تأمل في: كيف يغوى إبليس وأعوانه بني آدم؟!
إن إبليس وجنده لا يأمرونك بالمعصية، بل يزينون لك المعصية فتتوهمها طاعة أو على أقل تقدير مباحا ، وبذلك يقيك ألم الشعور بها فيمنعك التوبة!
إن إبليس وجنده لا يأمرونك بالمعصية، بل يزينون لك المعصية فتتوهمها طاعة أو على أقل تقدير مباحا ، وبذلك يقيك ألم الشعور بها فيمنعك التوبة!
تدبر في منهج “التزيين” وتحريف إسقاط النص على الواقع.
ليس أخطر ما يواجه الإنسان أن يُدعَى إلى معصيةٍ صريحة، بل أن يُقنَع بأن ما يفعله ليس معصية أصلًا.
وهنا تحديدًا يقف إبليس، لا ينادي عليك من طريق الانحراف،
بل — كما أخبر القرآن — يتربص بخداعك فيقعد على الصراط المستقيم نفسه:
قال تعالى:
{﴿قالَ فَبِما أَغوَيتَني لَأَقعُدَنَّ لَهُم صِراطَكَ المُستَقيمَ﴾} [الأعراف: ١٦]
هذه الآية لا تصف شيطانًا ساذجًا يُغري بالفجور الصريح، بل تصف عالِمًا بالنفس البشرية يفهمها بعمق، ويعلم أن الإنسان لا يحتمل طويلًا التناقض بين ما يؤمن به وما يفعله.
ومن هنا تبدأ القصة الحقيقية:
أولًا: إبليس لا يغير النص… بل يُعيد توجيهه، ويعبث في فهمك له.
- الغواية الأولى لإبليس مع آدم وزوجه لم تكن إنكارًا للنهي عن الأكل من الشجرة، ولا تمردًا فجًّا عليه، بل ربما تفكيكًا ذكيًا لمعناه.
إذ قال لهما ما دونته الآية الكريمة
[الأعراف: ٢٠] : {﴿ وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَن هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلّا أَن تَكونا مَلَكَينِ أَو تَكونا مِنَ الخالِدينَ﴾}
انتبه ... هو لم يقل:
“افعلا ما نُهيتما عنه”
بل قال ضمنًا:
“هذا النهي ليس متعلّقًا بكما أصلًا، فأنتما لستما ملكين ولا من الخالدين”
وهنا حدث أخطر انتقال: وهو الانتقال من مخالفة الحكم، إلى إعادة تعريف مجال إسقاطه على الواقع.
وهذا هو الأسلوب الخبيث الذي يتكرر منذ الوسوسة الأولى إلى قيام الساعة.
ثانيًا: التزيين ليس تحسين القبيح… بل تعطيل الإحساس بقبحه
هو إعادة توصيف الفعل، وتغيير موقعه في ميزان القيم، بحيث لا يعود يُدرَك كخطأ أصلًا، فالإنسان لا يحتاج بعد ذلك إلى مقاومة ضميره، لأن الضمير قد تم خداعه.
وهنا لم يعد للتوبة مكان،
لأن التوبة لا تكون إلا عن ذنبٍ مُدرَك.
ثالثًا: “الاحتناك” — السيطرة على البوصلة لا على الخطوات
**لغويًا: "لأحتنكن ذريته" لأسوقنَّهم كما تُساقُ الدابة، فالعرب تقول حنك الدابة يحنكها: إذا شدَّ في حنكها (فكها) الأسفل حبلًا ليقودها**
وقد ذُكِر في القرآن على لسان إبليس:
{﴿ لَأَحتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلّا قَليلًا﴾} [الإسراء: ٦٢]
والاحتناك في أصل اللغة: ليس القهر ولا الإكراه، بل الإمساك بزمام القيادة.
أي:
يظل الإنسان متحركًا، يفكر، ويجتهد، ويُحلل، لكنه يتحرك وفق اتجاه مُختطف، فيظن أنه يسير إلى الخير، بينما هو في الحقيقة يسير في اتجاهٍ أُعيد تعريفه.
رابعًا: الوسواس الخناس… حين يتحول الشيطان إلى مستشار
القرآن لا يتحدث فقط عن شيطانٍ يوسوس، بل يحدد أخطر صوره:
﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاس
مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاس﴾ [سورة الناس]
وهنا يشمل المعوذة من كل من شياطين الجن والإنس.
وهنا مفارقة خطيرة:
الوسوسة قد تأتي من إنسان
بلسان عقلاني
بلغة دينية
وبحُجج “واقعية” و“مصلحية”
فيتحول الشيطان من عدوٍ ظاهر، إلى مُفسِّر، ومُنظِّر، ومرشدٍ نفسي.
خامسًا: تجنيب الإنسان ألم التنافر المعرفي
الإنسان لا يحتمل طويلًا ما يسميه علم النفس الحديث: Cognitive Dissonance
(التنافر المعرفي)
أي:
أن يؤمن بقيمة، ويمارس نقيضها
وهنا أمامه طريقان:
1. أن يُغيّر سلوكه
2. أو أن يُغيّر تفسيره للقيمة
إبليس لا يدفعك للطريق الأول،
بل يُبدع في الثاني.
فيقول لك:
النص صحيح، والحكم ثابت … لكن ليس هنا، والآن مناسبة تطبيقه.
القيمة عظيمة… لكن الواقع أعقد.
المبدأ محترم… لكن المصلحة تقتضي غيره.
وهكذا:
يُجَنَّب الإنسان ألمَ التناقض
بثمن واحد: تحريف المعنى
سادسًا: لماذا هذا أخطر من المعصية الصريحة؟
لأن المعصية الصريحة:
- تُنتج صراعًا
- وتفتح باب الندم
- وتُبقي الضمير حيًا
أما التزيين:
- فيمنح طمأنينة زائفة
- ويُلبس الخطأ لباس الحكمة
- ويجعل صاحبه يدافع عنه لا يستغفر منه.
وهنا يتحقق المعنى القرآني الأعمق لـ:
"الصدّ عن سبيل الله" لا بالمنع، بل بالتلبيس والتزيين
خاتمة
إن إبليس لم يتوعّد أن يُخرج الناس من الدين،
بل أن يُقيم لهم فيه،
ويعيد تعريف حدوده من الداخل. ويحرف الطريق المستقيم عن استقامته مع إيهام ضحاياه أنه مازال مستقيما.
وأخطر تلاميذه: ليسوا هم من يكرِهُون العبد على المعصية، بل من يُفرغون الأمر الإلهي من قدرته على الإلزام، ثم يطمئنون الناس أنهم على الصراط المستقيم.
فلنكن منتبهين إذا أُريدَ للـ"دين" أن يتحول إلى مسكّنٍ للضمير بدلًا أن يكون هدايةً للصراط المستقيم.
- التصنيف: