تفريغ كلمة صوتية لمولانا أمير المؤمنين أبي بكر الحسيني القرشي البغدادي ( تقبله الله ) بعنوان: ...

تفريغ كلمة صوتية لمولانا أمير المؤمنين
أبي بكر الحسيني القرشي البغدادي ( تقبله الله )

بعنوان: هذا ما وعدنا الله ورسوله

(٦/٦)
وإلى جنود الخلافة في خراسان وبنغلادش وإندونيسيا والقوقاز والفلبين واليمن والجزيرة وسيناء ومصر والجزائر وتونس وليبيا والصومال وغرب أفريقيا، اعلموا أنكم اليوم دعائم الإسلام في الأرض، وأوتاد الخلافة فيها، أذهلتم أمم الكفر بجهادكم وصبركم وثباتكم، علّمتم الناس كيف تكون مسالك النصر بحسن الاجتماع، وامتثال الطاعة، وتكوين جماعة المسلمين الكبرى في واقع استمرأ الجاهلية الجهلاء بكثرة الفرقة والبقاء على الشتات، ولقد أغظتم باجتماعكم وجهادكم أمم الكفر كما كان غيظهم بقيام الخلافة سواء، وعليه فإنهم سيسعون لإطفاء نور الله بينكم ببث أسباب الفرقة والاختلاف، فاصبروا وصابروا ولا تخافوا، واثبتوا ولا تفروا عند إرادة القتال، فإذا صبرتم فإن الله يؤيدكم وينصركم ويثبت أقدامكم، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف، واعلموا أنه إن قتل بعض قادتكم، فإن الله مخلفا لكم مثله أو خيرا منه، والله لن يضيعكم، فلا تحزنوا، إن الله معنا.

ويا أيها المجاهدون الصابرون على البأساء والضراء في سرت، لقد لقنتم الأعداء من صبركم دروسا، وكتبتم لمقامات المجد والثبات بدمائكم الطاهرة طروسا، كانت أوروبا الصليبية ولا تزال تطمع بأن تغزو مهد الخلافة وحصن الإسلام في العراق والشام، حتى زلزلتم أمنها بنشأتكم، وقلبتم موازين سياساتها بجهادكم، فصرتم العقبة الكأداء والصخرة الصلبة التي تكسرت عندها إرادتهم، وتحطمت بها مشاريعهم، إن عدوكم يألم كما تألمون، ولكنكم ترجون من ربكم ما لا يرجون، فإياكم أن تبرحوا مقاعد قتالكم ومواطن رباطكم، فلقد أوشك عدوكم أن يمل أو يدفع فيفل.
ولا يفوتنا في هذا المقام أن نذكر إخواننا المسلمين عامة بأنه إن ضاقت السبل وتقطعت الطرق بالهجرة إلى أرض العراق والشام، فقد جعل الله لهم سبيلا واسعة للهجرة إلى تلك الولايات المباركة ليقيموا هنالك صرحا من صروح الإسلام ويحوزوا فضل السبق في نصرة دين الله وإعلاء كلمته، قال تعالى: {يا عبادي الّذين آمنوا إنّ أرْضي واسعةٌ فإيّاي فاعْبدون} [العنكبوت: 56].

وإلى إخواننا القابضين على الجمر الذين ابتلاهم الله بالأسر، إنا على قدر ما نحن فيه من منازلة ضخمة لأعداء الله، فإننا والله ما نسيناكم ولن ننساكم، كيف وأنتم أرقنا الدائم وهمنا الذي لا يبرح، نسأل الله أن يجعل فك أسركم على أيدينا، وكسر سجونكم بأسلحتنا وحديدنا، وما ذلك على الله بعزيز، فعليكم بالتضرع إلى الله ببلائكم، وتذكروا أن الله يصنعكم ليوم تنصرون فيه دينكم ودولتكم، وإني أحرضكم على الدعاء العظيم لإخوانكم في الدولة الإسلامية أن يهيئ الله لهم من أمرهم رشدا، وأن يجعل معونته الحسنى لهم مددا، ويغنيهم به عمن سواه، فك الله أسركم وكشف كربكم، وجبر كسركم، وقوّى عزمكم، وجعل لكم فرجا ومخرجا.

أيها المسلمون في كل مكان، إني معزيكم ومعزي المجاهدين عامة بمقتل الشيوخ والقادة، وعلى رأسهم الشيخ أبو محمد العدناني والشيخ أبو محمد الفرقان، رحمهم الله، وأعلى في الفردوس مسكنهم، فقد كانوا لنا من خيرة الوزراء، وصالح الأمراء، إلى ما شرفهم الله به من حسن السابقة وقديم الفضل، والجد في تشييد صرح الخلافة، وحكم الله في الأرض، حتى قضوا نحبهم، وأوفوا ما بذمتهم، نحسبهم كذلك والله حسيبهم، إلا أننا نبشركم -بفضل الله ومنّه- أن الخلافة ما تعثرت بمقتلهم فضلا عن أن تقف عجلة الجهاد بفقدهم، بل إن تلكم الأجساد الطاهرة ما هي إلا قرابين نقدمها بين يدي الله طلبا لمرضاته واستجلابا للنصر المبين والفتح القريب، بإذن الله، فلقد علمنا في كتاب الله أن استشهاد القادة والصالحين هو الباب الأقرب للتمكين في الأرض، وثواب الدنيا والآخرة، قال الله تعالى عن حال الأنبياء وأتباعهم: {وكأيّنْ منْ نبيٍّ قاتل معه ربّيّون كثيرٌ فما وهنوا لما أصابهمْ في سبيل اللّه وما ضعفوا وما اسْتكانوا واللّه يحبّ الصّابرين * وما كان قوْلهمْ إلّا أنْ قالوا ربّنا اغْفرْ لنا ذنوبنا وإسْرافنا في أمْرنا وثبّتْ أقْدامنا وانْصرْنا على الْقوْم الْكافرين * فآتاهم اللّه ثواب الدّنْيا وحسْن ثواب الْآخرة واللّه يحبّ الْمحْسنين} [آل عمران: 146-148].

اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم، اللهم عليك بالكفرة المجرمين الذين يصدون عن سبيلك، ويكذّبون رسلك، ويحاربون أولياءك، اللهم أعنا عليهم بسنين كسني يوسف، اللهم أحصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تغادر منهم أحدا، اللهم فرق جمعهم، وشتت شملهم، اللهم من أرادنا وأراد ديننا وجهادنا بسوء، فاجعل دائرة السوء تدور عليه، حتى يهلك نفسه بيديه، اللهم امكر لنا ولا تمكر علينا، واهدنا، ويسر الهدى لنا، وانصرنا على من بغى علينا، أنت مولانا، نعم المولى ونعم النصير، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

• للإستماع للكلمة الصوتية، تواصل - تيليغرام:
@wmc111at
...المزيد

أخرج البيهقي في الشعب عن ابن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أربع إذا كن فيك فلا عليك ما ...

أخرج البيهقي في الشعب عن ابن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا : حفظ أمانة ، وصدق حديث ، وحسن خليقة ، وعفة طعمة " .

أخرج عن أنس قال : البيت الذي تكون فيه خيانة لا تكون فيه البركة .

أخرج عن أنس قال : البيت الذي تكون فيه خيانة لا تكون فيه البركة .

كلمة لمولانا أمير المؤمنين أبي بكر الحسيني القرشي البغدادي ( تقبله الله ) بعنوان: هذا ما وعدنا ...

كلمة لمولانا أمير المؤمنين
أبي بكر الحسيني القرشي البغدادي ( تقبله الله )

بعنوان: هذا ما وعدنا الله ورسوله

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد:

يقول الله تعالى: {ولَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا} [الأحزاب: 22].
حقا، إنه وعد الله الذي وعد، وخبره الذي صدق، فها هو العالم الكافر اليوم قد حشر ونادى، وتحالف وتحزّب، وجمعَ كل كيده وتألّب؛ كيدَه وشركاءَه وأحلافَه وأولياءَه لحرب الإسلام وأهله، وكيدِ المؤمنين ودينهم بكل ما يملكونه من كيد، وما يقدرون عليه من آلة حربية وعسكرية، جوية أو برية أو بحرية، كل هذا للسعي حثيثا لإطفاء نور الله وعداوة لدينه ومنهاجه في الأرض، وخوفا وهلعا من أن تعود لأهل الإسلام والسنة خلافتهم وقوتهم، ويعود لهم التمكين والظهور كما كان أول مرة.

إن هذه المعركة المستعرة والحرب الشاملة والجهاد الكبير الذي تخوضه دولة الإسلام اليوم ما تزيدنا -إن شاء الله- إلا إيمانا ثابتا ويقينا راسخا بأن ذلك كله ما هو إلا تقدمة للنصر المكين وإرهاصا للفتح المبين الذي وعد الله عباده، فإنا نظرنا في كتاب الله وفي تاريخ جهاد هذه الأمة الطويل لعدوها، فرأينا أن الآية البينة على قرب هلاك عدونا وزواله هو يوم شروعهم وإيذانهم بحرب الله ورسوله ودينه، وإيذائهم عباده وأولياءه، والسعي لإخراجهم من الأرض التي لله، يورثها من يشاء من عباده، يقول الله تبارك وتعالى: {وإِن كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 76].

إن بداية نصرنا وأشرفه وأعظمه هو في غاية ما يكون عليه عدونا من التجمع والتحزب والتفاخر والتكاثر، فهناك يدفع الله عن عباده، وتتجلى لهم آثار قوته وعزته وجبروته، قال الله تعالى: {فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ * فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ * فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ * فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ * فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ * وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء: 53-68]؛ وقال سبحانه: {حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} [يوسف: 110].

عباد الله، إن الإيمان لا يتم تمامه في نفس جماعة المسلمين حتى تتعرض وتستعد لمجاهدة الناس في أمر هذا الإيمان، ومواجهة أهل الباطل بجميع قواهم، وهي تتعرض في ذلك الجهاد وتلك المجاهدة لمطارق الابتلاء ومرارة الأذى، وتصبر معه على النصر والهزيمة، ويصيبها من الخوف والزلزال، ثم تثبت ولا ترتاب، وتستقيم ولا تلتفت، وتمضي في طريق إيمانها الراشد، إن شاء الله، ولولا هذه الأحزاب وهذا الجهاد، لضعف الإيمان وما زاد، وفسدت القلوب وما صلحت، ولرأينا النفوس تأسن، والهمم تسترخي، والإيمان يذبل، وهكذا يكون الحال حينما نبتلى بالرخاء، {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة: 251].

لقد أرصد أعداء الله من اليهود والنصارى والملاحدة والرافضة والمرتدين وأمم الكفر جمعاء إعلامهم وأموالهم وجيوشهم وعتادهم لحرب المسلمين والمجاهدين في ولاية نينوى بعد أن رأوها قاعدة من قواعد الإسلام ومنارة من مناراته تحت ظل الخلافة، فأرقهم حياة المسلمين فيها أعزة آمنين، وأرهقهم أن تحقق للناس فيها مثالا لحكم الإسلام يرونه ويعيشونه ويستفيئون ظلاله وينعمون بخيره وبركته، وهذا غاية ما يخشونه ويخافونه لأنه سبيل امتداد نفوذ الإسلام واتساع رقعته ودخول الناس فيه.

فيا أهل نينوى عامة، ويا أيها المجاهدون خاصة، الله الله في دين الله، إياكم والضعف عن جهاد عدوكم ودفعه، فإن ذلك ينقض عرى الإسلام ويطفئ نور الحق.

يا معشر المهاجرين والأنصار، امضوا على بصيرتكم، واصبروا على عزيمتكم صبرا على الغُصص، فكأن قد اندمل شعث الشتات، والتأمت كلمة الخير والعدل، ودفع الحق الباطل، فإن لهذا اليوم ما بعده، والصبر خير في الأمور عواقبا، قال تعالى: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} [القمر: 45]، وقال جل وعلا: {وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} [الأنفال: 7-8].

يا جنود الخلافة، إذا وقفتم صوب طائرات أمريكا وحلفائها، فقفوا ثابتين متوكلين على من بيده ملكوت السموات والأرض، الذي ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها، إن ربي على صراط مستقيم، وقولوا: «حسبنا الله ونعم الوكيل»، فإنها كلمة قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد -صلى الله عليه وسلم- حين قال له الناس: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ} [آل عمران: 173]، واعلموا أنه لو أطبقت السماء على الأرض، لجعل الله للمؤمنين منها متنفسا.

فيا كتائب الانغماسيين، ويا قوافل الاستشهاديين، ويا سرايا الاقتحاميين، يا طلاب الشهادة والحسنى وزيادة، يا سعاة إلى الجنان والرضوان، انطلقوا على بركة الله، فإن الحرب حربكم، حوّلوا ليل الكافرين نهارا، وخرّبوا ديارهم دمارا، واجعلوا دماءهم أنهارا، فإن ذلك هو الحظ الأوفر، والفوز الأكبر، بصحبة الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا، وليكن لسان حال أحدكم: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ} [طه: 84]، فجزاكم الله عن الإسلام والمسلمين خيرا، لقد أذقتم الكافرين الأهوال، ومرغتم أنوفهم بالأوحال، فَدَيناكم بأنفسنا، لقد كنتم وما زلتم بعد الله نعم الظهر والسند، ونعم الساعد والمدد.

يا أهل السنة في العراق، أفي كل مرة لا تعقلون؟ استمرأتم الذلة والمهانة حتى رتعتموها، وتهتم كما تاه بنو إسرائيل من قبلكم، أَوَما ترون الرافضة كل يوم يسومونكم سوء العذاب، يغزون بلادكم بحجة محاربة الدولة الإسلامية، ثم لا يبرحون حتى يقتلوا رجالكم، ويأسروا نساءكم وذراريكم تارة، ويشردونهم تارة أخرى؟ أَوَما ترون العراق تفرغ مدنها من أهل السنة، وتحشى بأرذل خلق الله وشر من وطئ الحصى؟ انظروا إلى راياتهم وهم يقاتلونكم، اسمعوا شعاراتهم وهم يحيطون ببلادكم، تأمّلوا في صنيعهم حين يخرجونكم من أرضكم، واسمعوا نداءاتهم وهم يصرخون بالدعوة إلى غزو أراضي السنة كلها من عراقكم إلى شامكم إلى نجدكم بل إلى يمنكم.

يا أهل السنة، لقد مارس زعماؤكم في المنطقة أحط وأحقر صور الخيانة عرفها التأريخ، فباعوا القضية، وسلموا أمركم وأرضكم لعدوكم، فها هي مناطقكم يقتسمها الملحد الكافر والمشرك الرافضي والنصيري الحاقد، في مشهد باطني خبيث مكشوف، يراه ويسمع به العالم أجمع، وها هي حلب تواجه أعتى وأشرس حملة نصيرية بدعم مجوسي روسي كافر، يهدفون من خلالها إلى إقامة كيان نصيري بديل وسط خيانة الفصائل المرتدة المنشغلة بقتال الدولة الإسلامية والساعية لإزاحة حكم الله من الأرض في سبيل مصالح أسيادهم وداعميهم من دول الكفر.

وما تزال خطط الروم وما يزال مكرهم جاريا ساريا، حتى في جزيرة محمد، صلى الله عليه وسلم، لتسليط الرافضة على أطرافها، في ظل إفساد كبير تعمل عليه حكومة آل سلول لعلمنة البلاد، والسعي في إكفار أهلها، ونشر الرذيلة بينهم، والإطاحة بما يُمكن أن يُعد من رسوم الشرع وأهله، ولم يقتصروا على ذلك فحسب، بل شاركوا مشاركة عسكرية حقيقية مع أمم الكفر لحرب الإسلام والسنة في العراق والشام، فهم رأس كل بلية، وسبب كل رزية.

فيا رجال الجزيرة، يا أحفاد الصحابة، أعيدوا عليهم الكرة تلو الكرة، دونكم أعداء الله، دونكم أمنهم وعسكرهم وشرطهم، دونكم أزلامهم وأصحاب أقلامهم، دونكم أمراؤهم ووزراؤهم وأبواق إعلامهم، وتذكروا وصية نبيكم، صلى الله عليه وسلم: (لا يجتمع دينان في جزيرة العرب) [رواه مالك وغيره].

يا أهل السنة، إنه ما بقي لكم بعد الله إلا دولة الخلافة تصون دينكم وتحفظ بيضتكم وتقوي شوكتكم، تحيون فيها أعزاء أو تموتون شرفاء، من غير أن يجرأ على مس كرامتكم فيها رافضي ذليل، أو نصيري خبيث، أو ملحد حقير.

أيها المسلمون الموحدون في مشارق الأرض ومغاربها، لقد ظلت تركيا العلمانية المرتدة خلال مدة جهادنا وصراعنا مع أحلاف الكفر خاسئة خانسة، تطل بقرن وتستخفي بقرن، تسعى لتحقيق مصالحها وأطماعها في شمال العراق وأطراف الشام، ثم ترتد خشية أن يصلاها المجاهدون في عقر دارها بجحيم عملياتهم ولهيب معركتهم، ثم إنها فكَّرت وقدَّرت ونظرت، ثم عبست وبسرت واستكبرت، ودخلت في حربنا كما تدخل الضباع المبتورة مستندة مستظلة بطائرات تحالف الصليب، مستغلة انشغال المجاهدين بحرب أمم الكفر ودفاعهم عن أرض الإسلام، وظنت أنها آمنة من أن ينزل بساحتها أبناء التوحيد وأسود الجهاد، ألا إنه من مأمنه يؤتى الحذر.

أيها الموحدون، لقد دخلت تركيا اليوم في دائرة عملكم ومشروع جهادكم، فاستعينوا بالله، واغزوها، واجعلوا أمنها فزعا، ورخاءها هلعا، ثم أدرجوها في مناطق صراعكم الملتهبة.
ويا أجناد الخلافة في أرض الشام، ها قد جاءكم الجندي التركي الكافر، وإنما دم أحدهم كدم الكلب خسةً ورداءةً، فأروهم بطشكم، واصلوهم بنار غضبكم، وخذوا بثأر دينكم وتوحيدكم من إخوان الشياطين وقدوة المرتدين وحلفاء الملحدين، فلن يغلب شركهم توحيدكم، ولا نفاقهم إيمانكم، وإن الله مع المتقين، هذا ما وعدنا الله ورسوله.
لقد غدا الإخوان المرتدون رأس حربة مسمومة يحملها الصليبيون لحرب الخلافة، فلم يقتصر كفر هذه الفرقة الغاوية على شركها بالله في الدساتير والتشريعات الباطلة، ومنازعة الله في حكمه، وموافقة أمم الكفر على كفرهم، حتى صارت طائفة لا دين لها، أشبه بالزنادقة والباطنية، بل إنها غدت ذراعا عسكريا وثيقا في منظومة التحالف الصليبي على الإسلام وأهله، لا غنى لهم عنه على الأرض، {وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ} [الأعراف: 202]، فانظروا إلى العراق والشام وليبيا وتونس وغيرها من البلدان، فإنكم لا تجدون فيهم إلا مشركا مشاركا بالقوانين والتشريعات الكافرة، أو مصاففا موالفا للجيوش الصليبية أو الرافضية أو العلمانية الملحدة، مقاتلا مناكفا للمجاهدين في سبيل الله الساعين لإقامة حكم الله في الأرض، فهم بحق إخوان الشياطين والعميل العامل للصليبيين، قاتلهم الله أنّى يؤفكون.

أيها المجاهدون في سبيل الله، اعلموا أنكم اليوم درع الإسلام وحصنه المتين، فإياكم إياكم -يرحمكم الله- أن يؤتى الإسلام والمسلمون من قبلكم، فإن سنن الله لا تحابي أحدا، والله -تبارك وتعالى- استعملكم وأورثكم، لينظر كيف تعملون، فاستعملوا تقوى الله وطاعته في ابتغاء نصره ووعده، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الأنفال: 29]؛ وتجنبوا معصيته ومخالفة أمره، فإن عاقبة ذلك وخيمة على جميعكم، وإني تالٍ عليكم وصية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لسعد بن أبي وقاص -رضي الله عنهما- ومن معه من الأجناد، حيث قال: «فإني آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال، فإن تقوى الله أفضل العدّة على العدوّ، وأقوى المكيدة في الحرب، وآمرك ومن معك أن تكونوا أشدّ احتراسا من المعاصي منكم من عدوّكم، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوّهم، وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوّهم لله، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة، لأن عددنا ليس كعددهم، ولا عدّتنا كعدّتهم، فإذا استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة، وإلا ننصر عليهم بفضلنا، لم نغلبهم بقوتنا، واعلموا أن عليكم في مسيركم حفظة من الله يعلمون ما تفعلون، فاستحيوا منهم، ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله، ولا تقولوا إن عدوّنا شر منا فلن يسلّط علينا وإن أسأنا، فربّ قوم سُلّط عليهم شر منهم، كما سُلّط على بني إسرائيل لما عملوا بمساخط الله كفّار المجوس، فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا، واسألوا الله العون على أنفسكم كما تسألونه النصر على عدوّكم، أسأل الله ذلك لنا ولكم»، انتهى كلامه، رضي الله عنه.

أيها المجاهدون، قال نبيكم، صلى الله عليه وسلم: (إنكم منصورون ومصيبون ومفتوح لكم فمن أدرك ذلك منكم فليتق الله وليأمر بالمعروف ولينه عن المنكر) [رواه أحمد والترمذي وغيرهما عن ابن مسعود].

وها أنتم اليوم قد أورثكم الله هذه الأرض المباركة، وحمّلكم أمانة حفظها والدفاع عنها والثبات على إقامة حكم الله فيها، فاحذروا أن يستزلكم الشيطان بانحياز عن أرض أو انسحاب من ثغر، بل اصبروا وصابروا ورابطوا واثبتوا، ولا تردوا موارد الذل بعد أن أعزكم الله، ولا تستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، ولا تهبطوا بعد الرفعة إلى مراتب الدون والضعة، واعلموا أن ثمن بقائكم في أرضكم بعزكم أهون بألف مرة من ثمن انسحابكم عنها بذلكم، قال تعالى: {قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا} [الأحزاب: 16]، وقال صلى الله عليه وسلم: (رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأمن الفُتّان) [رواه مسلم عن سلمان الفارسي].

فإن خرجتم من أرض بذنوبكم، فأرجعوها بتوبتكم وتقواكم ربكم، فإنه حقيق أن يكون لكم ذلك، تذكروا أن عدوكم إن كان يقاتل في سبيل الطاغوت، فأنتم تقاتلون في سبيل الله العظيم، وإن كانوا يقاتلون من أجل كلمة الكفر، فأنتم تقاتلون من أجل كلمة الله، وإن كانوا يقاتلون من أجل عرض من الدنيا قليل، فأنتم تقاتلون من أجل ثواب عظيم وتجارة تنجيكم من عذاب أليم، وإن كانوا يقاتلون وفي صدروهم الخنا والكفران، فأنتم تقاتلون وفي صدوركم الإيمان والقرآن، وإن كانوا يقاتلون وعاقبتهم النار، فأنتم تقاتلون والعاقبة جوار الرحمن وجنة عرضها السماوات والأرض، إن شاء الله، فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون؟ {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} [الأنعام: 82]؛ هذا ما وعدنا الله ورسوله.

ثم إني أحذركم النزاع والخلاف بينكم في علومكم وأعمالكم، وأنتم في عدوة واحدة، توحّدون ربكم وتجاهدون عدوكم وتسعون لإعلاء كلمة الله في الأرض، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 45-46]؛ فالنزاع مدعاة للفشل وتسلط العدو، والاختلاف سبب للشر ووقوع العداوة بينكم، ولا تكونوا كالذين خلوا من قبلكم من الأمم، أخذوا بحظ وتركوا حظا فجعل الله العداوة والبغضاء بينهم، قال تعالى: {فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [المائدة: 14].

وإياكم والاختلاف على أمرائكم، اسمعوا لهم قربة، وأطيعوا لهم عبادة، ما لم يأمروكم بمعصية، واعلموا أن خلافكم إياهم من أمر الجاهلية، وإنما أعزكم الله بالإسلام والجماعة والسمع والطاعة، {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [آل عمران: 103]؛ وتذكروا وتأملوا قول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الرعد: 11].

وإلى جنود الخلافة في خراسان وبنغلادش وإندونيسيا والقوقاز والفلبين واليمن والجزيرة وسيناء ومصر والجزائر وتونس وليبيا والصومال وغرب أفريقيا، اعلموا أنكم اليوم دعائم الإسلام في الأرض، وأوتاد الخلافة فيها، أذهلتم أمم الكفر بجهادكم وصبركم وثباتكم، علّمتم الناس كيف تكون مسالك النصر بحسن الاجتماع، وامتثال الطاعة، وتكوين جماعة المسلمين الكبرى في واقع استمرأ الجاهلية الجهلاء بكثرة الفرقة والبقاء على الشتات، ولقد أغظتم باجتماعكم وجهادكم أمم الكفر كما كان غيظهم بقيام الخلافة سواء، وعليه فإنهم سيسعون لإطفاء نور الله بينكم ببث أسباب الفرقة والاختلاف، فاصبروا وصابروا ولا تخافوا، واثبتوا ولا تفروا عند إرادة القتال، فإذا صبرتم فإن الله يؤيدكم وينصركم ويثبت أقدامكم، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف، واعلموا أنه إن قُتل بعض قادتكم، فإن الله مخلفا لكم مثله أو خيرا منه، والله لن يضيعكم، فلا تحزنوا، إن الله معنا.
ويا أيها المجاهدون الصابرون على البأساء والضراء في سرت، لقد لقنتم الأعداء من صبركم دروسا، وكتبتم لمقامات المجد والثبات بدمائكم الطاهرة طروسا، كانت أوروبا الصليبية ولا تزال تطمع بأن تغزو مهد الخلافة وحصن الإسلام في العراق والشام، حتى زلزلتم أمنها بنشأتكم، وقلبتم موازين سياساتها بجهادكم، فصرتم العقبة الكأداء والصخرة الصلبة التي تكسرت عندها إرادتهم، وتحطمت بها مشاريعهم، إن عدوكم يألم كما تألمون، ولكنكم ترجون من ربكم ما لا يرجون، فإياكم أن تبرحوا مقاعد قتالكم ومواطن رباطكم، فلقد أوشك عدوكم أن يمل أو يُدفع فيُفل.

ولا يفوتنا في هذا المقام أن نذكر إخواننا المسلمين عامة بأنه إن ضاقت السبل وتقطعت الطرق بالهجرة إلى أرض العراق والشام، فقد جعل الله لهم سبيلا واسعة للهجرة إلى تلك الولايات المباركة ليقيموا هنالك صرحا من صروح الإسلام ويحوزوا فضل السبق في نصرة دين الله وإعلاء كلمته، قال تعالى: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ} [العنكبوت: 56].

وإلى إخواننا القابضين على الجمر الذين ابتلاهم الله بالأسر، إنا على قدر ما نحن فيه من منازلة ضخمة لأعداء الله، فإننا والله ما نسيناكم ولن ننساكم، كيف وأنتم أرقنا الدائم وهمنا الذي لا يبرح، نسأل الله أن يجعل فك أسركم على أيدينا، وكسر سجونكم بأسلحتنا وحديدنا، وما ذلك على الله بعزيز، فعليكم بالتضرع إلى الله ببلائكم، وتذكروا أن الله يصنعكم ليوم تنصرون فيه دينكم ودولتكم، وإني أحرضكم على الدعاء العظيم لإخوانكم في الدولة الإسلامية أن يهيئ الله لهم من أمرهم رشدا، وأن يجعل معونته الحسنى لهم مددا، ويغنيهم به عمن سواه، فك الله أسركم وكشف كربكم، وجبر كسركم، وقوّى عزمكم، وجعل لكم فرجا ومخرجا.

أيها المسلمون في كل مكان، إني معزيكم ومعزي المجاهدين عامة بمقتل الشيوخ والقادة، وعلى رأسهم الشيخ أبو محمد العدناني والشيخ أبو محمد الفرقان، رحمهم الله، وأعلى في الفردوس مسكنهم، فقد كانوا لنا من خيرة الوزراء، وصالح الأمراء، إلى ما شرفهم الله به من حسن السابقة وقديم الفضل، والجد في تشييد صرح الخلافة، وحكم الله في الأرض، حتى قضوا نحبهم، وأوفوا ما بذمتهم، نحسبهم كذلك والله حسيبهم، إلا أننا نبشركم -بفضل الله ومَنّه- أن الخلافة ما تعثرت بمقتلهم فضلا عن أن تقف عجلة الجهاد بفقدهم، بل إن تلكم الأجساد الطاهرة ما هي إلا قرابين نقدمها بين يدي الله طلبا لمرضاته واستجلابا للنصر المبين والفتح القريب، بإذن الله، فلقد علمنا في كتاب الله أن استشهاد القادة والصالحين هو الباب الأقرب للتمكين في الأرض، وثواب الدنيا والآخرة، قال الله تعالى عن حال الأنبياء وأتباعهم: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 146-148].

اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم، اللهم عليك بالكفرة المجرمين الذين يصدون عن سبيلك، ويكذّبون رسلك، ويحاربون أولياءك، اللهم أعنا عليهم بسنين كسني يوسف، اللهم أحصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تغادر منهم أحدا، اللهم فرق جمعهم، وشتت شملهم، اللهم من أرادنا وأراد ديننا وجهادنا بسوء، فاجعل دائرة السوء تدور عليه، حتى يُهلك نفسه بيديه، اللهم امكر لنا ولا تمكر علينا، واهدنا، ويسر الهدى لنا، وانصرنا على من بغى علينا، أنت مولانا، نعم المولى ونعم النصير، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


• للإستماع للكلمة الصوتية، تواصل - تيليغرام:
@wmc111at
...المزيد

تفريغ كلمة صوتية لمولانا أمير المؤمنين أبي بكر الحسيني القرشي البغدادي ( تقبله الله ) بعنوان: ...

تفريغ كلمة صوتية لمولانا أمير المؤمنين
أبي بكر الحسيني القرشي البغدادي ( تقبله الله )

بعنوان: هذا ما وعدنا الله ورسوله

(١/٦)
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد:

يقول الله تعالى: {ولَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا} [الأحزاب: 22].
حقا، إنه وعد الله الذي وعد، وخبره الذي صدق، فها هو العالم الكافر اليوم قد حشر ونادى، وتحالف وتحزّب، وجمعَ كل كيده وتألّب؛ كيدَه وشركاءَه وأحلافَه وأولياءَه لحرب الإسلام وأهله، وكيدِ المؤمنين ودينهم بكل ما يملكونه من كيد، وما يقدرون عليه من آلة حربية وعسكرية، جوية أو برية أو بحرية، كل هذا للسعي حثيثا لإطفاء نور الله وعداوة لدينه ومنهاجه في الأرض، وخوفا وهلعا من أن تعود لأهل الإسلام والسنة خلافتهم وقوتهم، ويعود لهم التمكين والظهور كما كان أول مرة.

إن هذه المعركة المستعرة والحرب الشاملة والجهاد الكبير الذي تخوضه دولة الإسلام اليوم ما تزيدنا -إن شاء الله- إلا إيمانا ثابتا ويقينا راسخا بأن ذلك كله ما هو إلا تقدمة للنصر المكين وإرهاصا للفتح المبين الذي وعد الله عباده، فإنا نظرنا في كتاب الله وفي تاريخ جهاد هذه الأمة الطويل لعدوها، فرأينا أن الآية البينة على قرب هلاك عدونا وزواله هو يوم شروعهم وإيذانهم بحرب الله ورسوله ودينه، وإيذائهم عباده وأولياءه، والسعي لإخراجهم من الأرض التي لله، يورثها من يشاء من عباده، يقول الله تبارك وتعالى: {وإِن كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 76].

إن بداية نصرنا وأشرفه وأعظمه هو في غاية ما يكون عليه عدونا من التجمع والتحزب والتفاخر والتكاثر، فهناك يدفع الله عن عباده، وتتجلى لهم آثار قوته وعزته وجبروته، قال الله تعالى: {فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ * فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ * فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ * فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ * فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ * وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء: 53-68]؛ وقال سبحانه: {حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} [يوسف: 110].

عباد الله، إن الإيمان لا يتم تمامه في نفس جماعة المسلمين حتى تتعرض وتستعد لمجاهدة الناس في أمر هذا الإيمان، ومواجهة أهل الباطل بجميع قواهم، وهي تتعرض في ذلك الجهاد وتلك المجاهدة لمطارق الابتلاء ومرارة الأذى، وتصبر معه على النصر والهزيمة، ويصيبها من الخوف والزلزال، ثم تثبت ولا ترتاب، وتستقيم ولا تلتفت، وتمضي في طريق إيمانها الراشد، إن شاء الله، ولولا هذه الأحزاب وهذا الجهاد، لضعف الإيمان وما زاد، وفسدت القلوب وما صلحت، ولرأينا النفوس تأسن، والهمم تسترخي، والإيمان يذبل، وهكذا يكون الحال حينما نبتلى بالرخاء، {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة: 251].

لقد أرصد أعداء الله من اليهود والنصارى والملاحدة والرافضة والمرتدين وأمم الكفر جمعاء إعلامهم وأموالهم وجيوشهم وعتادهم لحرب المسلمين والمجاهدين في ولاية نينوى بعد أن رأوها قاعدة من قواعد الإسلام ومنارة من مناراته تحت ظل الخلافة، فأرقهم حياة المسلمين فيها أعزة آمنين، وأرهقهم أن تحقق للناس فيها مثالا لحكم الإسلام يرونه ويعيشونه ويستفيئون ظلاله وينعمون بخيره وبركته، وهذا غاية ما يخشونه ويخافونه لأنه سبيل امتداد نفوذ الإسلام واتساع رقعته ودخول الناس فيه.

فيا أهل نينوى عامة، ويا أيها المجاهدون خاصة، الله الله في دين الله، إياكم والضعف عن جهاد عدوكم ودفعه، فإن ذلك ينقض عرى الإسلام ويطفئ نور الحق.


• للإستماع للكلمة الصوتية، تواصل - تيليغرام:
@wmc111at
...المزيد

وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت مع بداية الحملة الصليبية على بلاد المسلمين المسلوبة، التي كان ...

وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت


مع بداية الحملة الصليبية على بلاد المسلمين المسلوبة، التي كان الهدف منها ترسيخ حكم الطاغوت فيها ومنع الموحّدين من إقامة الدين وتحكيم الشرع، أطلق الأحمق المطاع جورج بوش مشروعا موازيا لتبديل دين الناس، وتغيير أصول الإسلام وفروعه، ليصبح متوافقا مع الرؤية الأمريكية الجاهلية للعالم، التي أطلقوا عليها مسمى «النظام العالمي الجديد»، ولتحقيق ذلك لم يجد خيرا من الإخوان المرتدين ليجعل منهم النموذج الذي يدفع الناس إليه ليتّبعوه إن أرادوا رضى أمريكا، فهم قد جرّبوهم، وخبروا فساد معتقدهم وولاءهم لأعداء الدين في مواطن من الأرض عديدة.

ولما كان أتباع الطاغوت أربكان في تركيا هم أكثر مدارس الإخوان المرتدين انحطاطا، وأشدهم انتكاسا في حمأة الشرك، والولاء للمشركين، وقع الاختيار على أحد تلاميذه أردوغان ليمثل هذا النموذج، وذلك لأن التلميذ سبق أستاذه بمراحل في سلوك منهج الديموقراطية والرضى بالعلمانية، فنصبوه رئيسا، وصنعوا له الهالة التي يحتاجها لخداع سفهاء الناس، وكلّفوه بإدارة بعض الملفات في المنطقة، فكان له الدور الكبير مع طواغيت الدول العربية في إنجاز مشروع الصحوات في العراق الذي أعان الصليبيين على إخفاء عار الهزيمة، وساعدهم في تثبيت أركان الحكومة الرافضية في بغداد.

ومنذ بدايات الجهاد في الشام، سعى أردوغان وأجهزة مخابراته إلى جر الفصائل المقاتلة وربطها به، ليرتبطوا عن طريقه بالدول الصليبية التي استثمرتهم لقتال الدولة الإسلامية، وأمرتهم بترك قتال النظام النصيري، حتى صارت أرتالهم تترك جبهات القتال معه، وتتوجه -تحت رعاية جيش الطاغوت أردوغان وبتمويل من حكومته- لقتال الموحدين.

وقد كان أردوغان ودولته الخبيثة يستخْفُون بحربهم على الدولة الإسلامية، ويستترون وراء الفصائل المرتدة التي صُنعت على أعينهم، وغُذِّيت بدعمهم وتمويلهم، وذلك خوفا من أن يقبل الموحدون على تركيا، فيشعلوها حربا لا تخمد نيرانها حتى تُلحق حدودها بغيرها من حدود (سايكس - بيكو) التي أزالها المجاهدون بأيديهم، فلما اشتد القتال بين الدولة الإسلامية وبين التحالف الصليبي وجنوده المرتدين، كشف طاغوت الأتراك عن دوره المعدّ ومهمّته المرسومة، ففتح أجواء بلاده لطائرات الصليب، وفتح حدوده لإمداد الملاحدة في عين الإسلام، وفتح مخازن أسلحته لمرتدي الصحوات في حلب، ولما طُلب منه المزيد، وفّى ولبّى، فزجّ بجيشه في ساحة المعركة ضد جنود الخلافة، وأطلق طائراته لتقصف مواقعهم، وأمر مدفعيته لتدك قرى المسلمين ومدنهم، ومازال يتوعد بالمزيد، وهو يحسب أن ما فعله سيقيه شر ما صنع، ومَن أمِن العقاب أساء الأدب.

لم يتعظ أردوغان وحكومته الزائلة بغيرهم من الحكومات المرتدة التي سلط الله عليها جنود الدولة الإسلامية، فهدّوا بنيانها، ودكّوا أركانها، كما فعلوا مع الروافض من قبل، ولم يتعظوا بأوليائهم الصليبيين الذي صال المجاهدون في مدنهم وجالوا، وجعلوا من أسواقهم وملاهيهم ساحات حرب مفتوحة، كما فعلوا في باريس وبروكسل من قبل، ولم يعوا بعد معنى أن تطلق الدولة الإسلامية نداء للمسلمين بأن يقاتلوا أعداءها بما استطاعوا، فيستجيب لندائها العشرات من جنود الله الأخفياء، وينشروا الرعب في مشارق الأرض ومغاربها بسكاكينهم، وأحزمتهم، وسياراتهم، وبكل ما وقعت عليه أيديهم من سلاح، وما مكّنهم الله به من وسيلة.

وإن حكومة تركيا اليوم بدخولها الحرب المعلنة ضد الدولة الإسلامية إنما تحز عنقها بسكينها، وتقطع أوردتها بيدها، وتشنق نفسها بحبالها، وتخرب بيتها بنفسها، وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت.

فيا جنود الخلافة في تركيا، يا من حال بينكم وبين الهجرة إلى دار الإسلام مرتدو «الـجندرمة»، عليكم بطاغوت تركيا وأتباعه المرتدين، قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين، وأبدؤوا بأئمة الكفر وأوتاد الطاغوت فيها، عليكم بالشرط والقضاة والعساكر، عليكم بعلماء الطاغوت وأنصار حزب أردوغان وغيرها من الأحزاب المرتدة، ولا تنسوا في غمرة حربكم على هؤلاء أن تقتلوا رعايا دول الصليب حيث ثقفتموهم هناك، وأن تشردوا بهم من خلفهم، وتثأروا بقتلهم من جرائمهم بحق إخوانكم.

وإلى كل المرابطين على الثغور مع الجيش التركي وأوليائه، اثبتوا في وجوههم، وليروا منكم غلظة، عسى الله أن يكف بأسهم بكم، والله أشد بأسا وأشد تنكيلا.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 53
الخميس 3 صفر 1438 ه‍ـ

• لقراءة الصحيفة، تواصل - تيليغرام:
@wmc111at
...المزيد

دين الإسلام وجماعة المسلمين (4) إنّ الله هو الحَكَم وإليه الحُكْم [2/3] وأما قوله، جل وعلا: ...

دين الإسلام وجماعة المسلمين (4)

إنّ الله هو الحَكَم وإليه الحُكْم
[2/3]

وأما قوله، جل وعلا: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا} [الأنعام: 114]، ففي تدبرها فوائد كثيرة، قال الشنقيطي: «ذكر بعض أهل العلم [كصاحب «البحر المحيط»] أن بعض الكفار طلبوا [من] النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يتحاكم معهم إلى بعض الكهان، كما كانت عادة العرب إذا تنازعوا واختلفوا، تحاكموا إلى بعض الكهنة، والعياذ بالله»، فأنزل الله -جل وعلا- هذه الآية وأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- «أن ينكر كل الإنكار على من يبتغي حَكَما غير خالق السماوات والأرض الذي هو الحكم العدل اللطيف الخبير» [العذب النَمير].

وجاء مثل هذه الآية في سورة الأنعام قوله سبحانه: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 14]، وقوله تعالى: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [الأنعام: 164]، وقال -جل وعلا- في سورة الأعراف: {قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 140].

قال ابن القيم، رحمه الله: «الرضا بالله ربّاً، أن لا يتخذ ربّاً غير الله تعالى يسكن إلى تدبيره، وينزل به حوائجه، قال الله تعالى: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 164]، قال ابن عباس، رضي الله عنهما: سيدا وإلها؛ يعني فكيف أطلب ربّاً غيره، وهو ربّ كل شيء؟ وقال في أول السورة: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الأنعام: 14]، يعني معبودا وناصرا ومعينا وملجأ، وهو من الموالاة التي تتضمن الحب والطاعة، وقال في وسطها {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا} [الأنعام: 114]، أي: أفغير الله أبتغي من يحكم بيني وبينكم، فنتحاكم إليه فيما اختلفنا فيه؟ ... وأنت إذا تأمّلت هذه الآيات الثلاث حق التأمل، رأيتها هي نفس الرضا بالله ربّاً، وبالإسلام دينا، وبمحمد -صلى الله عليه وسلم- رسولا، ورأيت الحديث يترجم عنها، ومشتقا منها؛ فكثير من الناس يرضى بالله ربّاً، ولا يبغي ربّاً سواه، لكنه لا يرضى به وحده وليا وناصرا، بل يوالي من دونه أولياء، ظنا منه أنهم يقربونه إلى الله، وأن موالاتهم كموالاة خواص الملك، وهذا عين الشرك، بل التوحيد أن لا يتخذ من دونه أولياء، والقرآن مملوء من وصف المشركين بأنهم اتخذوا من دونه أولياء... وكثير من الناس يبتغي غيره حكما، يتحاكم إليه، ويخاصم إليه، ويرضى بحكمه، وهذه المقامات الثلاث هي أركان التوحيد؛ أن لا يتخذ سواه ربّاً، ولا إلهاً، ولا غيره حَكَماً» [مدارج السالكين].

فمن ابتغى حَكَما سوى الله كان مشركا مؤمنا بالطاغوت عابدا له كالذي ابتغى سواه ربّاً أو إلهاً أو وليّاً.

مما يؤكّد هذا أن الله حكم بأن من اتخذ غيره مشرّعا فقد جعله ندّا لله، لا فرق بينه وبين من جعل له شريكا في الدعاء أو الشفاعة، فقال جل وعلا: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} [الأنعام: 94]، وقال جلّ وعلا: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِّنْهُ بَلْ إِن يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا} [الفاطر: 40]، وقال جلّ وعلا: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الشورى: 21].


* المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 43
لقراءة المقال المقال كاملاً، تواصل - تيليغرام:
@wmc111at
...المزيد

دين الإسلام وجماعة المسلمين (4) إنّ الله هو الحَكَم وإليه الحُكْم [1/3] إن كلمة التوحيد -لا ...

دين الإسلام وجماعة المسلمين (4)

إنّ الله هو الحَكَم وإليه الحُكْم
[1/3]

إن كلمة التوحيد -لا إله إلا الله- التي تنفي الإلهية عما سوى الله، وتثبتها لله وحده، تبطل جميع أنواع الشرك الأكبر -في الربوبية والألوهية والأسماء والصفات- فإن الإله هو الذي يستحق أن يُعبد ويُطاع لـ «ما اتصف به من الصفات التي تستلزم أن يكون هو المحبوب غاية الحب، المخضوع له غاية الخضوع» [تيسير العزيز الحميد]، فمن لم يُفرد الله بالإلهية بجميع أنواع العبادة والطاعة، ناقض شهادة التوحيد، وكذّب عمليا ما ادعاه من توحيد الربوبية والأسماء والصفات.

ومن أنواع العبادة التي أفرد الله -جل وعلا- لها الذكر في كتابه وفي سنّة نبيّه -صلى الله عليه وسلم- العبادة بالتحاكم إليه وحده والحكم بما شرعه وحده، وهي مقتضى إيمان المرء بأن الله هو {أحْكمُ الْحاكِمِين} [هود: 45] و{خيْرُ الْفاصِلِين} [الأنعام: 57]، وأنه لا أعدل منه كلمةً ولا أحسن منه حكما وأنه ليس له شريك في التشريع، فمن أشرك في حكمه أحدا، ناقض شهادة التوحيد، وكذّب عمليا ما ادعاه من توحيد الربوبية والأسماء والصفات، والأدلة على توحيد الحكم والتشريع كثيرة جدا.

قال الشنقيطي: «الإشراك بالله في حكمه كالإشراك به في عبادته، قال في حكمه: {ولا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أحدًا} [الكهف: 26]، وفي قراءة ابن عامر من السبعة {ولا تُشْرِكْ فِي حُكْمِهِ أحدًا} بصيغة النهي؛ وقال في الإشراك به في عبادته: {فمن كان يرْجُو لِقاء ربِّهِ فلْيعْملْ عملًا صالِحًا ولا يُشْرِكْ بِعِبادةِ ربِّهِ أحدًا} [الكهف: 110]، فالأمران سواء كما ترى إيضاحه إن شاء الله» [أضواء البيان].

وقال أيضا: «وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كون الحكم لله وحده لا شريك له فيه على كلتا القراءتين جاء مبينا في آيات أخر»، ثم ذكر منها قوله تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلّا لِلّهِ أمر ألّا تعْبُدُوا إِلّا إِيّاهُ ذلِك الدِّينُ الْقيِّمُ ولكِنّ أكْثر النّاسِ لا يعْلمُون} [يوسف: 40]، وقوله: {أفحُكْم الْجاهِلِيّةِ يبْغُون ومنْ أحْسنُ مِن اللّهِ حُكْمًا لِّقوْمٍ يُوقِنُون} [المائدة: 50]، وقوله: {أفغيْر اللّهِ أبْتغِي حكمًا وهُو الّذِي أنزل إِليْكُمُ الْكِتاب مُفصّلًا} [الأنعام: 114].

ثم قال: «ويُفهم من هذه الآيات... أن متبعي أحكام المشرعين غير ما شرعه الله أنهم مشركون بالله، وهذا المفهوم جاء مبينا في آيات أخر، كقوله فيمن اتبع تشريع الشيطان في إباحة الميتة بدعوى أنها ذبيحة الله: {ولا تأْكُلُوا مِمّا لمْ يُذْكرِ اسْمُ اللّهِ عليْهِ وإِنّهُ لفِسْقٌ وإِنّ الشّياطِين ليُوحُون إِلى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وإِنْ أطعْتُمُوهُمْ إِنّكُمْ لمُشْرِكُون} [الأنعام: 121]، فصرح بأنهم مشركون بطاعتهم، وهذا الإشراك في الطاعة، واتباع التشريع المخالف لما شرعه الله تعالى هو المراد بعبادة الشيطان في قوله تعالى: {ألمْ أعْهدْ إِليْكُمْ يا بنِي آدم أن لّا تعْبُدُوا الشّيْطان إِنّهُ لكُمْ عدُوٌّ مُّبِينٌ * وأنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُّسْتقِيمٌ} [يس: 60-61]».

ثم قال: «ولذا سمى الله تعالى الذين يطاعون فيما زينوا من المعاصي شركاء، في قوله تعالى: {وكذلِك زيّن لِكثِيرٍ مِّن الْمُشْرِكِين قتْل أوْلادِهِمْ شُركاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ ولِيلْبِسُوا عليْهِمْ دِينهُمْ ولوْ شاء اللّهُ ما فعلُوهُ فذرْهُمْ وما يفْترُون} [الأنعام: 137]، وقد بين النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا لعدي بن حاتم -رضي الله عنه- لما سأله عن قوله تعالى: {اتّخذُوا أحْبارهُمْ ورُهْبانهُمْ أرْبابًا مِنْ دُونِ اللّهِ} [التوبة: 31]، فبيّن له أنهم أحلّوا لهم ما حرّم الله، وحرّموا عليهم ما أحلّ الله فاتّبعوهم في ذلك، وأن ذلك هو اتخاذهم إياهم أربابا، ومن أصرح الأدلة في هذا، أن الله -جل وعلا- في سورة النساء بيّن أن من يريدون أن يتحاكموا إلى غير ما شرعه الله يتعجب من زعمهم أنهم مؤمنون، وما ذلك إلا لأن دعواهم الإيمان مع إرادة التحاكم إلى الطاغوت بالغة من الكذب ما يحصل منه العجب، وذلك في قوله تعالى: {ألمْ تر إِلى الّذِين يزْعُمُون أنّهُمْ آمنُوا بِما أُنزِل إِليْك وما أُنزِل مِن قبْلِك يُرِيدُون أن يتحاكمُوا إِلى الطّاغُوتِ وقدْ أُمِرُوا أن يكْفُرُوا بِهِ ويُرِيدُ الشّيْطانُ أن يُضِلّهُمْ ضلالًا بعِيدًا} [النساء: 60]، وبهذه النصوص السماوية التي ذكرنا يظهر غاية الظهور، أن الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه مخالفة لما شرعه الله -جل وعلا- على ألسنة رسله -صلى الله عليهم وسلم- أنه لا يشك في كفرهم وشركهم إلا من طمس الله بصيرته، وأعماه عن نور الوحي مثلهم» [أضواء البيان].


المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 43
لقراءة المقال المقال كاملاً، تواصل - تيليغرام:
@wmc111at
...المزيد

تفريغ كلمة صوتية لمولانا أمير المؤمنين أبي بكر الحسيني القرشي البغدادي ( تقبله الله ) بعنوان: ...

تفريغ كلمة صوتية لمولانا أمير المؤمنين
أبي بكر الحسيني القرشي البغدادي ( تقبله الله )

بعنوان: هذا ما وعدنا الله ورسوله

(٣/٦)
يا أهل السنة في العراق، أفي كل مرة لا تعقلون؟ استمرأتم الذلة والمهانة حتى رتعتموها، وتهتم كما تاه بنو إسرائيل من قبلكم، أَوَما ترون الرافضة كل يوم يسومونكم سوء العذاب، يغزون بلادكم بحجة محاربة الدولة الإسلامية، ثم لا يبرحون حتى يقتلوا رجالكم، ويأسروا نساءكم وذراريكم تارة، ويشردونهم تارة أخرى؟ أَوَما ترون العراق تفرغ مدنها من أهل السنة، وتحشى بأرذل خلق الله وشر من وطئ الحصى؟ انظروا إلى راياتهم وهم يقاتلونكم، اسمعوا شعاراتهم وهم يحيطون ببلادكم، تأمّلوا في صنيعهم حين يخرجونكم من أرضكم، واسمعوا نداءاتهم وهم يصرخون بالدعوة إلى غزو أراضي السنة كلها من عراقكم إلى شامكم إلى نجدكم بل إلى يمنكم.

يا أهل السنة، لقد مارس زعماؤكم في المنطقة أحط وأحقر صور الخيانة عرفها التأريخ، فباعوا القضية، وسلموا أمركم وأرضكم لعدوكم، فها هي مناطقكم يقتسمها الملحد الكافر والمشرك الرافضي والنصيري الحاقد، في مشهد باطني خبيث مكشوف، يراه ويسمع به العالم أجمع، وها هي حلب تواجه أعتى وأشرس حملة نصيرية بدعم مجوسي روسي كافر، يهدفون من خلالها إلى إقامة كيان نصيري بديل وسط خيانة الفصائل المرتدة المنشغلة بقتال الدولة الإسلامية والساعية لإزاحة حكم الله من الأرض في سبيل مصالح أسيادهم وداعميهم من دول الكفر.

وما تزال خطط الروم وما يزال مكرهم جاريا ساريا، حتى في جزيرة محمد، صلى الله عليه وسلم، لتسليط الرافضة على أطرافها، في ظل إفساد كبير تعمل عليه حكومة آل سلول لعلمنة البلاد، والسعي في إكفار أهلها، ونشر الرذيلة بينهم، والإطاحة بما يُمكن أن يُعد من رسوم الشرع وأهله، ولم يقتصروا على ذلك فحسب، بل شاركوا مشاركة عسكرية حقيقية مع أمم الكفر لحرب الإسلام والسنة في العراق والشام، فهم رأس كل بلية، وسبب كل رزية.

فيا رجال الجزيرة، يا أحفاد الصحابة، أعيدوا عليهم الكرة تلو الكرة، دونكم أعداء الله، دونكم أمنهم وعسكرهم وشرطهم، دونكم أزلامهم وأصحاب أقلامهم، دونكم أمراؤهم ووزراؤهم وأبواق إعلامهم، وتذكروا وصية نبيكم، صلى الله عليه وسلم: (لا يجتمع دينان في جزيرة العرب) [رواه مالك وغيره].

يا أهل السنة، إنه ما بقي لكم بعد الله إلا دولة الخلافة تصون دينكم وتحفظ بيضتكم وتقوي شوكتكم، تحيون فيها أعزاء أو تموتون شرفاء، من غير أن يجرأ على مس كرامتكم فيها رافضي ذليل، أو نصيري خبيث، أو ملحد حقير.

أيها المسلمون الموحدون في مشارق الأرض ومغاربها، لقد ظلت تركيا العلمانية المرتدة خلال مدة جهادنا وصراعنا مع أحلاف الكفر خاسئة خانسة، تطل بقرن وتستخفي بقرن، تسعى لتحقيق مصالحها وأطماعها في شمال العراق وأطراف الشام، ثم ترتد خشية أن يصلاها المجاهدون في عقر دارها بجحيم عملياتهم ولهيب معركتهم، ثم إنها فكَّرت وقدَّرت ونظرت، ثم عبست وبسرت واستكبرت، ودخلت في حربنا كما تدخل الضباع المبتورة مستندة مستظلة بطائرات تحالف الصليب، مستغلة انشغال المجاهدين بحرب أمم الكفر ودفاعهم عن أرض الإسلام، وظنت أنها آمنة من أن ينزل بساحتها أبناء التوحيد وأسود الجهاد، ألا إنه من مأمنه يؤتى الحذر.

أيها الموحدون، لقد دخلت تركيا اليوم في دائرة عملكم ومشروع جهادكم، فاستعينوا بالله، واغزوها، واجعلوا أمنها فزعا، ورخاءها هلعا، ثم أدرجوها في مناطق صراعكم الملتهبة.

ويا أجناد الخلافة في أرض الشام، ها قد جاءكم الجندي التركي الكافر، وإنما دم أحدهم كدم الكلب خسةً ورداءةً، فأروهم بطشكم، واصلوهم بنار غضبكم، وخذوا بثأر دينكم وتوحيدكم من إخوان الشياطين وقدوة المرتدين وحلفاء الملحدين، فلن يغلب شركهم توحيدكم، ولا نفاقهم إيمانكم، وإن الله مع المتقين، هذا ما وعدنا الله ورسوله.

لقد غدا الإخوان المرتدون رأس حربة مسمومة يحملها الصليبيون لحرب الخلافة، فلم يقتصر كفر هذه الفرقة الغاوية على شركها بالله في الدساتير والتشريعات الباطلة، ومنازعة الله في حكمه، وموافقة أمم الكفر على كفرهم، حتى صارت طائفة لا دين لها، أشبه بالزنادقة والباطنية، بل إنها غدت ذراعا عسكريا وثيقا في منظومة التحالف الصليبي على الإسلام وأهله، لا غنى لهم عنه على الأرض، {وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ} [الأعراف: 202]، فانظروا إلى العراق والشام وليبيا وتونس وغيرها من البلدان، فإنكم لا تجدون فيهم إلا مشركا مشاركا بالقوانين والتشريعات الكافرة، أو مصاففا موالفا للجيوش الصليبية أو الرافضية أو العلمانية الملحدة، مقاتلا مناكفا للمجاهدين في سبيل الله الساعين لإقامة حكم الله في الأرض، فهم بحق إخوان الشياطين والعميل العامل للصليبيين، قاتلهم الله أنّى يؤفكون.


• للإستماع للكلمة الصوتية، تواصل - تيليغرام:
@wmc111at
...المزيد

أنفُسٌ هو خلقها وأموالٌ هو رزقها للشيخ عبد العزيز بن رشيد الطويلعي (تقبّله الله) قال الله عز ...

أنفُسٌ هو خلقها وأموالٌ هو رزقها
للشيخ عبد العزيز بن رشيد الطويلعي (تقبّله الله)

قال الله عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 111].

وهذا أعظم عقد بين الله -عز وجل- وعباده، فاشترى الأنفس والأموال بالقتل في سبيله والقتال وأثاب عليه الجنة، وأكد ذلك بأنه وعد منه حق أوجبه على نفسه، وعد به في التوراة والإنجيل والقرآن، وأكد ذلك بما لا يشك فيه أحد: ومن أوفى بعهده من الله، فأي عاقل يجد في نفسه الجلد والصبر عن هذا الوعد العظيم من الله العظيم؟ وهذا العهد ممن لا يخلف العهد والميعاد.

وانظر إلى سعة كرم الكريم -جل وعلا- فقد اشترى ما وهبه وهو بيده لم يخرج من ملكه، وأثاب عليه ما هو أعظم منه، والكل من عنده سبحانه.

أخرج ابن أبي شيبة عن الحسن البصري قال: (أَنْفُسٌ هو خلقها، وأموالٌ هو رزقها).

وقد أوقع الله في الآية هذا العقد الذي هو أصل عبودية العبد لربه والعلاقة بينه وبين خالقه على القتال في سبيله، وفسره بقوله: {يَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ}، لأن القتال في سبيل الله ذروة السنام، وطلب الموت والشهادة غاية الصدق في الوفاء بالعقد من عبده، وإن كان هذا العقد الذي ثمنه الجنة يشمل جميع فرائض الدين وشعائره.

وأكد الله العقد بأنه في التوراة والإنجيل والقرآن، وظاهره أن العقد لأصحاب هذه الكتب، وهذا يضعّف ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- من أن الجهاد لم يفرض على النصارى لا للطلب ولا للدفع، بل ظاهر الآية أنه مفروض عليهم مذكور في إنجيلهم، كما أنه مفروض على أهل الكتاب من اليهود قبلهم، وأول ما فرض الجهاد على قوم موسى اليهود في التوراة، وقبل ذلك كان الله يأخذ المعرضين بالعقوبات الكونية من عنده كما جاء في بعض الآثار.

وختم الله -جل وعلا- الآية بالأمر بالاستبشار بهذا العقد الذي هو ربح محض لا مقابل له من العبد، بل الثمن والسلعة من عنده، وفي هذا أمر كل مسلم بالاستبشار بهذا العقد عموما، وبفرض القتال المنصوص عليه في العقد خصوصا، والذي يستبشر بعقد كهذا العقد ويؤمن به حق الإيمان، لا يجد في نفسه حرجا من القتال، ولا ينظر نظر المغشي عليه من الموت إذا سمع الآيات والنصوص المحكمة في الجهاد، ولا يقول ائذن لي ولا تفتني، ولا يقول غرّ هؤلاء دينهم، ولا يظن أن لن يرجع المؤمنون والمجاهدون إلى أهليهم أبدا ويظن ظن السوء.

بل يستبشر بقلبه، ويسر بهذا العقد والفضل من ربه، ومحال أن يستبشر بعقد ثم لا يبذل الثمن فيه ولا يسعى في إتمام الصفقة، بل حقيقة الاستبشار بالعقد أن يحرص على إتمامه، ويتضرع إلى المولى -جل وعلا- أن يعينه عليه وألا يصرفه عنه ويحرمه منه بعد إذ هداه إليه.

وهذه الكلمات بين يدي كلام نفيس لابن القيم -رحمه الله- في هذه الآية آثرت أن أنقله بطوله، قال رحمه الله:

(وأخبر سبحانه أنه {اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ} وأعاضهم عليها الجنة، وأن هذا العقد والوعد قد أودعه أفضل كتبه المنزّلة من السماء، وهى التوراة والإنجيل والقرآن، ثم أكد ذلك بإعلامهم أنه لا أحد أوفى بعهده منه، تبارك وتعالى، ثم أكد ذلك بأن أمَرَهم بأن يستبشروا ببيعهم الذي عاقدوه عليه، ثم أعلمهم أن ذلك هو الفوز العظيم.

فليتأمل العاقد مع ربه عقد هذا التبايع ما أعظم خطره وأجله، فإن الله -عز وجل- هو المشتري، والثمن جنات النعيم والفوز برضاه والتمتع برؤيته هناك، والذي جرى على يده هذا العقد أشرف رسله وأكرمهم عليه من الملائكة والبشر، وإن سلعةً هذا شأنها لقد هُيئت لأمر عظيم وخطب جسيم...

قد هيئوك لأمر لو فطنت له
فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل

مهر المحبة والجنة؛ بذل النفس والمال لمالكهما الذي اشتراهما من المؤمنين، فما للجبان المعرض المفلس وَسَوْم هذه السلعة؟!!

بالله ما هزلت فيستامها المفلسون، ولا كسدت فيبتاعها بالنسيئة المعسرون، لقد أقيمت للعرض في سوق من يزيد، فلم يرض ربها لها بثمن دون بذل النفوس، فتأخر البطالون وقام المحبون ينتظرون أيّهم يصلح أن تكون نفسه الثمن، فدارت السلعة بينهم، ووقعت في يد {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ}.

لمّا كثر المدعون للمحبة؛ طولبوا بإقامة البينة على صحة الدعوى، فلو يعطى الناس بدعواهم لادعى الخلي حرفة الشجي.

فتنوع المدعون في الشهود، فقيل: لا تثبت هذه الدعوى إلا ببينة {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} فتأخر الخلق كلهم، وثبت أتباع الرسول في أفعاله وأقواله وهديه وأخلاقه، فطولبوا بعدالة البينة، وقيل: لا تقبل العدالة إلا بتزكية {يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ}؛ فتأخر أكثر المدعين للمحبة، وقام المجاهدون.

فقيل لهم: إن نفوس المحبين وأموالهم ليست لهم، فسلموا ما وقع عليه العقد، فإن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، وعقد التبايع يوجب التسليم من الجانبين، فلما رأى التجار عظمة المشتري وقدر الثمن، وجلالة قدر من جرى عقد التبايع على يديه، ومقدار الكتاب الذي أُثبت فيه هذا العقد، عرفوا أن للسلعة قدرا وشأنا ليس لغيرها من السلع، فرأوا من الخسران البـين والغبن الفاحش أن يبيعوها بثمن بخس دراهم معدودة تذهب لذتها وشهوتها وتبقى تبعتها وحسرتها، فإن فاعل ذلك معدود في جملة السفهاء.

فعقدوا مع المشتري بيعة الرضوان رضى واختيارا من غير ثبوت خيار، وقالوا: والله لا نقيلك ولا نستقيلك، فلما تم العقد وسلموا المبيع، قيل لهم: قد صارت أنفسكم وأموالكم لنا، والآن فقد رددناها عليكم أوفر ما كانت وأضعاف أموالكم {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} لم نبتع منكم نفوسكم وأموالكم طلبا للربح عليكم، بل ليظهر أثر الجود والكرم في قبول المعيب والإعطاء عليه أجلّ الأثمان، ثم جمعنا لكم بين الثمن والمثمن.

تأمل قصة جابر بن عبد الله وقد اشترى منه -صلى الله عليه وسلم- بعيره، ثم وفاه الثمن وزاده، ورد عليه البعير، وكان أبوه قد قتل مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في وقعة أحد، فذكره بهذا الفعل حال أبيه مع الله، وأخبره أن الله أحياه، وكلمه كفاحا وقال: «يا عبدي تمنَّ على».

فسبحان من عظم جوده وكرمه أن يحيط به علم الخلائق، فقد أعطى السلعة وأعطى الثمن ووفق لتكميل العقد، وقبل المبيع على عيبه، وأعاض عليه أجل الأثمان، واشترى عبده من نفسه بماله، وجمع له بين الثمن والمثمن وأثنى عليه، ومدحه بهذا العقد، وهو سبحانه الذي وفقه له، وشاءه منه) انتهى كلامه رحمه الله.


* المصدر: صحيفة النبأ - العدد 44
الثلاثاء 19 ذو القعدة 1437 ه‍ـ

* تيليغرام:
@wmc111at
...المزيد

تفريغ كلمة صوتية لمولانا أمير المؤمنين أبي بكر الحسيني القرشي البغدادي ( تقبله الله ) بعنوان: ...

تفريغ كلمة صوتية لمولانا أمير المؤمنين
أبي بكر الحسيني القرشي البغدادي ( تقبله الله )

بعنوان: هذا ما وعدنا الله ورسوله

(٢/٦)
يا معشر المهاجرين والأنصار، امضوا على بصيرتكم، واصبروا على عزيمتكم صبرا على الغُصص، فكأن قد اندمل شعث الشتات، والتأمت كلمة الخير والعدل، ودفع الحق الباطل، فإن لهذا اليوم ما بعده، والصبر خير في الأمور عواقبا، قال تعالى: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} [القمر: 45]، وقال جل وعلا: {وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} [الأنفال: 7-8].

يا جنود الخلافة، إذا وقفتم صوب طائرات أمريكا وحلفائها، فقفوا ثابتين متوكلين على من بيده ملكوت السموات والأرض، الذي ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها، إن ربي على صراط مستقيم، وقولوا: «حسبنا الله ونعم الوكيل»، فإنها كلمة قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد -صلى الله عليه وسلم- حين قال له الناس: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ} [آل عمران: 173]، واعلموا أنه لو أطبقت السماء على الأرض، لجعل الله للمؤمنين منها متنفسا.

فيا كتائب الانغماسيين، ويا قوافل الاستشهاديين، ويا سرايا الاقتحاميين، يا طلاب الشهادة والحسنى وزيادة، يا سعاة إلى الجنان والرضوان، انطلقوا على بركة الله، فإن الحرب حربكم، حوّلوا ليل الكافرين نهارا، وخرّبوا ديارهم دمارا، واجعلوا دماءهم أنهارا، فإن ذلك هو الحظ الأوفر، والفوز الأكبر، بصحبة الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا، وليكن لسان حال أحدكم: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ} [طه: 84]، فجزاكم الله عن الإسلام والمسلمين خيرا، لقد أذقتم الكافرين الأهوال، ومرغتم أنوفهم بالأوحال، فَدَيناكم بأنفسنا، لقد كنتم وما زلتم بعد الله نعم الظهر والسند، ونعم الساعد والمدد.

يا أهل السنة في العراق، أفي كل مرة لا تعقلون؟ استمرأتم الذلة والمهانة حتى رتعتموها، وتهتم كما تاه بنو إسرائيل من قبلكم، أَوَما ترون الرافضة كل يوم يسومونكم سوء العذاب، يغزون بلادكم بحجة محاربة الدولة الإسلامية، ثم لا يبرحون حتى يقتلوا رجالكم، ويأسروا نساءكم وذراريكم تارة، ويشردونهم تارة أخرى؟ أَوَما ترون العراق تفرغ مدنها من أهل السنة، وتحشى بأرذل خلق الله وشر من وطئ الحصى؟ انظروا إلى راياتهم وهم يقاتلونكم، اسمعوا شعاراتهم وهم يحيطون ببلادكم، تأمّلوا في صنيعهم حين يخرجونكم من أرضكم، واسمعوا نداءاتهم وهم يصرخون بالدعوة إلى غزو أراضي السنة كلها من عراقكم إلى شامكم إلى نجدكم بل إلى يمنكم.

يا أهل السنة، لقد مارس زعماؤكم في المنطقة أحط وأحقر صور الخيانة عرفها التأريخ، فباعوا القضية، وسلموا أمركم وأرضكم لعدوكم، فها هي مناطقكم يقتسمها الملحد الكافر والمشرك الرافضي والنصيري الحاقد، في مشهد باطني خبيث مكشوف، يراه ويسمع به العالم أجمع، وها هي حلب تواجه أعتى وأشرس حملة نصيرية بدعم مجوسي روسي كافر، يهدفون من خلالها إلى إقامة كيان نصيري بديل وسط خيانة الفصائل المرتدة المنشغلة بقتال الدولة الإسلامية والساعية لإزاحة حكم الله من الأرض في سبيل مصالح أسيادهم وداعميهم من دول الكفر.

وما تزال خطط الروم وما يزال مكرهم جاريا ساريا، حتى في جزيرة محمد، صلى الله عليه وسلم، لتسليط الرافضة على أطرافها، في ظل إفساد كبير تعمل عليه حكومة آل سلول لعلمنة البلاد، والسعي في إكفار أهلها، ونشر الرذيلة بينهم، والإطاحة بما يُمكن أن يُعد من رسوم الشرع وأهله، ولم يقتصروا على ذلك فحسب، بل شاركوا مشاركة عسكرية حقيقية مع أمم الكفر لحرب الإسلام والسنة في العراق والشام، فهم رأس كل بلية، وسبب كل رزية.

فيا رجال الجزيرة، يا أحفاد الصحابة، أعيدوا عليهم الكرة تلو الكرة، دونكم أعداء الله، دونكم أمنهم وعسكرهم وشرطهم، دونكم أزلامهم وأصحاب أقلامهم، دونكم أمراؤهم ووزراؤهم وأبواق إعلامهم، وتذكروا وصية نبيكم، صلى الله عليه وسلم: (لا يجتمع دينان في جزيرة العرب) [رواه مالك وغيره].


• للإستماع للكلمة الصوتية، تواصل - تيليغرام:
@wmc111at
...المزيد

دولة الإسلام.. نصف عقد من الثبات والإقدام نصفُ عقدٍ مضَى على قيامِها فأعجزَ البيانَ أن يصفَ ...

دولة الإسلام.. نصف عقد من الثبات والإقدام

نصفُ عقدٍ مضَى على قيامِها فأعجزَ البيانَ أن يصفَ البذلَ والعطاءَ والتضحيةَ والفداءَ، نصفُ عقدٍ مضَى ثابتةٍ على نهجِها ومسيرِها، نصفُ عقدٍ مضَى وأبناءُ الخلافةِ في رقيّ وتقدّم نحوَ الغايةِ الأسمَى، نصفُ عقدٍ مضَى لم يَضرها من خالَفَها ولا منْ خذَلَها، نصفُ عقدٍ مضَى وعدوها الأذلُ الأشقى خنسَ مُعترفًا ومقرا ببقائِها وحقيقةِ تمددِهَا، نصفُ عقدٍ مضَى ولا زالت وفودُ الموحدينَ المجاهدينَ الصادقينَ تُقبلُ مبايعة طاعةً لله ترجُو رحمةَ الله وتوفيقَه بلزوم الجماعةِ وتحقيقِ الاعتصامِ الذي أمرَ بهِ المولى سبحانَه


إصدار الصوتي
مؤسسة الدرع السني

للإستماع، تواصل - تيليغرام:
@wmc111at
...المزيد
يتم الآن تحديث اوقات الصلاة ...
00:00:00 يتبقى على
10 شعبان 1447
الفجر 00:00 الظهر 00:00 العصر 00:00 المغرب 00:00 العشاء 00:00

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً