حاذروا التفاهة!
التفاهة تبدأ حين يتحول الترفيه إلى مشروع حياة، والضحك إلى غاية، والانشغال بالعابر إلى عادة، ويصير الفارغ قدوة، والنافع مجهولًا، والعميق غريبًا بين الناس.
ليست التفاهة أن يضحك الناس، أو يترفهوا، أو يطلبوا شيئًا من الترويح المباح؛ فالنفوس تحتاج إلى راحة، والقلوب تملّ، والإنسان لا يعيش جادًّا في كل لحظة.
ولكن التفاهة تبدأ حين يتحول الترفيه إلى مشروع حياة، والضحك إلى غاية، والانشغال بالعابر إلى عادة، ويصير الفارغ قدوة، والنافع مجهولًا، والعميق غريبًا بين الناس.
وقد كان شيخٌ غيور، وزميل دراسة قديم، يقارن بين جيلنا وجيل الآباء، ويذكر أن لكل جيلٍ مزاياه ونقائصه، غير أنه كان يلحظ بوضوح تفشي هذه الظاهرة في أوساط كثير من شباب العصر، فسأل عن أسبابها، وعن سرّ هذا الاتساع المقلق.
فقلت له: إن التفاهة لا تولد فجأة، بل تُصنع صناعة، وتتسلل شيئًا فشيئًا، حتى تستقر في الأذواق والعقول.
ومن أبرز أسبابها: الفتور الإيماني، فإن القلب إذا غاب عنه ذكر الآخرة، وضعفت صلته بالله، سهل عليه أن يبدد عمره فيما لا ينفع، لأن من عرف قيمة الوقت، وقصر الدنيا، وعظم الوقوف بين يدي الله، لم يرض لنفسه أن تستهلكها السفاسف.
ومن أسبابها أيضًا: ضعف التكوين الفكري، وقلّة القراءة، وضحالة المعرفة. فالعقل إذا لم يُغذَّ بالعلم، ملأ فراغه باللهو، وإذا لم يُشغل بالنافع، شُغل بالتافه.
ومن أسبابها: فقدان الرسالة. فكثير من الشباب يعيش بلا مقصد واضح، ولا مشروع يسعى إليه، ولا معنى ينهض صباحًا من أجله. وإذا خلا القلب من المعنى، ملأته التوافه.
ومن أسبابها كذلك: الإفراط في الترفيه، حتى لم يعد مساحة راحة، بل صار أسلوب حياة؛ ساعات طويلة تذهب في متابعة ما لا يبني عقلًا، ولا يرفع خلقًا، ولا يصنع مهارة.
ويضاف إلى ذلك أثر البيئة؛ فحين ينشأ الشاب في بيتٍ لا حديث فيه إلا عن المال، أو الطعام، أو الناس، ولا يرى قدوة جادة، ولا يسمع حديثًا يرفع همته، يضيق أفقه، وينخفض سقف اهتمامه.
ثم جاءت الوسائط الحديثة، فزادت الأمر اتساعًا؛ إذ منحت الشهرة لمن لا يستحقها، وربطت الانتباه بما هو أكثر إثارة لا بما هو أكثر قيمة، حتى صار كثير من الناس يعرفون أخبار التافهين أكثر مما يعرفون شؤون دينهم أو مصالح حياتهم.
وأخطر التفاهة أنها لا تُشعرك أنك تخسر شيئًا، بينما هي تسرق عمرك ووعيك ببطء.
فهي تضعف التركيز، وتقتل العمق، وتفسد الذوق، وتعود النفس على السرعة والسطحية، حتى يعجز صاحبها عن الصبر على علم، أو قراءة كتاب، أو متابعة قضية جادة، أو بناء مشروع نافع.
ثم لا تقف آثارها عند الفرد، بل تمتد إلى المجتمع كله.
فإذا شاعت التفاهة، ارتفع الفارغون، وتراجع أهل الكفاءة، وضعف احترام العلم، وصارت الشهرة مقدمة على القيمة، وكثر الكلام، وقل العمل، واشتد الضجيج، وخفّ الأثر.
وحينها يصبح الجيل أسهل انقيادًا، وأقل مناعة، وأسرع تأثرًا بكل موجة عابرة.
ولهذا فإن علاج الظاهرة لا يكون بالصراخ على الشباب، ولا بازدرائهم، ولا بمجرد التذمر من الزمن.
بل يكون بصناعة البديل.
بإحياء المعنى في القلوب، وتقوية الصلة بالله، وربط الشباب برسالة يعيشون لها، وتقديم قدوات محترمة قريبة منهم، وفتح أبواب العلم والمهارة والإنجاز، وصناعة إعلام نافع جذاب، يجمع بين الجودة والفائدة.
ويكون أيضًا بأن تدرك الأسرة أن التربية ليست طعامًا ولباسًا فقط، بل تشكيل عقل، وبناء ذوق، وغرس قيم، وصناعة اهتمامات.
فالشباب لا يهربون إلى التفاهة دائمًا حبًّا فيها، بل كثيرًا ما يهربون إليها لأنهم لم يجدوا ما هو أسمى منها، ولا أجمل، ولا أقرب إلى نفوسهم.
وإذا تُرك الميدان فارغًا، ملأه الفارغون.
فحاذروا التفاهة؛ فإنها تبدأ تسلية، ثم تصير عادة، ثم تنتهي بسيطرةٍ على العقل والذوق والوقت.
وإذا تصدّر التافهون المشهد طويلًا، دفعت الأمة الثمن جيلًا كاملًا.
والله الهادي.
- التصنيف: