بين سيولة السفسطة واستقامة المرجع
تبرز "السفسطة" في ثوب جديد - تنشئه اتجاه "ما بعد الحداثة" - يتسم بتعمد إحداث سيولة في الثوابت وتمييع الحقائق البيولوجية والمادية تحت دعاوى التعددية والهوية.
تشريح للأزمة المعرفية المعاصرة:
تعيش الإنسانية اليوم حالة من "التقهقر المعرفي" التي تعيدنا إلى عصور ما قبل المنطق الأرسطي، حيث تبرز "السفسطة" في ثوب جديد - تنشئه اتجاه "ما بعد الحداثة" - يتسم بتعمد إحداث سيولة في الثوابت وتمييع الحقائق البيولوجية والمادية تحت دعاوى التعددية والهوية.
أولاً: سفسطة "الدوران حول الحقيقة"
-----------
يظهر الجدل المعاصر كعملية "فتل" لغوية (جدل) تهدف إلى فك الارتباط بين الدال (المصطلح) والمدلول (الواقع المادي).
في المحافل الرسمية، لم يعد الهدف هو الوصول إلى "النقطة المركزية" للحقيقة، بل الهروب منها عبر دوائر مفرغة من المصطلحات الهلامية.
هذا الهروب ليس مجرد اختلاف في الرأي، بل هو سعي لإنهاء "سلطة المنطق" التي تحتكم إليها العقول، واستبدالها بسلطة "الصوت العالي" أو "الهوى الشخصي".
ثانياً: الذكاء الاصطناعي.. مضخم للسيولة
-----------
على عكس المتوقع، لا يعمل الذكاء الاصطناعي كمنقذ منطقي، بل كـ "صندوق أسود" (Black Box) يطبق منطقاً صورياً على مدخلات فاسدة (Garbage In, Garbage Out). وبسبب قدرة هذه الآلات على صياغة الوهم بنبرة واثقة ومحكمة، فإنها تساهم في تثبيت "السيولة" وتحويلها إلى واقع افتراضي يُفرض كبديل عن الحقيقة، مما يسرع من وتيرة انهيار "المبنى الحضاري" الذي نخرت السفسطة في أعمدته الخرسانية، وأصابت السيولة أسياخه الحديدية بالتآكل.
ثالثاً: المعادلة الهندسية للاستقامة
-----------
لا يمكن للفطرة وحدها أن تقاوم هذا الانهيار، فهي - في غياب المرجعية المتجاوزة - تتأثر فتتشوه، ثم تؤثر فتُشَوِّه "تتأثر من ضوضاء الوسط ثم تعود لتؤثر" إذا فُقدت التغذية الراجعة التي تتخذ لها مرجعا يؤثر ولا يتأثر.
ولإعادة ضبط المنظومة الإنسانية، نحتاج إلى آلية شبيهة بـ حلقة القفل الطوري (Phase-Locked Loop - PLL): حيث
* الفطرة: هي النظام القابل للضبط والاهتزاز.
* المرجع الثابت (Crystal Oscillator): وهو "الحق المطلق" الذي يمثله الوحي الإلهي؛ مرجع "كريستالي" واضح، يؤثر في المنظومة ولا يتأثر باضطراباتها.
* التغذية الراجعة السالبة (Negative Feedback): وهي المنهج التصحيحي الذي يعيد الفطرة إلى مسار "الصراط المستقيم" كلما حاولت الانحراف نحو "السيولة".
الخاتمة: النجاة في "الصراط"
-----------
إن الاستعصام بالتوجيه الإلهي {﴿اهدِنَا الصِّراطَ المُستَقيمَ﴾} ليس مجرد نداء تعبدي، بل هو ضرورة معرفية ووجودية. إنه طلب للبقاء على "المحور المستقيم" الذي يربط المصطلحات بحقائقها، ويحمي العقل من الغرق في "الدوامة المعرفية السائلة" التي يصنعها الإنسان المجادل.
{﴿وَلَقَد صَرَّفنا في هذَا القُرآنِ لِلنّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الإِنسانُ أَكثَرَ شَيءٍ جَدَلًا﴾} [الكهف: ٥٤]
إن الحضارة التي لا تملك مرجعاً فوقياً ثابتاً، هي حضارة آيلة للسقوط المفاجئ تحت وطأة سيولتها الخاصة.
------
- التصنيف: