كيف تدعو الفتاة أهل بيتها؟

منذ 2014-04-06
السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا شابٌّ في نهاية العشرينيات مِن عمري، تعرَّفْتُ إلى إحدى الفتيات المسلمات أثناء الدراسة، ولاحظتُ عليها الشرود الكثير، وعدم التركيز أثناء المحاضَرات، فأخبرتْني بأنها مهمومة لحال أهلها الذين لا يعرفون مِن الإسلام إلا اسمه؛ لا يصومون، ولا يصلون، وأمها لا تلبس الحجاب، فكيف أُقَدِّم لها يدَ العون؟

أخاف أن تَكْثُرَ عليها الضغوط مِن أهلها، ويحاولوا تجريدها مِن الحجاب، وهي حديثةُ عهدٍ به، لكنَّها صاحبة فكر إسلامي جيد؛ تبتعد عن الشبُهات والبِدَع، وعن كل شيءٍ مُحرَّم، وتقرأ عن الإسلام كثيرًا، وتُحب الإسلام كثيرًا، فكيف أُقَدِّم لها النُّصح لتتعامَلَ مع أمها وأبيها؟

الإجابة:

الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومن والاهُ، أمَّا بعدُ:

فقبل الجواب -أيها الابنُ الكريمُ- أُحِبُّ أن أنبِّهَكَ إلى أنَّ الشارعَ الحكيمَ حَرَّمَ جميعَ العَلَاقات بين الجنسين، ولو كانتْ بغرضٍ ومقصدٍ نبيلٍ، فلو كانتْ مصلحةٌ راجحةٌ وحاجةٌ داعيةٌ إلى ذلك فلْتَكُنْ في حُدُود الأدب والأخلاق؛ قال تعالى: {وإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} [الأحزاب: 53]، وقال تعالى: {إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا} [الأحزاب: 32]؛ فلا يجوز البَتَّة الخروجُ عن دائرة آداب الإسلام، ومِن أهم ما ينبغي التنبيه عليه في هذا: أن يكونَ هذا الحوارُ عبرَ ساحاتٍ عامةٍ، يُشارِكُ فيها جمعٌ من الناس، وليس حِوَارًا خاصًّا بين الرجل والمرأة، لا يطلع عليه غيرهما؛ فإن هذا بابٌ مِن أبواب الفتنة.

والغرَضُ الذي تريدُ تحقيقَه غايةٌ نبيلةٌ، وهو محبةُ هدايةِ تلك الفتاة، وثباتها على الحق، فما دام هذا النصحُ سيكونُ في حُدُود الأدب والأخلاق والالتزام بأحكام الشريعة فلا بأس، وجزاك الله خيرًا، وَشَكَرَ لك حِرْصَكَ على ذلك، ونسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يَجْعَلَكَ من الهُدَاةِ المهتدين.

أما مسألةُ دعوةِ الفتاةِ أهلَهَا إلى الله، والسبلُ الموصِّلَةُ لهذا، فإن هذا أمرٌ يَتَطَلَّبُ مشروعًا متكاملًا:

أولًا: لا بُدَّ أن تُدْرِكَ تلك الفتاةُ -رَعَاهَا اللهُ وثبَّتَها على الحق- أن الدعوة إلى الله تعالى فرضُ عينٍ على كُلِّ مسلمٍ ومسلمةٍ، بِحَسَبَِ استطاعتهم؛ قال الله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يوسف: 108]؛ أي: طريقي التي أدعو إليها، وهي السبيلُ الموصلةُ إلى الله، وإلى دار كَرَامَتِهِ، المتضمنةُ للعلم بالحقِّ، والعَمَلِ بِهِ وإيثارِهِ، وإخلاصِ الدين لله وحدَهُ لا شريكَ له، {أَدْعُو إِلَى اللهِ}؛ أي: أحثُّ الخلقَ والعباد على الوُصولِ إلى ربهم، وأُرَغِّبهم في ذلك، وأُرهِّبهم مما يبعدهم عنه.

وقال -صلى الله عليه وسلم-: «فليبلغِ الشاهدُ الغائبَ؛ فرُبَّ مُبَلَّغ أوعى مِن سامع»؛ (متفق عليه)، وقال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24].

ثانيًا: يجب أن تُوَطِّنَ نفسها -ومن الآن- على الصبر، وتحمُّل المشاق؛ محتسبةً الأجْرَ عند الله، مع المداوَمة على الأعمال الصالحة، مع السعي الدَّؤوب على تعلُّمِ أمور العقيدة والتفقُّه في الدين، لتكونَ على بينةٍ من جميع أمورها.

ثالثًا: عليها أن توطِّن نفسَهَا على أن تكونَ قدوةً وأسوةً صالحةً في أعمالها الطيبة، وسيرتِهَا الحسنة؛ فالدعوةُ إلى الإسلام رسالةٌ شريفةٌ، وهي وظيفةُ الأنبياء والمرسلين، وعباد الله المتقين؛ كما قال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33].

رابعًا: الرغبةُ الصادقةُ في هدايتِهم، والتحلِّي بالرِّفْقِ والشَّفقةِ الزَّائدة، والإحسان والتحبُّب، وسلوك أحسنِ الطُّرُق وأرَقّ الأساليب، والحذر من الوقوع في التَّخْشين، ومراعاة الأسلوبِ الحسن، وتحرِّي الوقتِ المناسبِ؛ فعليها استخدام الأسلوب الحسن، واللين، والرِّفق -بقَدْرِ المستطاع- حتى يحصلَ المقصود، ويزولَ المحذور.

خامسًا: تحرِّى الأوقاتِ المناسبةِ، والأسلوبِ المناسبِ، مع الإحسان إليهم، والنصح بالحسنى، والاستعانة بالله على ذلك.

سادسًا: الاستمرارُ في الدعوة، واستخدامُ الأساليب المختلفة في النصح؛ فعلاجُ الْتِواءاتِ النفس يتطلَّبُ وقتًا وصبرًا ويقينًا في الله، وتَكرارَ المحاولةِ، وعدمَ اليأسِ من رَوْحِ الله.

سابعًا: الداعيةُ الحصيفُ كالطبيبِ الماهرِ، يبدأُ بعلاجِ أخطرِ الأمراضِ قبلَ غيرِها، ويتدرَّج في هذا؛ حتى لا يَهلِك المريضُ، فإذا وَقَرَ الإيمانُ في قلبِ المدعوِّ أورَثَه مناعةً أبعدتْهُ عن الغفلة، ومِن ثَّم تذكِّرُهم بالله، وتخوِّفُهم من غضبه وعقابه، وتَتَرَفَّق بِهم، وتخلِصُ للهِ في دعوتِهِم؛ فإنَّ كلامَ المخلِصِ يصِلُ إلى القلوب.

ثامنًا: تُذكِّرُهم دائمًا بنِعَم الله العُظْمى عليهم، وتظهرُ لهم الشفَقةَ والحِرْص عليهم، ومهما كانت المخالفاتُ خطيرةً؛ فبالدعوةِ، والدعاءِ، والصبرِ، وتخيُّرِ الأوقاتِ والألفاظِ، وحسنِ المدخلِ، والإحسانِ إليهم، والاجتهادِ؛ يصلُون لبرِّ الأمانِ إن شاء الله.

تاسعًا: الإحسانُ إليهم يجعلُها قريبةً مِن قلوبهم، فيكونُ النصح أوقعَ في نفوسهم.

عاشرًا: استغلال المواقف والأحداث التي يُرجَى فيها سرعةُ الاستجابة؛ كوقت موتِ أحدِ الأقرباء أو المعارف، أو غير هذا مِن الأمور التي تقرِّبُ الإنسان من ربه.

حادي عشر: يمكنها أن تبحَثَ في بلدها عن مركزٍ إسلاميٍّ، فتستعين بمَن يُرجَى أن يكونَ نصحُه مُؤثِّرًا عليهم، مع الحرص على أن يكونَ حسنَ الأسلوبِ والمنطق.

ثاني عشر: تجنب الإحراجِ، أو جرحِ المشاعر، أو الأساليب والطُّرق الاستفزازية، والألفاظ القاسية، أو المُحْرِجة، ومراعاة الحالةِ النفسيةِ؛ فأساليبُ الدعوة متعددةٌ تقتضيها حالةُ المدعوِّ؛ كما كان يفعل إمامُ الدعاة - صلى الله عليه وسلم - مِن مراعاةٍ لأحوالِ المدعوِّين في طباعهم، وقربهم وبُعدهم من الخير.

وقد أرشد القرآنُ إلى هذه الأساليب بقوله: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125].

وكان -صلى الله عليه وسلم- يتْبع أسلوبًا غايةً في الرِّفْق، كما في حديث الأعرابي الذي بال في المسجد، فلما زَجَرَهُ بعضُ الصحابة بشدةٍ قال -صلى الله عليه وسلم-: «لا تُزْرِمُوهُ»؛ أي: لا تَقْطَعُوا عليه بولَه، فلما انتهى قال له: «إن هذه المساجدَ إنما بُنِيَت للصلاة والذِّكر، ولا تصلُح لشيءٍ مِن القَذَر والبولِ»؛ (أخرجه البخاريُّ).

وَلمَّا تكلَّم معاويةُ بنُ الحكَمِ السُّلَمي في الصلاة، قال: "فلمَّا صلَّى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فبأبي هو وأمي ما رأيتُ معلِّمًا قبلَه ولا بعدَه أحسنَ تعليمًا منه، فوالله ما كَهَرني، ولا ضَرَبني، ولا شتمني قال: «إنَّ هذه الصلاة لا يصلُح فيها شيءٌ مِن كلام الناس، إنما هو التسبيحُ، والتكبيرُ، وقراءةُ القرآن» (صحيح مسلم).

ومِن ذلك حديث الشاب، الذي جاء إلى النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- فطلب منه أن يُبيح له الزِّنا، فدعاه -صلى الله عليه وسلم- فجعل يسأله: «أتحبه لأمك»، فيقول: "لا والله، جعلني اللهُ فداك"، فيقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ولا الناسُ يحبُّونه لأمهاتهم، أتحبُّه لابنتك»، فيقول: "لا والله، جعَلني الله فداك"، فيقول -صلى الله عليه وسلم-: «ولا الناسُ يحبُّونه لبناتهم»؛ (رواه أحمد).

فبهذا الأسلوبِ اللطيف الليِّن تخلَّصَ هذا الشابُّ مِن الفاحشة، وأصبح الزنا أبغضَ شيءٍ عنده، لا سيَّما مع دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- له: «اللهم اغفرْ ذنبَه، وطهِّر قلبه، وحصِّن فرْجَه».

الثالث عشر: يجب أن تكُفَّ عن الأمرِ بالمعروف والنهيِ عن المنكر في بعض الأحوال؛ إذا ترتَّبتْ عليه مفاسدُ أكبرُ؛ فقد ترك النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - قَتْلَ أناسٍ من المنافقين مع أنه قد ظهَر كُفرهم؛ حتى لا يتحدَّث الناس أنَّ محمدًا يقتُل أصحابَه، وغَضِبَ رجلٌ عنده، واحمرَّ وجهُهُ، وسبَّ صاحبَه، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «إني لأعلمُ كلمةً لو قالَهَا لذَهَبَ عنه ما يجدُ، لو قال: أعوذ بالله مِن الشيطان الرجيم» (رواه البخاري ومسلم)، ولم يأمرْه -صلى الله عليه وسلم- بقولها؛ مراعاةً لما هو عليه مِن الغضَب.

الرابع عشر: الاستعانة بالله والاعتصام به، فترغب إليه بِصِدْقٍ وإخلاص، وتسأله -سبحانه- أن يَهْدِيَهم.

ولتعلمْ تلك الفتاةُ أن دعوتَها لأهلها للخير حمايةٌ لها؛ لأنها إن لم تدعهم للخير، فسيدعونها هم للشر.

فَأَطْلِعْهَا على ذلك الجواب؛ لتستعينَ بما فيه من خُطُواتٍ، وَتَعَاوَنُوا مَعَهَا على تحقيق ما فيه من نقاطٍ.

واللهَ أسألُ أن يُثَبِّتَنَا جميعًا على دينِهِ.


 

خالد عبد المنعم الرفاعي

يعمل مفتيًا ومستشارًا شرعيًّا بموقع الألوكة، وموقع طريق الإسلام

  • 1
  • 0
  • 10,664

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً