ما معنى قول الشيخ؟

منذ 2014-05-16
السؤال:

قال ابن القيم -رحمه الله- في بيان أنواع العشق: "وعشقٌ هو مقتٌ عند الله، وبُعدٌ من رحمته، وهو أضر شيءٍ على العبد في دينه ودنياه: وهو عشق المردان، فما ابتليَ به إلا مَن سقط مِن عين الله، وطرد عن بابه، وأبعد قلبه عنه، وهو من أعظم الحُجب القاطعة عن الله، كما قال بعض السلف: إذا سقط العبد مِن عين الله، ابتلاه بمحبة المردان، وهذه المحبة هي التي جلبت على قوم لوط ما جلبت، وما أوتوا إلا مِن هذا العشق، قال الله تعالى: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الحجر:72] ". انتهى.

وسؤالي: أن من ابتلاه الله بهذا العشق، ولكن دافَعَهُ وجاهده، وصابر وتصبر، ولا ينظر إلى ما حرم الله، ولا يقرب هذه الفاحشة، فهل يسقط -أيضًا- من عين الله بمجرد الابتلاء فقط؟ أم قصد بعض السلف في قوله: إذا سقط العبد مِن عين الله، ابتلاه بمحبة المردان، قصده: عمل الفاحشة نفسها؟ وماذا أعد الله لمجاهد هذا البلاء من الأجر في الجنة؟ لأني لم أجد في الكتاب والسنة جزاءه، والله لا يضيع أجر المحسنين، وهل يعد صاحب هذا البلاء إذا جاهده من الصابرين، ومن الذين إذا أحبهم الله ابتلاهم؟

الإجابة:

الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومن والاهُ، أمَّا بعدُ:

فالظاهر من كلام ابن القيم -رحمه الله- أنه يقصد من ابتُلِيَ بعشق المردان، وتمادى في الأمر، ولم يجاهد نفسه حتى وقع في الفاحشة، أو مقدماتها، أو عزم على فعلها ولكنه عجز عن إتمام مراده، فهذا هو المؤاخذ باتفاق الأمة، فمن عشق المردان واجتهد للإيقاع بهم، وسعى في ذلك بقوله أو عمله، فإنه آثم كالفاعل باتفاق المسلمين، وإن لم تقع منه الفاحشة.

وهذا بخلاف من جاهد نفسه، وقهر هواه وشهوته لله وفي الله، فهو مثاب مأجور، فمجاهدة النفس من أعظم فرائض الشرع المأمور بها، وكذلك قهر الهوى والشهوة وجهادها، أصل كل جهاد؛ فالمسلم إن لم يجاهد نفسه لا يمكنه جهاد عدوه الخارج البتة، ولا فعل ما هو أقل من هذا، والمجاهدة يلزمها خوف من الله -تعالى- ونهى للنفس عن الهوى، وقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «المجاهد من جاهد نفسه في ذات الله» (رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي)، أي: قهر نفسه الأمارة بالسوء على ما فيه رضا الله من فعل الطاعة وتجنب المعصية.

وأيضًا فإن نفس الشهوة لا يعاقب الله عليها، وإنما العقاب على اتباعها، والعمل لإيجادها، أو الإرادة الجازمة المستلزمة لوجود الفعل، أما إن كانت النفس تهوى، وأنت تنهاها، فنهيك عبادة لله، وعمل صالح؛ كما قال الله -تعالى-: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى* فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات:40-41].

قال الحافظ ابن رجب في "جامع العلوم والحكم" محقق (21 / 37):

"فهذا الجهاد يحتاج -أيضًا- إلى صبر، فمن صبر على مجاهدة نفسه وهواه وشيطانه، غَلَبَهُ، وحصل له النصر والظفر، وملك نفسه، فصار عزيزًا ملكًا، ومن جَزَعَ ولم يصبر على مجاهدة ذلك، غُلِبَ وقُهِرَ وأُسِرَ ، وصار عبدًا ذليلًا أسيرًا في يدي شيطانه وهواه، كما قيل:

إذا المرء لم يغلب هـواه أقامه *** بمنزلة فيها العـزيز ذليـل

قال ابن المبارك: من صبر، فما أقل ما يصبر، ومن جزع، فما أقل ما يتمتع.

فقوله صلى الله عليه وسلم: «إن النصر مع الصبر» (صحيح الجامع)، يشمل النصر في الجهادين: جهاد العدو الظاهر، وجهاد العدو الباطن، فمن صبر فيهما، نُصِرَ وظَفَرَ بعدوه، ومن لم يصبر فيهما وجزع، قُهِرَ وصار أسيرًا لعدوه، أو قتيلًا له". اهـ.

والحاصل: أن جهاد النفس في قهر الهوى والشهوة، هو فعل المسلم المتبع لشريعة الإسلام، وما أحسن ما قال شيخ الإسلام ابن تيمية - في "مجموع الفتاوى" (10 / 635):

"فإذا كانت النفس تهوى، وهو ينهاها، كان نهيه عبادة لله، وعملًا صالحًا، وثبت عنه أنه قال: «المجاهد من جاهد نفسه في ذات الله»، فيؤمر بجهادها، كما يؤمر بجهاد من يأمر بالمعاصي، ويدعو إليها، وهو إلى جهاد نفسه أحوج؛ فإن هذا فرض عين، وذاك فرض كفاية، والصبر في هذا من أفضل الأعمال؛ فإن هذا الجهاد حقيقة ذلك الجهاد، فمن صبر عليه، صبر على ذلك الجهاد؛ كما قال: «والمهاجر من هجر الئاسيت»، ثم هذا لا يكون محمودًا فيه إلا إذا غلب، بخلاف الأول؛ فإنه: {وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}[النساء: 74]؛ ولهذا قال -صلى الله عليه وسلم-: «ليس الشديد بالصرعة»؛ وذلك؛ لأن الله أمر الإنسان أن ينهى النفس عن الهوى، وأن يخاف مقام ربه، فحصل له من الإيمان ما يعينه على الجهاد، فإذا غُلِبَ، كان لضعف إيمانه، فيكون مفرِّطًا بترك المأمور، بخلاف العدو الكافر؛ فإنه قد يكون بدنه أقوى.

فالذنوب إنما تقع إذا كانت النفس غير ممتثلة لما أُمِرَتْ به، ومع امتثال المأمور لا تفعل المحظور؛ فإنهما ضدان؛ قال تعالى: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} [يوسف:24]، وقال: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الإسراء:65]، فعباد الله المخلصون، لا يغويهم الشيطان، والغي خلاف الرشد، وهو اتباع الهوى، فمن مالت نفسه إلى محرم، فليأت بعبادة الله كما أمر الله، مخلصًا له الدين؛ فإن ذلك يصرف عنه السوء والفحشاء، فإذا كان تائبًا فإن كان ناقصًا، فوقعت السيئات من صاحبه، كان ماحيًا لها بعد الوقوع، فهو كالترياق الذي يدفع أثر السم، ويرفعه بعد حصوله، وكالغذاء من الطعام والشراب، وكالاستمتاع بالحلال الذي يمنع النفس عن طلب الحرام، فإذا حصل له، طلب إزالته، وكالعلم الذي يمنع من الشك، ويرفعه بعد وقوعه، وكالطب الذي يحفظ الصحة ويدفع المرض، وكذلك ما في القلب من الإيمان يحفظ بأشباهه مما يقوم به.

وإذا حصل منه مرض من الشبهات والشهوات، أزيل بهذه، ولا يحصل المرض إلا لنقص أسباب الصحة، كذلك القلب لا يمرض إلا لنقص إيمانه، وكذلك الإيمان والكفران متضادان، فكل ضدين فأحدهما يمنع الآخر تارة، ويرفعه أخرى، كالسواد والبياض". اهـ.

وقال ابن القيم في "زاد المعاد" (3 / 5):

"ولما كان جهاد أعداء الله في الخارج فرعًا على جهاد العبد نفسه في ذات الله، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» كان جهاد النفس مقدَّمًا على جهاد العدو في الخارج، وأصلًا له؛ فإنه ما لم يجاهد نفسه أولًا لتفعل ما أمرت به، وتترك ما نهيت عنه، ويحاربها في الله - لم يمكنه جهاد عدوه في الخارج، فكيف يمكنه جهاد عدوه والانتصاف منه وعدوه الذي بين جنبيه قاهر له متسلط عليه لم يجاهده ولم يحاربه في الله؟! بل لا يمكنه الخروج إلى عدوه حتى يجاهد نفسه على الخروج.

فهذان عدوان قد امْتُحِنَ العبدُ بجهادهما، وبينهما عدو ثالث لا يمكنه جهادهما إلا بجهاده، وهو واقف بينهما يثبط العبد عن جهادهما، ويُخَذِّلُهُ ويرجف به، ولا يزال يُخَيِّلُ له ما في جهادهما من المشاق، وترك الحظوظ، وفوت اللذات والمشتهيات، ولا يُمْكِنُهُ أن يجاهد ذَيْنِكَ العدوين إلا بجهاده، فكان جهاده هو الأصل لجهادهما، وهو الشيطان، قال تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} [فاطر : 6]، والأمر باتخاذه عدوًّا، تنبيه على استفراغ الوسع في محاربته ومجاهدته، كأنه عدو لا يفتر، ولا يقصر عن محاربة العبد على عدد الأنفاس.

فهذه ثلاثة أعداء أُمِرَ العبدُ بمحاربتها وجهادها، وقد بُلِىَ بمحاربتها فى هذه الدار، وسُلِّطَتْ عليه امتحانًا من الله له وابتلاءً، فَأَعطى الله العبدَ مَدَدًا وعدة وأعوانًا وسلاحًا لهذا الجهاد، وأَعطى أعداءَه مَدَدًا وعدة وأعوانًا وسلاحًا، وبلا أحد الفريقين بالآخر، وجعل بعضهم لبعض فتنة؛ ليبلو أخبارهم، ويمتحن من يتولاه ويتولى رسله، ممن يتولى الشيطان وحزبه؛ كما قال تعالى: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا}[الفرقان:20]، وقال تعالى: {ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ} [محمد:4]، وقال -تعالى-: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [محمد:31]، فأعطى عباده الأسماع والأبصار والعقول والقُوَى، وأنزل عليهم كتبه، وأرسل إليهم رسله، وأمدهم بملائكته، وقال لهم: {أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا} [الأنفال:12]، وأمرهم من أمره بما هو من أعظم العون لهم على حرب عدوهم، وأخبرهم أنهم إن امتثلوا ما أمرهم به، لم يزالوا منصورين على عدوه وعدوهم، وأنه إن سلطه عليهم، فَلِتَرْكِهِمْ بعض ما أمروا به، ولمعصيتهم له، ثم لم يؤيسهم، ولم يقنطهم، بل أمرهم أن يستقبلوا أمرهم، ويداووا جراحهم، ويعودوا إلى مناهضة عدوهم، فينصرَهم عليه، ويُظْفِرَهُمْ بهم، فأخبرهم أنه مع المتقين منهم، ومع المحسنين، ومع الصابرين، ومع المؤمنين، وأنه يدافع عن عباده المؤمنين ما لا يدافعون عن أنفسهم، بل بدفاعه عنهم انتصروا على عدوهم، ولولا دفاعه عنهم، لتخطفهم عدوهم واجتاحهم.

وهذه المدافعة عنهم بحسب إيمانهم، وعلى قَدْرِهِ، فإن قَوِيَ الإيمان، قويت المدافعة، فمن وجد خيرًا، فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك، فلا يلومن إلا نفسه.

وأمرهم أن يجاهدوا فيه حق جهاده، كما أمرهم أن يتقوه حق تقاته، وكما أن حق تقاته: أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر، فحق جهاده: أن يجاهد العبد نفسه؛ لِيَسْلَمَ قلبُهُ ولسانُهُ وجوارحُهُ لله، فيكون كله لله وبالله، لا لنفسه ولا بنفسه، ويجاهد شيطانه بتكذيب وعده، ومعصية أمره، وارتكاب نهيه، فإنه يَعِدُ الأماني، ويمني الغرور، ويَعِدُ الفقر، ويأمر بالفحشاء، وينهى عن التقى والهدى والعفة والصبر وأخلاق الإيمان كلها، فجاهده بتكذيب وعده، ومعصية أمره، فينشأ له من هذين الجهادين قوة وسلطان وعدة، يجاهد بها أعداء الله في الخارج بقلبه ولسانه، ويده وماله؛ لتكون كلمة الله هي العليا". اهـ.

ويتبين بهذا البيان أن الوعيد المذكور في كلام السلف الصالح ليس لمن ابتلي بحب المردان، وهو مع هذا يدافَعه ويجاهد نفسه، ويصبر ويتصبر، ولا ينظر إلى ما حرم الله، ولا يقرب هذه الفاحشة، فهذا من المؤمنين الناجين إن شاء الله.

وإنما كلامهم فيمن هو سادر في غيه -عياذًا بالله- مسرفًا على نفسه، متبعًا لهواه، يفعل من المعصية ما يقدر عليها، فهذا الذي يسقط من عين الله.

خالد عبد المنعم الرفاعي

يعمل مفتيًا ومستشارًا شرعيًّا بموقع الألوكة، وموقع طريق الإسلام

  • 0
  • 0
  • 5,003

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً