|6| {قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا}
سوانح تدبرية من سورة يوسف |6| {قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا}
الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ وَالَاهُ، وَبَعْدُ:
فَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْحِكَمِ وَالْغَايَاتِ مِنْ إِنْزَالِ الْآيَاتِ التَّدَبُّرُ وَالتَّفَكُّرُ وَاسْتِخْرَاجُ الدُّرَرِ وَالْمَكْنُونَاتِ، قال تعالى: {{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}} [ص:29].
يقول ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين (1/450): فَلَيْسَ شَيْءٌ أَنْفَعَ لِلْعَبْدِ فِي مَعَاشِهِ وَمَعَادِهِ، وَأَقْرَبَ إِلَى نَجَاتِهِ مِنْ تَدَبُّرِ الْقُرْآنِ، وَإِطَالَةِ التَّأَمُّلِ فِيهِ، وَجَمْعِ الْفِكْرِ عَلَى مَعَانِي آيَاتِهِ.
قال سفيان بن عيينة رحمه الله (زاد المسير في علم التفسير، 2/370): إِنَّمَا آيَاتُ الْقُرْآنِ خَزَائِنُ، فَإِذَا دَخَلْتَ خِزَانَةً فَاجْتَهِدْ أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنْهَا حَتَّى تَعْرِفَ مَا فِيهَا.
الْعَيْشُ مَعَ الْقُرْآنِ حَيَاةٌ لِلْقَلْبِ، وَنُورٌ لِلْبَصِيرَةِ، وَرُشْدٌ لِلطَّرِيقِ؛ فَمَا أَصْفَى الْأَوْقَاتِ وَأَبْرَكُهَا حِينَ يَخْلُو الْإِنْسَانُ بِكِتَابِ اللهِ، يَتَأَمَّلُ آيَاتِهِ الْبَاهِرَاتِ، وَيَتَدَبَّرُ أَعْظَمَ الْقَصَصِ وَأَحْسَنَهَا، فَيَسْتَشْعِرُ مَعِيَّةَ اللهِ وَرِعَايَتَهُ وَلُطْفَهُ وَكَرَمَهُ.
فَكُلُّ قِصَّةٍ فِي الْقُرْآنِ نَافِذَةٌ تُطِلُّ عَلَى أَعْمَاقِ الرُّوحِ، تَغْرِسُ مِنْ خِلَالِهَا جُذُورَ الْإِيمَانِ، وَتُبْنَى بِهَا الْأَخْلَاقُ وَالسُّلُوكُ الرَّاسِخُ، وَتَفْتَحُ لِلْقَلْبِ بِهَا آفَاقَ الْفَهْمِ وَالنُّورِ وَالطُّمَأْنِينَةِ.
قال تعالى: {{قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (5)} }.
قال يعقوب لابنه يوسف: يا بني، لا تذكر رؤياك لإخوتك، فيفهموها، ويحسدوك، فيدبروا لك مكيدة حسدًا منهم، إن الشيطان للإنسان عدو واضح العداوة. (المختصر في تفسير القرآن الكريم).
فوائد ووقفات وهدايات وتأملات:
1- إِنَّ الرِّفْقَ وَاللِّينَ فِي خِطَابِ الأَبْنَاءِ، وَلَا سِيَّمَا الصِّغَارَ مِنْهُمْ، أَبْلَغُ فِي التَّأْثِيرِ؛ لِأَنَّ التَّصْغِيرَ يُفِيدُ التَّلَطُّفَ وَالتَّحْبِيبَ، وَلِذَا قَالَ: {{يَا بُنَيَّ}} ، وَلَمْ يُقَلْ: "يَا يُوسُفُ".
2- التَّلَطُّفُ فِي الْخِطَابِ مِنْ شِيَمِ الْقُدْوَاتِ وَالْكِبَارِ؛ {{قَالَ يَا بُنَيَّ}} ، فَعِنَايَةُ الْأَنْبِيَاءِ بِأَبْنَائِهِمْ أَتَمُّ عِنَايَةٍ، وَمِنْهَا لِينُ النِّدَاءِ وَحُسْنُ الْمُنَادَاةِ.
3- النِّدَاءُ بِالْبُنُوَّةِ يُلَيِّنُ الْقَلْبَ لِلِامْتِثَالِ، وَيَفْتَحُ السَّمْعَ لِلنَّصِيحَةِ، لِمَا فِيهِ مِنْ صِدْقِ الشَّفَقَةِ.
4- فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ تَوْجِيهِ الصَّغِيرِ وَوَصِيَّتِهِ، خُصُوصًا عِنْدَ قِيَامِ الْحَاجَةِ إِلَى ذَلِكَ.
5- {{قَالَ يَا بُنَيَّ}} ، تَحَبَّبْ إِلَى طِفْلِكَ صَغِيرًا، عَلَّهَا تُثْمِرُ فِيهِ الْبِرَّ كَبِيرًا.
6- قَوْلُهُ تعالى: {{لَا تَقْصُصْ}} وَلَمْ يَقُلْ: «لَا تَقُصّْ»؛ فِيهِ تَعْلِيمٌ لِوُضُوحِ الْخِطَابِ مَعَ الصَّغِيرِ، وَأَنْ تُقَدَّمَ لَهُ التَّوْجِيهَاتُ بِلُغَةٍ بَيِّنَةٍ لَا لَبْسَ فِيهَا، لِيَفْهَمَهَا كَمَا هِيَ، دُونَ غُمُوضٍ أَوِ التِبَاسٍ.
7- قَوْلُهُ تعالى: {{قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ}} وَلَمْ يَقُلْ: «رُؤْيَتَكَ»، فِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا رُؤْيَا حَقِيقِيَّةٌ فِي الْمَنَامِ، وَلَيْسَتْ يَقَظَةً.
8- وَصَفَهُمْ بِـ"إِخْوَتِكَ" لِيَحْفَظَ حُبَّهُمْ فِي قَلْبِ صَغِيرِهِ، فَلَا يُبْغِضُهُمْ لِأَجْلِ كَيْدِهِمْ، فَمَهْمَا بَلَغُوا مِنَ الكَيْدِ، فَهُمْ إِخْوَتُهُ.
9- فيها أَنَّ الحَسَدَ يَقَعُ فِي الأُمُورِ المَعْنَوِيَّةِ كَمَا يَقَعُ فِي الأُمُورِ الحِسِّيَّةِ.
10- فيها أَنَّ الحاسِدَ يَشْتَدُّ كَيْدُهُ وَيَتَضَاعَفُ حَسَدُهُ كُلَّمَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى المَحْسُودِ بِنِعْمَةٍ.
11- كَيْدُ الحَاسِدِ، أَوْ حَذَرُ الحَاذِقِ، لَا يُغَيِّرُ القَدَرَ السَّابِقَ.
12- الحَسَدُ قَدْ يَكُونُ قَرِيبًا مِنَّا وَحَوْلَنَا، وَقَدْ أَثْبَتَ القُرْآنُ هَذَا المَعْنَى فِي أَكْثَرَ مِنْ مَوْضِعٍ، مِنْهَا قِصَّةُ ابْنَيْ آدَمَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: فِيهِ حُكْمٌ بِالعَادَةِ أَنَّ الإِخْوَةَ وَالأَقَارِبَ قَدْ يَقَعُ بَيْنَهُمْ الحَسَدُ.
13- قَدْ يَحْصُلُ الحَسَدُ مِنَ الجَمَاعَةِ وَالكَثْرَةِ إِلَى الفَرْدِ.
14- قَدْ يَحْصُلُ الحَسَدُ مِنَ الكَبِيرِ إِلَى الصَّغِيرِ، بَلْ قَدْ يَقَعُ مِمَّنْ هُمْ فِي سِنِّ الشُّيُوخِ عَلَى مَنْ هُمْ فِي سِنِّ الفِتْيَانِ!
15- حَسَدُ القَرِيبِ أَوِ الصَّدِيقِ قَدْ يَفُوقُ عَدَاوَةَ الأَعْدَاءِ، كَمَا يُشِيرُ إِلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {{لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا}} ؛ فَطَاقَةُ الحَسَدِ تَتَيَقَّظُ عِنْدَ الأَقْرَبِينَ، وَعِنْدَ مَنْ تَرْبِطُكَ بِهِمْ عَلَاقَةٌ وَثِيقَةٌ، أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِمْ.
16- فيها: بَيَانُ أَنَّ عَدَاوَةَ ذَوِي القُرْبَى — خَاصَّةً إِذَا كَانَ سَبَبُهَا الغَيْرَةَ وَالحَسَدَ — أَشَدُّ وَأَقْسَى مِنْ عَدَاوَةِ غَيْرِهِمْ.
17- لَيْسَ مِنَ الضَّرُورِيِّ أَنْ تُعَبَّرَ كُلُّ الرُّؤَى؛ فَأَحْيَانًا يَكْفِي التَّوْجِيهُ.
18- تَعْبِيرُ الرُّؤَى مَوْرُوثٌ فِي آلِ إِبْرَاهِيمَ الخَلِيلِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ رَأَى فِي المَنَامِ أَنَّهُ يَذْبَحُ وَلَدَهُ إِسْمَاعِيلَ، فَكَانَتْ رُؤْيَاهُ حُكْمًا وَوَحْيًا يَجِبُ تَنْفِيذُهُ.
19- فِي الآيَةِ تَأْكِيدٌ عَلَى مَعْرِفَةِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِتَأْوِيلِ الرُّؤَى، وَأَنَّهُ عِلْمٌ مَوْهُوبٌ لِلصَّالِحِينَ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَاشُورٍ: «إِنَّ تَعْبِيرَ الرُّؤْيَا عِلْمٌ يَهَبُهُ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ صَالِحِي عِبَادِهِ».
20- العَلاقةُ بَيْنَ الأَبِ وَابْنِهِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ صِلَةِ نَسَبٍ، بَلْ هِيَ عَلاقةُ مُرَبٍّ بِمُتَرَبٍّ، وَمُعَلِّمٍ بِتِلْمِيذٍ؛ فَمَعَ المَحَبَّةِ وَالتَّقْدِيرِ يَعْظُمُ الاِنْتِفَاعُ بِالعِلْمِ وَالتَّرْبِيَةِ.
21- مِنْ كَمَالِ النَّصِيحَةِ تَرْهِيبُ المَنصُوحِ مِنَ النِّقَمِ إِذَا وَقَعَ فِي المَحْذُورِ، وَتَرْغِيبُهُ فِي النِّعَمِ إِذَا اجْتَنَبَ المَحْذُورَ، وَقَدِ اجْتَمَعَ هَذَا فِي نَصِيحَةِ يَعْقُوبَ لِيُوسُفَ.
22- الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ حَالَةٌ يُكْرِمُ اللهُ بِهَا بَعْضَ أَصْفِيَائِهِ الَّذِينَ زَكَتْ أَنْفُسُهُمْ، فَهِيَ بِحَسَبِ صَلاَحِ النُّفُوسِ.
23- {{قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ}} ؛ أَشَدُّ فِرَاسَةً مُوَاطَأَةً لِلْحَقِّ فِرَاسَةُ الوَالِدَيْنِ مَعَ أَبْنَائِهِمْ.
24- تَوجِيهٌ مُهِمٌّ بِضَرُورَةِ كِتْمَانِ الأَسْرَارِ، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اسْتَعِينُوا عَلَى إِنْجَاحِ الحَوَائِجِ بِالكِتْمَانِ، فَإِنَّ كُلَّ ذِي نِعْمَةٍ مَحْسُودٌ»، وَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «سِرُّكَ أَسِيرُكَ، فَإِن تَكَلَّمْتَ بِهِ صَرْتَ أَسِيرَهُ».
25- أَخَذَ جُمْهُورُ العُلَمَاءِ مِنْ هَذِهِ الآيَةِ أَنَّ إِخْوَةَ يُوسُفَ لَمْ يَكُونُوا أَنْبِيَاءَ، وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ خِلَافِيَّةِ المَسْأَلَةِ، فَالأَكْثَرُ أَنَّهُمْ لَيْسُوا أَنْبِيَاءَ.
26- يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى سَعَةِ عِلْمِ النُّبُوَّةِ بِطَبِيعَةِ النَّاسِ، وَفِرَاسَةِ يَعْقُوبَ وَفِقْهِ لِلْوَاقِعِ، فَأَحَسَّ مِنْ بِنِيهِ حَسَدَهُمْ، وَهَذَا مِنْ حِكْمَةِ المُرَبِّي فِي عِلَاجِ المَشَاكِلِ.
27- لا يَكِيدُ إِلَّا الضَّعِيفُ، لأَنَّ القَوِيَّ يَفْعَلُ بِعَدُوِّهِ مَا يَشَاءُ، وَقَدْ يَتْرُكُهُ قَائِلًا: «فِي أَيِّ وَقْتٍ أَسْتَطِيعُ أَنْ آتِيَ وَأَفْعَلَ بِكَ مَا أَشَاءُ»، فَيَكِيدُ وَيَتَحايَلُ وَيَمْكُرُ بَعْضُ مَنْ يَتَوَهَّمُ قُوَّتَهُ.
28- لَيْسَ مِنَ الحِكْمَةِ وَالمَصْلَحَةِ إِظْهَارُ تَفَوُّقِكَ إِلَّا لِلضَّرُورَةِ، لِأَنَّ فِي النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ مُقَاوَمَةً شَرِسَةً لِلْمُتَفَوِّقِينَ.
29- لَا تُظْهِرْ كُلَّ أَسْرَارِكَ، وَلَا تُخْبِرْ أَحَدًا بِأُمُورِكَ الخَاصَّةِ حَتَّى لَوْ كَانَ قَرِيبًا، وَلَا تَكُنْ كَتَابًا مَتَاحًا لِكُلِّ أَحَدٍ، فَالنُّفُوسُ ضَعِيفَة.
30- إِذَا مَيَّزَكَ اللهُ بِشَيْءٍ فَلَا تُخْبِرْ بِهِ، فَالعَيْنُ حَقٌّ، وَبَعْضُ النِّعَمِ يَحْتَاجُ إِلَى سِياجٍ مِنَ الكِتْمَانِ خَوْفًا مِنَ الحُسَّادِ، فَقَدْ تُحْسَدُ عَلَى رُؤْيَا فَكَيْفَ بِالوَاقِعِ!
31- لَا تُقَصِّصْ رُؤْيَاكَ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ وَلَا تُنَشِّرْهَا فِي الإِعْلَامِ، حَتَّى تَتَجَنَّبَ مَكْرَ الحُسَّادِ وَتَحْفَظَ سِرِّيَّتَكَ.
32- يُرِيدُ الأَبُ أَنْ يَكُونَ وَلَدُهُ خَيْرًا مِنْهُ، عَلَى عَكْسِ الإِخْوَةِ، فَفِي الغَالِبِ يَكُونُ الأَبُ جَلَّابًا يَجْلُبُ الخَيْرَ، وَالأَخُ سَلَّابًا.
33- لِكُلِّ نِعْمَةٍ حَاسِدٌ، كَبُرَتْ أَم صَغُرَتْ، وَلَيْسَ لِلْمَحْسُودِ أَسْلَمُ مِنْ إِخْفَاءِ نِعْمَتِهِ عَنْ الحَاسِدِ، فَيُقَالُ: «مَا خَلَا جَسَدٌ مِنْ حِسَدٍ، لَكِنَّ اللَّئِيمَ يُبْدِيهِ وَالكَرِيمَ يُخْفِيهِ».
34- فِيهَا الأَمْرُ بِكِتْمَانِ النِّعْمَةِ حَتَّى تَثْبُتَ وَتَظْهَرَ.
35- مُعَبِّرُ الرُّؤْيَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ صَادِقًا وَبَصِيرًا وَأَمِينًا وَعَالِمًا بِأُصُولِ التَّعْبِيرِ.
36- لِلأَبِ دَوْرٌ مُهِمٌّ فِي إِسْدَاءِ النَّصِيحَةِ لِلأَبْنَاءِ وَوِقَايَتِهِمْ مِنَ المَخَاطِرِ.
37- يَنْبَغِي لِلأَبِ أَنْ يُعْدِلَ بَيْنَ أَوْلَادِهِ مَا أَمْكَنَ، وَإِنْ اسْتَحَقَّ أَحَدُهُمْ عِنَايَةً زَائِدَةً فَلَا يُظْهِرْ ذَلِكَ حَتَّى لَا يُوَغِّرَ صُدُورَ البَاقِينَ.
38- فِيهَا جَوَازُ صِدْقِ رُؤْيَا الصَّغِيرِ وَنَحْوَه.
39- ذِكْرُ الحُكْمِ مَعَ الدَّلِيلِ أَوِ التَّعْلِيلِ وَبَيَانِ الحِكْمَةِ فِي جَمِيعِ جَوَانِبِ الحَيَاةِ أَسْلُوبٌ تَرْبَوِيٌّ، فَنَهَاهُ وَبَيَّنَ لَهُ السَّبَبَ.
40- جَوَازُ الحُكْمِ عَلَى بَاطِنِ الإِنْسَانِ إِذَا قَوِيَ السَّبَبُ المُوجِبُ لِذَلِكَ.
41- فِيهَا جَوَازُ تَحْذِيرِ الأَبِ بَعْضَ أَوْلَادِهِ مِنْ بَعْضٍ إِذَا دَعَتِ الحَاجَةُ إِلَى ذَلِكَ.
42- النُّصْحُ وَالإِرْشَادُ لَا يَزِيدُ نَفْسَ المُؤْمِنِ إِلَّا صَفَاءً وَنَقَاءً وَطُهْرًا.
43- يَجُوزُ التَّحْذِيرُ مِنْ شَخْصٍ بِعَيْنِهِ مَا دَامَ مَبْنِيًّا عَلَى العِلْمِ وَالعَدْلِ وَالمَصْلَحَةِ، وَأَنَّ ذِكْرَ المَسَاوِئِ عَلَى سَبِيلِ النَّصْحِ لَا يُعَدُّ غِيبَةً.
44- العِبْرَةُ لَيْسَتْ بِصِغَرٍ وَلَا كِبَرٍ، فَقَدْ يَتَقَدَّمُ الصَّغِيرُ عَلَى الكِبَارِ، وَهَذَا اصْطِفَاءٌ وَاخْتِيَارٌ.
45- العَطَايَا مِنَ اللهِ لَيْسَتْ لِأَحَدٍ، فَتَوَجَّهْ إِلَى مَنْ يَمْلِكُ القُلُوبَ، فَفَضَّلَ اللهُ يُوسُفَ وَاصْطَفَاهُ عَلَى إِخْوَتِهِ.
46- إِذَا لَمْ تَسْتَطِعْ إِزَالَةَ الشَّرِّ كُلِّهِ، فَأَزِلْ مَا تَسْتَطِيعُ مِنْهُ؛ فَبَعْضُ الشَّرِّ أَهْوَنُ مِنْ بَعْضٍ.
47- الحِرْصُ عَلَى طَلَبِ المَشُورَةِ مِنَ الآبَاءِ وَالإِخْوَةِ فِيمَا يُشْكِلُ عَلَيْكُمْ، وَالانْتِفَاعُ بِتَوْجِيهِهِمْ.
48- مَشْرُوعِيَّةُ الحَذَرِ وَالأَخْذِ بِالحِيْطَةِ فِي الأُمُورِ المُهِمَّةِ، وَهَذِهِ تُسَمَّى قَاعِدَةَ «الحِيْطَةِ وَالحَذَرِ».
49- وَجَّهَ يَعْقُوبُ يُوسُفَ تَوْجِيهًا حَكِيمًا بِقَوْلِهِ: {{لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ}} ، فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ فِرَاسَتِهِ وَبُعْدِ نَظَرِهِ وَفِقْهِهِ لِلْوَاقِعِ، وَفِيهِ تَعْلِيمٌ بِالأَخْذِ بِالأَسْبَابِ وَاسْتِشْرَافِ المُسْتَقْبَلِ.
50- فِيهَا جَوَازُ أَخْذِ العِلْمِ عَنِ الصَّغِيرِ إِذَا عُرِفَ صِدْقُهُ أَوْ كَانَ أَهْلًا لِذَلِكَ.
51- جَاءَتْ كَلِمَةُ «كَيْدًا» نَكِرَةً، فَاحْتَمَلَتِ التَّعْظِيمَ وَالتَّقْلِيلَ؛ فَفِي التَّعْظِيمِ تَحْذِيرٌ لِيُوسُفَ لِيَأْخُذَ النَّصِيحَةَ بِجِدٍّ، وَفِي التَّقْلِيلِ تَرْبِيَةٌ لَهُ أَلَّا يُسِيءَ الظَّنَّ وَلَا يُغَالِي فِي الخُصُومَةِ.
52- فِيهَا أَنَّ صَلَاحَ الأَبِ لَا يَسْتَلْزِمُ صَلَاحَ الوَلَدِ، وَأَنَّ فَسَادَ الابْنِ لَا يَسْتَلْزِمُ فَسَادَ الأَبِ.
53- فِيهَا جَوَازُ الأَخْذِ بِالأَسْبَابِ المَانِعَةِ مِمَّا سَيَكُونُ، مَعَ العِلْمِ بِأَنَّهُ كَائِنٌ وَلا بُدَّ.
54- فِيهَا أَنَّ الأَكْثَرِيَّةَ لَيْسَتْ دَلِيلًا عَلَى الحَقِّ، فَقَدْ كَانَ يُوسُفُ وَاحِدًا وَهُوَ عَلَى الحَقِّ، وَكَانَ إِخْوَتُهُ جَمِيعًا وَهُمْ عَلَى البَاطِلِ.
55- تُشِيرُ الآيَةُ إِلَى عِظَمِ الِابْتِلَاءِ الَّذِي وَقَعَ عَلَى يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَقَدْ جَاءَهُ الضُّرُّ مِنْ أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَيْهِ عَلَى أَحَبِّهِمْ إِلَيْهِ.
56- {{فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا}} ؛ أَعْظَمُ الأَلَمِ أَنْ يَظْلِمَكَ مَنْ تُحِبُّ.
وظُلْمُ ذَوِي القُرْبَى أَشَدُّ مُضَاضَةً * عَلَى النَّفْسِ مِنْ وَقْعِ الحِسَامِ المُهَنْدِ.
57- {{فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا}} ؛ فَقَدْ يَأْتِي الكَيْدُ مِنَ القَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ، بِدَوَاعِي الحَسَدِ وَالغِيرَةِ.
58- {{فَيَكِيدُوا لَكَ}} ؛ فِيهِ أَنَّ إِبْهَامَ أَمْرِ الضَّرَرِ يَزِيدُ المَنصُوحَ عِنَايَةً بِالنَّصِيحَةِ وَلُزُومَهَا.
59- اعْتَنَى الْقُرْآنُ بِبَيَانِ حَقِيقَةِ الشَّيْطَانِ وَعَدَاوَتِهِ الْأَبَدِيَّةِ لِلْإِنْسَانِ، وَكَشْفِ طُرُقِهِ وَوَسَائِلِهِ الْخَبِيثَةِ فِي الإِضْلَالِ وَالْغِوَايَةِ، مَعَ التَّحْذِيرِ الشَّدِيدِ مِنْ فِتْنَتِهِ وَكَيْدِهِ.
60- وَرَدَ ذِكْرُ الشَّيْطَانِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ بِصِيَغٍ مُتَعَدِّدَةٍ؛ فَجَاءَتْ كَلِمَةُ «الشَّيْطَانِ» ثَمَانِيًا وَسِتِّينَ مَرَّةً، وَوَرَدَتْ كَلِمَةُ «الشَّيَاطِينِ» سَبْعَ عَشْرَةَ مَرَّةً، وَذُكِرَ لَفْظُ «شَيْطَانًا» مَرَّتَيْنِ، وَجَاءَتْ كَلِمَةُ «شَيَاطِينِهِمْ» مَرَّةً وَاحِدَةً، كَمَا وَرَدَ ذِكْرُ «الْجِنِّ» فِي الْقُرْآنِ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ مَرَّةً، وَكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى عِظَمِ مَا أَوْلَاهُ الْقُرْآنُ مِنْ عِنَايَةٍ بِبَيَانِ حَقِيقَةِ هَذَا الْعَالَمِ وَالتَّحْذِيرِ مِنْ أَخْطَارِهِ.
61- الشَّيْطَانُ أَخْطَرُ عَدُوٍّ لِلإِنْسَانِ، وَعَدَاوَتُهُ أَبَدِيَّةٌ مِنَ المَهْدِ إِلَى اللَّحَدِ، وَأَكْثَرُ مَنْ يُضِلُّنَا وَيَحْرِصُ عَلَى إِغْوَائِنَا هُوَ الشَّيْطَانُ.
62- الأَبُ الصَّالِحُ مَنْ يَقْطَعُ أَسْبَابَ العَدَاوَةِ بَيْنَ أَوْلَادِهِ، وَيَمْنَعُ مَا يُؤَجِّجُ الصِّرَاعَ، وَيَحْرِصُ عَلَى تَجْمِيعِ قُلُوبِهِمْ عَلَى المَحَبَّةِ وَالمَوَدَّةِ وَالتَّآزُرِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ.
63- {{إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ}} ؛ فِيهَا أَنَّ التَّحْذِيرَ مِنَ العَدُوِّ الأَصْغَرِ «إِخْوَتِكَ» مَهْمَا بَلَغَ كَيْدُهُ وَشَرُّهُ، لَا يُغْفِلُ وَلَا يُهْمِلُ أَمْرَ العَدُوِّ الأَكْبَرِ «الشَّيْطَانِ»!
64- إِرْجَاعُ الفُرُوعِ «كَيْدِ الإِخْوَةِ» إِلَى الأُصُولِ «كَيْدِ الشَّيْطَانِ» يُبَيِّن أَصْلَ الشَّيْءِ فَيُنْسَبُ لَهُ الشَّرُّ إِن كَانَ شَرًّا، كَمَا فِي قَوْلِ اللهِ: {{إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ}} ، وَيُنْسَبُ لَهُ الخَيْرُ إِن كَانَ خَيْرًا، كَمَا فِي قَوْلِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ عَرْشَ بَلْقِيسَ: {{قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُونِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ} }.
65- أَهَمِّيَّةُ تَرْبِيَةِ الأَبْنَاءِ عَلَى حُسْنِ الظَّنِّ بِالآخَرِينَ مَهْمَا ظَهَرَتْ بَوَادِرُ الشَّرِّ.
66- {{إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ}} ؛ فَمِنْ أَخْلَاقِ الكِبَارِ وَخَصَائِصِ القُدْوَاتِ المُحَافِظَةِ عَلَى سَلَامَةِ الصَّدْرِ وَصَفَاءِ القَلْبِ وَنَقَاءِ البَاطِنِ وَحُبِّ الخَيْرِ لِلجَمِيعِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَصْلُحْ لِهَدَايَةِ البَشَرِ.
67- قَوْلُ يَعْقُوبَ لِيُوسُفَ: {{إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ}} يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ عَقْلِهِ، وَصَفَاءِ سَرِيرَتِهِ، وَمَكَارِمِ خُلُقِهِ، وَسَمَاحَتِهِ وَإِعْذَارِهِ، وَإِعْرَاضِهِ عَنِ الزَّلَّاتِ.
68- {{إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ}} ؛ فَكُلُّ مَا يَحْدُثُ بَيْنَ الإِخْوَةِ وَالأَقَارِبِ مِنْ خِصَامٍ أَوْ عَدَاوَةٍ فَهُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَمَنْ وَجِدَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَيْءٌ فَلْيَعْلَمْ أَنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ قَدَحَ عَلَى الزِّنادِ.
69- لِلشَّيْطَانِ سُلْطَةٌ عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ، حَتَّى عَلَى أَوْلَادِ الأَنْبِيَاءِ، إِلَّا الأَنْبِيَاءَ أَنْفُسَهُمْ؛ كَمَا وَقَعَ مَعَ ابْنِ نُوحٍ، وَابْنَيْ آدَمَ، وَكَذَلِكَ مَعَ أَبْنَاءِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ.
70- {{إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ}} ؛ عَلَى المُسْلِمِ أَنْ يُكْثِرَ مِنْ سُؤَالِ اللهِ أَنْ يُثَبِّتَهُ وَيَصْرِفَ عَنْهُ كَيْدَ الشَّيْطَانِ.
71- أَعْظَمُ عَدَاوَةٍ يُظْهِرُهَا الإِنْسَانُ لِلشَّيْطَانِ هِيَ امْتِثَالُ طَاعَةِ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
72- الشَّيْطَانُ يَدْخُلُ بَيْنَ الإِخْوَةِ، فَيُوغِرُ صُدُورَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، مَعَ كَوْنِهِمْ أَشِقَّاءَ، فَيُصَيِّرُهُمْ أَعْدَاءً.
73- {{عَدُوٌّ مُبِينٌ}} ؛ فِيهِ أَنَّ مَعْرِفَةَ أَهْلِ الشَّرِّ وَصِفَاتِهِمْ تُعِينُ عَلَى مَعْرِفَةِ مَنْ يَمْشِي فِي رِكَابِهِمْ.
18 رجب 1447هـ
7-1-2026م
أيمن الشعبان
داعية إسلامي، ومدير جمعية بيت المقدس، وخطيب واعظ في إدارة الأوقاف السنية بمملكة البحرين.
- التصنيف: