عقلانية زيادة عن اللزوم، حتى كرهتُ مجتمعي!

منذ 2013-03-25
السؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أنا فتاة أكره مُجتمعي، وأشن العداوة والبغضاء على المتأسلمين! ودائمًا في صِراعاتٍ كبيرة مع بعض المتديِّنين المتنطعين، الذين يفرضون أراءهم، ويُزندقون مَن يُخالفهم رأيًا وفكرًا.
حياتي مبنيةٌ على العُزلة، ولا أحبُّ الاقتراب مِن أحدٍ، وأستمتع بالجلوس منفَردة، والتفكير العميق، وإن كنتُ مع مجموعةٍ من الزميلات في المدرسة، دائمًا تفكيري بعيدٌ عمَّا يقُلْن، وأُصاب بالملل الشديد بالجلوس مع أحد، وإذا تكلمتُ أحاول عدم التأتأة، وأتحدث سريعًا.
أنا مُحبة للنِّقاش العقلاني الذي لا يتضمَّن الجانب العاطفي، ودائمًا في نقاشات، وعندما ينتهي النقاش يخبرني الطرف الآخر بأن دماغي مغسول! وأتخيَّل خيالات بعيدةً جدًّا عن الواقع، وأصدقها وأنام وأستيقظ عليها، أتخيَّل أني من عائلة مختلفة، من بلد مختلف، إنسانة أخرى لا ترضى، مجتمعٌ يكبت حريتها، دائمًا حياتي بين الإنترنت، والكتب، والكتابة، وكتاباتي دائمًا ما تتضمن جانب الحثِّ على البحث عن الحقيقة والحرية!
أميل بشدة للجانب الليبرالي، ولكني لستُ كبعض الليبراليين العرب، الذين يطبِّقون العلمانية تحت اسْم الليبرالية!
والدتي دائمًا تتهمني بالجنون؛ بسبب تصرُّفاتي التي أشعر أنها تصرُّفات عادية جدًّا جدًّا، لا تتضمَّن الجنون.
دائمًا أهتم بالأرقام الزوجية، إن هممتُ بفِعْل شيء كالرياضة مثلًا أحسب الوقت ابتداءً من دقيقة التي بها رقمٌ زوجي، وإن لم تكن الدقيقةُ رقْمَها زوجيًّا، أنتظر الدقيقة التي بعدها.
حتى في أكلي آكل بداية من العدد الزوجي؛ مثل: البطاطس المقلية آكلها بالعدد الزوجي، وإن بقيتْ واحدة وكان عددها فرديًّا أجعل مَن بجانبي يأكلها، أو أقسمها نصفين!
أصابني يأسٌ شديد، أرجو إفادتي وتوجيهي؟!
الإجابة: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه، أما بعدُ:
فقد قرأتُ رسالتكِ بنيتي العزيزة بعنايةٍ واهتمامٍ شديدين، ولعدة مرات، وفي كلِّ مرة أعود وأنظر إلى عمركِ المكتوب أمامي، ثم أُعاوِد القراءة؛ فأنتِ فتاةٌ في المرحلة المتوسطة تقريبًا، واللغةُ الجيدة التي تكتُبين بها تدل على نباهةٍ وذكاء ظاهرَين، وترتيب للأفكار، ووصول للغرَض بصورةٍ صحيحةٍ، وغير ذلك مما يُدرِكه كلُّ مَن اطَّلع على رسالتكِ، ما شاء الله لا قوة إلا بالله، وهذا حقيقةً هو الجانبُ الجيد في الرسالة، أما الجوانبُ الأخرى فاسمحي لي أيتها الصغيرة العزيزة أن ألتزِم معكِ الحقيقة والموضوعية، والصراحة التي يُمْلِيها عليَّ ضميري الدِّيني، والمِهَني، والأبوي، وكون المستشار مؤتَمنًا، وأظنُّك قد تتَّفقين معي أن عباراتكِ الصادمةَ والفكرَ الذي يُسيطر عليكِ ليس نِتاج خبرة حياتية، ولا حراك ثقافي مجتمعيٍّ؛ لأن سِنيَّ عُمركِ القليلة لا تمكِّنكِ يقينًا من تكوين تلك الصورة المظلِمة عن المجتمع، ولا عن بعض المتديِّنين، ولم تخبُري أحدًا بمعاملةٍ ماديةٍ أو معنويةٍ تخرجين منها بكلِّ تلك السلبيات التي أجملتِها في عبارات لا يُخطئها القارئ: "أكرَه مجتمعي، وأَشُن العداوة والبغضاء على المتأسلمين، ودائمًا في صراعات كبيرة مع بعض المتديِّنين المتنطِّعين، الذين يفرضون آراءهم، ويُزندقون من يُخالفهم رأيًا وفكرًا، أميل بشدة للجانب الليبرالي"؛ فهذا قد يتصوَّر أن يقولَه علمانيٌّ قُحٌّ، تورَّط في مناظرةِ أحد الإسلاميين، فأحاط به الشيخُ من أركانه الستة فلم يُحِر جوابًا، ولما كان أكثرُ الخلق لا يَنقادون للحقِّ إلا قهرًا، حقَد العلمانيُّ على الشيخ، ثم على الجماعة المسلمة الذي هو أحد أفرادِها، ثم لما وجد المجتمع يعظِّم العلماء، قبَّح المجتمع، فكانت النتيجة الحتمية وهي الانسحاب مِن المجتمع لا سيَّما وقد انبهر بالأفكار الواردة من غير بلادنا، ومن ثمَّ ذكرتِ أن: "حياتي مبنيَّة على العُزلة، ولا أحبُّ الاقتراب مِن أحد، وأستمتِع بالجلوس منفرِدة، والتفكير العميق، يخبرني الطرف الآخر بأن دماغي مغسول"! فأين هذا مِن حبِّك للنقاش، وكثرة الصدام مع المتأسلمين - على حدِّ تعبيرك - ويُفرِز هذا الصراع والانسحاب من المجتمع في حياتك تلك الأوهام التي تعيشين فيها في عالمكِ الافتراضي، فصرتِ كما تعبِّرين: "وأتخيَّل خيالاتٍ بعيدةً جدًّا عن الواقع، وأصَدِّقها، وأنام وأستيقظ عليها، أتخيَّل أني مِن عائلةٍ مختلفةٍ، من بلد مختلفٍ، إنسانة أخرى لا ترضى مجتمعًا يكبت حريتها؛ حياتي بين الإنترنت، والكتُب، والكتابة، وكتاباتي دائمًا ما تتضمَّن جانب الحثّ على البحث عنِ الحقيقة والحرية".
كلُّ هذه العبارات الكبيرة أنا أجزِم أنها نِتاج قراءات غير واعية، وغير رشيدة لكتَّاب علمانيين، والدخول على مواقعِهم، وأنتِ ما زلتِ كالخامة مِن الزرع لا تستطيعين التمييز بين الغثِّ والسمين، ولا بين النقد البنَّاء - والذي يُرجى من ورائه صلاح المجتمع وتصحيح مساره وتقويم اعوجاجه - ومَن يقصِدون الهجوم على كل ما هو إسلامي، وكل ما هو موْرُوث؛ من شِيم أصيلةٍ وقيَمٍ عالية، وفي الحقيقة هي معركة بين الحقِّ والباطل منذ فجر البشريَّة، وحمي وطيسها مع بداية القرن العشرين الماضي، وساحة المعركة هي المقارنة بين القديم والحديث، فدخلتِ أيتها الصغيرة لتلك المعركة؛ ولم تعدِّي لها عُدتها، وحسِبتِ أن كل ما تقرئينه صحيحًا، ولم تعلمي أنه ما كل سوداء تمرة، ولا كل بيضاء شحمة، واستسمنتِ ذا ورم، واغتررتِ بالظاهر المخالِف لحقيقة الواقع، ولم تشعري أنكِ في بداية مرحلة المراهقة التي مِن أكبر خصائصها وحالاتها الميل إلى النقد، والرغبة في الإصلاح حسب تصوُّر المراهق، واختيار الأصدقاء بصورةٍ شخصيةٍ، ورفْض تدخُّل الوالدين في ذلك، وكذلك الميل إلى تولِّي المسؤوليات الكبيرة والزعامة، والرغبة في تأكيد الذات، وفرض الشخصيَّة.
ولو حاولتِ التخلص مما أقوله، أو أن تلك الأفكار خالصة لكِ، فلن تستطيعي إثبات ذلك إلا بنوعٍ من المباهتة؛ فالعبدُ وإن كابَر فمُكابرتُه لا تُفيده شيئًا؛ لأنه أعلَم بحقيقة نفسه؛ كما قال تعالى: {بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ . وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ} [القيامة: 14، 15]، فاحذري رعاكِ الله فإنَّ مِن الأعمال والأقوال والتصوُّرات ما يخلِّف وراءه آثارًا تُضاف لصاحبها في خِتام الحساب! ومهما اعتذَر الإنسانُ بشتى المعاذير عما وقَع منه، فلن يُقبَل منها عذر؛ لأنَّ نفسه موكولة إليه وهو موكَّل بها، وعليه أن يَهديها إلى الخيرِ ويقودها، فإذا انتهى بها إلى الشرِّ، فهو مكلَّف بها، وحُجة عليها.
والحاصلُ أنه يجب عليكِ أن توسِّعي دائرة معرفتكِ، وتتعرَّفي على المنهج الرَّبَّاني من مصادِره الصحيحة؛ فمِن أعظم ما تَجدينه في هذا المنهج الرَّبَّاني الفريد التوازُن، وفتح الباب على مصراعيه للتوبة، ويُنشئ آثاره في الحياة، كما لا يَملِك منهجٌ آخر أن يفعل - في القديم والجديد - بخلاف ما يدَّعيه مدَّعو "الحداثة"، والتي تعكِس مفرداتهم صَلَفًا وغرورًا واستعلاءً مصطنَعًا، ولا علاقة لهم بالقيمة الحقيقية، ولعلك ستُلاحظين مستقبلًا كيف أن الشُّعوب العربيَّة والإسلاميَّة عزلتْ هؤلاء عمليًّا؛ لمعتقداتهم الصادِمة، وسُلُوكهم المعوجِّ، ورغبتهم في إشاعة الفاحِشة في أهل الايمانِ، ولعدم قُدرتهم على التواصُل مع مُجتمعهم؛ لغرابة منهجِهم، ولضرْبهم ثوابت الدِّين!
واسمحي لي أن أطرَحَ عليكِ سؤالًا: ما تصوُّركِ عن القرآن الكريم وكونه كلام الله المعجِز الذي لا يأتيه الباطل مِن بين يديه ولا مِن خلْفِه تنزيل مِن حكيم حميدٍ؟ وما مدى تعلُّق قلبكِ بجمال القرآن؛ نظْمًا ومنْهجًا؟
فمن البدَهي أن تكونَ إجابتكِ كمسلمة تُجيد القراءة والفَهم: أنكِ على قناعة تامة وتذوُّقٍ لجمال القرآن وبلاغته، وهذه القناعةُ والتذوقُ لا بُد لهما مِن أثرٍ واقعيٍّ، وهو حُب التخلُّق بمبادئَ وقيَمِ هذا الكتاب الكريم، ولا يكون نصيبكِ منه الأماني فقط، وهو ما يتناقَض تمام التناقُض مع الليبرالية في حقيقتها مِن حيثُ هي، فهي لا قيم لها ولا مبادئ، إلا كونها مُصطلحًا رنَّانًا يَلوكه أتباعُها، ويختبئون وراءه من وصْمة العلمانية سيئة الصيت؛ وإلا فبربِّكِ أخبرينا: ما الفارق الجوهريُّ بين العلمانية والليبراليَّة؟! فالاثنان منهجانِ أرضيَّانِ يَعملان على إقصاء شريعة السماء عن الواقع البشريِّ، وتحكيم الأهواء البشريَّة، وعند الرجوع للمصطلح وفلسفته عند أربابه تجدين أنها تقوم على أُسسٍ باطلة؛ فهي مذهبٌ رأسمالي يُنادي بالحرية المطلَقة في الميدَانين الاقتصاديِّ والسياسيِّ؛ ففي الميدان السياسي - وعلى النطاق الفردي - يؤكد هذا المذهبُ على القَبول بأفكار الغير وأفعاله، ولو كانتْ متعارِضة مع المذهب، بشرط المعامَلة بالمِثل. وفي إطارها الفلسفي تعتمِد الفلسفة النفعيَّة والعقلانية لتحقيق أهدافها، وعلى النطاق الجماعي: هي النظام السياسي المبنيُّ على أساس فصْل الدين عن الدولة، فهي هي العلمانية! والليبراليون وإن كانوا يزعمون أن حرية المعتقَد مكفولة للجميع، إلا أنهم في الغالب يتصرَّفون ضد الحرية، خصوصًا الحرية الإسلامية؛ ولا يخفى ارتباط الليبرالية بالاستعمار، وما يتضمَّن ذلك من استغلال واستعباد للشعوب المستعمَرة، وهذا يرد مَزاعمهم العريضة في الحريات، أم أنك لم تقرئي عن تصرُّفات أعتى دول الليبرالية في العالم وعلى رأسِها أمريكا وإنجلترا وكيفية تعامُلهم مع شعب العراق، وأفغانستان، وفِلَسطين، وغيرهم؟ أم إن الحرية هي حرية الرجل الأبيض وحرية المجون فقط؟!
فهل يجوز شرعًا وعقلًا لمن يحترِم نفسه ودينه، أن يجمعَ بين النقيضَيْن؛ الإسلام، والليبرالية؟ أم نقول كما قال الشاعر:

سارتْ مُشرِّقةً وسرتُ مغرِّبًا *** شتَّان بين مُشرِّق ومُغرِّبِ؟


فشتَّان شتان بين الليبراليةِ والإسلامِ؛ ولهذا من يزعُم عدم المصادَمة بين الليبرالية والإسلام، يضطرُّ إلى أن يفسِّر الليبراليةَ بتفسيرٍ يفرِّغها من حقيقتها، ومضمونها، بحيث لا يُبقي لها أيَّ معنًى، حتى قالوا: الليبرالية الإسلامية! ويَعنون التقيد بالدين ثم بالعُرف ثم بالأخلاق الإنسانية الفطرية؛ كالرحمة، والشفقة... إلخ! فأي فائدة لكلمة الليبرالية إذًا، إلَّا إن كان الانهزام وولَع المهزوم بثقافة المنتصِر؟ فإن التقيُّد بالدين ثم بالعرف ثم بالأخلاق الإنسانية داخل في مفهوم الإسلام، فأيُّ جديد أضافتْه كلمةُ الليبرالية حتى يقال: ليبرالية إسلامية؟! كل هذا ليمرِّروا ضلالات الليبرالية إلى قلوب عوامِّ الناس وعقولِهم وهم لا يشعرون، وهذا لا ريب أنه محظور عظيم يجب سدُّ الطرق المُفضِية إليه.
فالإسلامُ منهجٌ عظيم متكامِل، والجمع بينه وبين المذاهب الأرضية التي هي في الحقيقة زبالات الأذهان ونِفايات الأفكار طعْن فيه بالنقص، والحاجة إلى التكميل، وقد قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]، وقال تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85]، وقال: {أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ} [آل عمران: 83]، وقال: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50].
واللهِ، إنَّ المرء ليَأسَف أن تجدَ هذه الدعوات الباطلةُ آذانًا صاغية في عُقُول وقلوب أبناء المسلمين قليلي العلم؛ مِن الذين انبهَروا بالغرب وتقاليده، وعمِيتْ بصائرُهم عن حقائق دين الإسلام وما فيه من خيرٍ ونفعٍ ومصلحة.
ونحن في موقع الألوكة بفضل الله ومعونته على استعدادٍ لتوضيح ما يُشكِل عليكِ، والجواب عمَّا يختلِج في نفسكِ من شُبْهة أو سؤال.
والله الموفِّق والهادي إلى سواء السبيل

خالد عبد المنعم الرفاعي

يعمل مفتيًا ومستشارًا شرعيًّا بموقع الألوكة، وموقع طريق الإسلام

  • 4
  • 1
  • 4,556

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً