُمْ ثَلَاثًا وَكَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الْأُمَّهَاتِ وَمَنْعًا وَهَاتَ وَوَأْدَ الْبَنَاتِ وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ وَإِضَاعَةَ الْمَالِ »»
إِذَا كَانَ الْإِسْلَامُ قَدْ عَظَّمَ حَقَّ الْآبَاءِ وَوَصَّى بِهِمْ مِرَارًا فَإِنَّ الْإِسْلَامَ قَدْ عَظَّمَ حَقَّ الْأُمَّهَاتِ أَكْثَرَ وَوَصَّى بِهِنَّ مِرَارًا وَتَكْرَارًا . . «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي ؟ قَالَ « أُمُّكَ قَالَ ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ أُمُّكَ قَالَ ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ أُمُّكَ قَالَ ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ أَبُوكَ »» «»
وَحِينَ مَدَحَ اللَّهُ تَعَالَى الْمَسِيحَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ عَلَى لِسَانِهِ {( وَبِرًّا بِوَالِدَتَى وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّارًا عَصِيًّا )}
الْأُمُّ : هَى الْيَدُ الْحَانِيَةُ لَنْ تَمَسَّ حَرِيرًا وَلَا دِيبَاجًا أَلْيَنَ مِنْ كَفِّهَا . .
اَىْأُمٌ : هَى اَلْقَلْبُ اَلْكَبِيرُ اَلْحَنُونُ اَلْعَطُوفُ اَلْمِعْطَاءُ . .
الْأُمُّ : هِيَ الَّتِي تُعْطَى بِغَيْرِ حِسَابٍ . .
الْأُمُّ : هِيَ الَّتِي تَجُودُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ بِكُلِّ مَا لَدَيْهَا مِنْ قُوَّةٍ وَصِحَّةٍ وَجُهْدٍ وَمَالٍ وَهَى مَسْرُورَةُ الْخَاطِرِ . .
مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ تَرَى فِيهِ الْأُمُّ وَلَدَهَا عَزْمُهَا مَعْقُودٌ عَلَى أَنْ تَسْهَرَ وَلَا تَنَامَ لَوْ وَصَلَ بِهَا الْحَالُ لِأَنْ تَجُوعَ وَتُطْعِمَ صِغَارَهَا لَنْ تَتَأَخَّرَ أَنْ تَكْسُوَهُمْ وَتَنْسَى نَفْسَهَا لَنْ تَتَرَدَّدَ سَعَادَتُهَا وَأُنَسُهَا أَنْ تَرَى بَصَمَاتِ جَهْدِهَا عَلَى أَوْلَادِهَا وَقَدْ سَجَّلَ التَّارِيخُ أَنَّ وَرَاءَ كُلِّ عَظِيمٍ امْرَأَةً . . هَى فَى الْغَالِبِ أُمُّهُ . .
تَحْمِلُ الْأُمُّ بِوَلَدِهَا كُرْهًا يَسْكُنُ أَحْشَائَهَا يَتَغَذَّى وَيَتَكَوَّنُ مِنْ دِمَائِهَا وَمِنْ لَحْمِهَا وَشَحْمِهَا وَعِظَامِهَا فَتْرَةً تَبْلُغُ مِائَتَيْنِ وَسَبْعِينَ يَوْمًا وَعِنْدَ وِلَادَتِهِ تَخْتَلِفُ أَضْلَاعُهَا فَى صَدْرِهَا فَتَضَعُهُ كُرْهًا وَفِصَالُهُ فَى عَامَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ . .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى{ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا }
وَبَعْدَ الْوِلَادَةِ . .
اَلْأُمُّ : هَى الْمَسْئُولُ اَلْأَوَّلُ عَنْ مَأْكَلِهِ عَنْ مَشْرَبِهِ عَنْ مَلْبَسِهِ عَنْ وَاجِبَاتِهِ . .
أَحْمَالٌ وَأَعْبَاءٌ وَهُمُومٌ أَقَلُّ مَا يُقَالُ فِيهَا أَنَّهَا تَقْصِمُ ظَهْرَ الْأُمِّ نَسْأَلُ اللَّهَ الْكَرِيمَ أَنْ يَجْعَلَ جَهْدَ أُمَّهَاتِنَا مَعَنَا فَى مِيزَانِ حَسَنَاتِهِنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
إِذَا كُنَّا فِى لِقَاءِنَا هَذَا نَتَحَدَّثُ عَنْ ضَرُورَةِ الْوَفَاءِ لِلْأُمِّ فَاعْذُرُونَى : -
فَلَنْ أَسْتَطِيعَ . . وَلَنْ يَسْتَطِيعَ أَىُّ إِنْسَانٍ مَهْمَا تَكَلَّمَ وَمَهْمَا جَلَسَ تَحْتَ قَدَمِ أُمِّهِ وَمَهْمَا خَدَمَهَا وَحَمَلَهَا وَطَبَبَهَا وَأَطْعَمَهَا وَرَعَاهَا أَنْ يُوَفِّيَهَا حَقَّهَا أَبَدًا . .
قَالَ رَجُلٌ لِعُمَرَ إِنَّ لِى أُمًّا بَلَغَ مِنْهَا الْكِبَرُ أَنَّهَا لَا تُقْضَى حَاجَتَهَا الَّا وَهَى مَحْمُولَةٌ عَلَى ظَهْرَى . . فَهَلْ تَرَانِى وَفَيْتُ أُمَّى حَقَّهَا يَا عُمَرُ ؟
فَقَالَ عُمَرُ لَا وَاللَّهِ مَا وَفَيْتَهَا حَقَّهَا هَىَ حَمَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَكَانَتْ تَتَمَنَّى بَقَائَكَ وَحَيَاتَكَ وَأَنْتَ تَحْمِلُهَا الْيَوْمَ وَأَنْتَ تَتَمَنَّى فِرَاقَهَا وَمَوْتَهَا . .
وَهَذَا رَجُلٌ آخَرُ : حَمَلَ أُمَّهُ عَلَى ظَهْرِهِ وَخَرَجَ بِهَا مِنْ بَلَدِهِ وَقَطَعَ بِهَا الطَّرِيقَ حَتَّى وَصَلَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ وَجَعَلَ يَطُوفُ بِهَا حَوْلَ الْبَيْتِ وَهَى عَلَى ظَهْرِهِ وَجَعَلَ يُرَدِّدُ أَنَا لَهَا بَعِيرُهَا الْمُذَلَّلُ . .
فَرَآهُ فَى الطَّوَافِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَاسْتَحْسَنَ صَنِيعَهُ بِأُمِّهِ . .
فَقَالَ الرَّجُلُ أَتَرَانِى وَفَيْتُهَا حَقَّهَا يَا ابْنَ عُمَرَ ؟ قَالَ مَا وَفَيْتُهَا حَقَّهَا وَلَا بِزَفْرَةٍ مِنْ زَفَرَاتِ الْوِلَادَةِ وَلَا بِطَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ لَكِنَّكَ عَلَى كُلِّ حَالٍ أَحْسَنْتَ وَاللَّهُ يُثِيبُكَ عَلَى الْقَلِيلِ كَثِيرًا .
مِنْ الْحِكَمِ الْمَشْهُورَةِ عَلَى أَلْسِنَةِ النَّاسِ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ : -
أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ أَقْدَامِ الْأُمَّهَاتِ عِبَارَةٌ جَمِيلَةٌ تَنِمُّ عَنْ تَقْدِيرِنَا وَاعْتِرَافِنَا بِعَظِيمِ حَقِّ أُمَّهَاتِنَا . .
أَفْهَمْ مِنْ عِبَارَةِ . . أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ أَقْدَامِ الْأُمَّهَاتِ أَمْرَيْنِ : -
اَلْأَمْرُ اَلْأَوَّلُ :
أَفْهَمُ أَنَّ جَهْدَ الْأُمِّ مَعَ أَوْلَادِهَا لَا يَضِيعُ سُدًى وَأَنَّ حُبَّ الْأُمِّ وَعَطْفَهَا وَحَنَانَهَا عَلَى أَوْلَادِهَا لَا يَذْهَبُ هَدَرًا فَحَقُّهَا مَضْمُونٌ مَحْفُوظٌ بِحِفْظِ اللَّهِ تَعَالَى لَنْ تَسْتَوْفَى الْأُمُّ حَقَّهَا مِنْ أَبْنَائِهَا وَلَا مِنْ بَنَاتِهَا لِأَنَّهُمْ لَنْ يَسْتَطِيعُوا أَنْ يُوَفُّوهَا حَقَّهَا وَإِنَّمَا سَتَسْتَوْفَى الْأُمُّ حَقَّهَا مِنْ رَبِّهَا سُبْحَانَهُ فَاللَّهُ تَعَالَى يُكَافِئُ كُلَّ أُمٍّ كَافَحَتْ وَتَعِبَتْ مَعَ أَوْلَادِهَا وَعَرَفَتْ رَبَّهَا فِيهِمْ فَيَجْعَلُ الْجَنَّةَ مِنْهَا قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى . .
قُلْتُ : وَيَشْهَدُ لِفَهْمَى هَذَا حَدِيثُ عَائِشَةَ رَضَى اللَّهُ عَنْهَا حِينَ دَخَلَتْ عَلَيْهَا امْرَأَةٌ وَمَعَهَا ابْنَتَانِ لَهَا تَسْأَلُ حَاجَةً تَسُدُّ بِهَا جُوعَتَهَا هَى وَابْنَتَيْهَا وَلَمْ يَكُنْ فَى بَيْتِ عَائِشَةَ إِلَّا ثَلَاثُ تَمَرَاتٍ فَنَاوَلَتْهُمْ عَائِشَةُ لِلْمَرْأَةِ فَمَنَحَتْ الْأُمُّ إِحْدَى ابْنَتَيْهَا تَمْرَةً وَلِلثَّانِيَةِ تَمْرَةً وَأَبْقَتْ لِنَفْسِهَا تَمْرَةَ الْبِنْتُ وَأُخْتُهَا كَانَتَا جَائِعَتَيْنِ فَأَكَلَتَا تَمْرَتَيْهِمَا قَبْلَ أَنْ تَأْكُلَ الْأُمُّ تَمْرَتَهَا فَلَمَّا هَمَّتْ الْأُمُّ أَنْ تَرْفَعَ تَمْرَتَهَا الَى فِيهَا نَظَرَتْ الصُّغْرَى الَى التَّمْرَةِ الَّتِى فَى يَدِ أُمِّهَا وَنَظَرَتْ الْكُبْرَى الْيْهَا فَرَقَّ قَلْبُ الْأُمِّ فَآثَرَتْ ابْنَتَيْهَا عَلَى نَفْسِهَا بِالتَّمْرَةِ حَيْثُ شَقَّتْهَا نِصْفَيْنِ بَيْنَهُمَا . . . . كُلُّ ذَلِكَ حَظَى عَلَى إِعْجَابِ عَائِشَةَ فَلَمَّا خَرَجَتْ الْمَرْأَةُ وَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ حَدَّثَتْهُ عَائِشَةُ عَنْ رَحْمَةِ تِلْكَ الْأُمِّ بِبَنَاتِهَا فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «( إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْجَبَ لَهَا بِهَا الْجَنَّةَ أَوْ أَعْتَقَهَا بِهَا مِنْ النَّارِ )»
وَمِنْ نَفْسِ اَلْعِبَارَةِ :
( الْجَنَّةُ تَحْتَ أَقْدَامِ الْأُمَّهَاتِ ) أَفْهَمُ أَمْرًا آخَرَ . .
أَفْهَمَ أَنَّ : مَنْ أَحْسَنَ صُحْبَةَ أُمِّهِ وَقَدَّمَ رِضَاهَا عَلَى رِضَا نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَزَوْجِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يَرْضَى اللَّهُ لَهُ ثَوَابًا إِلَّا الْجَنَّةَ . .
جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَدْتُ أَنْ أَغْزُوَ فَى سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ جِئْتُ أَسْتَشِيرُكَ فَى الْخُرُوجِ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ لَكَ مِنْ أُمٍّ ؟ قَالَ نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ لِى أُمٌّ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَلْزِمْهَا فَإِنَّ الْجَنَّةَ عِنْدَ رَجْلِهَا »
مِنْ صُوَرِ اَلْوَفَاءِ لِلْأُمِّ أَيُّهَا اَلْمُؤْمِنُونَ : -
أَنْ نَكُونَ لَهَا أَرْضًا ذَلِيلَةً وَسَمَاءَ ظَلِيلَةً أَنْ نُقَبِّلَ رَأْسَهَا وَيَدَيْهَا إِكْرَامًا لَهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {( وَاخْفِضْ لَهُمَا جُنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ )} {} وَإِنْ كَانَتْ الْأُمُّ فَقِيرَةً نُوسِّعُ عَلَيْهَا وَنَتَكَفَّلُ بِهَا طَعَامًا وَشَرَابًا وَمَلْبَسًا وَمَسْكَنًا وَدَوَاءً . .
مِنْ الْوَفَاءِ لِلْأُمِّ : أَنْ نُقَدِّمَ مَحَبَّتَهَا وَرِضَاهَا عَلَى مَحَبَّةِ النَّفْسِ وَالْأَهْلِ وَالْوَلَدِ وَالْمَالِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ وَأَنْ نَلْتَمِسَ رِضَاهَا بِكُلِّ حِيلَةٍ وَوَسِيلَةٍ وَنَعْلَمَ أَنَّ رِضَا الْأُمِّ مِنْ رِضَا اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى
يَذْكُرُ أَصْحَابُ السِّيَرِ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ كَانَتْ لَهُ أُمٌّ كَبِيرَةٌ مُقْعَدَةٌ وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ بَارًّا بِهَا وَكَانَتْ مِنْ أَحْرَصِ النَّاسِ عَلَى دِينِهَا فَكَانَتْ إِذَا أَرَدْتِ أَنْ تَسْأَلَ عَنْ أَمْرِ دِينِهَا قَالَتْ يَا أَبَا حَنِيفَةَ احْمُلْنِى إِلَى زَرْعَةَ الْوَاعِظِ أَسْأَلُهُ فَيَقُولُ سِلِّينِى يَا أُمِّى أُجِيبُكَ فَتَقُولُ يَا أَبَا حَنِيفَةَ لَا أَرْضَى إِلَّا بِفَتْوَى زُرْعَةَ فَاحْمِلْنِى الْيْهِ فَيَحْمِلُهَا أَبُو حَنِيفَةَ الَى حَيْثُ شَائَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِسُؤَالِهَا مِمَّنْ سَتُفْتِيهِ لَكِنَّهُ يُطِيعُهَا وَيُلَبَّى طَلَبَهَا وَيَحْمِلُهَا الْي عَالِمٌ آخَرُ تَسْأَلُهُ حَتَّى يُرْضِيَهَا .
مِنْ الْوَفَاءِ لِلْأُمِّ : أَنْ نَسْمَعَ وَنُطِيعَ أَمْرَهَا وَلَا نُغْضِبَهَا إِلَّا أَنْ تَأْمُرَ الْأُمَّ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ فَلَا طَاعَةَ لَهَا فَى مِثْلِ هَذَا لَكِنْ عَلَيْنَا أَنْ نُحْسِنَ صُحْبَتَهَا وَنَبْرَهَا مَا اسْتَطَعْنَا الَى ذَلِكَ سَبِيلًا . .
سَعْدُ بْنُ أَبِى وَقَّاصٍ وَاحِدٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُضْرَبُ بِهِ الْمَثَلُ فَى الْبِرِّ بِأُمِّهِ فَلَمَّا أَسْلَمَ سَعْدٌ غَضِبَتْ أُمُّهُ فَأَقْسَمَتْ أَلَّا تَأْكُلَ وَلَا تَشْرَبَ وَلَا تَسْتَحِمَّ وَلَا تَسْتَظِلَّ بِظِلٍّ حَتَّى يَكْفُرَ بِالْإِسْلَامِ وَيَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ فَأَتَاهَا فَقَالَ مَا هَذَا يَا أُمَّى ؟ ؟
قَالَتْ يَا سَعْدُ لِتَدْعَنَ دِينَكَ هَذَا أَوْ لَا آكُلَ وَلَا أَشْرَبَ حَتَّى أَمُوتَ فَتُعِيرَ بِي فَيُقَالَ لَكِ يَا قَاتِلَ أُمِّهِ فَقَالَ سَعْدٌ لَا تَفْعَلِي يَا أُمَّهُ ، فَإِنِّي لَا أَدَعُ دِينِي هَذَا أَبَدًا فَمَكَثَتْ أُمُّهُ يَوْمًا وَلَيْلَةً لَمْ تَأْكُلْ فَأَصْبَحَتْ قَدْ جَهِدَتْ . . فَمَكَثَتْ يَوْمًا آخَرَ وَلَيْلَةً أُخْرَى لَا تَأْكُلُ فَأَصْبَحَتْ قَدْ اشْتَدَّ جُهْدُهَا . .
قَالَ سَعْدٌ فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ مِنْهَا قُلْتُ يَا أُمَّهُ تَعْلَمِينَ وَاللَّهِ لَوْ كَانَتْ لَكِ مِائَةُ نَفْسٍ فَخَرَجْتِ نَفْسًا نَفْسًا مَا كَفَرْتِ بِالْإِسْلَامِ وَلَا كَفَرْتِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنْ شِئْتِ فَكُلِي وَإِنْ شِئْتِ لَا تَأْكُلِي فَأَكَلْتِ .
وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {( وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فَى الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ) } . . . .
قَدَّمَتْ عَقِيلَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْعَزَى ( أُمُّ أَسْمَاءَ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ ) الَى مَدِينَةِ رَسُولِ اللَّهِ تَرْغَبُ فَى بِرِّ ابْنَتِهَا أَسْمَاءَ وَكَانَتْ عَقِيلَةَ لَا تُؤْمِنُ يَوْمَهَا بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ . .
«قَالَتْ أَسْمَاءُ فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَى صِلَةِ أُمَّى فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ رَاغِبَةٌ فَى بَرَى أَفَأَصِلُ أُمِّي ؟ قَالَ « نَعَمْ صَلِّي أُمَّكَ » . وَأَنْزَلَ اللَّهُ قَوْلَهُ ( لَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا الْيهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ )»
اَلْوَفَاءُ لِلْأُمِّ لَيْسَ فَقَطْ حَالُ حَيَاتِهَا بَلْ الْوَفَاءُ لِلْأُمِّ يَدُومُ حَتَّى بَعْدَ مَمَاتِهَا : -
دَعَائْنَا لَهَا وَاسْتِغْفَارُنَا لَهَا وَصِلَةُ أَرْحَامِهَا وَإِنْفَاذُ عَهْدِهَا وَسَدَادُ دُيُونِهَا كُلُّ ذَلِكَ مِنْ الْوَفَاءِ . . وَمِنْ الْوَفَاءِ أَنْ تَتَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ جَارِيَةٍ عَلَى رُوحِهَا مِنْ مَالِكَ وَلَا بَأْسَ فَمَالِكَ مَالُ أُمِّكَ وَأَنْتَ مِنْ سَعَيَ أُمِّكَ
دَخَلَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ إِنَّ أُمَّ سَعْدٍ مَاتَتْ فَأَى الصَّدَقَةِ أَنْفَعُ وَأَفْضَلُ ؟ ؟
قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَاءَ فَحَفَرَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ بِئْرًا وَقَالَ هِى لِأُمِّ سَعْدٍ..
نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَهْدِيَنَا لِآبَائِنَا وَلِأُمَّهَاتِنَا إِنَّهُ وَلَى ذَلِكَ وَمَوْلَاهُ .
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
أَمَّا بَعْدُ فَيَأَيِّهَا الْإِخْوَةُ الْمُؤْمِنُونَ بَقَى لَنَا فَى الْخِتَامِ أَنْ نُشَنِّفَ آذَانَ كُلِّ تَقًى وَوَفَى بِأَنَّ أَحَبَّ أَعْمَالِ ابْنِ آدَمَ الَى اللَّهِ وَفَاءَهُ الَى أَبَوَيْهِ . .
قَالَ عَطَاءٌ جَاءَ رَجُلٌ الَى ابْنِ عَبَّاسٍ يُسْأَلُ عَنْ التَّوْبَةِ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَلَكَ أُمٌّ ؟ ؟ قَالَ لَا قَالَ فَتَبَّ الَى اللَّهِ وَتَقَرَّبْ الْيْهِ مَا اسْتَطَعْتُ . . قَالَ عَطَاءٌ فَقُلْتُ لِمَ سَأَلْتُ الرَّجُلَ عَنْ أُمِّهِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَدْ جَاءَ يُسْأَلُ عَنْ التَّوْبَةِ ؟ ؟ فَقَالَ إِنِّى لَا أَعْلَمُ عَمَلًا أَقْرَبَ الَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ بِرِّ الْوَالِدَةِ .
نُبَشِّرُ كُلَّ مَنْ وَفَّى لِأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَأَحْسَنَ صُحْبَتَهُمَا بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُكَافِئُهُ وَيَتَجَاوَزُ عَنْ ذُنُوبِهِ وَعُيُوبِهِ . . وَكَمْ مِنْ مَعْصِيَةٍ وَقَعَ الْمَرْءُ فِيهَا مَحَاهَا وَأَزَالَهَا وَفَاءَهُ الَى وَالِدَيْهِ..
جَاءَ رَجُلٌ الَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَأَقَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ بِذُنُوبٍ وَخَطَايَا فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ لَيْسَتْ هَذِهِ مِنْ الْكَبَائِرِ
ثُمَّ قَالَ لِلرَّجُلِ أَتُفَرِّقُ وَتَخَافُ مِنْ النَّارِ وَتُحِبُّ أَنْ تَدْخُلَ الْجَنَّةَ ؟ ؟
قَالَ الرَّجُلُ إِى وَاللَّهُ أَفَرِّقُ مِنْ النَّارِ وَأُحِبُّ الْجَنَّةَ قَالَ ابْنُ عُمَرَ أَحَى وَالِدَاكَ ؟
قَالَ الرَّجُلُ أَمَّا أَبَى فَقَدْ مَاتَ وَعِنْدَى أُمَّى ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَاَللَّهِ لَوْ أَلَنْتِ لَهَا الْكَلَامَ وَأَطْعَمْتُهَا الطَّعَامَ لَتَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ مَا اجْتَنَبْتِ الْكَبَائِرَ .
ثُمَّ تَعَالَ لِتَعْلَمَ أَخِى فَى خِتَامِ الْحَدِيثِ عَنْ الْوَفَاءِ لِلْأُمِّ وَمِنْ قَبْلِهِ الْوَفَاءُ لِلْأَبِ أَنَّ الْوَاحِدَ مِنَّا مَهْمَا بَلَغَ مِنْ الصَّلَاحِ وَالْتِقًى وَمَهْمَا قَابَلَ وَالِدَيْهِ بِإِحْسَانٍ وَإِكْرَامٍ فَلَنْ يَسْتَطِيعَ أَنْ يُوَفِّيَهِمَا حَقَّهُمَا . .
اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ تَجِدَ أَبَوَيْكَ عَبْدَيْنِ مَمْلُوكَيْنِ فَتَشْتَرِيهِمَا بِحَرِّ مَالِكَ وَتُحَرِّرُهُمَا وَتَعْتِقُهُمَا لِوَجْهِ اللَّهِ فَإِنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ فَقَدْ وَفَيْتَ وَالِدَيْكَ حَقَّهُمَا وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَاعْلَمْ أَنَّ حَظَّكَ مِنْ الْوَفَاءِ لَهُمَا مَحْدُودٌ لَكِنَّكَ عَلَى كُلِّ حَالٍ أَحْسَنْتَ وَاللَّهُ تَعَالَى يُجَازِيكَ عَلَى الْقَلِيلِ كَثِيرًا..
نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُعِينَنَا عَلَى بِرِّهِمَا وَنَسْأَلَهُ سُبْحَانَهُ بِفَضْلِهِ وَكَرَمِهِ أَنْ يَرْضَى وَيَغْفِرَ وَيَرْحَمَ الْآبَاءَ وَالْأُمَّهَاتِ الْأَحْيَاءَ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتَ . .
: جَمْعُ وَتَرْتِيبُ الشَّيْخِ / مُحَمَّدِ سَيِّدِ حُسَيْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ .
- إِدَارَةُ اوقاف القناطر الخيرية.
- مديرية أَوْقَافِ الْقَلْيُوبِيَّةِ . مِصْرُ .
-
- التصنيف: