لا تدعوا على أولادكم

منذ يوم

إن التربية الحقّة لا تُبنى على اللعن والشتم والدعاء بالهلاك، وإنما تُبنى على الصبر، والحلم، والتوجيه،  والدعاء بالتوفيق، واستحضار أن هؤلاء الأولاد أمانة، وأن الله سيسأل الوالدين عن ألسنتهم كما يسألهم عن أفعالهم.

الدعاء في ميزان الإسلام عبادة جليلة، وسرٌّ عظيم من أسرار الصلة بالله، وهو من أنفذ ما يكون أثرًا وأقرب ما يكون إجابة إذا صدر من قلب منكسر، ونفس صادقة، وحال خالية من الإثم وقطيعة رحم.

 وإن من أعظم ما تتأكد فيه مظنّة الإجابة: دعاء الوالد لولده أو عليه؛ إذ هو دعاء يخرج من رحم الرضا والشفقة، أو من فور القهر والغضب، ومن شخص له حق ظاهر، فالإلحاح فيه حاضر، والقلب جازم، واللسان ملح، ولهذا جاءت النصوص مشيرةإلى خطره ومنبهة على عظيم أثره.
فقال النبي ﷺ: «ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن» وذكر منها «ودعوة الوالد لولده»، وفي رواية أخرى: «ودعوة الوالد على ولده»، فجمعت الروايات بين  الحالين، وذلك منبه على أن دعاء الوالدين نافذ، سواء أكان في باب طلب الرحمة للابن أم في باب سؤال العقوبة.

ومن تمام رحمة النبي ﷺ بأمته، وحرصه على سلامتها في دنياها وأخراها، أنه سدّ هذا الباب الذي قد يفتح على العبد شرًّا لا يطيقه، فنهاه نهيًا صريحًا عن الدعاء على النفس، أو الولد، أو المال، فقال ﷺ: «لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يُسأل فيها عطاء فيستجيب لكم». وهذا الحديث ليس مجرد توجيه عابر، بل هو تحذير تربوي عميق؛ إذ قد يطلق الإنسان دعوة في لحظة انفعال، فيوافق بها ساعة إجابة، فتتحول الكلمة إلى قضاء نافذ، وبلاء ممتد، وندمٍ لا ينقطع.

والمتأمل في واقع أسرنا اليوم، يرى استهانةً مخيفة في هذا الباب، حتى صار الدعاء على الأولاد يجري على الألسنة جريان ماء متدفق، دون أن يُوزن بميزان الشرع، ودون أن يُستحضر ما قد ينجم عنه من أثر. 

ونماذج هذا فوق أن تحصر، فهذا أبٌ يقصّر عليه ابنه أو يقع منه لون من ألوان العقوق، فيثور غضبه ويدعو عليه بعدم التوفيق، فلا يكاد الابن يفتح باب عمل أو علم أو زواج إلا ويغلق في وجهه، ويعيش عمره كله متعثرًا. 

وذاك والد يكرر الدعاء على ولده بكسرٍ أو عمى أو افتقار وبلاء، فلا تمضي أيام أو أسابيع حتى يُبتلى الابن بحادث عارض، أو مرض مفاجئ، أو مصيبة لا تخطر على بال، فيحق عليه ما دعا عليه  والده به.

وهذه أمٌّ يرهقها إهمال أولادها، أو تثقلها مشاق التربية، أو يضيق صدرها بتقصيرهم في الدراسة أو تأخرهم عن المدرسة، فتدعو عليهم دعوات مخيفة لا تلقي لها بالًا، من قبيل أن يرجعوا محمولين أو يصيبهم حادث يميتهم، ثم لا تلبث الأيام حتى تصدمهم سيارة فيفارقون الدنيا، أو يقع لهم كسر أو شلل، فيعودون إلى البيت فعلًا، ولكن لا على أقدامهم. 

ولذا فالمخالط بالناس العارف بأحوالهم يعلم أن كثيرًا من المصائب التي تنزل بالأبناء لم يكن وراءها إلا دعوة خرجت من أحد والديه في ساعة غضب، ثم نُسيت فلم تذكر إلا بعد أن وقعت الدعوة كما طلبت.


ومن هنا فإن الرشد والدين يفرضان على الولد العاقل أن يتقي الله في والديه، وأن يتحاشى مواطن غضبهما، وأن يجتنب ما يثير سخطهماويهيج مشاعرهما، لا خوفًا من دعاء ألسنتهما فقط، بل امتثالا لأمر الله من جهة، وتعظيمًا لحقهما، وخشيةً من دعوة قد تخرج ولو بغير قصد حتى ولو بغير عدل من جهة ثانية. 

فبرّ الوالدين ليس مجرد خلق حسن، بل هو حصن أمان، وبوابة تحصين وحفظ، ومظلة توفيق، وباب مفتوح لدعوة صالحة تسبق الابن في حياته، وتحوطه في مسعاه، وتفتح له مغاليق الأمور.

كما أن من الواجب على الوالدين، وهما في موضع القدوة، ومحل الرحمة، ومصدر الأمان النفسي والروحي لأولادهم أن يتجنبوا الدعاء على أولادهم بكل سبيل. فليس من الحكمة ولا من التربية الحسنة ولا من الفقه الرشيد أن يتحول لسان الوالد أو الوالدة إلى أداة تدمير ومفتاح إيذاء لأولادهم، بدل أن يكون وسيلة إصلاح ومفتاح توفيق وهداية. 

فالدعاء على الأبناء لا يربيهم، ولا يصلحهم، ولا يردعهم، بل قد يكسر نفوسهم، ويفتح عليهم أبواب الشر والبلاء. وفي المقابل،  فالدعاء لهم،  باب توفيق،  ومدخل توفيق وبركة،  وسبب للأنس والسعادة وانقلاب الأحوال السالبة إلى خير خال. فكم من ولدٍ تائه أصلحته دعوة أب صادقة، وكم من ابن شقيٍّ هُدي بدعوة أم في جوف ليل، وكم من عاقٍّ رُدَّ إلى البر بدعاء والد انكسر قلبه ولكن لم يتوقف لسانه عن الدعاء لابنه بالهداية.

وختاما: فإن التربية الحقّة لا تُبنى على اللعن والشتم والدعاء بالهلاك، وإنما تُبنى على الصبر، والحلم، والتوجيه،  والدعاء بالتوفيق، واستحضار أن هؤلاء الأولاد أمانة، وأن الله سيسأل الوالدين عن ألسنتهم كما يسألهم عن أفعالهم. 

فمن أراد صلاح ولده، فليكثر من الدعاء له بالهداية، والتوفيق، والاستقامة، والسعة، والحفظ، والسعادة، وليجعل لسانه ناطقا بالخير، فإن الدعاء سهمٌ متى خرج لا يعود، ثم إما أن يكون خيرا ورحمة، أو يكون نارًا وأصل ندامة.

فاللهم احفظ على الآباء والأمهات ألسنتهم، واجعل دعاءهم لأولادهم لا عليهم، واهدِ الأبناء لبر والديهم، واجعل بيوت المسلمين عامرة بالرحمة لا بالحسرة، وبالدعاء الصالح لا بالدعاء المهلك، إنك بر رحيم.
والله الهادي.

  • 1
  • 0
  • 76

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً