تركت الالتزام وأصبحت عاصيا، فأعينوني.

منذ 2015-11-26

شاب كان ملتزمًا وترَك الالتزام، ثم فشل دراسيًّا، والآن يريد الرجوع إلى طريق الحق والصواب، ويسأل عن الطريق الصحيح لتَرْك المعاصي.

السؤال:

أنا شاب عمري (20) عامًا، كنت مُلتزمًا مُلتحيًا، والآن تغيَّر حالي؛ وأصبحت غير مُلتزم، وغير مُتفوق دراسيًّا. أشعر أنني أقترب من الفشل، ودائمًا أشعر بالإحباط، ولا أذاكر مع اقتراب الامتحانات!

أصبحتُ عاصيًا؛ فحلَقتُ لِحيتي، وشربتُ الدُّخان، وأهْمَلْتُ القرآن... أبكي بحرقة، وأسجد وأتوب، وكلما تُبت؛ شعُرت براحةٍ جميلةٍ وهدوء، لكن سرعان ما أعود للذَّنب... أُعاني مِن الانطوائية والضِّيق، وأشعُر أنِّي غارقٌ. فأعينوني أعانكم الله.

الإجابة:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

فخطأ كبير أن تُظلِمَ الحياة في أعيننا إلى هذا الحد مِن أجل محنةٍ أو مشكلةٍ؛ فلا يخفى عليك أيها الابن الكريم معاني الابتلاء في محنتك، والتي ستنجلي وتُصبح ذكرى تأخُذ منها العِبَر في المستقبل... ولكن احذَرْ أن يدفعك الابتلاءُ إلى الارتباك أو الانهيار والجزَع، وترْك الصبر، ومن ثمَّ الوُقوع فيما حرَّم الله تعالى. فاللهُ سبحانه أَمَرَنا بالصبر في كتابه العظيم؛ فقال سبحانه: {وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال:46]، وقال سبحانه: { وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ} [النحل:127].

فأَحْسِنِ الظنَّ بربك سبحانه، وإياك وظن السوء، أو الركون إلى أنك مبخوس الحظ؛ فاللهُ تعالى أحكمُ الحاكمين المُنَزَّه عن كل سوء في ذاته وصفاته وأفعاله، وهو أرحمُ الراحمين، وأرحم بعباده مِن الوالدة بِوَلَدِها كما قال الصادقُ المصدوقُ. وفتِّش في نفسِك، واعملْ على إصلاحها؛ فالنفسُ مأوى كل عيبٍ، ولا يأتي المرءُ إلا مِن قِبَلها؛ كما قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: 30].

أما الشعورُ باليأس أو القُنوط أو الإحباط، فإنه يدْفَع صاحبَه إلى الوُقوع في الفشَل، فيخبو حماسُه، ويتوقَّف عن مُواصَلة الطريق، ولو استبدلنا بذلك الفكر السلبي آخر إيجابيًّا لأفرز سلوكًا إيجابيًّا.

والخطوةُ الأولى هي النظَر إلى المِحَن نظرةً صحيحة، وأنها محضُ اختبار وامتحان مِن اللهِ، وأنها مقدرةٌ مِن الله تعالى، وأن شأن المؤمن بين الشُّكر والصبر؛ كما أخبرنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقال: «عَجبًا لأمر المؤمن، إنَّ أمره كله خير -وليس ذاك لأحدٍ إلا للمؤمن- إن أصابتْهُ سرَّاءُ شكر فكان خيرًا له، وإن أصابتْهُ ضرَّاء صبر فكان خيرًا له» (رواه مسلم).

فصاحبُ العزيمة القويَّة أكثرُ إقدامًا، وأسرع خروجًا مِن الشدائد، وأشد احتمالاً للمَشاق في ذات الله تعالى، وأرغب في الصلاة والصوم والأذكار وسائر العبادات، وأنشط طلبًا لها ومحافظة عليها، ومِن ثَمَّ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «المؤمنُ القوي خيرٌ وأحبُّ إلى الله مِن المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير، احرصْ على ما ينفعك، واستعِنْ بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء، فلا تقلْ: لو أني فعلتُ كان كذا وكذا، ولكن قلْ: قدر الله وما شاء فعل، فإن (لو) تفتح عمل الشيطان». وقوله: (احرصْ على ما ينفعك) معناه: احرصْ على طاعة الله تعالى، والرغبة فيما عنده، واطلب الإعانةَ مِن الله تعالى على ذلك، ولا تعجز ولا تكسلْ عن طلب الطاعة، ولا عن طلب الإعانة؛ (قاله النووي في شرحه لمسلم [16/ 215]) .

ولسُرعة خروجك مِن هذا النفَق أُوصيك ببعض النَّصائح:

• أولاً: تأمَّل وصية النبي صلى الله عليه وسلم للحبر ابن عباس: «ما أصابك لم يكنْ ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليُصيبك» ( رواه الطبراني).

• ثانيًا: استبدل بالتشاؤُم الفأل الحسن؛ لأن الأول فيه سوء ظن بالله، أما الثاني ففيه حُسن ظن بالله تعالى، فالدنيا لا يدوم فيها نجاح ولا فشل، ومَن لم يتذوق طعم الفشل لم يعرفْ قيمة النجاح، وتذكَّر قولَه تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}  [البقرة:216]، وقوله صلى الله عليه وسلم: «عِظَم الجزاء مِن عِظَم البلاء، وإن الله إذا أحَبَّ قومًا ابتلاهم، فمَنْ رَضِيَ فله الرِّضا، ومن سخط فله السخط» (رواه التِّرمذي وحسَّنه، وابن ماجه، وحسَّنه الألباني) . واستمعْ لطبيب القلوب أبي عبدالله ابن القيم - رحمه الله - وهو يقول في "عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين" (ص: 60): "ولا يستوحش من ظاهر الحال؛ فإنَّ الله سبحانه يُعامِلُ عبدَهُ معاملة مَن ليس كمثله شيء في أفعاله، كما ليس كمثله شيء في صفاته، فإنه ما حرمه إلا ليُعطيه، ولا أمرضه إلا ليشفيه، ولا أفقره إلا ليغنيه، ولا أماته إلا ليحييه، وما أخرج أبويه من الجنة إلا ليعيدهما إليها على أكمل حال، كما قيل: "يا آدم لا تجزع من قولي لك: واخرج منها، فلك خلقتُها، وسأعيدك إليها".

• ثالثًا: خُذْ ما تستطيعه من الأسباب، واتْرُك النتائجَ على الله يُقَدِّرها بحكمته وعلْمِه ورحْمتِه، فاستدركْ ما فاتك، وأقبل على مذاكرة دروسك، فما زال في الوقت مُتسعٌ للتحصيل، فأحْسِن العمل، ثم اركن إلى الركن الشديد الذي لا يقوم لقوته أحدٌ، واطلُبْ منه سبحانه أن يُعَلِّمك ويُفهمك، وأن يفتح لك مغاليق العلوم. وانظُرْ رعاك الله إلى شيخ الإسلام ابن تيميَّة الذي درس جميع العلوم المعروفة في عصره، وعني بها، من علوم العقائد، والحديث واللغة العربية، والنحو، والصرف، كما اهتم بدراسة الطب، والحساب، وغيرهما، وأبدى اهتمامًا خاصًّا بالفقه، وعلم الأصول، حتى علوم المنطق والفلسفة برع فيها ونقضها، وكان علم التفسير مِن أحبِّ العُلوم وآثرها عنده. وتأمَّلْ قوله فيه: "ربما طالعتُ في الآية الواحدة نحو مائة تفسير، ثم أسأل الله الفهم، وأقول: يا معلم آدم وإبراهيم علمني، وكنتُ أذهب إلى المساجد المهجورة ونحوها، وأمرِّغ وجهي في التراب، وأسأل الله وأقول: يا مُعلِّم إبراهيم فهِّمني".

وقال عنه تلميذُه ابن القيِّم في إعلام الموقعين عن رب العالمين (4/ 198): "وكان إذا أشكلتْ عليه المسائل يقول: "يا مُعلِّم إبراهيم علمني"، ويُكثر الاستعانة بذلك اقتداءً بمعاذ بن جبَل - رضي الله عنه - حيث قال لمالك بن يخامر السكسكي عند موته، وقد رآه يبكي، فقال: "والله ما أبكي على دنيا كنتُ أصيبها منك، ولكن أبكي على العلم والإيمان اللذين كنتُ أتعلَّمهما منك؛ فقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: "إنَّ العلم والإيمان مكانهما، مَن ابتغاهما وجدهما، اطلب العلم عند أربعة: عند عويمر أبي الدرداء، وعند عبدالله بن مسعود، وأبي موسى الأشعري، وذكر الرابع، فإن عجز عنه هؤلاء فسائر أهل الأرض عنه أعجز، فعليك بمُعلِّم إبراهيم صلوات الله عليه". وكان بعضُ السلف يقول عند الإفتاء: "سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم".

• رابعًا: توجَّه بكُلِّيتك إلى ما أمرك الله به، فإنَّ علاج الفشل أيًّا كان نوعُه يكون بمُراجعة الحال مع الله بالتوبة والاستغفار، ثم الاستعانة بالله وصِدْق اللجء والتوكُّل عليه، والضراعة ولُزوم تقواه سبحانه، والاستقامة على شريعته، والأخذ بالأسباب وعدم العَجْز.

ولا تنسَ أيها الابن الكريم أنَّ سلاح المؤمن الذي لا يُفارقه أبدًا هو الدعاء، واللجوء إلى الله تعالى، فقد قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم:  « لا يرد القضاء إلا الدُّعاء، ولا يزيد في العُمر إلا البِر)» (رواه التِّرمذيُّ وحسَّنه، وحسَّنه الألبانيُّ) . وقال: «ما من أحد يدعو بدعاء إلا آتاه الله ما سأل، أو كفَّ عنه من السوء مثله، ما لم يَدْعُ بإثم أو قطيعة رحم» (رواه أحمد، والترمذي، وحَسَّنه الألباني) .

وأسأل الله أن يشرحَ صدرك، ويُيَسِّر أمرك، وأن يقدرَ لك الخير حيث كان.

خالد عبد المنعم الرفاعي

يعمل مفتيًا ومستشارًا شرعيًّا بموقع الألوكة، وموقع طريق الإسلام

  • 3
  • 0
  • 41,277

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً