نسخة تجريبية

أو عودة للقديم

نصيحة

منذ 2017-05-02
السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

كيف نتعامل مع مَن تخالف حكمًا من أحكام القرآن أو السنة؟

كثير من أخواتي الملتزمات وغيرهن يسافرن من غير مَحرَم، حتى صديقات الوالدة الملتزمات، فلا أعرف كيف

أتعامل معهن: هل أنصحهنَّ؟ وكيف؟!

وجزاكم الله كل خير.

الإجابة:

وعليكِ السلام ورحمة الله وبركاته: أما بعد؛

فقد أنزل الله إلينا كتابه، وأرسل رسولَه بشرائعَ وأحكام، أمرنا بامتثالها، ونهانا عن مخالفتها، وأخبرنا أن فيها نجاتَنا في الدنيا والآخرة؛

ولهذا أوجب علينا أن نأتمر بالمعروف ونأمر به، وأن نجتنب المنكر وننهى عنه، وأن نأخذ على يد مَن تجاوز حدود الله وتعدى؛ فقال الله تعالى:

{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104]،

وقال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَر وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110]،

وقال تعالى:  {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَ} [التوبة: 71]،

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ القَائِمِ في حُدُودِ اللهِ وَالوَاقعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَومٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ فَصَارَ بَعْضُهُمْ أعْلاها وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، وَكَانَ الَّذِينَ في أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أنَّا خَرَقْنَا في نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤذِ مَنْ فَوقَنَا، فَإِنْ تَرَكُوهُمْ وَمَا أرَادُوا هَلَكُوا جَميعًا، وَإنْ أخَذُوا عَلَى أيدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَميعًا»؛ (رواه البخاري)، وقال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ رَأى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أضْعَفُ الإيمَانِ»؛ (رواه مسلم).

 فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو سبب خيرية هذه الأمة بعد الإيمان بالله؛ فبه يُقام الدين، وتحفظ الشريعة، وتصان العقيدة.

 

وفي تعاملنا مع المخالف ونصحه ينبغي أن نحرص على:

1- الإخلاص لله تعالى والصدق في نصيحته؛ فهما من أهم أسباب استجابة المخالف، وانقياده للحق.

 

2- الرِّفق واللين والرَّحمة به، فهي المفتاح إلى تأليف القلوب واجتذابها؛ كما قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ} [آل عمران: 159]،

وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: « إنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفقَ، وَيُعْطي عَلَى الرِّفق، مَا لاَ يُعْطِي عَلَى العُنْفِ، وَمَا لاَ يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ»؛ (رواه مسلم)، وقال: «إنَّ الرِّفْقَ لاَ يَكُونُ في شَيْءٍ إِلاَّ زَانَهُ، وَلاَ يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ شَانَهُ»؛ (رواه مسلم).

 

3- أن نلتزمَ الأمانة في نصحه؛ كما قال تعالى عن نبي الله هود في خطابه لقومه: {وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ} [الأعراف: 68].

 

4- أن يكون نصحنا من باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يُؤمِنُ أحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحبُّ لِنَفْسِهِ»؛ (رواه البخاري ومسلم)؛ فهو  برغم معصيته  أخ لنا في الدين، ونحب له ما نحب لأنفسنا من الخير.

 

5- أن نعلم أن نصحنا له ليس تفضُّلاً ولا منَّة منا عليه؛ بل هو حق له علينا؛ فعن جرير بن عبدالله - رضي الله عنه - أنه قال: {بَايَعْتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- عَلَى إقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، والنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ}؛ (رواه البخاري ومسلم).

 

أما بالنسبة لسفر بعض أخواتك وصديقات والدتك (الملتزمات!!) بدون مَحرَم، وهو من المحرَّمات الشرعية، فقد بيَّنَّا أن النصيحة واجبة عليك تجاههن، واعلمي أن كلاًّ يؤخذ منه ويُردُّ إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

أما عن كيفية نصحهن، فمن الأشياء التي تأتي بنتائج طيبة - إلى جانب ما ذكرنا - أن تقومي بالآتي:

1- التَّقرب إليهنَّ، والتَّودد لهنَّ؛ كأنْ تهدي إليهن هدية، تأليفًا لقلوبهن؛ فقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يتألف قلوب المشركين وحديثي العهد بالإسلام بالمال.

 

2- الثناء عليهن، وذكر محاسنهن قبل نصحهن؛ فقد قال نبي الله شعيب عليه الصلاة والسلام  لقومه وهو يعظهم: {إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ} [هود: 84].

 

3- تذكيرهن بأنه ينبغي لهن  بوصفهن ملتزمات  أن يَكُنَّ قدوة لغيرهن في الالتزام بشرائع الإسلام، والاستسلام لأمر الملك العلام: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف: 2، 3].

 

4- تذكيرهن بالله واليوم الآخر، وبوجوب طاعة الله ورسوله؛ فقد قال تعالى: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحشر: 7]،

وقال تعالى: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِينًا} [الأحزاب: 36]،

وقال تعالى:  {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21].

 

5- تحذيرهن من مخالفة أمر الله وأمر رسوله؛ فقد قال تعالى: { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63]،

وقال تعالى:  {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65].

 

6- الاستعانة بعد الله سبحانه بمَن له منزلةٌ وقَدْر في قلوبهن؛ ليذكِّرهن بحُكْم الله ورسوله في هذا الأمر؛ عسى الله أن يفتح بقوله قلوبَهن للحق.

 

7- معرفة ما إذا كان عند بعضهن شبهاتٌ في الموضوع (أن هذا ليس بسفرٍ، أو أن ذلك كان خاصًّا بعدم أمن الطريق، أو لأن السفر كان يستغرق أيامًا وهو الآن لا يستغرق بضع ساعات...)، والعمل على إزالتها.

 

8- الصبر والاحتساب في نصحهن وعدم اليأس، ومعاودة النصح والتذكير الفينةَ بعد الفينة.

 

9- استغلال أوقات إقبال قلوبهن على الله؛ كأنْ تذكِّريهن بعد حضور مجلس علم، أو بعد أداء الصلاة؛ ففي مثل تلك الأوقات تكون القلوب مهيَّأة لقبول النصح أكثر من غيرها من الأوقات.

 

10- الزجر بالهجر: أي أن تهجريهن في الله إنْ علمتِ أن ذلك يؤثر فيهن ويُعدِّل من سلوكهن، فقد هَجَر النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- ثلاثةً من خيار أصحابه خمسين يومًا؛ لتخلُّفِهم عن غزوة تبوك، أمَّا إن كان هذا الأمر سيزيد من نفرتهن فلا.

 

وفَّقكِ الله وأعانكِ، وثبَّت على طريق الحق خطاكِ، ونفع بك وبأمثالك الإسلام والمسلمين.

أ. إبراهيم عبدالفضيل

 

  • 0
  • 0
  • 880
i