شهر رمضان وتربية الزهد
كل تلك من شواهد زهده ﷺ العظيم في شهره هذا وتواضعه الجم وسقوط الدنيا من عينيه، وتبسطه ﷺ في حاله، وتقلله من نعيم الدنيا، وحرصه على الاخشوشان والبذاذة أحياناً، حتى لا تنغمس النفس في أسر الشهوات وحبائل الملذات
رمضان مدرسة في زيادة التعلق بالله والدار الآخرة، فالطاعات تَكثر وتُتقَن، والنفوس تلين وتقبل، والقلوب تتعظ وتخشع، والعقول تتفكر وتتدبر، والعيون تدمع، والألسن تتلو وتذكر، والأكف تُرفع وتسأل، والأجساد تقوم، والأقدام تتفطر، والأيدي تجود وتتصدق.
وبلا شك أن عبداً هذا حاله لا بد أن يزهد في دار زوال لا قرار، وفي دار حقيرة هينة على الله تعالى، يقول فيها النبي ﷺ: ( «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة، ما سقى كافراً منها شربة ماء» )، ويقول ﷺ: ( «موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها» )، ولا بد ألا يتعلق بدار ملهية للعبد عما ينفعه ويرضي ربه عنه، وكلها غرور وإغواء، وفي ذلك يقول تعالى: ﴿ {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} ﴾[فاطر: 5]، ويقول ﷺ موجهاً أمته: ( «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل» )، ويقول ﷺ: ( «ما لي وما للدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها» ).
ومن تأمل في أحواله ﷺ في رمضان أدرك شدة زهده في الدنيا، وعظيم تعلقه برضوان الله تعالى، والتودد إليه بمحابه عز وجل، ومن شواهد ذلك:
• قيامه ﷺ الليل -مع طول صلاته فيه- على حصير، وهو النبي الأعظم وسيد ولد آدم، تقول عائشة رضي الله عنها: (كان الناس يصلون في المسجد في رمضان أوزاعاً، فأمرني رسول الله ﷺ فضربت له حصيراً فصلى عليه).
• تواضع فطوره ﷺ وسحوره، وعدم تكلفه فيه، كما يشهد بذلك حديث أنس رضي الله عنه قال: (كان النبي ﷺ يفطر قبل أن يصلي على رطبات، فإن لم تكن رطبات فتميرات، فإن لم تكن تميرات حسا حسوات ماء)، وقوله رضي الله عنه: (قال رسول الله ﷺ -وذلك عند السحور-: «يا أنس، إني أريد الصيام؛ أطعمني شيئاً» ! فأتيته بتمر وإناء فيه ماء، وذلك بعد ما أذن بلال).
• قلة طعامه ﷺ، كما في حديث عبد الله بن أنيس رضي الله عنه عن أبيه قال: وفيه أنه صلى مع النبي ﷺ المغرب في رمضان، ثم وقف بباب بيته ﷺ، فقال له النبي ﷺ: ( «ادخل» ). (فدخلت، فأتي بعشائه، فرآني أكف عنه من قلته).
• سجوده ﷺ في ماء وطين، وسيلان ماء المطر من سقف المسجد على مصلاه ﷺ، ففي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (فوكف المسجد في مصلى النبي ﷺ ليلة إحدى وعشرين، فبصرت عيني رسول الله ﷺ، ونظرت إليه انصرف من الصبح ووجهه ممتلئ طيناً وماء).
• تواضع معتكفه ﷺ، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: (أن النبي ﷺ اعتكف في قبة تركية على سدتها قطعة حصير)، وعن ابن عمر رضي الله عنه أنه ﷺ اعتكف (في بيت من سعف).
وكل تلك من شواهد زهده ﷺ العظيم في شهره هذا وتواضعه الجم وسقوط الدنيا من عينيه، وتبسطه ﷺ في حاله، وتقلله من نعيم الدنيا، وحرصه على الاخشوشان والبذاذة أحياناً، حتى لا تنغمس النفس في أسر الشهوات وحبائل الملذات، فيُضعِف ذلك إقبالها على الله عز وجل، وتفتر في مسابقتها في دروب السير إليه عز وجل.
وليس المراد بهذا الحث على الامتناع عن الملذات ونعم الله تعالى في الشهر، بل المراد ترك الإكثار منها كثرة مثقلة للنفس والبدن عن استثمار الشهر، وأن تبقى الدنيا مجرد متاع زائل لا غاية، وفي اليد لا في القلب، بحيث لا تكون أكبر الهم ولا أعظم ما يحرص عليه في هذا الشهر، والدعوة إلى ألا يتحول رمضان من شهر زهد إلى شهر سرف وترفه بالملذات وكفران بنعم الله تعالى.
والله الهادي.
- التصنيف: