كيف أُعامل خطيبتي؟

منذ 2013-02-09
السؤال:

أنا خطبتُ ابنةَ عمَّتي، ولقد قمتُ بتقْبيلِها، وأنا أحبُّها كثيرًا، وحتَّى عندما أسمع صوتَها أشْعُر بنزول المني، فماذا أفعل وأنا أشعر بالذَّنب بعد تقبيلِها، وأريد التَّوبة إلى الله، وأن يُثَبِّتَني الله على الطَّاعة أنا وهي حتى يرضى عنَّا، ويُنهي علاقَتَنا بالزَّواج؟

الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصَحْبِه ومَن والاه، أمَّا بعدُ:

فإن كان ما بدَرَ منكَ تِجاه خطيبتِك بعد العقْد الشَّرْعي، فلا بأْس منه، وقد سبق أن بيَّنَّا ذلك في فتوى: "حق العاقد". 

أمَّا إن كان ذلك قبل العقْد الشَّرعي - كما يظهر من سؤالك- فلا يجوز بِحال أن تتحدَّث إليْها إلاَّ في حدود الضَّرورة والحاجة، وفي وجود بعْضِ مَحارمِها، فإن شعرتَ من نفسِك بالضَّعف، فلا يَجوز لك محادثتُها، كما أنَّه لا يجوز لك أن تخلوَ بها، ولا أن تنظُر إليْها، وما وقعتَ فيما وقعت فيه إلاَّ من جرَّاء مُخالفتِك لأمْرِ نبيِّك صلَّى الله عليْه وسلَّم.

فعن ابنِ عبَّاس رضِي الله عنْهما: أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: "لا يخلونَّ رجلٌ بامرأة إلاَّ مع ذي مَحْرم" (رواه البخاريُّ ومسلم)، وفي رواية: "مَن كان يُؤْمِن بِالله واليومِ الآخِر، فلا يخلونَّ بامرأةٍ ليْس بيْنها وبيْنه محرم".

فبادِر بالتَّوبة الصَّادقة والاستِغْفار من هذا الذَّنب، ولا تسترسل فيصعب عليك العود، واسأل الله المغفرة، وخُذ نفسَك بالحزم حتَّى لا تُبتلى وتُعاقب بالحرمان ممَّن تُحِب، ولتحذَرْ أن تستبدَّ بك الغفلة حتَّى تغمر قلبَك، ويستولِيَ عليْك حبُّ خطيبتِك، فيدفعك للحرام، وعدم قبول الموعظة، فتكون ممَّن قال الله فيهِم: {بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِّنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِّن دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ} [المؤمنون: 63]، وقولِه تعالى: {فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ} [المؤمنون: 54]، فيغمره حبُّ النِّساء المانع من المسارعة في الخيرات والأعمال الصَّالحة، ويصدُّ عن ذِكْر الله والدَّار الآخرة، وعمَّا أُنذرت به.

والغفْلة والشَّهوة جِماع الشَّرِّ، فالغفلة تسدُّ باب الخير الَّذي هو الذِّكْر واليقظة، والشَّهوة تفتح باب الشَّرِّ والسَّهو والخوف، فيبقى القَلْبُ غارقًا فيما يَهْواه، غافلاً ساهيًا عن ذِكْرِه، منشغِلاً بغيره، عبدًا لِما يُرْضيه وجوده، فلا يكون العبدُ خالصًا مخلصًا دينَه لِله كلِّه حتَّى لا يكون عبدًا لما سواه، ولا فيه شعبة، ولا أدْنى جزء من عبوديَّة لما سوى الله.

قال شيخ الإسلام: "إنَّ المتَّبعين لشهواتِهم من الصُّور والطَّعام، والشَّراب واللِّباس - يستولي على قلْبِ أحدِهِم ما يشتهيه، حتَّى يقْهَره ويَملكه، ويبقى أسيرًا، ما يهواه يصرفه كيف تصرَّف ذلك المطلوب؛ ولهذا قال بعض السَّلف: "ما أنا على الشَّابِّ النَّاسك بأخوفَ منِّي عليْه من سبُعٍ ضارٍ، يثِب عليْه، من صبيٍّ حدَثٍ يَجلس إليه"، وذلك أنَّ النَّفس الصَّافية، التي فيها رقَّة الرِّياضة، ولَم تنجذب إلى محبَّة الله وعبادتِه انْجِذابًا تامًّا، ولا قام بها من خشية الله التَّامَّة ما يصرِفُها عن هواها - متَى صارت تحت صورة من الصُّور، استولَت تلك الصُّورة عليْها، كما يستوْلِي السَّبُع على ما يفترِسُه؛ فالسَّبع يأخذ فريستَه بالقَهر، ولا تقْدِر الفريسةُ على الامتِناع منه، كذلك ما يمثِّله الإنسان في قلبه من الصُّور المحبوبة، تبتلع قلبَه وتقهره، فلا يقدر قلبُه على الامتِناع منه، فيبقى قلبه مستغرقًا في تلك الصُّورة أعظمَ من استغراق الفريسة في جوف الأسد؛ لأنَّ المحبوب المراد هو غاية النَّفس له عليْها سلطان قاهر، والقلب يغرق فيما يستولي عليه: إمَّا من محبوب وإمَّا من مَخُوف، كما يوجد من محبَّة المال والجاه والصُّور، فالمحبوب يطْلُبه، والمكروه يدفَعُه، ولا يأتي بالحسنات إلاَّ الله، ولا يذهب السَّيئات إلاَّ الله؛ {وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ} [يونس: 107]، {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} [النحل: 53].

وإذا دعا العبدُ ربَّه بإعْطاء المطلوب ودفع المرْهوب، جعل له من الإيمان باللَّه ومحبَّتِه، ومعرفته وتوحيدِه، ورجائِه وحياة قلبه، واستنارتِه بنور الإيمان - ما قد يكون أنفعَ له من ذلك المطْلوب، إن كان عرَضًا من الدُّنيا.

فلا تزولُ الفِتنة عن القَلب إلاَّ إذا كان دين العَبْد كله لِله - عزَّ وجلَّ - فيكون حبُّه لله ولما يحبُّه الله، وبغضُه لله ولما يبغضُه الله، وكذلك موالاته ومعاداته، وإلاَّ فمحبَّة المخلوق تَجذبه، وحب الخلْق له سبب يَجذبهم بهِ إليْه، ثم قد يكون هذا أقْوى، وقد يكون هذا أقوى، فإذا كان هو غالبًا لهواه، لم يَجذبه مغلوبٌ مع هواه ولا محبوباته إليْها؛ لكونه غالبًا لهواه، ناهيًا لنفْسِه عن الهوى؛ لما في قلبه من خشْية الله، ومحبَّته التي تمنعه عن انجذابِه إلى المحبوبات، وأمَّا حبُّ النَّاس له، فإنَّه يوجب أن يَجذبوه هم بقوَّتهم إليْهم، فإن لم يكُنْ فيه قوَّة يدفعهم بها عن نفسِه من محبَّة الله وخشيتِه، وإلاَّ جذبوه وأخذوهُ إليْهم؛ كحبِّ امرأة العزيز ليوسف؛ فإنَّ قوَّة يوسف ومحبَّته لله، وإخلاصَه وخشيته - كانت أقْوى من جَمال امرأة العزيز وحُسْنِها وحبِّه لها، هذا إذا أحبَّ أحدُهم صورته، مع أنَّ هنا الدَّاعي قوي منه ومنهم، فهنا المعصوم مَن عصمه الله، وإلاَّ فالغالب على النَّاس في المحبَّة من الطرفين: أنَّه يقع بعض الشر بيْنهم؛ ولهذا قال رسولُ الله صلَّى الله عليْه وسلَّم: "لا يخلونَّ رجل بامرأةٍ إِلاَّ كان ثالثهما الشَّيطان"". اهـ. مختصرًا.

ولمعرفة حدود العلاقة بين الخاطب والمخطوبة؛ راجع هذه الفتاوى: "العلاقة بين الخاطب والمخطوبة"، "كم مرة أكشف وجهي للخاطب؟؟"، والله أعلم. 

خالد عبد المنعم الرفاعي

يعمل مفتيًا ومستشارًا شرعيًّا بموقع الألوكة، وموقع طريق الإسلام

  • 5
  • 0
  • 24,089

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً