حياتي كلها عذاب مع زوجتي

منذ 2018-02-27

رجل متزوج من سيدةٍ تكدِّر عليه صفو حياته؛ لأنها ترى نفسها أفضل منه وهو لا يستحقها، مما جعله يعيش في عذاب نفسي شديد، ويسأل: ماذا أفعل معها؟

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا رجل متزوجٌ من فتاة أذاقتْني مرارة الحياة والعذاب النفسي، كانتْ جارة لي قبل الزواج، ولم يكن لديَّ عمل وقتها فقبلتْني، ويسَّرَ الله تعالى لي الزواج والعمل!

فوجئتُ بها بعد الزواج بشهرين لا تحترمني أمام الناس، وتتلفظ بألفاظ نابية، وتنتقص مني، وكنتُ أصبر عليها تأسيًا بالنبي صلى الله عليه وسلم.

أمرتُها بالنقاب فرفضتْ، وكل يوم تزداد المشكلات بصورة أكبر من التي قبلها، حتى قالت لي: لقد تسرَّعتُ في هذا الزواج، ولم أكنْ أتصور أني سأتزوج مثلك، وأنا أستحق من هو أفضل منك، خاصة أن صديقاتها تزوجنْ من هو أفضل وأغنى، وهي ترى أني لا أستحق أن تكون هي زوجتي وذلك لأني أعمل سائقًا!

بدأتْ تعيش حياة الحسرة والندم والعذاب النفسي بسبب زواجها مني، ولم يكن أمامها من حلٍّ سوى التجريح والانتقام والانتقاص مِن قدْري، وتكدير صفو الحياة الزوجية.

وصل بها الحال إلى أنها هجَرتْني في الفراش لمدة 11 عامًا، ولعدم قدرتي على الزواج من ثانية لم أتزوَّجْ!

ازداد الانتقام حتى جعلتْني أشُكُّ فيها، فأموت كمدًا وغمًّا، وكانتْ تهددني بتطليقي وإدخالي السجن، وهي تعلم أني أحبُّها، وأغار عليها!

فماذا أفعل؟

الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه، أما بعدُ:

كثيرًا ما كنتُ أذْكُر في أجوبة الاستشارات الأسرية التي تَرِد إلينا مِن زوجات بائساتٍ قد ابتُلِينَ بتَسَلُّط الأزواج أو أهله عليها، كنتُ أقول حينها: إنَّ ثقافة الصبر مِن أجْلِ الصبر - يعني: بغير هدف منشودٍ - لا بد وأن يُعادَ النظر فيها مِن ناحيةٍ شرعيةٍ صحيحةٍ!

تذكَّرْتُ هذا الكلام أخي الكريم وأنا أقرأ رسالتك المرة بعد المرة، وأقول في نفسي: ترى ما الذي دفَع رجلًا كريمًا ومتدينًا يَعُول أسرته مِن عملٍ شريفٍ وهي مهنة السياقة، ما يَحْمِلُه على كل هذا الصبر، على تلك الإهانات المتكررة طيلة كل هذه الأعوام؟!

أعلم أنه الحبُّ القلبيُّ، ولكن أنت لا ترى أي نورٍ في آخر النفق، ولم ترَ تحسنًا لأحوال الزوجة رغم طول العِشْرة، بل على العكس تزداد الإهاناتُ والنظراتُ الدونية، ولا ذنب لك فيما تنقِمُه عليك، بل إنْ كان ثَمَّ ذنبٌ فمِن جِهَتِها، فلماذا قبلتك من البداية؟ أم إنَّ الأمر راجع إلى عدم الرضا ولا دخل لك بالأمر؟

الأخ الكريم، تعلَمْ أنَّ المستشارَ مُؤتمن، وأنه لا يسعني إلا أن أكونَ صادقًا معك، وأنْ أحبَّ لك وأختار ما أحبُّه وأختاره لنفسي، أنت لم تذكرْ عن زوجتك شيئًا مُشَجِّعًا لنُصحك بالصبر والاستمرار معها، بل كل ما ذكرته مِن نوعية أنها هجرتْك في الفراش مدة 11 سنة، ولا تحترمك أمام الناس، وتنتقص منك، وتُكَلِّمك بألفاظ جارحة، وأنك لا تستحقها وهي تستحق مَن هو أفضل... إلى غير ذلك؛ مما يدل على النشوز، وتعذُّر أو استحالة الإصلاح، وما دام الأمر كذلك فما الذي يدفعك للتمسُّك بحياة تعيسةٍ مؤلمة مهينة إلى هذا الحد؟! وما قيمة أنْ تكونَ مع مَنْ تُحب وهي لا تبادلك به إلا كل كره ولا مبالاة؟! فالحبُّ حينئذٍ نوع من الضعف الذي تستغله زوجتُك لتذيقك به ألوان المهانة المختلفة!

إذا تقرَّر هذا أدركنا جميعًا الحكمة الكامنة في الطلاق، ولو عقل الناس وتدبروا هذا المنهج الإلهي إذا جاوَز الأمر بين الزوجين مسألة الحب والكره، بل والنشوز والنفور، وكان هناك ما لا تستقيم معه الحياة، ولا يستقر لها قرار - فإمساك الزوجة حينئذٍ محاولة فاشلة، يزيدها الضغط فشلاً، وهذا سِرُّ تعاستك الدائمة التي لخصتَها في عنوان رسالتك: "حياة كلها عذاب"، ومن الحكمة التسليم بالواقع أخي الكريم، وإنهاء هذه الحياة؛ فإنَّ أبْغَضَ الحلال إلى الله الطلاق.

قد يكون الطلاقُ مِن أكبر النِّعَم التي يفك بها المطلق الغل مِن عنقه، والقيد مِن رجله، فليس كل طلاق نقمة، بل مِن تمام نعمة الله على عباده أنْ مَكَّنَهُم من المفارقة بالطلاق إذا أراد أحدهم استبدال زوج مكان زوج، والتخلص ممن لا يحبها ولا يلائمها، فلم يرَ للمتحابَّيْنِ مثل النكاح، ولا للمتباغضين مثل الطلاق، ثم كيف يكون نقمة والله تعالى يقول: {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ} [البقرة: 236]، ويقول: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: 1]؟ قاله الإمام ابن القيم في زاد المعاد في هدي خير العباد (5/ 219).

وقال شيخ الإسلام ابن تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (32/ 89): "ولولا أن الحاجة داعية إلى الطلاق لكان الدليلُ يقتضي تحريمه كما دلَّتْ عليه الآثارُ والأصول، ولكن الله تعالى أباحه رحمة منه بعباده لحاجتهم إليه أحيانًا".

وقال الإمام ابن قدامة في المغني (7/ 363): "فإنه ربما فسدت الحال بين الزوجين، فيصير بقاء النكاح مَفْسَدة محضة، وضررًا مجردًا بإلزام الزوج النفقة والسكنى، وحبس المرأة، مع سوء العِشْرة، والخصومة الدائمة من غير فائدة، فاقتضى ذلك شرْع ما يزيل النكاح، لتزول المفسدة الحاصلة منه".

فطَلِّقها طلقةً رجعيةً على أن تقضي عدتها في بيتك، فإن آنستَ منها في فترة العدة صلاحًا وانكسارًا فردَّها، وإن استمرتْ في غيِّها، فدعك منها، واستعن بالله على نسيانها، قال الله تعالى: {وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا} [النساء: 130].

وفقك الله لكل خير، وألهمك رشدك، وأعاذك مِن شر نفسك.

خالد عبد المنعم الرفاعي

يعمل مفتيًا ومستشارًا شرعيًّا بموقع الألوكة، وموقع طريق الإسلام

  • 6
  • 1
  • 1,797

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً