الإرهاق العقلي الخفي
أصبح العقل في هذا الزمان يتعب كثيرًا من التفكير العميق، والتفكير المتواصل المبعثر، هواتف لا تهدأ، إشعارات لا ترحم، معلومات تنفجر كل ثانية، ومقارنات اجتماعية تسرق الرضا عند الإنسان، فيصبح الجسد متعبًا
أصبح العقل في هذا الزمان يتعب كثيرًا من التفكير العميق، والتفكير المتواصل المبعثر، هواتف لا تهدأ، إشعارات لا ترحم، معلومات تنفجر كل ثانية، ومقارنات اجتماعية تسرق الرضا عند الإنسان، فيصبح الجسد متعبًا، والعقل مثقلًا، والصدر ضيقًا، والأفكار مشتتة، هذا النوع من الإرهاق سببه تعب العقل والقلب، وهو من أكثر ما ينهك الإنسان في زمن السرعة والضغوط الخفية، ومفهوم الإرهاق العقلي الخفي هو: حالة من الثقل الذهني والضيق الداخلي تنشأ من تراكم الأفكار والهموم، والضغوط النفسية على القلب والعقل.
جاء كتاب الله واصفًا مثل هذا الإرهاق بقوله: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} [طه: 124]، الضنك ليس فقرًا فقط، بل ضيق داخلي، وتعب نفسي حتى مع توفر الأسباب؛ وقال تعالى: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} [الشرح: 1]، فدل بالمفهوم المقابل أن ضيق الصدر علامة على الإرهاق الداخلي، والسؤال هنا: لماذا يرهق العقل؟
والجواب:
أولًا: التفكير الزائد، فالعقل الذي لا يُمنح راحة يتحول إلى ساحة من القلق؛ قال صلى الله عليه وسلم: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز»؛ (رواه مسلم)؛ أي خذ بالأسباب، واستعن بالله عليها، واترك الكسل والتثاقل والاستغراق فيما لا يُثمر.
ثانيًا: تراكم الهموم المؤجلة، والمشاعر التي لا تعبر، والقرارات التي لم تحسم، والأوجاع التي لم تواجه؛ قال تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، فالإنسان أحيانًا يحمل نفسه أكثر من وسعها بأفكار وهموم حقيقية وغير حقيقية.
ثالثًا: الفراغ الروحي، فالعقل إذا انقطع عن مصدر الطمأنينة تعب ولو كان ناجحًا؛ قال تعالى: {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28]، فالطمأنينة ليست نتيجة ترتيب الحياة، بل صلة بالله.
أيها الشاب المبارك، كان النبي صلى الله عليه وسلم حين تثقله الهموم، وتحزبه الأمور يقول: «يا بلال أقم الصلاة، أرحنا بها»؛ (رواه أبو داود)، لم يقل: أرحنا من الصلاة بل بها، لأن الصلاة راحة للعقل قبل الجسد، وهذا يعقوب عليه السلام عندما فقد ابنه؛ قال تعالى عنه: {وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ} [يوسف: 84]، لأن حزنه كان داخليًّا مكبوتًا، ومع ذلك لجأ إلى الله وقال: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} [يوسف: 86]، ففتح الله له باب التفريغ الصحيح، وكان ابن تيمية رحمه الله يقول عن السكينة التي يجدها في داخله: "إن في الدنيا جنة، من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة"، وهي طمأنينة القلب بالله مهما ازدحم العقل بالضغوط.
يا أخي، إن الشاب في هذا الزمن يعيش عدة مشكلات عقلية مثل: تشتت الانتباه، والقلق المعرفي، وضياع الهدف، وسوء التغذية الفكرية، ولكي يستعيد الشاب توازنه، لا بد أن يبدأ من الداخل: من أفكاره التي تصنع عالمه
ولكي نعالج الإرهاق العقلي عند الشباب والفتيات، علينا بالتالي:
أولًا: تفريغ العقل من الأفكار السلبية، اكتب ما تفكر به، وسمِّ مشاعرك، ثم واجه السؤال بدل الدوران حوله.
ثانيًا: نظم أفكارك ولا تضخمها، فليست كل فكرة تستحق القلق، وليست كل مشكلة تعتبر عاجلة.
ثالثًا: أرِح قلبك وعقلك، بقراءة القرآن، وذكر الله، وبالخشوع في الصلوات، فهذه ليست إضافات، بل صيانة للعقل.
رابعًا: استعادة البساطة، وترك المقارنات والتوقعات التي ترهق العقل أكثر من الواقع نفسه؛ قال صلى الله عليه وسلم: «انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم؛ فإنه أجدر ألَّا تزدروا نعمة الله عليكم»؛ (رواه الترمذي).
أيها الشاب المبارك، ليس كل تعب يعالج بالنوم والراحة، ولا كل إرهاق سببه الجسد، أحيانًا يحتاج العقل إلى: إيمان يطمئنه، وصمت يهذبه، وذكر يعيد له اتزانه، فإذا شعرت بثقل بلا سبب، فتش عن الله في يومك، ستجد أن العقل يهدأ حين يطمئن القلب.
_______________________________________
الكاتب: عدنان بن سلمان الدريويش
- التصنيف: