حين يُنبتُ البيتُ رجلاً… فيثمرُ للأمّة نهضةً

منذ 3 ساعات

ومن استحضر ربانيةَ القرآن قبل أن يتلوه، وجعل الاهتداءَ به وامتثالَ أوامره غايةَ قلبه ومقصده، فقد نال شرفَ الصحبة لكتاب الله، واقتفى أثرَ النبي ﷺ، وأوى إلى ظلٍّ وارفٍ من نعيم الهداية لا يزول.

من أجلِّ المشاريع التي ينبغي أن تُشيعها البيوت، وأن يُذكَّر بها الآباء والأمهات في مجالسهم: الاستثمار في الأبناء.
فليس في ميادين الدنيا استثمارٌ أصدق ربحًا، ولا أبقى أثرًا، ولا أوسع بركةً منه، إذا صحت النية، واستقام القصد؛ إذ لا تقف ثماره عند حدود الوالدين، بل تمتدّ ظلاله على الأمة كلِّها.

وهل أتاك نبأ الشيخ المصلح الرباني العظيم، أحد أقطاب نهضة الجزائر العلمية والدعوية، والمجاهد بقلمه ولسانه ضد المستعمر الفرنسي: عبد الحميد بن باديس؟

ذلك الغلام الذي أبصر فيه أبوه مخايل النجابة، ولمح فيه تباشير النبوغ، وكان موسرًا ذا سعة، فقال له كلمةً تختصر فلسفة التربية الصالحة، وتلخّص معنى الاستثمار الحق: «يا عبدالحميد، أنا أكفيك أمر الدنيا وأقوم بكل أمورك، وسألبّي لك كل ما تريد، فاكفني أمر الآخرة، وكن الولد الصالح الذي ألقى به وجه الله».

كلمةٌ خرجت من قلب أبٍ بصير، فأنبتت في الأرض رجلاً من أعظم رجال القرن الماضي بركةً وأثرًا. كان هذا الابن مدرسةً قائمة، ومشروعًا إصلاحيًا جديرًا بالدراسة والاعتبار، بما حواه من دروسٍ في البناء والتجديد.
ومن تأمّل تجربته الإصلاحية وجد أن القرآن الكريم – تلاوةً وتدبرًا ومعايشةً – كان الركيزة التي قام عليها بنيانه؛ فهمٌ عميق للنص، وصحبةٌ طويلة لآياته، ثم تنزيلٌ سليم لمعانيه على واقع الناس.

وقد قال البشير الإبراهيمي في وصف ذوقه القرآني: «له ذوق خاص في فهم القرآن كأنه حاسة سادسة خُصّ بها، يرفده بعد الذكاء المشرق والقريحة الوقّادة؛ بيان ناصع واطلاع واسع، وله في القرآن رأي بنى عليه كل أعماله في العلم والإصلاح والتربية والتعليم».

وله تفسيرٌ عظيم للقرآن الكريم – وإن لم يكتمل – يُثير في النفس المعاني السامية، ويبعث الهمم لتجديد العهد مع كتاب الله، والانطلاق منه إلى ميادين الدعوة والإصلاح والبناء. 

ومن استحضر ربانيةَ القرآن قبل أن يتلوه، وجعل الاهتداءَ به وامتثالَ أوامره غايةَ قلبه ومقصده، فقد نال شرفَ الصحبة لكتاب الله، واقتفى أثرَ النبي ﷺ، وأوى إلى ظلٍّ وارفٍ من نعيم الهداية لا يزول. 

فرحمةُ الله على ابن باديس وعلى أبيه، وجزاهما عن الإسلام وأهله خيرًا، ورحمةُ الله على والدٍ قدّم للأمة ولدًا، فكان ولده صدقةً جارية، وبرًّا متعدّيًا، وأثرًا لا يزال حيًّا في ضمير التاريخ.

_______________________________________
الكاتب: طلال الحسان

  • 0
  • 0
  • 30

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً