بين الفرقان والفتح
ونحن نتفيأ ظلال هذا الشهر المبارك، شهر الإيمان والاحتساب لله تعالى، شهر التقوى والصبر والجهاد، نستذكر حدثين عظيمين لم يخرجا عن تلك المعاني الإيمانية والجهادية، حدثين عظيمين رسما خارطة الإسلام في عهد النبوة وما بعده، وكانا معلمين رئيسين في تشييد صرح الإسلام وانتشار دعوته الخالدة، كلا الحدثين وقعا في شهر رمضان، وكان بينهما ست سنوات فقط لكنها كانت نقلة كبيرة للمسلمين ودولتهم ودعوتهم.
الحدث الأول غزوة بدر الكبرى التي وقعت في السنة الثانية للهجرة في السابع عشر من رمضان، وسميت غزوة الفرقان لأنها كانت فرقانا فرّق الله بها بين الحق والباطل، بين التوحيد والشرك، بين الفئة المؤمنة القليلة الصابرة، والفئة الكثيرة الكافرة، فبها ذاع الإسلام وشاع أمره وعزّ أهله، وذلّ الشرك وأهله، حيث كانت أول هزيمة قاسية يتعرض لها المشركون بعد سنوات من البطش والغطرسة، وأول انتصار كبير للمسلمين بعد سنوات من الاستضعاف والغربة.
أما الحدث الثاني فقد وقع بعد الفرقان بست سنوات كما تقدم، وتحديدا في العام الثامن للهجرة، في العشرين من رمضان، وهو الفتح الأعظم فتح مكة المكرمة وعلو الإسلام فيها وسيطرته عقديا وميدانيا عليها، وعودة النبي -صلى الله عليه وسلم- وصحابته إليها فاتحين مكبرين مهللين تحقيقا لوعد الله تعالى.
وبعيدا عن تفاصيل الحدثين العملياتية التي تستفيض بسردها كتب السير والتاريخ، وتنطق بكل معاني البطولة والعزة والشجاعة والوفاء والتواضع لله، والاستعلاء على الباطل وغيرها من المقامات الإيمانية والقمم الجهادية، إلا أن السرد المعاصر للحدثين الرمضانيين يعمد إلى إغفال أبرز محطة مشتركة بينهما أو تحويرها وتقديمها بصورة تخالف الغاية الإيمانية، وتصادم المنهجية العقدية التي اتسم بها الفرقان والفتح العظيمان.
البراءة والشدة على الكافرين
ولعل من أبرز محطات الفرقان والفتح، أنهما مثّلا ذروة المفاصلة بين الإسلام والكفر، وتحقيقا لأهم عقائد المسلمين وهي الولاء للمؤمنين والبراءة والشدة على الكافرين، التي تتعرض اليوم لحملات هدم وتمييع وإقصاء ليس على أيدي اليهود والنصارى المجاهرين بالعداوة للإسلام فحسب، بل على أيدي المحسوبين على الإسلام والمتمسحين بالجهاد!!، في مفارقة عظيمة تدلك على بعد هؤلاء الأخلاف المبدلين، عن مقصد الفرقان والفتح، وبالضرورة بعدهم بعد المشرقين عن منهاج الفاتحين الأولين.
يبرز موقف المفاصلة والبراء يوم بدر في قوله تعالى: {لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ..}، وقد جلّت كتب التفسير المعتبرة هذه الآية بما لا يدع مجالا للباحثين عن الرخص في أبواب الأصول القانعين بالقعود دون الوصول.
لقد نفت الآية الإيمان عن أقوام يوادّون من عادى الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو عشيرتهم، لم يتوسع القرآن في ذلك لأحد، وتجاوز حدود العلاقات والروابط البشرية قاطبة بدءا من أضيق وأغلى الدوائر على المرء وهي دائرة "الأبوة" ثم "البنوة" ثم "الأخوة" وصولا إلى "العشيرة" والقرابة العامة، ووقف عند حدود الرابطة الإيمانية فلم يتجاوزها! وجعلها حدا فاصلا بين الإيمان والكفر، وأعطاها السيادة والكلمة الفصل، إلى حد فصل بها بين الأب وابنه والمرء وأخيه بناء على رابطة الدين، ولقد ذكرت كتب السير والمغازي والتفاسير صورة حية من التطبيق العملي لهذه المفاصلة وكيف امتثل لها الصحابة في معركة بدر الرمضانية، فقاتلوا أقرب الناس إليهم من الكافرين المحاربين بالسيف والسنان، وقدّموا الولاء لله ورسوله والمؤمنين على الولاء للكافرين ولو كانوا أقرب الأقربين، ولا شك أن هذا لا يقع إلا ممن ملأ حب الله تعالى قلبه فخلا من كل المحبوبات المضادة المناوئة.
ليست في قلوبنا هوادة للمشركين
ولم تتوقف المفاصلة والشدة على الكافرين بانتهاء المعركة، بل استمرت بعدها في قضية أسرى بدر الذين كانوا أقرباء الصحابة وبني عمومتهم، كما قال ابن كثير: "ومن هذا القبيل حين استشار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المسلمين في أسارى بدر... فقال عمر: هل تمكني من فلان -قريب لعمر- فأقتله؟، وتمكن عليا من عقيل، وتمكن فلانا من فلان، ليعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين".
ويواصل الإمام ابن كثير تقرير هذه المفاصلة وإحكامها بما يقطع الطريق على المرتابين المذبذبين فيقدّم لنا تعليقا نورانيا أجود ما يكون فيقول: "وفي قوله: {رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} سرّ بديع، وهو أنه لما سخطوا على القرائب والعشائر في الله، عوضهم الله بالرضا عنهم، وأرضاهم عنه بما أعطاهم من النعيم المقيم، والفوز العظيم، والفضل العميم". اهـ.
اقتلوهم في الكعبة!
وبعد سنوات على هذا الفرقان الحاد بين الحق والباطل جاء الفتح الأعظم، الذي يحاول البعض تحويره وتحريفه إلى سياق التسامح مع الكافرين اعتمادا على روايات ضعيفة، فيصححون الضعيف ويضعفون الصحيح اتّباعا لأهوائهم واستجابة لداعي الوطنية وأواصر القومية، فلا يذكرون من الفتح إلا حديث الطلقاء الذين بُشّر النبي -صلى الله عليه وسلم- بدخولهم في دين الله أفواجا، وينسون أحاديث النفر الذين لم يعفُ النبي -صلى الله عليه وسلم- عنهم وبينهما امرأتان!! وقال عنهم: (اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة!) [رواه النسائي]، وقد تعلق فعلا أحدهم بأستار الكعبة وهو "عبد الله بن خطل" فتسابق إليه الصحابة وقتلوه على حالته هذه في الكعبة!! وآخر وهو "مقيس بن صبابة" لحق به الصحابة وقتلوه في سوق مكة!، بل إن أحدهم وهو "عبد الله بن أبي السرح" جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- مسلما مبايعا، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يكف يده عنه ويأبى بيعته ثلاثا، قبل أن يقبلها على مضض، ثم يلتفت إلى أصحابه قائلا: (أمَا كان فيكم رجُلٌ رَشيدٌ يقومُ إلى هذا، حيثُ رآني كفَفْتُ يدي، فيقتُلَه؟!) فتأمل هذا الموقف النبوي الحاد، فهذا وغيره مما يسقطه الرواة والقصاص المعاصرون من متن الفتح الأعظم، هروبا من المفاصلة والمفارقة للكافرين، وجنوحا إلى الملاطفة والمطالقة!، ولذلك باتوا يطلقون أوصاف الطلقاء على من وجب قتله، ويصبون العداوة على من وجبت مودته ونصرته!، فيقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان.
ومما يتعرض له الفتح الأعظم من تحريف، محاولتهم إسقاط صلح الحديبية الذي كان هو مقدمة الفتح، على المعاهدات والاتفاقيات الباطلة مع حكومات الكفر والردة! فيستدلون بالهدى على الضلالة! وبالتوحيد على الشرك! ويجيّرون الحديبية على مقاس طواغيت العرب الموالين لليهود والنصارى المتحالفين معهم ضد المسلمين، المتشاركين معهم وزر الحرب على المجاهدين، فأين الحديبية من هؤلاء الكفرة الأشقياء؟!
بيعة على القتال
ومما يغفل عنه الناس في مقدمات الفتح الأعظم، بيعة الرضوان تحت الشجرة في الحديبية، التي سطرتها آيات القرآن الكريم ونصوص السنة الصحيحة، وذلك لما أشيع نبأ مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه، فاستنفر المسلمون وبايعوا النبي -صلى الله عليه وسلم- على قتال المشركين، وأن لا يفروا بل يناجزوا القوم حتى الفتح أو الموت!، وقد أثنى الله تعالى على أهل هذه البيعة التي انتهت بالفتح فقال سبحانه: {لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا}.
فتأمل هذه المواقف الإيمانية العقدية الجهادية الحاسمة التي سطرها الصحابة الربيون بقيادة نبي الهدى -صلى الله عليه وسلم- في هذين الحدثين الرمضانيين، تعرف كيف حازوا السبق وكيف فتحوا البلاد مستعلين على الباطل لا خانعين له، مفارقين للشرك أشداء عليه لا مرافقين له رفقاء به، فإن علمت ذلك فالزمه وعضّ عليه بالنواجذ ففيه عزّ الدنيا والآخرة، والحمد لله رب العالمين.
المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 487
السنة السادسة عشرة - الخميس 20 رمضان 1446 هـ
مقال:
بين الفرقان والفتح
لقراءة المقال كاملاً.. تواصل معنا تيليغرام:
WMC111ART ...المزيد
مساعدة
الإبلاغ عن المادة
تعديل تدوينة
بين الفرقان والفتح ونحن نتفيأ ظلال هذا الشهر المبارك، شهر الإيمان والاحتساب لله تعالى، شهر ...
بين الفرقان والفتح
ونحن نتفيأ ظلال هذا الشهر المبارك، شهر الإيمان والاحتساب لله تعالى، شهر التقوى والصبر والجهاد، نستذكر حدثين عظيمين لم يخرجا عن تلك المعاني الإيمانية والجهادية، حدثين عظيمين رسما ...المزيد
ونحن نتفيأ ظلال هذا الشهر المبارك، شهر الإيمان والاحتساب لله تعالى، شهر التقوى والصبر والجهاد، نستذكر حدثين عظيمين لم يخرجا عن تلك المعاني الإيمانية والجهادية، حدثين عظيمين رسما ...المزيد
لا تلتفت للوراء إن الطريق إلى إقامة دين الله في الأرض، طريق شاق يقتضي الصبر والمصابرة والمرابطة، ...
لا تلتفت للوراء
إن الطريق إلى إقامة دين الله في الأرض، طريق شاق يقتضي الصبر والمصابرة والمرابطة، ويستوجب توطين النفس على وعورته والابتلاء فيه، ولا بد لسالكيه أن يصيبهم ما أصاب الأنبياء من القتل والجرح والقرح، وما أصاب خاتمهم محمدًا -صلى الله عليه وسلم- وصحابته الكرام من صنوف العذاب والنكال، وتلك سيرهم حافلة بالبأساء والضراء والزلزلة قبل أن يتنزل عليهم نصر الله.
وليعلم المسلم أنه لا تلازم بين الحق والسلامة الدنيوية، وأنه لا تعارض بين الوعد بالنصر والقتل الذي يطلبه المجاهدون ويطلبهم، دليل ذلك قوله تعالى في حق الأنبياء وأتباعهم: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ}، فالنصرة في الدنيا قد تأتي في حياة الأنبياء كما فعل بإهلاك الأمم المكذبة وإنجاء الأنبياء، وقد تتأخر إلى بعد موتهم كما فعل بقتلة يحيى وزكريا وشعياء سلط عليهم من أعدائهم من أهانهم وسفك دماءهم كما بينه الإمام الطبري وغيره.
وإن من أكثر الأمور المشاهدة المعلومة التي قررها القرآن الكريم وكررها كثيرا، زوال الدنيا وسرعة انقضائها {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا}، فكيف لعاقل أن يجعل ما يصيبه فيها من الفتنة بالسراء أو الضراء ميزانا؟
بل إن من الجهل وضعف اليقين انتظار النعيم فيها والتحسر على الفائت منها، وإن من أعظم ثمرات الإيمان، أن لا يعبأ المسلم بما أصابه فيها من لأواء ما دام يحدوه حادي اليقين بوعد الله تعالى بجنة عرضها السماوات والأرض، لا يَلفتهُ عنها سراء ولا ضراء، أرأيت لو أن عبدا عاش حياته مؤمنا مهاجرا مطاردا معذبا، ثم خُتم له بالحسنى وبُشّر بطوبى، هل يضيره كل ما أصابه قبلها؟ فهذا مثل المؤمن.
وإن المتفكر في هذا ليزول عجبه لما يصيب المؤمنين الثابتين على منهاج النبوة في عصرنا، مما أصاب مَن هو خير منهم من الأنبياء والأولياء، تحقيقا لسنة الله تعالى في خلقه: {الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ}، إنها سنة الابتلاء التي لم تخطئ عبدا، تمحيصا للمؤمنين وتنقية لصفوفهم، واستدراجا ومحقا للكافرين.
ومن المعلوم أن الله تعالى أرسل الرسل وأنزل الكتب لدعوة الخلق إلى التوحيد وإقامة الحجة عليهم، ومن لوازم ذلك وجود المكذبين والمعاندين الذين لم يخل منهم عصر ولم يسلم منهم نبي ولا رسول كما قال تعالى: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا} وقال سبحانه: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا}، ولذلك كان لزاما على أتباع الرسل أن يحتملوا ما يصيبهم في طريق التوحيد ويصبروا عليه، وأن يمضوا فيه قدما، لا يردهم عنه ضعف ولا وهن، ولا يثنيهم خوف ولا حزن.
فإن الأمر متعلق بتبليغ الرسالة الربانية التي لأجلها خلق الله الخلق، {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}، ولم يك في حسابات الأنبياء والمرسلين -وحاشاهم- أن ينالوا بعملهم هذا لعاعة دنيوية أو يقصدوا سلامة بدنية، فهذا نبي الهدى -صلى الله عليه وسلم- يقول كما في مسند الإمام أحمد: (والله إني لا أزال أجاهدهم على الذي بعثني الله له حتى يظهره الله له أو تنفرد هذه السالفة) يعني بذلك الموت! فتأمل كيف جعل المضي في دعوته وجهاده كلَّ همه وغاية مراده ولو قتل في سبيل ذلك، وقد مضى -صلى الله عليه وسلم- في ذلك صادقا ثابتا فسال دمه وكسرت رباعيته ودخلت حلقتا المغفر في وجنتيه وجرح إصبعه فواسى نفسه وهون عليه ذلك أنه في سبيل الله كما في البخاري عن جندب بن سفيان، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان في بعض المشاهد، وقد دميت إصبعه، فقال: (هل أنت إلا إصبع دميتِ وفي سبيل الله ما لقيتِ).
وإن من أهم الدروس والعبر التي تتجلى في سير الابتلاء، أن ما أصاب الأنبياء والرسل وأتباعهم لم يكن خذلانا من الله لهم! ولا نصرا لأعدائهم، ولا هو خسارة ولا فشلا؛ بل هو من الابتلاء والامتحان لرفع الدرجات، وهو للكافرين إمهال واستدراج ليستحقوا به أشد العذاب، بسبب كفرهم وحربهم للتوحيد وصدهم عن سبيل الله تعالى.
ومما يستفاد من سير الأنبياء في المحنة والابتلاء، أن بقاء العقائد مقدم على بقاء الأرواح، وإن جلّت هذه الأرواح وعظمت مكانتها كأرواح الأنبياء والرسل عليهم السلام، فكيف بمن هم دونها في القدر والمكانة؟ بل إن أرواح المؤمنين يعظم قدرها بقدر اتصافها والتصاقها بما كان عليه أنبياء الله ورسله، وبهذا فضّل الله المجاهدين على القاعدين ورفعهم درجات.
ومن دروس الابتلاء التي ينبغي أن لا تغيب عن ذهن المسلم؛ أن الدنيا ليست دارا للحساب والجزاء، وما هي إلا دار ممر لا دار مقر، وهذا من عدل الله تعالى فما بعد الموت إلا الحياة الأبدية، ولكن أين؟ إما في جنان عدن أو في سقر! -عافانا الله وإياكم منها- وهذا الذي يجب أن يشغل بال المسلم على الدوام وهو الذي عليه التعويل، فكم من قتيل فائز وكم من حي خاسر.
وليعلم المسلم أن هذا الطريق لا يثبت عليه إلا الصادقون الذين أخلصوا دينهم لله تعالى، وبذلوا أغلى ما يملكون لإعلاء كلمته في أرضه، وجاهدوا عدوه، ولم يبالوا بما أصابهم، ولم يعبأوا بمكر أعدائهم، فهؤلاء هم حملة الرسالة بحق ووارثوها، الذين اتقوا الله حق تقاته، وجاهدوا في سبيله حق جهاده.
أما الباحثون عن مناهج السلامة، اللاهثون خلف الدنيا وزهرتها، الذين يحسبون أن الأمان في بقائهم أحياء ولو عبيدا للطاغوت، فهؤلاء لم يستنيروا بنور العلم ولم يأووا إلى ركن شديد، وإن حملوا من الأسفار ما لا تحمله الحمر! وما أكثرهم في زماننا، وأشقى منهم من علم الحق وفارقه لضعف يقينه وسوء طويته وتقديم محابّه على محاب خالقه، وليته سكت! بل عكف يبرر للساقطين سقوطهم! ويعيّر الثابتين بثباتهم!
فدونك أيها المسلم المجاهد نهج الأنبياء وسيرهم، والسابقين من أتباعهم، وتأمل الفرق بينهم وبين القاعدين للجهاد بأطرقه يصدون عنه ويلمزون أهله، فإن من أوضح معالم طريق الأنبياء وأتباعهم إرخاص النفوس لخالقها سعيا في نشر دينه وإقامة شريعته ونصرة أوليائه، ومقارعة أعدائه وصد عاديتهم ونسف باطلهم ونبذ شركهم، ولو أصابهم في سبيل ذلك ما أصابهم، فأين مَن هذا سبيله ممن يرى في الموت على منهاج النبوة خسارة وفشلا، والعيش تحت ظلال الطاغوت نجاة ومأمنا؟ هيهات هيهات.
فسر أيها المجاهد في طريقك ولا تلتفت للوراء فليس لديك ترف الوقت والفكر للانشغال بالنابحين خلف قافلة التوحيد والجهاد التي سارت ولن تحط ركابها إلا حيث يحكم الإسلام وتعلو رايته فوق عواصم العرب والعجم، أو تنفرد سالفة قادتها وجنودها في هذا الطريق أسوة بسلفهم السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، فيا فوز من مضى في الطريق، أو نال الشهادة صابرا محتسبا، ويا خسارة من سقط وفاته الركب.
المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 487
السنة السادسة عشرة - الخميس 20 رمضان 1446 هـ
المقال الافتتاحي:
لا تلتفت للوراء
للمزيد من المواد والحقائق.. تواصل معنا تيليغرام:
@WMC111ART ...المزيد
إن الطريق إلى إقامة دين الله في الأرض، طريق شاق يقتضي الصبر والمصابرة والمرابطة، ويستوجب توطين النفس على وعورته والابتلاء فيه، ولا بد لسالكيه أن يصيبهم ما أصاب الأنبياء من القتل والجرح والقرح، وما أصاب خاتمهم محمدًا -صلى الله عليه وسلم- وصحابته الكرام من صنوف العذاب والنكال، وتلك سيرهم حافلة بالبأساء والضراء والزلزلة قبل أن يتنزل عليهم نصر الله.
وليعلم المسلم أنه لا تلازم بين الحق والسلامة الدنيوية، وأنه لا تعارض بين الوعد بالنصر والقتل الذي يطلبه المجاهدون ويطلبهم، دليل ذلك قوله تعالى في حق الأنبياء وأتباعهم: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ}، فالنصرة في الدنيا قد تأتي في حياة الأنبياء كما فعل بإهلاك الأمم المكذبة وإنجاء الأنبياء، وقد تتأخر إلى بعد موتهم كما فعل بقتلة يحيى وزكريا وشعياء سلط عليهم من أعدائهم من أهانهم وسفك دماءهم كما بينه الإمام الطبري وغيره.
وإن من أكثر الأمور المشاهدة المعلومة التي قررها القرآن الكريم وكررها كثيرا، زوال الدنيا وسرعة انقضائها {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا}، فكيف لعاقل أن يجعل ما يصيبه فيها من الفتنة بالسراء أو الضراء ميزانا؟
بل إن من الجهل وضعف اليقين انتظار النعيم فيها والتحسر على الفائت منها، وإن من أعظم ثمرات الإيمان، أن لا يعبأ المسلم بما أصابه فيها من لأواء ما دام يحدوه حادي اليقين بوعد الله تعالى بجنة عرضها السماوات والأرض، لا يَلفتهُ عنها سراء ولا ضراء، أرأيت لو أن عبدا عاش حياته مؤمنا مهاجرا مطاردا معذبا، ثم خُتم له بالحسنى وبُشّر بطوبى، هل يضيره كل ما أصابه قبلها؟ فهذا مثل المؤمن.
وإن المتفكر في هذا ليزول عجبه لما يصيب المؤمنين الثابتين على منهاج النبوة في عصرنا، مما أصاب مَن هو خير منهم من الأنبياء والأولياء، تحقيقا لسنة الله تعالى في خلقه: {الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ}، إنها سنة الابتلاء التي لم تخطئ عبدا، تمحيصا للمؤمنين وتنقية لصفوفهم، واستدراجا ومحقا للكافرين.
ومن المعلوم أن الله تعالى أرسل الرسل وأنزل الكتب لدعوة الخلق إلى التوحيد وإقامة الحجة عليهم، ومن لوازم ذلك وجود المكذبين والمعاندين الذين لم يخل منهم عصر ولم يسلم منهم نبي ولا رسول كما قال تعالى: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا} وقال سبحانه: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا}، ولذلك كان لزاما على أتباع الرسل أن يحتملوا ما يصيبهم في طريق التوحيد ويصبروا عليه، وأن يمضوا فيه قدما، لا يردهم عنه ضعف ولا وهن، ولا يثنيهم خوف ولا حزن.
فإن الأمر متعلق بتبليغ الرسالة الربانية التي لأجلها خلق الله الخلق، {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}، ولم يك في حسابات الأنبياء والمرسلين -وحاشاهم- أن ينالوا بعملهم هذا لعاعة دنيوية أو يقصدوا سلامة بدنية، فهذا نبي الهدى -صلى الله عليه وسلم- يقول كما في مسند الإمام أحمد: (والله إني لا أزال أجاهدهم على الذي بعثني الله له حتى يظهره الله له أو تنفرد هذه السالفة) يعني بذلك الموت! فتأمل كيف جعل المضي في دعوته وجهاده كلَّ همه وغاية مراده ولو قتل في سبيل ذلك، وقد مضى -صلى الله عليه وسلم- في ذلك صادقا ثابتا فسال دمه وكسرت رباعيته ودخلت حلقتا المغفر في وجنتيه وجرح إصبعه فواسى نفسه وهون عليه ذلك أنه في سبيل الله كما في البخاري عن جندب بن سفيان، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان في بعض المشاهد، وقد دميت إصبعه، فقال: (هل أنت إلا إصبع دميتِ وفي سبيل الله ما لقيتِ).
وإن من أهم الدروس والعبر التي تتجلى في سير الابتلاء، أن ما أصاب الأنبياء والرسل وأتباعهم لم يكن خذلانا من الله لهم! ولا نصرا لأعدائهم، ولا هو خسارة ولا فشلا؛ بل هو من الابتلاء والامتحان لرفع الدرجات، وهو للكافرين إمهال واستدراج ليستحقوا به أشد العذاب، بسبب كفرهم وحربهم للتوحيد وصدهم عن سبيل الله تعالى.
ومما يستفاد من سير الأنبياء في المحنة والابتلاء، أن بقاء العقائد مقدم على بقاء الأرواح، وإن جلّت هذه الأرواح وعظمت مكانتها كأرواح الأنبياء والرسل عليهم السلام، فكيف بمن هم دونها في القدر والمكانة؟ بل إن أرواح المؤمنين يعظم قدرها بقدر اتصافها والتصاقها بما كان عليه أنبياء الله ورسله، وبهذا فضّل الله المجاهدين على القاعدين ورفعهم درجات.
ومن دروس الابتلاء التي ينبغي أن لا تغيب عن ذهن المسلم؛ أن الدنيا ليست دارا للحساب والجزاء، وما هي إلا دار ممر لا دار مقر، وهذا من عدل الله تعالى فما بعد الموت إلا الحياة الأبدية، ولكن أين؟ إما في جنان عدن أو في سقر! -عافانا الله وإياكم منها- وهذا الذي يجب أن يشغل بال المسلم على الدوام وهو الذي عليه التعويل، فكم من قتيل فائز وكم من حي خاسر.
وليعلم المسلم أن هذا الطريق لا يثبت عليه إلا الصادقون الذين أخلصوا دينهم لله تعالى، وبذلوا أغلى ما يملكون لإعلاء كلمته في أرضه، وجاهدوا عدوه، ولم يبالوا بما أصابهم، ولم يعبأوا بمكر أعدائهم، فهؤلاء هم حملة الرسالة بحق ووارثوها، الذين اتقوا الله حق تقاته، وجاهدوا في سبيله حق جهاده.
أما الباحثون عن مناهج السلامة، اللاهثون خلف الدنيا وزهرتها، الذين يحسبون أن الأمان في بقائهم أحياء ولو عبيدا للطاغوت، فهؤلاء لم يستنيروا بنور العلم ولم يأووا إلى ركن شديد، وإن حملوا من الأسفار ما لا تحمله الحمر! وما أكثرهم في زماننا، وأشقى منهم من علم الحق وفارقه لضعف يقينه وسوء طويته وتقديم محابّه على محاب خالقه، وليته سكت! بل عكف يبرر للساقطين سقوطهم! ويعيّر الثابتين بثباتهم!
فدونك أيها المسلم المجاهد نهج الأنبياء وسيرهم، والسابقين من أتباعهم، وتأمل الفرق بينهم وبين القاعدين للجهاد بأطرقه يصدون عنه ويلمزون أهله، فإن من أوضح معالم طريق الأنبياء وأتباعهم إرخاص النفوس لخالقها سعيا في نشر دينه وإقامة شريعته ونصرة أوليائه، ومقارعة أعدائه وصد عاديتهم ونسف باطلهم ونبذ شركهم، ولو أصابهم في سبيل ذلك ما أصابهم، فأين مَن هذا سبيله ممن يرى في الموت على منهاج النبوة خسارة وفشلا، والعيش تحت ظلال الطاغوت نجاة ومأمنا؟ هيهات هيهات.
فسر أيها المجاهد في طريقك ولا تلتفت للوراء فليس لديك ترف الوقت والفكر للانشغال بالنابحين خلف قافلة التوحيد والجهاد التي سارت ولن تحط ركابها إلا حيث يحكم الإسلام وتعلو رايته فوق عواصم العرب والعجم، أو تنفرد سالفة قادتها وجنودها في هذا الطريق أسوة بسلفهم السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، فيا فوز من مضى في الطريق، أو نال الشهادة صابرا محتسبا، ويا خسارة من سقط وفاته الركب.
المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 487
السنة السادسة عشرة - الخميس 20 رمضان 1446 هـ
المقال الافتتاحي:
لا تلتفت للوراء
للمزيد من المواد والحقائق.. تواصل معنا تيليغرام:
@WMC111ART ...المزيد
صحيفة النبأ العدد 486 المقال الافتتاحي: نسف الأقلية والطائفية! بددت المعارك الدامية في الساحل ...
صحيفة النبأ العدد 486
المقال الافتتاحي:
نسف الأقلية والطائفية!
بددت المعارك الدامية في الساحل السوري بين شبيحة النظام السابق والحالي شعارات: "العيش المشترك" و "السلم الأهلي" و "الوحدة الوطنية" التي صدّعوا رؤوسنا بها وأرادوها دستورا لتنظيم العلاقات بعيدا عن الإسلام، وفشلت في أول اختبار لها، وبدا أنّ سردية الطاغوت السوري حول "نصر بلا دماء"، قد غرقت في بركة من الدماء!
وأثبتت الأحداث مجددا صوابية الدولة الإسلامية في تعاملها مع طوائف الكفر والردة التي يسمونها اليوم بالأقليات، التي كانت وما زالت ورقة بيد الغزاة اليهود والصليبيين، يقسّمون بها بلاد الإسلام ويحاربون بها المسلمين.
فالنصيريون العلويون أقامت لهم فرنسا الصليبية "دولة" إبّان غزوها للشام، خدمة لمصالحها وسياساتها التفريقية، وروجت لمسمى "العلوية" احتيالا على العامة النافرين من "النصيرية" بغية دمجهم وتصديرهم في المنطقة، ونجحت في ذلك بعد فتوى مشبوهة من المفتي القومي العربي "أمين الحسيني" نُشرت في "جريدة الشعب الدمشقية" بتاريخ 22 المحرم 1355هـ، وجاء فيها: "هؤلاء العلويون مسلمون.. لأنهم إخوان في الملة.. وإن أصولهم في الدين واحدة!" ومن يوم فتوى "مفتي القدس" وإلى عهد "محور القدس" والمسلمون يذبحون على المائدة الرافضية العلوية النصيرية.
ورغم التملق والتزلف الذي بذله النظام الجديد، للنصيرية الكفرة الفجرة ومحاولة نزع صفة "التشبيح" عنهم وصبغهم بصبغة "الشركاء والإخوة والطلقاء"، إلا أنهم انطلقوا في أول فرصة سنحت لهم وانقضوا عليه وقتلوا جنوده بلا شفقة ولا رحمة ولا تسامح.
ميدانيا، شكلت الأحداث فشلا أمنيا وعسكريا للجيش المرتد الهجين الذي خرج عن "تعاليمه وشعاراته الوطنية" في التعامل مع الأقليات من "العفو" إلى "المجزرة!" ما دفع بقادته إلى تحميل مسؤولية ما جرى للشعب بوصفه "حشودا شعبية غير منظمة!" بعد أن مدحوا "فزعته" ابتداء، ثم نصبوا المحاكم لمعاقبته لاحقا، وأعلنوا تشكيل "لجنة تحقيق" تهدف إلى التنصل من المسؤولية أمام "من يهمه الأمر" من المجتمع الدولي، وتحميل المسؤولية للمقاتلين الأجانب الذين يحلمون بالتجنيس خلافا لقانون "المواطنة السورية" التي يقدسها النظام الجديد والقديم.
أما الإعلام الثوري فقد انشغل بالحديث عن أسباب الأحداث من زاوية أمنية والدور الخارجي لإيران الرافضية وأذنابها، لكن أحدا لم يطرق الأسباب الشرعية لما جرى، فما هي هذه الأسباب؟
تتلخص الأسباب باختصار في تعطيل وتغييب حكم الشريعة وإقصاء منهج الإسلام من الحكم في الشام، وإبداله بالدساتير الكفرية ومفرزاتها الجاهلية في "العلاقات والحكم على الأفراد والجماعات"، فالإسلام لم يقسّم الناس إلى "أقليات" و "أكثريات" فهذه تقسيمة جاهلية عصرانية مظانها "مواثيق الأمم المتحدة" ومباحث "القانون الدولي" وغيرها من المراجع والدساتير الجاهلية، وإنما يقسّم الناس إلى مسلم وكافر، والكافر إلى "محارب وذمي ومعاهد ومستأمن"، والعلويون النصيريون طائفة كفر وردة باطنية خبيثة، محاربة باقية على حربها، وحتى الطاغوت الحدث الذي منحهم "العفو والأمان" انقلبوا عليه وقتلوا جنوده في الطرقات ليؤكدوا على حرابتهم حتى آخر رمق.
وإن حكم العلوية النصيرية في الإسلام -ومثلهم الدروز- مبسوط في الفقه الإسلامي، وفتوى شيخ الإسلام ابن تيمية فيهم -وغيره من أئمة الإسلام- تضج بها صفحات "الثوار والجهاديين" قبل أن يبدلوا دينهم وينقلبوا على أعقابهم ويسعوا للتماهي مع العلويين والاندماج معهم رغبا ورهبا.
وعليه، فالإسلام ينسف مفهوم الأقليات من جذوره، ويحاكم الناس لدينهم، لا لعددهم ولا لعرقهم ولا لقوميتهم، كما حسم الإسلام أحكام الكافرين على اختلاف طوائفهم، حربيين كانوا أو ذميين، وجعل ضابط العلاقة معهم أحكام الشريعة، بينما جاء المرتدون اليوم لينسخوا أحكام الإسلام بأحكام "القانون الدولي"، ويستبدلوا أحكام الولاء والبراء بقوانين "المواطنة والتعايش والوحدة الوطنية" فصار الوطن هو الضابط الناظم للعلاقات وليس الدين! وبناء عليه أصبحت "سوريا للسوريين" بمن فيهم الكافرين المحاربين وليست لغير السوريين ولو كانوا مسلمين على أرضها، تلك قسمة ضيزى.
إن ما يحاول "عدو الشرع" فعله هو الالتقاء مع "محمد بن نصير" في منتصف الطريق!، لكن أتباع الأخير أبوا ذلك بشدة، لتتحطم أوهام "التعايش والوحدة الوطنية" بين الجانبين في أول اختبار حقيقي لها، وتتحطم معها نظريات الطاغوت الحدَث، الذي بدّل دينه واتبع هواه وصار دمية النظام الدولي الذي منحه صفة "رئيس مؤقت" ريثما يكتمل ترتيب المنطقة وتقسيمها.
لقد روج الطاغوت السوري مبكرا لقسمته الجاهلية "سوريا للسوريين" مفرّطا بذلك في أتباعه المقاتلين غير السوريين، متمسكا بحقوق "الأقليات" الكافرة، واستمر يروج لهذه النظرية القومية الوطنية الجاهلية مساويا بين كل الطوائف والنحل والملل السورية، حتى اكتوى بنارها اليوم في الساحل السوري! إنها منهجية جاهلية فاشلة في التعامل مع هؤلاء بعيدا عن منهج الإسلام العدل الذي لا يفاضل بين السوريين إلا بالإسلام، ولا يساوي بين ظفر مسلم، وسوري علوي نصيري أو درزي... فهم كلهم سواء، لكن ليس مع المسلم.
وفي لوثة خطيرة أفرزتها الأحداث، يتم تحجيم وتقزيم وتشويه مفهوم "السُّنة" وإفراغه من مضمونه العقدي الشرعي، والتعامل معه كأنه مجرد "قومية" تقابل القوميات والأقليات السورية الأخرى!، فيطالب البعض بتسليحها لصد خطر القوميات الأخرى! هكذا بدا الطرح الجديد، إن السُّنة شرعا هم أهل السُّنة والجماعة الذين يدينون بعقيدة الإسلام ويخضعون وينصاعون لأحكامه، فمن لم يلتزم بذلك لا يصح نسبته للسُّنة حكما ومنهجا، وتسليحه بالعقيدة مقدم على تسليحه بالعتاد لكي لا ينتهي به المطاف مقاتلا وطنيا صرفا من جنس "الجولاني" يرى في "الإعلان الدستوري" الكفري "يوما تاريخيا" يحميه ويقاتل من ورائه!!
ومن مفرزات المشهد السوري وصف الصراع الحاصل بـ "الطائفية!" وهو مصطلح جاهلي تسلل إلى المحيط السني من "المواثيق الدولية" وكتب السير الإخوانية المحرّفة، وهو يخالف "ملة إبراهيم" التي تقوم على البراءة من كل طوائف الكفر ومفاصلتها ومحاكمتها لأحكام الإسلام حربية كانت أو ذمية، إن قتال طوائف الكفر ليست طائفية، بل عقيدة إسلامية أصيلة مصدرها الكتاب والسُّنة فعلتها القرون المرضية.
ويلحق بما سبق، الموقف المتناقض لشبيحة النظام السوري الجديد تجاه "الميليشيات الكردية" التي كانت في الليل صنيعة يهودية أمريكية، وفي الصباح غدت حليفا وشريكا سياسيا وطنيا، تبعا لإملاءات الخارج تماما كشبيحة النظام النصيري، فلكل نظام أطراف خارجية تسيره وتمده بالغي.
أما موقف المسلم في الشام من هذه الرايات والأنظمة الجاهلية المتحالفة والمتصارعة على أرضه، هو أن يعتزلها ويفارقها جميعا بكل صورها وأصنامها العصرية، ويولي وجهه شطر التوحيد، فيحققه قولا وعملا ولا يرضى بغير موالاة المؤمنين -قلوا أو كثروا- ومناصرتهم ومؤازرتهم، ومعاداة الكافرين والمرتدين -قلوا أو كثروا- ومجاهدتهم بكل وسيلة، {وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ}.
المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 486
السنة السادسة عشرة - الخميس 13 رمضان 1446 هـ
المقال الافتتاحي:
نسف الأقلية والطائفية! ...المزيد
المقال الافتتاحي:
نسف الأقلية والطائفية!
بددت المعارك الدامية في الساحل السوري بين شبيحة النظام السابق والحالي شعارات: "العيش المشترك" و "السلم الأهلي" و "الوحدة الوطنية" التي صدّعوا رؤوسنا بها وأرادوها دستورا لتنظيم العلاقات بعيدا عن الإسلام، وفشلت في أول اختبار لها، وبدا أنّ سردية الطاغوت السوري حول "نصر بلا دماء"، قد غرقت في بركة من الدماء!
وأثبتت الأحداث مجددا صوابية الدولة الإسلامية في تعاملها مع طوائف الكفر والردة التي يسمونها اليوم بالأقليات، التي كانت وما زالت ورقة بيد الغزاة اليهود والصليبيين، يقسّمون بها بلاد الإسلام ويحاربون بها المسلمين.
فالنصيريون العلويون أقامت لهم فرنسا الصليبية "دولة" إبّان غزوها للشام، خدمة لمصالحها وسياساتها التفريقية، وروجت لمسمى "العلوية" احتيالا على العامة النافرين من "النصيرية" بغية دمجهم وتصديرهم في المنطقة، ونجحت في ذلك بعد فتوى مشبوهة من المفتي القومي العربي "أمين الحسيني" نُشرت في "جريدة الشعب الدمشقية" بتاريخ 22 المحرم 1355هـ، وجاء فيها: "هؤلاء العلويون مسلمون.. لأنهم إخوان في الملة.. وإن أصولهم في الدين واحدة!" ومن يوم فتوى "مفتي القدس" وإلى عهد "محور القدس" والمسلمون يذبحون على المائدة الرافضية العلوية النصيرية.
ورغم التملق والتزلف الذي بذله النظام الجديد، للنصيرية الكفرة الفجرة ومحاولة نزع صفة "التشبيح" عنهم وصبغهم بصبغة "الشركاء والإخوة والطلقاء"، إلا أنهم انطلقوا في أول فرصة سنحت لهم وانقضوا عليه وقتلوا جنوده بلا شفقة ولا رحمة ولا تسامح.
ميدانيا، شكلت الأحداث فشلا أمنيا وعسكريا للجيش المرتد الهجين الذي خرج عن "تعاليمه وشعاراته الوطنية" في التعامل مع الأقليات من "العفو" إلى "المجزرة!" ما دفع بقادته إلى تحميل مسؤولية ما جرى للشعب بوصفه "حشودا شعبية غير منظمة!" بعد أن مدحوا "فزعته" ابتداء، ثم نصبوا المحاكم لمعاقبته لاحقا، وأعلنوا تشكيل "لجنة تحقيق" تهدف إلى التنصل من المسؤولية أمام "من يهمه الأمر" من المجتمع الدولي، وتحميل المسؤولية للمقاتلين الأجانب الذين يحلمون بالتجنيس خلافا لقانون "المواطنة السورية" التي يقدسها النظام الجديد والقديم.
أما الإعلام الثوري فقد انشغل بالحديث عن أسباب الأحداث من زاوية أمنية والدور الخارجي لإيران الرافضية وأذنابها، لكن أحدا لم يطرق الأسباب الشرعية لما جرى، فما هي هذه الأسباب؟
تتلخص الأسباب باختصار في تعطيل وتغييب حكم الشريعة وإقصاء منهج الإسلام من الحكم في الشام، وإبداله بالدساتير الكفرية ومفرزاتها الجاهلية في "العلاقات والحكم على الأفراد والجماعات"، فالإسلام لم يقسّم الناس إلى "أقليات" و "أكثريات" فهذه تقسيمة جاهلية عصرانية مظانها "مواثيق الأمم المتحدة" ومباحث "القانون الدولي" وغيرها من المراجع والدساتير الجاهلية، وإنما يقسّم الناس إلى مسلم وكافر، والكافر إلى "محارب وذمي ومعاهد ومستأمن"، والعلويون النصيريون طائفة كفر وردة باطنية خبيثة، محاربة باقية على حربها، وحتى الطاغوت الحدث الذي منحهم "العفو والأمان" انقلبوا عليه وقتلوا جنوده في الطرقات ليؤكدوا على حرابتهم حتى آخر رمق.
وإن حكم العلوية النصيرية في الإسلام -ومثلهم الدروز- مبسوط في الفقه الإسلامي، وفتوى شيخ الإسلام ابن تيمية فيهم -وغيره من أئمة الإسلام- تضج بها صفحات "الثوار والجهاديين" قبل أن يبدلوا دينهم وينقلبوا على أعقابهم ويسعوا للتماهي مع العلويين والاندماج معهم رغبا ورهبا.
وعليه، فالإسلام ينسف مفهوم الأقليات من جذوره، ويحاكم الناس لدينهم، لا لعددهم ولا لعرقهم ولا لقوميتهم، كما حسم الإسلام أحكام الكافرين على اختلاف طوائفهم، حربيين كانوا أو ذميين، وجعل ضابط العلاقة معهم أحكام الشريعة، بينما جاء المرتدون اليوم لينسخوا أحكام الإسلام بأحكام "القانون الدولي"، ويستبدلوا أحكام الولاء والبراء بقوانين "المواطنة والتعايش والوحدة الوطنية" فصار الوطن هو الضابط الناظم للعلاقات وليس الدين! وبناء عليه أصبحت "سوريا للسوريين" بمن فيهم الكافرين المحاربين وليست لغير السوريين ولو كانوا مسلمين على أرضها، تلك قسمة ضيزى.
إن ما يحاول "عدو الشرع" فعله هو الالتقاء مع "محمد بن نصير" في منتصف الطريق!، لكن أتباع الأخير أبوا ذلك بشدة، لتتحطم أوهام "التعايش والوحدة الوطنية" بين الجانبين في أول اختبار حقيقي لها، وتتحطم معها نظريات الطاغوت الحدَث، الذي بدّل دينه واتبع هواه وصار دمية النظام الدولي الذي منحه صفة "رئيس مؤقت" ريثما يكتمل ترتيب المنطقة وتقسيمها.
لقد روج الطاغوت السوري مبكرا لقسمته الجاهلية "سوريا للسوريين" مفرّطا بذلك في أتباعه المقاتلين غير السوريين، متمسكا بحقوق "الأقليات" الكافرة، واستمر يروج لهذه النظرية القومية الوطنية الجاهلية مساويا بين كل الطوائف والنحل والملل السورية، حتى اكتوى بنارها اليوم في الساحل السوري! إنها منهجية جاهلية فاشلة في التعامل مع هؤلاء بعيدا عن منهج الإسلام العدل الذي لا يفاضل بين السوريين إلا بالإسلام، ولا يساوي بين ظفر مسلم، وسوري علوي نصيري أو درزي... فهم كلهم سواء، لكن ليس مع المسلم.
وفي لوثة خطيرة أفرزتها الأحداث، يتم تحجيم وتقزيم وتشويه مفهوم "السُّنة" وإفراغه من مضمونه العقدي الشرعي، والتعامل معه كأنه مجرد "قومية" تقابل القوميات والأقليات السورية الأخرى!، فيطالب البعض بتسليحها لصد خطر القوميات الأخرى! هكذا بدا الطرح الجديد، إن السُّنة شرعا هم أهل السُّنة والجماعة الذين يدينون بعقيدة الإسلام ويخضعون وينصاعون لأحكامه، فمن لم يلتزم بذلك لا يصح نسبته للسُّنة حكما ومنهجا، وتسليحه بالعقيدة مقدم على تسليحه بالعتاد لكي لا ينتهي به المطاف مقاتلا وطنيا صرفا من جنس "الجولاني" يرى في "الإعلان الدستوري" الكفري "يوما تاريخيا" يحميه ويقاتل من ورائه!!
ومن مفرزات المشهد السوري وصف الصراع الحاصل بـ "الطائفية!" وهو مصطلح جاهلي تسلل إلى المحيط السني من "المواثيق الدولية" وكتب السير الإخوانية المحرّفة، وهو يخالف "ملة إبراهيم" التي تقوم على البراءة من كل طوائف الكفر ومفاصلتها ومحاكمتها لأحكام الإسلام حربية كانت أو ذمية، إن قتال طوائف الكفر ليست طائفية، بل عقيدة إسلامية أصيلة مصدرها الكتاب والسُّنة فعلتها القرون المرضية.
ويلحق بما سبق، الموقف المتناقض لشبيحة النظام السوري الجديد تجاه "الميليشيات الكردية" التي كانت في الليل صنيعة يهودية أمريكية، وفي الصباح غدت حليفا وشريكا سياسيا وطنيا، تبعا لإملاءات الخارج تماما كشبيحة النظام النصيري، فلكل نظام أطراف خارجية تسيره وتمده بالغي.
أما موقف المسلم في الشام من هذه الرايات والأنظمة الجاهلية المتحالفة والمتصارعة على أرضه، هو أن يعتزلها ويفارقها جميعا بكل صورها وأصنامها العصرية، ويولي وجهه شطر التوحيد، فيحققه قولا وعملا ولا يرضى بغير موالاة المؤمنين -قلوا أو كثروا- ومناصرتهم ومؤازرتهم، ومعاداة الكافرين والمرتدين -قلوا أو كثروا- ومجاهدتهم بكل وسيلة، {وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ}.
المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 486
السنة السادسة عشرة - الخميس 13 رمضان 1446 هـ
المقال الافتتاحي:
نسف الأقلية والطائفية! ...المزيد
المنطقة العازلة مشروع مؤامرة .. وأوهام تمكين سوّق الطاغوت التركي أردوغان منذ بدايات الجهاد ...
المنطقة العازلة
مشروع مؤامرة .. وأوهام تمكين
سوّق الطاغوت التركي أردوغان منذ بدايات الجهاد في الشام لمنطقة يتجمَّع فيها الهاربون من قصف الطيران النصيري، وتُقدَّم لهم فيها أماكن الإيواء والخدمات والحماية من القصف، على أن يقع عبء حماية هذه المنطقة على عاتق الجيش التركي وطيرانِه، في ظل أمريكا وحلف الناتو، ولكن هذه الفكرة فشلت لعدم موافقة أمريكا وحلفائها في حلف الناتو عليها، بل ومبادرتهم إلى سحب دفاعاتهم الجوية المتطورة من نوع (باتريوت) التي كان يُمكن استخدامها لحماية المنطقة العازلة من الطيران النصيري
• تركيا تنال الموافقة المبدئية
مع اشتداد حمّى الحرب ضد الدولة الإسلامية التي يشنها التحالف الدولي الصليبي بقيادة أمريكا، بات ممكنا لأي طرفٍ كان أن يسوِّق لمشروعه الخاص، شرط أن يجعله موجَّهاً للحرب على الدولة الإسلامية، فعاد الطاغوت أردوغان وحلفاؤه المرتدون من فصائل الصحوات إلى طرح مشروع المنطقة العازلة بمفهوم جديد، وهو أن توظَّف هذه المنطقة قاعدةً للحرب على الدولة الإسلامية، ومنطلقاً لمحور جديد في الهجوم عليها يضاف إلى المحاور التي يعمل فيها الروافض في العراق، والبيشمركة في كردستان، وحزب الـ PKK في منطقة الجزيرة، والنظام النصيري في حلب والبادية، وتكون مهمة هذا المحور التقدم من شمال ولاية حلب مع الضفة الغربية (الشامية) لنهر الفرات، بموازاة تقدم محور الـ PKK المرتدين على الضفة الشرقية للنهر، ولا غرابة أن اكتسى كلٌّ من المحورين المتآزرين في الواقع، المتعاديين ظاهرا أسماء متقاربة توحي بوحدة المهمة من قبيل (درع الفرات) لمرتدي الأتراك وحلفائهم، و(غضب الفرات) لمرتدي الأكراد وحلفائهم.
وتحت هذا الموقف نالت تركيا الموافقة الأمريكية على التقدم باتجاه جرابلس والراعي وصولا إلى مدينة الباب، وأمّنت لها الغطاء الجوي، والدعم والتسليح، في مراحل كثيرة من العملية.
ولتجاوز رفض النظام النصيري وحلفائه من الروس والإيرانيين فقد لجأت الحكومة التركية المرتدة، إلى التفاوض مع الصليبيين الروس، وإقناعهم بالموافقة على التقدم في ريفي حلب الشمالي والشرقي، مع ضمانات بأن يكون هذا التقدم موجها فقط للحرب على الدولة الإسلامية، وأن لا يمس بأي شكل كان النظام النصيري وحلفاءه من الروافض وغيرهم.
• أهمية المشروع لتركيا
وقد أكثر الطاغوت أردوغان وأعضاء حكومته المرتدون من الحديث عن المنطقة العازلة بصفتها وسيلة لمنع قيام الدولة الكردية التي يطمح لها حزب الـ PKK العلماني الكافر، وذلك من خلال السيطرة على المنطقة الممتدة بين جرابلس وإعزاز بعمق أكثر من 50 كم، فتمنع اتصال المناطق التي يسيطر عليها مقاتلو الـ PKK المرتدون شرق الفرات وغربه. ولتشكل هذه المنطقة أيضا حاجزا يحول دون وصول مجاهدي الدولة الإسلامية إلى أراضيها.
ولكن من يمعن النظر في الواقع على الخريطة، ومجريات الأحداث السياسية في ساحتي تركيا والشام يعرف أن أهمية هذه المنطقة للحكومة التركية المرتدة تتعدى بكثير قضية تدمير مشروع الدولة الكردية رغم أهميتها.
فسيطرة الجيش التركي على جزء من أرض الشام سيعني امتلاك وسيلة ضغط كبيرة على النظام النصيري في المستقبل تتجاوز أهمية امتلاك ناصية الكثير من فصائل الصحوات المرتدة، ما يعني الحصول على مكاسب كبيرة لقاء الانسحاب من هذه المنطقة في المستقبل مهما كان شكل الحكومة الطاغوتية التي سيستقر لها الأمر في دمشق.
وكذلك فإن امتلاك تركيا للسيادة الجزئية على هذه المنطقة، بتوفير غطاء جوي روسي أو أمريكي يمنع قصف النظام النصيري لها، سيساعد تركيا على التخلص مستقبلا من أعداد كبيرة من اللاجئين غير المرغوب بهم (المزعجين أو قليلي الفائدة بالنسبة لها) عن طريق فتح مخيمات لجوء لهم في هذه المنطقة، وبالتالي التخلص من التكاليف الكبيرة التي يشكلونها على الاقتصاد التركي المتراجع.
هذا عدا عن تجنيد المقاتلين في هذه المخيمات لصالح المشاريع المستقبلية للجيش التركي في الشام، فإذا كانت إيران قد امتلكت ناصية الميليشيات الرافضية في إطار (الحشد الرافضي)، واستخدمتها في تحقيق أهدافها، فإن تركيا بات بإمكانها أن تتحدث عن (حشد الصحوات) الذي ستستخدمه في خدمة مصالحها في الشام والمنطقة.
• المنطقة العازلة المقبولة
مع كل اتفاق هدنة بين النظام النصيري والصحوات المرتدين يشرف عليه الصليبيون الروس، يتكلم المسؤولون الروس عن ضرورة عزل «المعارضة المعتدلة» عن «المتشددين»، رغم علمهم بالتحالف المتين بين فصائل الصحوات المرتدة سواء منها التي تعلن العلمانية الصريحة أو التي تدّعي تحكيم «الشريعة»، وذلك من أجل أن تستهدف القاصفات الروسية «المتشددين» الرافضين للمفاوضات مع النظام النصيري، دون «المعتدلين» الذين قبلوا بها، وفوَّضوا «هيئة المفاوضات» التي يقودها رئيس وزراء النظام النصيري الأسبق المرتد (رياض حجاب).
ولكن هذا الأمر لم يكن ممكنا بسبب الاختلاط الكبير بين نوعي الصحوات، الموافقين على المفاوضات والرافضين لها، وبسبب عجز «المعتدلين» عن إخراج الآخرين من بينهم، والذي تجلى بأوضح صورة في مدينة حلب قبل سقوطها الكامل بيد الجيش النصيري، حتى عرض الطاغوت أردوغان صيغة مقبولة من قبل الصحوات المرتدين لهذا العزل، تؤمن له في الوقت نفسه الإذن (الروسي-النصيري) بإنشاء «المنطقة العازلة»، بحيث تؤدي هذه المنطقة دور عزل الصحوات «المعتدلة» عن الصحوات «المتشدّدة»، لتتخلى الصحوات «المعتدلة» عن قتال النظام النصيري، وتتفرغ لقتال الدولة الإسلامية فقط، وستكون محميّة من القصف النصيري والروسي طالما التزمت بهذا الأمر.
• المشروع (الروسي – التركي)
بعد الانتهاء من تسليم مدينة حلب للنظام النصيري من قبل فصائل الصحوات بناء على الاتفاق المبرم بين روسيا وتركيا، تم تطوير مشروع (روسي-تركي) جديد لتعميم تجربة مدينة حلب على ما تبقى بأيدي الصحوات من أرض الشام، وذلك بناء على اتفاق سلام بين الصحوات والنظام النصيري، يقوم على ثلاث محاور أساسية:
الأول: هو وقف لإطلاق النار بين الطرفين في كل مناطق الشام.
والثاني: إنشاء حكومة شراكة بين النظام النصيري والمرتدين في فصائل الصحوات المسلحة والمعارضة السياسية، على أسس (العلمانية، والديموقراطية، وتمثيل المكونات)، تكون فيها اليد العليا للنصيريين من جديد، والعمل على إدماج مقاتلي الصحوات ضمن الجيش النصيري.
والثالث: هو أن ينحصر القتال في النهاية ضد الدولة الإسلامية فقط.
وعليه يكون موقع المنطقة العازلة ضمن هذا الاتفاق هو أن تكون من أول المناطق التي يتم تطبيق وقف إطلاق النار فيها رسميا، بعد أن طُبِّق فيها واقعيا لعدة شهور (منذ انطلاق عملية «درع الفرات» التركية)، فتكون هذه المنطقة مأوى لكل الفصائل والتنظيمات التي تدخل في إطار المشروع (الروسي-التركي) بحيث ينتقلون إليها بسلاحهم وعتادهم وأهاليهم ومقراتهم، وتبقى إدلب مأوى لكل الفصائل المرتدين خارج اتفاق السلام مع النظام النصيري، بحيث تَصب عليهم الطائرات الروسية والنصيرية حمم القصف الجوي، وتضيق عليهم الميليشيات الرافضية الخناق على الأرض، بحيث لا يبقى أمام من يريد الخروج من ذلك الجحيم سوى أن يسلِّم نفسه للجيش النصيري، وينضم إليه، أو يدخل إلى تركيا عبر المعابر الرسمية، ليُنقل إلى المنطقة العازلة وينضم إلى جيش الصحوات «المعتدلة» لقتال الدولة الإسلامية، بعيدا عن أي جبهة قتال ضد الجيش النصيري.
ويستمر هذا المشروع حتى إتمام الجيش النصيري السيطرة على مناطق إدلب والساحل وريف حماة الشمالي، بعد أن يكون قد أفرغ فيهما ما تبقى من مقاتلي الصحوات المرتدين القادمين من جيوب حمص ودمشق والقلمون وربما درعا أيضا، بحيث تكون علامة قبول أي مرتد من عناصر الصحوات باتفاق السلام مع النصيرية، إما الدخول في صفوف الجيش النصيري، أو الدخول في جيش الصحوات «المعتدلة» ضمن المنطقة العازلة، خاصة إذا زال خيار الجلوس في تركيا، بعد أن تنقل الحكومة التركية المرتدة كلَّ مخيمات اللاجئين إلى داخل المنطقة العازلة.
وفي هذه الأثناء يتم الاتفاق على ضم فصائل «المنطقة العازلة» إلى الجيش النصيري على شكل كتائب شبيهة بفصائل «الجيش الشعبي»، أو إدماجها ضمن أجهزة الشرطة، لكون وزارة الداخلية في حكومة الشراكة ستكون من حصة المعارضة المرتدة في الغالب، وبهذا يتم توحيد الجهد تماما لقتال الدولة الإسلامية.
• على خطى صحوات العراق
مع أول بادرة لخروج الصحوات في الشام، حذَّرت الدولة الإسلامية المرتدين بأنهم يسيرون على طريق إخوانهم في صحوات العراق حذو القذة بالقذة، وأنهم سيلاقون المصير الأسود الذي لقيه أسلافهم من قبل.
فلا الدولة الإسلامية ستتركهم، ولا الصليبيون والطواغيت سيفون لهم بوعودهم، ولا النصيرية والرافضة سيعطونهم ما يتمنون، بل سيستمر جنود الخلافة في جز رقابهم، وسيعمل الروافض والنصيريون على تفكيكهم وإضعافهم وإخضاعهم، ومن تمرّد فلا صعوبة للروافض والنصيرية في فتح ملفاته القديمة، أو محاكمته على تهم جديدة، وسيتركهم الصليبيون والطواغيت فور انتهاء الحاجة منهم، فلا ينجو منهم إلا من صار لاجئا في إحدى دول المنطقة، كما حدث مع المرتدين من قادة صحوات العراق.
وستزول الصحوات، وتعود الدولة الإسلامية -بإذن الله- إلى كل المناطق التي انحازت عنها في شمال الشام، وستدخل جحافل جنودها أرض تركيا، لتجعل منها ولايات جديدة، يُقام فيها شرع الله، وتُزال منها أصنام أتاتورك، وأوثان الديموقراطية والعلمانية والصوفية والإخوان المرتدين، وما ذلك على الله بعزيز.
المصدر: صحيفة النبأ - العدد 62
الخميس 6 ربيع الثاني 1438 هـ ...المزيد
مشروع مؤامرة .. وأوهام تمكين
سوّق الطاغوت التركي أردوغان منذ بدايات الجهاد في الشام لمنطقة يتجمَّع فيها الهاربون من قصف الطيران النصيري، وتُقدَّم لهم فيها أماكن الإيواء والخدمات والحماية من القصف، على أن يقع عبء حماية هذه المنطقة على عاتق الجيش التركي وطيرانِه، في ظل أمريكا وحلف الناتو، ولكن هذه الفكرة فشلت لعدم موافقة أمريكا وحلفائها في حلف الناتو عليها، بل ومبادرتهم إلى سحب دفاعاتهم الجوية المتطورة من نوع (باتريوت) التي كان يُمكن استخدامها لحماية المنطقة العازلة من الطيران النصيري
• تركيا تنال الموافقة المبدئية
مع اشتداد حمّى الحرب ضد الدولة الإسلامية التي يشنها التحالف الدولي الصليبي بقيادة أمريكا، بات ممكنا لأي طرفٍ كان أن يسوِّق لمشروعه الخاص، شرط أن يجعله موجَّهاً للحرب على الدولة الإسلامية، فعاد الطاغوت أردوغان وحلفاؤه المرتدون من فصائل الصحوات إلى طرح مشروع المنطقة العازلة بمفهوم جديد، وهو أن توظَّف هذه المنطقة قاعدةً للحرب على الدولة الإسلامية، ومنطلقاً لمحور جديد في الهجوم عليها يضاف إلى المحاور التي يعمل فيها الروافض في العراق، والبيشمركة في كردستان، وحزب الـ PKK في منطقة الجزيرة، والنظام النصيري في حلب والبادية، وتكون مهمة هذا المحور التقدم من شمال ولاية حلب مع الضفة الغربية (الشامية) لنهر الفرات، بموازاة تقدم محور الـ PKK المرتدين على الضفة الشرقية للنهر، ولا غرابة أن اكتسى كلٌّ من المحورين المتآزرين في الواقع، المتعاديين ظاهرا أسماء متقاربة توحي بوحدة المهمة من قبيل (درع الفرات) لمرتدي الأتراك وحلفائهم، و(غضب الفرات) لمرتدي الأكراد وحلفائهم.
وتحت هذا الموقف نالت تركيا الموافقة الأمريكية على التقدم باتجاه جرابلس والراعي وصولا إلى مدينة الباب، وأمّنت لها الغطاء الجوي، والدعم والتسليح، في مراحل كثيرة من العملية.
ولتجاوز رفض النظام النصيري وحلفائه من الروس والإيرانيين فقد لجأت الحكومة التركية المرتدة، إلى التفاوض مع الصليبيين الروس، وإقناعهم بالموافقة على التقدم في ريفي حلب الشمالي والشرقي، مع ضمانات بأن يكون هذا التقدم موجها فقط للحرب على الدولة الإسلامية، وأن لا يمس بأي شكل كان النظام النصيري وحلفاءه من الروافض وغيرهم.
• أهمية المشروع لتركيا
وقد أكثر الطاغوت أردوغان وأعضاء حكومته المرتدون من الحديث عن المنطقة العازلة بصفتها وسيلة لمنع قيام الدولة الكردية التي يطمح لها حزب الـ PKK العلماني الكافر، وذلك من خلال السيطرة على المنطقة الممتدة بين جرابلس وإعزاز بعمق أكثر من 50 كم، فتمنع اتصال المناطق التي يسيطر عليها مقاتلو الـ PKK المرتدون شرق الفرات وغربه. ولتشكل هذه المنطقة أيضا حاجزا يحول دون وصول مجاهدي الدولة الإسلامية إلى أراضيها.
ولكن من يمعن النظر في الواقع على الخريطة، ومجريات الأحداث السياسية في ساحتي تركيا والشام يعرف أن أهمية هذه المنطقة للحكومة التركية المرتدة تتعدى بكثير قضية تدمير مشروع الدولة الكردية رغم أهميتها.
فسيطرة الجيش التركي على جزء من أرض الشام سيعني امتلاك وسيلة ضغط كبيرة على النظام النصيري في المستقبل تتجاوز أهمية امتلاك ناصية الكثير من فصائل الصحوات المرتدة، ما يعني الحصول على مكاسب كبيرة لقاء الانسحاب من هذه المنطقة في المستقبل مهما كان شكل الحكومة الطاغوتية التي سيستقر لها الأمر في دمشق.
وكذلك فإن امتلاك تركيا للسيادة الجزئية على هذه المنطقة، بتوفير غطاء جوي روسي أو أمريكي يمنع قصف النظام النصيري لها، سيساعد تركيا على التخلص مستقبلا من أعداد كبيرة من اللاجئين غير المرغوب بهم (المزعجين أو قليلي الفائدة بالنسبة لها) عن طريق فتح مخيمات لجوء لهم في هذه المنطقة، وبالتالي التخلص من التكاليف الكبيرة التي يشكلونها على الاقتصاد التركي المتراجع.
هذا عدا عن تجنيد المقاتلين في هذه المخيمات لصالح المشاريع المستقبلية للجيش التركي في الشام، فإذا كانت إيران قد امتلكت ناصية الميليشيات الرافضية في إطار (الحشد الرافضي)، واستخدمتها في تحقيق أهدافها، فإن تركيا بات بإمكانها أن تتحدث عن (حشد الصحوات) الذي ستستخدمه في خدمة مصالحها في الشام والمنطقة.
• المنطقة العازلة المقبولة
مع كل اتفاق هدنة بين النظام النصيري والصحوات المرتدين يشرف عليه الصليبيون الروس، يتكلم المسؤولون الروس عن ضرورة عزل «المعارضة المعتدلة» عن «المتشددين»، رغم علمهم بالتحالف المتين بين فصائل الصحوات المرتدة سواء منها التي تعلن العلمانية الصريحة أو التي تدّعي تحكيم «الشريعة»، وذلك من أجل أن تستهدف القاصفات الروسية «المتشددين» الرافضين للمفاوضات مع النظام النصيري، دون «المعتدلين» الذين قبلوا بها، وفوَّضوا «هيئة المفاوضات» التي يقودها رئيس وزراء النظام النصيري الأسبق المرتد (رياض حجاب).
ولكن هذا الأمر لم يكن ممكنا بسبب الاختلاط الكبير بين نوعي الصحوات، الموافقين على المفاوضات والرافضين لها، وبسبب عجز «المعتدلين» عن إخراج الآخرين من بينهم، والذي تجلى بأوضح صورة في مدينة حلب قبل سقوطها الكامل بيد الجيش النصيري، حتى عرض الطاغوت أردوغان صيغة مقبولة من قبل الصحوات المرتدين لهذا العزل، تؤمن له في الوقت نفسه الإذن (الروسي-النصيري) بإنشاء «المنطقة العازلة»، بحيث تؤدي هذه المنطقة دور عزل الصحوات «المعتدلة» عن الصحوات «المتشدّدة»، لتتخلى الصحوات «المعتدلة» عن قتال النظام النصيري، وتتفرغ لقتال الدولة الإسلامية فقط، وستكون محميّة من القصف النصيري والروسي طالما التزمت بهذا الأمر.
• المشروع (الروسي – التركي)
بعد الانتهاء من تسليم مدينة حلب للنظام النصيري من قبل فصائل الصحوات بناء على الاتفاق المبرم بين روسيا وتركيا، تم تطوير مشروع (روسي-تركي) جديد لتعميم تجربة مدينة حلب على ما تبقى بأيدي الصحوات من أرض الشام، وذلك بناء على اتفاق سلام بين الصحوات والنظام النصيري، يقوم على ثلاث محاور أساسية:
الأول: هو وقف لإطلاق النار بين الطرفين في كل مناطق الشام.
والثاني: إنشاء حكومة شراكة بين النظام النصيري والمرتدين في فصائل الصحوات المسلحة والمعارضة السياسية، على أسس (العلمانية، والديموقراطية، وتمثيل المكونات)، تكون فيها اليد العليا للنصيريين من جديد، والعمل على إدماج مقاتلي الصحوات ضمن الجيش النصيري.
والثالث: هو أن ينحصر القتال في النهاية ضد الدولة الإسلامية فقط.
وعليه يكون موقع المنطقة العازلة ضمن هذا الاتفاق هو أن تكون من أول المناطق التي يتم تطبيق وقف إطلاق النار فيها رسميا، بعد أن طُبِّق فيها واقعيا لعدة شهور (منذ انطلاق عملية «درع الفرات» التركية)، فتكون هذه المنطقة مأوى لكل الفصائل والتنظيمات التي تدخل في إطار المشروع (الروسي-التركي) بحيث ينتقلون إليها بسلاحهم وعتادهم وأهاليهم ومقراتهم، وتبقى إدلب مأوى لكل الفصائل المرتدين خارج اتفاق السلام مع النظام النصيري، بحيث تَصب عليهم الطائرات الروسية والنصيرية حمم القصف الجوي، وتضيق عليهم الميليشيات الرافضية الخناق على الأرض، بحيث لا يبقى أمام من يريد الخروج من ذلك الجحيم سوى أن يسلِّم نفسه للجيش النصيري، وينضم إليه، أو يدخل إلى تركيا عبر المعابر الرسمية، ليُنقل إلى المنطقة العازلة وينضم إلى جيش الصحوات «المعتدلة» لقتال الدولة الإسلامية، بعيدا عن أي جبهة قتال ضد الجيش النصيري.
ويستمر هذا المشروع حتى إتمام الجيش النصيري السيطرة على مناطق إدلب والساحل وريف حماة الشمالي، بعد أن يكون قد أفرغ فيهما ما تبقى من مقاتلي الصحوات المرتدين القادمين من جيوب حمص ودمشق والقلمون وربما درعا أيضا، بحيث تكون علامة قبول أي مرتد من عناصر الصحوات باتفاق السلام مع النصيرية، إما الدخول في صفوف الجيش النصيري، أو الدخول في جيش الصحوات «المعتدلة» ضمن المنطقة العازلة، خاصة إذا زال خيار الجلوس في تركيا، بعد أن تنقل الحكومة التركية المرتدة كلَّ مخيمات اللاجئين إلى داخل المنطقة العازلة.
وفي هذه الأثناء يتم الاتفاق على ضم فصائل «المنطقة العازلة» إلى الجيش النصيري على شكل كتائب شبيهة بفصائل «الجيش الشعبي»، أو إدماجها ضمن أجهزة الشرطة، لكون وزارة الداخلية في حكومة الشراكة ستكون من حصة المعارضة المرتدة في الغالب، وبهذا يتم توحيد الجهد تماما لقتال الدولة الإسلامية.
• على خطى صحوات العراق
مع أول بادرة لخروج الصحوات في الشام، حذَّرت الدولة الإسلامية المرتدين بأنهم يسيرون على طريق إخوانهم في صحوات العراق حذو القذة بالقذة، وأنهم سيلاقون المصير الأسود الذي لقيه أسلافهم من قبل.
فلا الدولة الإسلامية ستتركهم، ولا الصليبيون والطواغيت سيفون لهم بوعودهم، ولا النصيرية والرافضة سيعطونهم ما يتمنون، بل سيستمر جنود الخلافة في جز رقابهم، وسيعمل الروافض والنصيريون على تفكيكهم وإضعافهم وإخضاعهم، ومن تمرّد فلا صعوبة للروافض والنصيرية في فتح ملفاته القديمة، أو محاكمته على تهم جديدة، وسيتركهم الصليبيون والطواغيت فور انتهاء الحاجة منهم، فلا ينجو منهم إلا من صار لاجئا في إحدى دول المنطقة، كما حدث مع المرتدين من قادة صحوات العراق.
وستزول الصحوات، وتعود الدولة الإسلامية -بإذن الله- إلى كل المناطق التي انحازت عنها في شمال الشام، وستدخل جحافل جنودها أرض تركيا، لتجعل منها ولايات جديدة، يُقام فيها شرع الله، وتُزال منها أصنام أتاتورك، وأوثان الديموقراطية والعلمانية والصوفية والإخوان المرتدين، وما ذلك على الله بعزيز.
المصدر: صحيفة النبأ - العدد 62
الخميس 6 ربيع الثاني 1438 هـ ...المزيد
صحيفة النبأ العدد 485 المقال الافتتاحي: موقعة المكتب البيضاوي لم تتسع كل مسارات الدبلوماسية ...
صحيفة النبأ العدد 485
المقال الافتتاحي:
موقعة المكتب البيضاوي
لم تتسع كل مسارات الدبلوماسية لاحتواء خلاف الحليفين الأمريكي والأوكراني حتى انفجر على الهواء مباشرة وسط المكتب البيضاوي الذي لطالما تآمروا واجتمعوا فيه على حربنا، إنه انقسام كبير في المعسكر الصليبي هو الأبرز في عصرنا، لكنه ليس جديدا ولا غريبا على التركيبة الصليبية طوال تاريخها الأسود.
وسريعا امتدت الأزمة الصليبية خارج المكتب البيضاوي لتشمل أوروبا بأسرها التي سارعت إلى عقد قمة أوروبية استثنائية في "لحظة لا تتكرر إلا مرة كل جيل" كما وصفوها بأنفسهم، هذه القمة لم تنعقد لبحث خطر الدولة الإسلامية وهجماتها العالمية! وإنما لبحث سُبل دعم أوكرانيا بعد موقف "العم سام" الذي جنح للسلم حاليا مع روسيا على حساب علاقته التاريخية بأوروبا العجوز، سعيًا منه للتفرغ لأزماته الخاصة وانكفاءً على ذاته تحت شعار "أمريكا أولا".
موقعة المكتب البيضاوي، تعكس حجم الضغط الذي تعيشه الإدارة الأمريكية بفعل أزماتها الداخلية وصراعها المتصاعد مع الصين الشيوعية، فترامب ومساعدوه أرادوا أن يعلّموا أوروبا -بالطريقة الصعبة- أنها أمام واقع جديد لن تجني فيه خدمات أمريكية مجانية! أو أي خدمات لا تكون فيها مصالح أمريكا أولا، كما تعكس الموقعة الصاخبة حجم الورطة الأمريكية الأوروبية جراء استمرار الحرب الأوكرانية التي غدت مصدر استنزاف عسكري واقتصادي كبير للطرفين خلافا لما أمّلوه منها، حيث أرادوا أن تكون أوكرانيا كبش الفداء الذي سيجنّبهم المذبحة الصليبية على أراضيهم، لكن يبدو أن آمالهم خابت.
قبل موقعة المكتب البيضاوي، كانت أوروبا قد بدأت بالفعل زيادة الإنفاق على قدراتها الدفاعية، لتحكّ جلدها بظفرها، بعد انشغال المخالب الأمريكية بجلدها المتورم من الحساسيّة الصينيّة! وقبلها "التهديدات الإرهابية"، والآن أوروبا -أو بعض أقطابها- يرون أنه لا مناص من التسلُّح بحثا عن "الأمن" الذي لم تعد أمريكا قادرة أو راغبة في توفيره لهم.
زيادة الإنفاق الدفاعي والتسلُّح الأوروبي المكلف، يعني أنّ على القارة العجوز الاستعداد لموجات من التقشف والتخلي عن الكثير من الرفاهية، فهم مقبلون على عصر جديد عليهم أن يختاروا فيه بين "الأمن" و "الرفاهية" في ظل الانقسام الصليبي الكبير، فهل سيحتمل المجتمع الصليبي ذلك؟
والأهم بالنسبة إلينا، أنّ الاستقلال الدفاعي الأوروبي عن أمريكا يضع مصير "حلف الناتو" على المحك، وهو ما دفع العديد من الصحف الصليبية العالمية للتساؤل عن مستقبل "الناتو" في ظل هذا الانقسام في المعسكر الأمريكي الأوروبي، وبالتالي مدى تأثير ذلك على التحالف الدولي الصليبي لمحاربة الدولة الإسلامية التي ما زالت هجمات أسودها تصل إلى أوروبا وأمريكا.
أضف إلى ذلك، أنّ الموقف الأوروبي غير مجمع بالكامل على دعم أوكرانيا عسكريا خلافا للرغبة الأمريكية؛ ما يعني أنّ شبح الانقسام يهدد "الاتحاد الأوروبي" الذي يترنح في السير على حبال الوصل بين "البيت الأوروبي" و "البيت الأبيض" ويبدو أنّ عليه هو الآخر الاختيار بينهما في مرحلة ما.
العسكرة الأوروبية التي تراها أوروبا ضرورة أمنية لها، تقرؤها روسيا أنها محاولة لإشعال نار الحرب كما صرح بذلك العديد من المسؤولين الروس، أي أنّ طبول الحرب تقرع في أوروبا لأول مرة بعد سنوات من محاولة توريط أوكرانيا وحدها بذلك، وهو ما دفع وزير خارجية فرنسا للقول "إن خط الجبهة يقترب منا أكثر من أي وقت مضى".
كل ما سبق يمهد لتفكك النظام الدولي الأمريكي - الأوروبي وفقدان القبضة المركزية وصولا إلى نشوء تحالفات وكيانات جديدة على قاعدة؛ أنّ الكل لديه خططه وأطماعه الخاصة، ما يعني العودة إلى عصر الحروب التي اجتهد الصليبيون في إبعادها عن أراضيهم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، إنها لمحة بسيطة عن مستقبل الانقسام الصليبي المتصاعد وهو مصداق قوله تعالى فيهم: {فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ}.
في البعد المنهجي، يعد الخناق في المكتب البيضاوي هو الصورة الحقيقية للسياسة الجاهلية التي افتتن بها الجهاديون النُّكّث بعد أن طال عليهم الأمد في أواخر عهدهم واستمرأوا الارتكاس في دركاتها واستمروا يصفونها -كذبا- بالشرعية، وزيّن لهم الشيطان أنّ فيها الخلاص من ضريبة التوحيد الخالص التي يدفعها الربيون طوعا منذ عهد النبوة وإلى يومنا هذا.
وفيه إشارة إلى الذين لاذوا بالمجتمع الدولي في زمن أفول نجمه وتصدُّع بنيانه، ونعني بذلك الحركات والتنظيمات المرتدة التي تظن أنها من الحنكة والخبرة السياسية بمكان؛ يبلّغها كسب العون والمدد الأمريكي بتقديم معونة أو رفع عقوبة، في الوقت الذي تقطع أمريكا معوناتها عن حلفائها الصليبيين وتلوح بعقوبات عليهم، فهل تتسع "الأسرة الدولية" لمرتدة العرب وهي قد ضاقت على أبنائها الإفرنج الخلّص؟ وماذا عسى أن يكون مصير المسخ "جولانسكي" وهو يرى "زيلينسكي" يوبَّخ ويُهان في عقر دار المجتمع الدولي الذي يناغيه ويستجديه الجهاديون النُّكّث من مالي إلى دمشق بعد أن زلقت أقدامهم في الطين!
ومن المفارقات العادلة أنّ هذا الانقسام في المعسكر الدولي الصليبي سينعكس سلبا وخرابا على هؤلاء الذين بنوا حكوماتهم ومشاريعهم بالاتكاء عليه والتعلق بأستاره ورهنوا مصيرهم بمصيره، بينما سيجني ثمار خرابه من كانوا وما زالوا شوكة في حلقه يجمع لحربهم "تحالفا عالميا" بات مستقبله مرهونا بهذا "الانقسام الصليبي الخلاق"، ولذلك يتحتم على أجناد وأنصار الخلافة وجوب استغلال هذا الانقسام والاستعداد له من الآن.
تاريخيا، نذكّر بأنّ التفرق والتشرذم هو الأصل لدى الصليبيين، فهم مختلفون في كل شيء حتى في إلههم المفترى!، وإنّ انقسام وتفكك الحملات الصليبية المعاصرة شبيه بما أصاب سابقاتها الغابرة، فالعداوة والبغضاء والأطماع الخاصة لكل حلف ودولة بدأت تطغى على المشهد الصليبي، كلٌّ يصرخ نفسي نفسي!، يقابل ذلك ثبات الربانيين على توحيدهم وجهادهم الذي لم يتوقف، وهو ما فاقم من معاناة الدول الصليبية رغم تركيزها وانشغالها به، فكيف لو انشغلت بنفسها عنه؟!
ختاما، ليتأمل المجاهد الموقن بوعد مولاه، كيف أنّ تحالفاتهم ومؤتمراتهم التي كانوا يعقدونها لحرب الدولة الإسلامية، قد انقلبت ودارت الدائرة عليهم، فباتوا يعقدونها لبحث انقساماتهم وحروبهم الداخلية التي ما زالت في بداياتها، فاللهم خالف بين قلوبهم وأدر دائرة السوء عليهم.
صحيفة النبأ – العدد 485
السنة السادسة عشرة - الخميس 6 رمضان 1446 هـ
المقال الافتتاحي:
موقعة المكتب البيضاوي
* لقراءة الصحيفة كاملة، تواصل - تيليغرام:
@wmc111at ...المزيد
المقال الافتتاحي:
موقعة المكتب البيضاوي
لم تتسع كل مسارات الدبلوماسية لاحتواء خلاف الحليفين الأمريكي والأوكراني حتى انفجر على الهواء مباشرة وسط المكتب البيضاوي الذي لطالما تآمروا واجتمعوا فيه على حربنا، إنه انقسام كبير في المعسكر الصليبي هو الأبرز في عصرنا، لكنه ليس جديدا ولا غريبا على التركيبة الصليبية طوال تاريخها الأسود.
وسريعا امتدت الأزمة الصليبية خارج المكتب البيضاوي لتشمل أوروبا بأسرها التي سارعت إلى عقد قمة أوروبية استثنائية في "لحظة لا تتكرر إلا مرة كل جيل" كما وصفوها بأنفسهم، هذه القمة لم تنعقد لبحث خطر الدولة الإسلامية وهجماتها العالمية! وإنما لبحث سُبل دعم أوكرانيا بعد موقف "العم سام" الذي جنح للسلم حاليا مع روسيا على حساب علاقته التاريخية بأوروبا العجوز، سعيًا منه للتفرغ لأزماته الخاصة وانكفاءً على ذاته تحت شعار "أمريكا أولا".
موقعة المكتب البيضاوي، تعكس حجم الضغط الذي تعيشه الإدارة الأمريكية بفعل أزماتها الداخلية وصراعها المتصاعد مع الصين الشيوعية، فترامب ومساعدوه أرادوا أن يعلّموا أوروبا -بالطريقة الصعبة- أنها أمام واقع جديد لن تجني فيه خدمات أمريكية مجانية! أو أي خدمات لا تكون فيها مصالح أمريكا أولا، كما تعكس الموقعة الصاخبة حجم الورطة الأمريكية الأوروبية جراء استمرار الحرب الأوكرانية التي غدت مصدر استنزاف عسكري واقتصادي كبير للطرفين خلافا لما أمّلوه منها، حيث أرادوا أن تكون أوكرانيا كبش الفداء الذي سيجنّبهم المذبحة الصليبية على أراضيهم، لكن يبدو أن آمالهم خابت.
قبل موقعة المكتب البيضاوي، كانت أوروبا قد بدأت بالفعل زيادة الإنفاق على قدراتها الدفاعية، لتحكّ جلدها بظفرها، بعد انشغال المخالب الأمريكية بجلدها المتورم من الحساسيّة الصينيّة! وقبلها "التهديدات الإرهابية"، والآن أوروبا -أو بعض أقطابها- يرون أنه لا مناص من التسلُّح بحثا عن "الأمن" الذي لم تعد أمريكا قادرة أو راغبة في توفيره لهم.
زيادة الإنفاق الدفاعي والتسلُّح الأوروبي المكلف، يعني أنّ على القارة العجوز الاستعداد لموجات من التقشف والتخلي عن الكثير من الرفاهية، فهم مقبلون على عصر جديد عليهم أن يختاروا فيه بين "الأمن" و "الرفاهية" في ظل الانقسام الصليبي الكبير، فهل سيحتمل المجتمع الصليبي ذلك؟
والأهم بالنسبة إلينا، أنّ الاستقلال الدفاعي الأوروبي عن أمريكا يضع مصير "حلف الناتو" على المحك، وهو ما دفع العديد من الصحف الصليبية العالمية للتساؤل عن مستقبل "الناتو" في ظل هذا الانقسام في المعسكر الأمريكي الأوروبي، وبالتالي مدى تأثير ذلك على التحالف الدولي الصليبي لمحاربة الدولة الإسلامية التي ما زالت هجمات أسودها تصل إلى أوروبا وأمريكا.
أضف إلى ذلك، أنّ الموقف الأوروبي غير مجمع بالكامل على دعم أوكرانيا عسكريا خلافا للرغبة الأمريكية؛ ما يعني أنّ شبح الانقسام يهدد "الاتحاد الأوروبي" الذي يترنح في السير على حبال الوصل بين "البيت الأوروبي" و "البيت الأبيض" ويبدو أنّ عليه هو الآخر الاختيار بينهما في مرحلة ما.
العسكرة الأوروبية التي تراها أوروبا ضرورة أمنية لها، تقرؤها روسيا أنها محاولة لإشعال نار الحرب كما صرح بذلك العديد من المسؤولين الروس، أي أنّ طبول الحرب تقرع في أوروبا لأول مرة بعد سنوات من محاولة توريط أوكرانيا وحدها بذلك، وهو ما دفع وزير خارجية فرنسا للقول "إن خط الجبهة يقترب منا أكثر من أي وقت مضى".
كل ما سبق يمهد لتفكك النظام الدولي الأمريكي - الأوروبي وفقدان القبضة المركزية وصولا إلى نشوء تحالفات وكيانات جديدة على قاعدة؛ أنّ الكل لديه خططه وأطماعه الخاصة، ما يعني العودة إلى عصر الحروب التي اجتهد الصليبيون في إبعادها عن أراضيهم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، إنها لمحة بسيطة عن مستقبل الانقسام الصليبي المتصاعد وهو مصداق قوله تعالى فيهم: {فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ}.
في البعد المنهجي، يعد الخناق في المكتب البيضاوي هو الصورة الحقيقية للسياسة الجاهلية التي افتتن بها الجهاديون النُّكّث بعد أن طال عليهم الأمد في أواخر عهدهم واستمرأوا الارتكاس في دركاتها واستمروا يصفونها -كذبا- بالشرعية، وزيّن لهم الشيطان أنّ فيها الخلاص من ضريبة التوحيد الخالص التي يدفعها الربيون طوعا منذ عهد النبوة وإلى يومنا هذا.
وفيه إشارة إلى الذين لاذوا بالمجتمع الدولي في زمن أفول نجمه وتصدُّع بنيانه، ونعني بذلك الحركات والتنظيمات المرتدة التي تظن أنها من الحنكة والخبرة السياسية بمكان؛ يبلّغها كسب العون والمدد الأمريكي بتقديم معونة أو رفع عقوبة، في الوقت الذي تقطع أمريكا معوناتها عن حلفائها الصليبيين وتلوح بعقوبات عليهم، فهل تتسع "الأسرة الدولية" لمرتدة العرب وهي قد ضاقت على أبنائها الإفرنج الخلّص؟ وماذا عسى أن يكون مصير المسخ "جولانسكي" وهو يرى "زيلينسكي" يوبَّخ ويُهان في عقر دار المجتمع الدولي الذي يناغيه ويستجديه الجهاديون النُّكّث من مالي إلى دمشق بعد أن زلقت أقدامهم في الطين!
ومن المفارقات العادلة أنّ هذا الانقسام في المعسكر الدولي الصليبي سينعكس سلبا وخرابا على هؤلاء الذين بنوا حكوماتهم ومشاريعهم بالاتكاء عليه والتعلق بأستاره ورهنوا مصيرهم بمصيره، بينما سيجني ثمار خرابه من كانوا وما زالوا شوكة في حلقه يجمع لحربهم "تحالفا عالميا" بات مستقبله مرهونا بهذا "الانقسام الصليبي الخلاق"، ولذلك يتحتم على أجناد وأنصار الخلافة وجوب استغلال هذا الانقسام والاستعداد له من الآن.
تاريخيا، نذكّر بأنّ التفرق والتشرذم هو الأصل لدى الصليبيين، فهم مختلفون في كل شيء حتى في إلههم المفترى!، وإنّ انقسام وتفكك الحملات الصليبية المعاصرة شبيه بما أصاب سابقاتها الغابرة، فالعداوة والبغضاء والأطماع الخاصة لكل حلف ودولة بدأت تطغى على المشهد الصليبي، كلٌّ يصرخ نفسي نفسي!، يقابل ذلك ثبات الربانيين على توحيدهم وجهادهم الذي لم يتوقف، وهو ما فاقم من معاناة الدول الصليبية رغم تركيزها وانشغالها به، فكيف لو انشغلت بنفسها عنه؟!
ختاما، ليتأمل المجاهد الموقن بوعد مولاه، كيف أنّ تحالفاتهم ومؤتمراتهم التي كانوا يعقدونها لحرب الدولة الإسلامية، قد انقلبت ودارت الدائرة عليهم، فباتوا يعقدونها لبحث انقساماتهم وحروبهم الداخلية التي ما زالت في بداياتها، فاللهم خالف بين قلوبهم وأدر دائرة السوء عليهم.
صحيفة النبأ – العدد 485
السنة السادسة عشرة - الخميس 6 رمضان 1446 هـ
المقال الافتتاحي:
موقعة المكتب البيضاوي
* لقراءة الصحيفة كاملة، تواصل - تيليغرام:
@wmc111at ...المزيد
صحيفة النبأ العدد 484 المقال الافتتاحي: سبيل العزة تقرر في شريعة ربنا أنّ العزة لله جميعا، ...
صحيفة النبأ العدد 484
المقال الافتتاحي:
سبيل العزة
تقرر في شريعة ربنا أنّ العزة لله جميعا، فمن كان باحثا عن العزة طالبا لها، فليلزم سبيل العبودية لله وليسلك صراطه المستقيم فهو سبيل العزة في الدنيا والآخرة، وهو وحده -سبحانه- يعز من يشاء ويذل من يشاء، ولا يملك أحد من الخلق ذلك ولو ملك كل أسباب القوة المادية، ولو فاق قارون مُلكًا وفرعون طغيانًا.
وفي تاريخنا المجيد، نجد أنه لمّا تمسك سلفنا الأوائل بدين الله سبحانه، وسلكوا سبيله؛ عزّوا وعزّ شأنهم ودانت لهم الأمم، في حين لما تخلّف المتخلّفون عن سبيل الله تعالى، وسلكوا سبل الغواية والجاهلية؛ ذلوا وتجرأت عليهم الأمم.
وقد دلنا الله تعالى في كتابه على طريق نيل العزة فقال عز وجل: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}، والمعنى كما بيّنه الإمام ابن كثير في تفسيره: "أي: من كان يحب أن يكون عزيزا في الدنيا والآخرة، فليلزم طاعة الله، فإنه يحصل له مقصوده؛ لأن الله مالك الدنيا والآخرة، وله العزة جميعها"، فدلّ ذلك على أن طاعة الله تعالى والاستسلام له، هو سبيل العزة لا سبيل غيره مهما تعددت السبل وافترقت الملل والنحل.
ولا يتصور عاقل البتة أنْ يبتغي المرء العزة بعيدا عن جناب الله تعالى، مفارقا عتبة العبودية له؛ منطرحا على عتبات الطواغيت طوّافا على محافلهم وقصورهم كما يفعل اليوم كثير من الهيئات والأحزاب المرتدة! اللاهثة خلف سراب المكاسب وفتات المناصب تحت أجنحة "النظام الدولي" الكافر! وقد جلّى لنا الله في كتابه حال هؤلاء فقال: {الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا}، وما أجود ما ساقه ابن كثير في معرض تفسيره للآية فقال: "والمقصود من هذا، التهييج على طلب العزة من جناب الله، والالتجاء إلى عبوديته، والانتظام في جملة عباده المؤمنين الذين لهم النصرة في هذه الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد".
فعُلم بذلك أن موالاة الكافرين من اليهود والنصارى وأذنابهم المرتدين ومداهنتهم وركوب مراكبهم، بحثا عن السلامة والمصالح المتوهمة؛ سراب بقيعة لن يجني أصحابه غير المهانة والمذلة، عقابا لهم بخلاف مرادهم، والجزاء من جنس العمل.
كما قضى سبحانه أنّ العزة والمهابة هي في الإيمان بالله تعالى وما اتصل به من موالاة المؤمنين السائرين على منهاج النبوة قولا وعملا، ومحبتهم وتأييدهم وتكثير سوادهم فلهم العزة بنص القرآن الكريم، فقال عز وجل: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ}، وكما روي عن عمر بن الخطاب قوله لأبي عبيدة بن الجراح: "إنَّا كنَّا أذَلَّ قومٍ، فأعزَّنا اللَّهُ بالإسلامِ، فمهما نطلُبِ العِزَّةَ بغيرِ ما أعزَّنا اللَّهُ به، أذلَّنا اللَّهُ" [رواه الحاكم وصححه].
فالمسلم عزيز باتباعه دين الله، وسلوكه نهج نبيه -صلى الله عليه وسلم-، ومن ثمار هذه العزة أنك تجد المسلم مقداما شجاعا يقول الحق ولا يخشى في الله لومة لائم، يتقدم ولا يحجم، ولا يعمل حسابا لغير الله تعالى، لأنه يعلم أن الله عزيز مغالب عزّ على كل شيء فغلبه وقهره، فبات وما في قلبه إلا خوف العزيز القهار فاكتسب بذلك عزة ومهابة ظهرت على جوارحه حتى هابه أعداؤه ولو كان وحده، فلا يقتحمون عليه عرينه إلا بغطاء الطائرات وأرتال الآليات، كما نراهم في حملاتهم المكوكية على أجناد الخلافة شرقا وغربا يحشدون المئات لاقتحام كهف غائر في جبل أو خيمة في فلاة في أقصى الأرض.
والمؤمن العزيز بالله المستعين به تعالى، يقدم على الموت في سبيل الله تعالى إنْ كان في الموت سلامة توحيده ونصرة شريعته، كما حدث مع سحرة فرعون بعد إيمانهم واعتزازهم بدينهم، وكيف حوّل الإيمان بالقوي العزيز حالهم من عبدة لفرعون أذلاء إلى مؤمنين لله أعزاء، فلم يعبأوا بتهديده ووعيده ومضوا إلى ربهم يرجون لقاءه وهم يرون مصارعهم ودنوّ آجالهم، بعد أن قالوا لفرعون في صورة فريدة لثبات المؤمن المعتز بدينه: {قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ}، ولسان حالهم: كفرنا بك ولم نعد نبالي بما تفعله بنا، بعد أن لامس الإيمان شغاف قلوبنا وصحّ توحيدنا وارتشفنا لأول مرة طعم الاعتزاز بالله وعذوبة طاعته، وهكذا يفعل التوحيد الخالص بأصحابه، يعز شأنهم ويعلي ذكرهم ويحسن خاتمتهم ويجرّؤهم على تقحُّم الأخطار طلبا للأمن يوم العرض الأكبر.
وفي زماننا هذا الذي نعيشه تتكرر القصة بين الثلة المؤمنة، والطواغيت الكفرة الفجرة، وقد تكالبت أمم الكفر على الإسلام وأهله، وعاد الإسلام غريبا كما بدأ، وعاد القائمون بأمره المستمسكون به غرباء في الأرض بعد أن حملوا راية الإسلام صافية ورفضوا الالتقاء مع أعدائه في منتصف الطريق، ووقفوا في وجه طواغيت العصر وفراعنته، وكفروا بهم وجاهروا بعداوتهم وبغضهم تحقيقا لملة إبراهيم عليه السلام، وجاهدوا في سبيل الله تعالى كل من رام صرفهم عن غايتهم بتعبيد الناس لخالقهم سبحانه، وأن لا يحكم في الأرض بغير شرعه.
فجمع الطواغيت لحربهم كل أحلافهم وأوباشهم من الصليبيين واليهود والمنافقين، وأتوا بجيوشهم الكافرة عبر البر والبحر والجو، يريدون ما أراده فراعنة الأمس من حرب التوحيد وطمس دعوته، فثبت لهم أجناد الإسلام ثبات الجبال ولم يعطوا الدنية في دينهم، وقاتلوا في سبيل الله -نحسبهم ولا نزكيهم-، وبذلوا الغالي والنفيس وما ضرهم ما يصيبهم لمّا علموا أنه إلى الله المنقلب، وكانت تضحياتهم نورا أضاءت طريق إخوانهم من بعدهم، وأحيا الله بها أجيالا من شباب الإسلام لا يعدلون بالتوحيد مصلحة، ولا يرون غير الشريعة غاية، ولم يُضع الله تعالى إيمانهم وتضحياتهم وقد استعانوا بالملك العزيز ولاذوا بجنابه، ورفضوا الالتجاء إلى غيره سبحانه، والاعتصام بغير حبله، فكانوا أعزة في حياتهم ومماتهم، وعلى ذلك فليواصل إخوانهم الطريق مِن بعدهم، حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.
• المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 484
السنة السادسة عشرة - الخميس 28 شعبان 1446 هـ
• لقراءة الصحيفة، تواصل - تيليغرام:
@wmc111at ...المزيد
المقال الافتتاحي:
سبيل العزة
تقرر في شريعة ربنا أنّ العزة لله جميعا، فمن كان باحثا عن العزة طالبا لها، فليلزم سبيل العبودية لله وليسلك صراطه المستقيم فهو سبيل العزة في الدنيا والآخرة، وهو وحده -سبحانه- يعز من يشاء ويذل من يشاء، ولا يملك أحد من الخلق ذلك ولو ملك كل أسباب القوة المادية، ولو فاق قارون مُلكًا وفرعون طغيانًا.
وفي تاريخنا المجيد، نجد أنه لمّا تمسك سلفنا الأوائل بدين الله سبحانه، وسلكوا سبيله؛ عزّوا وعزّ شأنهم ودانت لهم الأمم، في حين لما تخلّف المتخلّفون عن سبيل الله تعالى، وسلكوا سبل الغواية والجاهلية؛ ذلوا وتجرأت عليهم الأمم.
وقد دلنا الله تعالى في كتابه على طريق نيل العزة فقال عز وجل: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}، والمعنى كما بيّنه الإمام ابن كثير في تفسيره: "أي: من كان يحب أن يكون عزيزا في الدنيا والآخرة، فليلزم طاعة الله، فإنه يحصل له مقصوده؛ لأن الله مالك الدنيا والآخرة، وله العزة جميعها"، فدلّ ذلك على أن طاعة الله تعالى والاستسلام له، هو سبيل العزة لا سبيل غيره مهما تعددت السبل وافترقت الملل والنحل.
ولا يتصور عاقل البتة أنْ يبتغي المرء العزة بعيدا عن جناب الله تعالى، مفارقا عتبة العبودية له؛ منطرحا على عتبات الطواغيت طوّافا على محافلهم وقصورهم كما يفعل اليوم كثير من الهيئات والأحزاب المرتدة! اللاهثة خلف سراب المكاسب وفتات المناصب تحت أجنحة "النظام الدولي" الكافر! وقد جلّى لنا الله في كتابه حال هؤلاء فقال: {الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا}، وما أجود ما ساقه ابن كثير في معرض تفسيره للآية فقال: "والمقصود من هذا، التهييج على طلب العزة من جناب الله، والالتجاء إلى عبوديته، والانتظام في جملة عباده المؤمنين الذين لهم النصرة في هذه الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد".
فعُلم بذلك أن موالاة الكافرين من اليهود والنصارى وأذنابهم المرتدين ومداهنتهم وركوب مراكبهم، بحثا عن السلامة والمصالح المتوهمة؛ سراب بقيعة لن يجني أصحابه غير المهانة والمذلة، عقابا لهم بخلاف مرادهم، والجزاء من جنس العمل.
كما قضى سبحانه أنّ العزة والمهابة هي في الإيمان بالله تعالى وما اتصل به من موالاة المؤمنين السائرين على منهاج النبوة قولا وعملا، ومحبتهم وتأييدهم وتكثير سوادهم فلهم العزة بنص القرآن الكريم، فقال عز وجل: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ}، وكما روي عن عمر بن الخطاب قوله لأبي عبيدة بن الجراح: "إنَّا كنَّا أذَلَّ قومٍ، فأعزَّنا اللَّهُ بالإسلامِ، فمهما نطلُبِ العِزَّةَ بغيرِ ما أعزَّنا اللَّهُ به، أذلَّنا اللَّهُ" [رواه الحاكم وصححه].
فالمسلم عزيز باتباعه دين الله، وسلوكه نهج نبيه -صلى الله عليه وسلم-، ومن ثمار هذه العزة أنك تجد المسلم مقداما شجاعا يقول الحق ولا يخشى في الله لومة لائم، يتقدم ولا يحجم، ولا يعمل حسابا لغير الله تعالى، لأنه يعلم أن الله عزيز مغالب عزّ على كل شيء فغلبه وقهره، فبات وما في قلبه إلا خوف العزيز القهار فاكتسب بذلك عزة ومهابة ظهرت على جوارحه حتى هابه أعداؤه ولو كان وحده، فلا يقتحمون عليه عرينه إلا بغطاء الطائرات وأرتال الآليات، كما نراهم في حملاتهم المكوكية على أجناد الخلافة شرقا وغربا يحشدون المئات لاقتحام كهف غائر في جبل أو خيمة في فلاة في أقصى الأرض.
والمؤمن العزيز بالله المستعين به تعالى، يقدم على الموت في سبيل الله تعالى إنْ كان في الموت سلامة توحيده ونصرة شريعته، كما حدث مع سحرة فرعون بعد إيمانهم واعتزازهم بدينهم، وكيف حوّل الإيمان بالقوي العزيز حالهم من عبدة لفرعون أذلاء إلى مؤمنين لله أعزاء، فلم يعبأوا بتهديده ووعيده ومضوا إلى ربهم يرجون لقاءه وهم يرون مصارعهم ودنوّ آجالهم، بعد أن قالوا لفرعون في صورة فريدة لثبات المؤمن المعتز بدينه: {قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ}، ولسان حالهم: كفرنا بك ولم نعد نبالي بما تفعله بنا، بعد أن لامس الإيمان شغاف قلوبنا وصحّ توحيدنا وارتشفنا لأول مرة طعم الاعتزاز بالله وعذوبة طاعته، وهكذا يفعل التوحيد الخالص بأصحابه، يعز شأنهم ويعلي ذكرهم ويحسن خاتمتهم ويجرّؤهم على تقحُّم الأخطار طلبا للأمن يوم العرض الأكبر.
وفي زماننا هذا الذي نعيشه تتكرر القصة بين الثلة المؤمنة، والطواغيت الكفرة الفجرة، وقد تكالبت أمم الكفر على الإسلام وأهله، وعاد الإسلام غريبا كما بدأ، وعاد القائمون بأمره المستمسكون به غرباء في الأرض بعد أن حملوا راية الإسلام صافية ورفضوا الالتقاء مع أعدائه في منتصف الطريق، ووقفوا في وجه طواغيت العصر وفراعنته، وكفروا بهم وجاهروا بعداوتهم وبغضهم تحقيقا لملة إبراهيم عليه السلام، وجاهدوا في سبيل الله تعالى كل من رام صرفهم عن غايتهم بتعبيد الناس لخالقهم سبحانه، وأن لا يحكم في الأرض بغير شرعه.
فجمع الطواغيت لحربهم كل أحلافهم وأوباشهم من الصليبيين واليهود والمنافقين، وأتوا بجيوشهم الكافرة عبر البر والبحر والجو، يريدون ما أراده فراعنة الأمس من حرب التوحيد وطمس دعوته، فثبت لهم أجناد الإسلام ثبات الجبال ولم يعطوا الدنية في دينهم، وقاتلوا في سبيل الله -نحسبهم ولا نزكيهم-، وبذلوا الغالي والنفيس وما ضرهم ما يصيبهم لمّا علموا أنه إلى الله المنقلب، وكانت تضحياتهم نورا أضاءت طريق إخوانهم من بعدهم، وأحيا الله بها أجيالا من شباب الإسلام لا يعدلون بالتوحيد مصلحة، ولا يرون غير الشريعة غاية، ولم يُضع الله تعالى إيمانهم وتضحياتهم وقد استعانوا بالملك العزيز ولاذوا بجنابه، ورفضوا الالتجاء إلى غيره سبحانه، والاعتصام بغير حبله، فكانوا أعزة في حياتهم ومماتهم، وعلى ذلك فليواصل إخوانهم الطريق مِن بعدهم، حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.
• المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 484
السنة السادسة عشرة - الخميس 28 شعبان 1446 هـ
• لقراءة الصحيفة، تواصل - تيليغرام:
@wmc111at ...المزيد
صحيفة النبأ العدد 60 الافتتاحية: كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ لقد فرّق الله ...
صحيفة النبأ العدد 60
الافتتاحية:
كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ
لقد فرّق الله -تعالى- كلمة صحوات الشام، وشتّت بين قلوبهم، وخالف بين وجوههم، وألقى بأسهم بينهم، حتى ضرب بعضهم رقاب بعض، وذلك بعد أن تولوا عن العمل بما أوجبه قوله سبحانه: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103] من توحيد الله في حكمه والاجتماع تحت إمام واحد يقيم الشريعة فيهم ويحارب الطوائف الكافرة الممتنعة عنها.
ولما علمت بعض صحوات الشام أن أمرهم آل إلى ما آل إليه أمر الصحوات العراقية من ضرب الذل والمسكنة عليهم، أشاعوا خبر سعيهم في اتحادٍ جاهلي بكيان وهمي، يلعن بعضهم فيه بعضا من أجل مصالحهم الشخصية والحزبية، أو كما قال تعالى: {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ} [الحشر: 14].
وهذا التشتت هو جزاء ما اكتسبوه، قال سبحانه: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [المائدة: 14]، وقال: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [المائدة: 64].
فمهما سعوا في التوحّد، ومهما أعلنوا عن تشكيلات، فإن اجتماعهم السرابي سيزول، {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 41]، فموالاتهم بعضهم بعضا في غير الله، واعتصامهم بغير حبله، وقتالهم في غير سبيله يجعلهم أوهن من أن يحفظوا لهم راية أو يمكِّنوا لهم دولة، بعد ادعائهم الإسلام وارتدادهم عنه، بموالاتهم للصليبيين والمرتدين في قتالهم لمن أقام حكم الله في الأرض.
أفلا يعقل قادة صحوات الردّة ويعلمون أن الاعتصام الذي دُعوا إليه هو الاعتصام بدين الإسلام وجماعة المسلمين، لا بمناهج الوطنية والحزبية، لكنهم لا يعرفون شيئا سوى الهوى والتقليد، فمن حقّق هواهم من «علماء» الطواغيت و»منظّري» التجهّم والقعود قلّدوه وضربوا بأقوال من لم يحقّقه عرض الحائط، أما أن يتبعوا ما أنزل الله كما أمر بقوله: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: 3]، وقوله: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115]، فهو ما لا يريدونه.
قال المجدد محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- شارحا بعض أحوالهم: «إنهم متفرقون في دينهم، كما قال تعالى: {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون: 53]، وكذلك في دنياهم، ويرون أن ذلك هو الصواب... وإن مخالفة ولي الأمر وعدم الانقياد له فضيلة [في ظنّهم]، والسمع والطاعة له ذل ومهانة... وإن دينهم مبني على أصول، أعظمها التقليد، فهو القاعدة الكبرى لجميع الكفار أولهم وآخرهم، كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} [الزخرف: 23]» [مسائل الجاهلية بتصرّف يسير].
وقال: «أمر الله بالاجتماع في الدين، ونهى عن التفرق فيه، فبيّن الله هذا بيانا شافيا تفهمه العوام... ثم صار الأمر إلى أن الافتراق في أصول الدين وفروعه هو العلم والفقه في الدين، وصار الأمر بالاجتماع في الدين لا يقوله إلا زنديق أو مجنون... وإن من تمام الاجتماع السمع والطاعة لمن تأمّر علينا، ولو كان عبدا حبشيا، فبيّن الله هذا بيانا شافيا كافيا بوجوه من أنواع البيان شرعا وقدرا، ثم صار هذا الأصل لا يُعرف عند أكثر من يدّعي العلم، فكيف العمل به؟».
وإن توحدهم لأجل مصلحة الاستقواء ببعضهم مع بقاء كل منهم على شركه وردّته لن يزيد في قوتهم شيئا، وإنما سيزيدهم وهنا على وهن بما سيحمله من تمازج بين المختلفين عقديا ومنهجيا، وسيزيد من الصراعات داخل صفوفهم، ومحاولات الغدر ببعضهم، والله لا يهدي القوم الظالمين.
المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 60
الخميس 22 ربيع الأول 1438 هـ
للمزيد _ تواصل - تيليغرام:
@wmc111at ...المزيد
الافتتاحية:
كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ
لقد فرّق الله -تعالى- كلمة صحوات الشام، وشتّت بين قلوبهم، وخالف بين وجوههم، وألقى بأسهم بينهم، حتى ضرب بعضهم رقاب بعض، وذلك بعد أن تولوا عن العمل بما أوجبه قوله سبحانه: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103] من توحيد الله في حكمه والاجتماع تحت إمام واحد يقيم الشريعة فيهم ويحارب الطوائف الكافرة الممتنعة عنها.
ولما علمت بعض صحوات الشام أن أمرهم آل إلى ما آل إليه أمر الصحوات العراقية من ضرب الذل والمسكنة عليهم، أشاعوا خبر سعيهم في اتحادٍ جاهلي بكيان وهمي، يلعن بعضهم فيه بعضا من أجل مصالحهم الشخصية والحزبية، أو كما قال تعالى: {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ} [الحشر: 14].
وهذا التشتت هو جزاء ما اكتسبوه، قال سبحانه: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [المائدة: 14]، وقال: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [المائدة: 64].
فمهما سعوا في التوحّد، ومهما أعلنوا عن تشكيلات، فإن اجتماعهم السرابي سيزول، {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 41]، فموالاتهم بعضهم بعضا في غير الله، واعتصامهم بغير حبله، وقتالهم في غير سبيله يجعلهم أوهن من أن يحفظوا لهم راية أو يمكِّنوا لهم دولة، بعد ادعائهم الإسلام وارتدادهم عنه، بموالاتهم للصليبيين والمرتدين في قتالهم لمن أقام حكم الله في الأرض.
أفلا يعقل قادة صحوات الردّة ويعلمون أن الاعتصام الذي دُعوا إليه هو الاعتصام بدين الإسلام وجماعة المسلمين، لا بمناهج الوطنية والحزبية، لكنهم لا يعرفون شيئا سوى الهوى والتقليد، فمن حقّق هواهم من «علماء» الطواغيت و»منظّري» التجهّم والقعود قلّدوه وضربوا بأقوال من لم يحقّقه عرض الحائط، أما أن يتبعوا ما أنزل الله كما أمر بقوله: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: 3]، وقوله: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115]، فهو ما لا يريدونه.
قال المجدد محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- شارحا بعض أحوالهم: «إنهم متفرقون في دينهم، كما قال تعالى: {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون: 53]، وكذلك في دنياهم، ويرون أن ذلك هو الصواب... وإن مخالفة ولي الأمر وعدم الانقياد له فضيلة [في ظنّهم]، والسمع والطاعة له ذل ومهانة... وإن دينهم مبني على أصول، أعظمها التقليد، فهو القاعدة الكبرى لجميع الكفار أولهم وآخرهم، كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} [الزخرف: 23]» [مسائل الجاهلية بتصرّف يسير].
وقال: «أمر الله بالاجتماع في الدين، ونهى عن التفرق فيه، فبيّن الله هذا بيانا شافيا تفهمه العوام... ثم صار الأمر إلى أن الافتراق في أصول الدين وفروعه هو العلم والفقه في الدين، وصار الأمر بالاجتماع في الدين لا يقوله إلا زنديق أو مجنون... وإن من تمام الاجتماع السمع والطاعة لمن تأمّر علينا، ولو كان عبدا حبشيا، فبيّن الله هذا بيانا شافيا كافيا بوجوه من أنواع البيان شرعا وقدرا، ثم صار هذا الأصل لا يُعرف عند أكثر من يدّعي العلم، فكيف العمل به؟».
وإن توحدهم لأجل مصلحة الاستقواء ببعضهم مع بقاء كل منهم على شركه وردّته لن يزيد في قوتهم شيئا، وإنما سيزيدهم وهنا على وهن بما سيحمله من تمازج بين المختلفين عقديا ومنهجيا، وسيزيد من الصراعات داخل صفوفهم، ومحاولات الغدر ببعضهم، والله لا يهدي القوم الظالمين.
المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 60
الخميس 22 ربيع الأول 1438 هـ
للمزيد _ تواصل - تيليغرام:
@wmc111at ...المزيد
لا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار عن عبد الله بن السعدي -رضي الله عنه- قال: «وفدنا على رسول الله ...
لا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار
عن عبد الله بن السعدي -رضي الله عنه- قال: «وفدنا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فدخل أصحابي فقضى حاجتهم، وكنت آخرهم دخولا، فقال: (حاجتك؟) فقلت: يا رسول الله، متى تنقطع الهجرة؟ [إني تركت مَن خلفي وهم يزعمون أن الهجرة قد انقطعت]؛ قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ([حاجتك خير من حوائجهم]، لا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار)» [رواه أحمد والنسائي وابن حبان].
نعم، لا تنقطع الهجرة ما قوتل العدو من الكفرة والمرتدين، سواء كان القتال في العراق أو الشام، أو كان القتال خارجهما، فإن عصابة من هذه الأمة ستقاتل في سبيل الله حتى ينزل المسيح -عليه السلام- ليَؤُمّها في آخر الملاحم قُبيل قيام الساعة، كما أخبر الصادق المصدوق، صلى الله عليه وسلم.
فمهما سعى عُبّاد الصليب والمرتدون لقطع طريق الهجرة، فإن طرقا ستبقى مفتوحة للمتوكّلين، وحادي المهاجرين إلى ثغور الإسلام هو: {عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ} [القصص: 22]، و{إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الصافات: 99]، و{إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [العنكبوت: 26]، {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} [طه: 84]، فأسوتهم في الهجرة أولو العزم من الرسل -عليهم الصلاة والسلام- ممن أُوذوا في الله ولم يجعلوا عذاب الناس كعذاب الله.
بل عرف المهاجر إلى الله أن طريقه فيه الشدائد والابتلاءات التي تُقرّب العبد إلى مولاه، ومهما تطلب ذلك الطريق من عرق ودم لاجتيازه، فإنه سيجتهد لنيل الحسنى والزيادة، وسيُجاهد عدوّه الأكبر (الشيطان) في طريقه إلى أرض يحيا فيها موحّدا مجاهدا عزيزا كريما، وإن مات أو قُتل، كان مأواه في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه، فقعد له بطريق الإسلام، فقال له: أتسلم وتذر دينك، ودين آبائك، وآباء أبيك؟ فعصاه، فأسلم، ثم قعد له بطريق الهجرة، فقال: أتهاجر وتذر أرضك وسماءك، وإنما مثل المهاجر كمثل الفرس في الطول! فعصاه فهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد، فقال: هو جهد النفس والمال، فتقاتِل فتُقتَل، فتُنكح المرأة، ويُقسم المال! فعصاه فجاهد، فمن فعل ذلك منهم فمات، كان حقا على الله أن يدخله الجنة، أو قُتل كان حقا على الله أن يدخله الجنة، وإن غرق كان حقا على الله أن يدخله الجنة، أو وقصته دابّة كان حقا على الله أن يدخله الجنة) [رواه أحمد والنسائي وابن حبّان عن سبرة بن أبي فاكه].
فإن نهاية الهجرة المغفرة والجنة لا محالة، إن أخلص المهاجر النية لله وثبت في سبيله، قال سبحانه: {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 100].
بل إن في الهجرة من البركة العظيمة ما لو عرفها الموحّد لباع جميع ما عنده من متاع الدنيا ليشري نفسه ابتغاء مرضاة الله، فعن عمرو بن العاص -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال له: (أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله؟ وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها؟) [رواه مسلم].
وعن جابر أن الطفيل بن عمرو الدوسي هاجر إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وهاجر معه رجل من قومه، فاجتووا المدينة، فمرض، فجزع، فأخذ مشاقص له، فقطع بها براجمه، فشخبت يداه حتى مات، فرآه الطفيل بن عمرو في منامه، فرآه وهيئته حسنة، ورآه مغطيا يديه، فقال له: «ما صنع بك ربك؟» فقال: «غفر لي بهجرتي إلى نبيه، صلى الله عليه وسلم»؛ فقال: «ما لي أراك مغطيا يديك؟» قال: «قيل لي: لن نصلح منك ما أفسدت»؛ فقصّها الطفيل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: (اللهم وليديه فاغفر) [رواه مسلم].
نعم، إن المولى -جل وعلا- غفر لرجل قتل نفسه بهجرته إلى المدينة.
فيا من منعته الهجرة إلى العراق والشام مؤامرات الطواغيت، إن أبواب الهجرة لا تزال مفتوحة إلى قيام الساعة، فمن لم يستطع الهجرة إلى العراق والشام، فليهاجر إلى ليبيا أو خراسان أو اليمن أو سيناء أو غرب إفريقية أو غيرها من ولايات الخلافة وأجنادها في مشارق الأرض ومغاربها.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 56
الخميس 24 صفر 1438 هـ ...المزيد
عن عبد الله بن السعدي -رضي الله عنه- قال: «وفدنا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فدخل أصحابي فقضى حاجتهم، وكنت آخرهم دخولا، فقال: (حاجتك؟) فقلت: يا رسول الله، متى تنقطع الهجرة؟ [إني تركت مَن خلفي وهم يزعمون أن الهجرة قد انقطعت]؛ قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ([حاجتك خير من حوائجهم]، لا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار)» [رواه أحمد والنسائي وابن حبان].
نعم، لا تنقطع الهجرة ما قوتل العدو من الكفرة والمرتدين، سواء كان القتال في العراق أو الشام، أو كان القتال خارجهما، فإن عصابة من هذه الأمة ستقاتل في سبيل الله حتى ينزل المسيح -عليه السلام- ليَؤُمّها في آخر الملاحم قُبيل قيام الساعة، كما أخبر الصادق المصدوق، صلى الله عليه وسلم.
فمهما سعى عُبّاد الصليب والمرتدون لقطع طريق الهجرة، فإن طرقا ستبقى مفتوحة للمتوكّلين، وحادي المهاجرين إلى ثغور الإسلام هو: {عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ} [القصص: 22]، و{إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الصافات: 99]، و{إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [العنكبوت: 26]، {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} [طه: 84]، فأسوتهم في الهجرة أولو العزم من الرسل -عليهم الصلاة والسلام- ممن أُوذوا في الله ولم يجعلوا عذاب الناس كعذاب الله.
بل عرف المهاجر إلى الله أن طريقه فيه الشدائد والابتلاءات التي تُقرّب العبد إلى مولاه، ومهما تطلب ذلك الطريق من عرق ودم لاجتيازه، فإنه سيجتهد لنيل الحسنى والزيادة، وسيُجاهد عدوّه الأكبر (الشيطان) في طريقه إلى أرض يحيا فيها موحّدا مجاهدا عزيزا كريما، وإن مات أو قُتل، كان مأواه في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه، فقعد له بطريق الإسلام، فقال له: أتسلم وتذر دينك، ودين آبائك، وآباء أبيك؟ فعصاه، فأسلم، ثم قعد له بطريق الهجرة، فقال: أتهاجر وتذر أرضك وسماءك، وإنما مثل المهاجر كمثل الفرس في الطول! فعصاه فهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد، فقال: هو جهد النفس والمال، فتقاتِل فتُقتَل، فتُنكح المرأة، ويُقسم المال! فعصاه فجاهد، فمن فعل ذلك منهم فمات، كان حقا على الله أن يدخله الجنة، أو قُتل كان حقا على الله أن يدخله الجنة، وإن غرق كان حقا على الله أن يدخله الجنة، أو وقصته دابّة كان حقا على الله أن يدخله الجنة) [رواه أحمد والنسائي وابن حبّان عن سبرة بن أبي فاكه].
فإن نهاية الهجرة المغفرة والجنة لا محالة، إن أخلص المهاجر النية لله وثبت في سبيله، قال سبحانه: {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 100].
بل إن في الهجرة من البركة العظيمة ما لو عرفها الموحّد لباع جميع ما عنده من متاع الدنيا ليشري نفسه ابتغاء مرضاة الله، فعن عمرو بن العاص -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال له: (أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله؟ وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها؟) [رواه مسلم].
وعن جابر أن الطفيل بن عمرو الدوسي هاجر إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وهاجر معه رجل من قومه، فاجتووا المدينة، فمرض، فجزع، فأخذ مشاقص له، فقطع بها براجمه، فشخبت يداه حتى مات، فرآه الطفيل بن عمرو في منامه، فرآه وهيئته حسنة، ورآه مغطيا يديه، فقال له: «ما صنع بك ربك؟» فقال: «غفر لي بهجرتي إلى نبيه، صلى الله عليه وسلم»؛ فقال: «ما لي أراك مغطيا يديك؟» قال: «قيل لي: لن نصلح منك ما أفسدت»؛ فقصّها الطفيل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: (اللهم وليديه فاغفر) [رواه مسلم].
نعم، إن المولى -جل وعلا- غفر لرجل قتل نفسه بهجرته إلى المدينة.
فيا من منعته الهجرة إلى العراق والشام مؤامرات الطواغيت، إن أبواب الهجرة لا تزال مفتوحة إلى قيام الساعة، فمن لم يستطع الهجرة إلى العراق والشام، فليهاجر إلى ليبيا أو خراسان أو اليمن أو سيناء أو غرب إفريقية أو غيرها من ولايات الخلافة وأجنادها في مشارق الأرض ومغاربها.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 56
الخميس 24 صفر 1438 هـ ...المزيد
كلمة لمولانا أمير المؤمنين أبي بكر الحسيني القرشي البغدادي ( تقبله الله ) بعنوان: هذا ما وعدنا ...
كلمة لمولانا أمير المؤمنين
أبي بكر الحسيني القرشي البغدادي ( تقبله الله )
بعنوان: هذا ما وعدنا الله ورسوله
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد:
يقول الله تعالى: {ولَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا} [الأحزاب: 22].
حقا، إنه وعد الله الذي وعد، وخبره الذي صدق، فها هو العالم الكافر اليوم قد حشر ونادى، وتحالف وتحزّب، وجمعَ كل كيده وتألّب؛ كيدَه وشركاءَه وأحلافَه وأولياءَه لحرب الإسلام وأهله، وكيدِ المؤمنين ودينهم بكل ما يملكونه من كيد، وما يقدرون عليه من آلة حربية وعسكرية، جوية أو برية أو بحرية، كل هذا للسعي حثيثا لإطفاء نور الله وعداوة لدينه ومنهاجه في الأرض، وخوفا وهلعا من أن تعود لأهل الإسلام والسنة خلافتهم وقوتهم، ويعود لهم التمكين والظهور كما كان أول مرة.
إن هذه المعركة المستعرة والحرب الشاملة والجهاد الكبير الذي تخوضه دولة الإسلام اليوم ما تزيدنا -إن شاء الله- إلا إيمانا ثابتا ويقينا راسخا بأن ذلك كله ما هو إلا تقدمة للنصر المكين وإرهاصا للفتح المبين الذي وعد الله عباده، فإنا نظرنا في كتاب الله وفي تاريخ جهاد هذه الأمة الطويل لعدوها، فرأينا أن الآية البينة على قرب هلاك عدونا وزواله هو يوم شروعهم وإيذانهم بحرب الله ورسوله ودينه، وإيذائهم عباده وأولياءه، والسعي لإخراجهم من الأرض التي لله، يورثها من يشاء من عباده، يقول الله تبارك وتعالى: {وإِن كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 76].
إن بداية نصرنا وأشرفه وأعظمه هو في غاية ما يكون عليه عدونا من التجمع والتحزب والتفاخر والتكاثر، فهناك يدفع الله عن عباده، وتتجلى لهم آثار قوته وعزته وجبروته، قال الله تعالى: {فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ * فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ * فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ * فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ * فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ * وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء: 53-68]؛ وقال سبحانه: {حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} [يوسف: 110].
عباد الله، إن الإيمان لا يتم تمامه في نفس جماعة المسلمين حتى تتعرض وتستعد لمجاهدة الناس في أمر هذا الإيمان، ومواجهة أهل الباطل بجميع قواهم، وهي تتعرض في ذلك الجهاد وتلك المجاهدة لمطارق الابتلاء ومرارة الأذى، وتصبر معه على النصر والهزيمة، ويصيبها من الخوف والزلزال، ثم تثبت ولا ترتاب، وتستقيم ولا تلتفت، وتمضي في طريق إيمانها الراشد، إن شاء الله، ولولا هذه الأحزاب وهذا الجهاد، لضعف الإيمان وما زاد، وفسدت القلوب وما صلحت، ولرأينا النفوس تأسن، والهمم تسترخي، والإيمان يذبل، وهكذا يكون الحال حينما نبتلى بالرخاء، {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة: 251].
لقد أرصد أعداء الله من اليهود والنصارى والملاحدة والرافضة والمرتدين وأمم الكفر جمعاء إعلامهم وأموالهم وجيوشهم وعتادهم لحرب المسلمين والمجاهدين في ولاية نينوى بعد أن رأوها قاعدة من قواعد الإسلام ومنارة من مناراته تحت ظل الخلافة، فأرقهم حياة المسلمين فيها أعزة آمنين، وأرهقهم أن تحقق للناس فيها مثالا لحكم الإسلام يرونه ويعيشونه ويستفيئون ظلاله وينعمون بخيره وبركته، وهذا غاية ما يخشونه ويخافونه لأنه سبيل امتداد نفوذ الإسلام واتساع رقعته ودخول الناس فيه.
فيا أهل نينوى عامة، ويا أيها المجاهدون خاصة، الله الله في دين الله، إياكم والضعف عن جهاد عدوكم ودفعه، فإن ذلك ينقض عرى الإسلام ويطفئ نور الحق.
يا معشر المهاجرين والأنصار، امضوا على بصيرتكم، واصبروا على عزيمتكم صبرا على الغُصص، فكأن قد اندمل شعث الشتات، والتأمت كلمة الخير والعدل، ودفع الحق الباطل، فإن لهذا اليوم ما بعده، والصبر خير في الأمور عواقبا، قال تعالى: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} [القمر: 45]، وقال جل وعلا: {وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} [الأنفال: 7-8].
يا جنود الخلافة، إذا وقفتم صوب طائرات أمريكا وحلفائها، فقفوا ثابتين متوكلين على من بيده ملكوت السموات والأرض، الذي ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها، إن ربي على صراط مستقيم، وقولوا: «حسبنا الله ونعم الوكيل»، فإنها كلمة قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد -صلى الله عليه وسلم- حين قال له الناس: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ} [آل عمران: 173]، واعلموا أنه لو أطبقت السماء على الأرض، لجعل الله للمؤمنين منها متنفسا.
فيا كتائب الانغماسيين، ويا قوافل الاستشهاديين، ويا سرايا الاقتحاميين، يا طلاب الشهادة والحسنى وزيادة، يا سعاة إلى الجنان والرضوان، انطلقوا على بركة الله، فإن الحرب حربكم، حوّلوا ليل الكافرين نهارا، وخرّبوا ديارهم دمارا، واجعلوا دماءهم أنهارا، فإن ذلك هو الحظ الأوفر، والفوز الأكبر، بصحبة الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا، وليكن لسان حال أحدكم: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ} [طه: 84]، فجزاكم الله عن الإسلام والمسلمين خيرا، لقد أذقتم الكافرين الأهوال، ومرغتم أنوفهم بالأوحال، فَدَيناكم بأنفسنا، لقد كنتم وما زلتم بعد الله نعم الظهر والسند، ونعم الساعد والمدد.
يا أهل السنة في العراق، أفي كل مرة لا تعقلون؟ استمرأتم الذلة والمهانة حتى رتعتموها، وتهتم كما تاه بنو إسرائيل من قبلكم، أَوَما ترون الرافضة كل يوم يسومونكم سوء العذاب، يغزون بلادكم بحجة محاربة الدولة الإسلامية، ثم لا يبرحون حتى يقتلوا رجالكم، ويأسروا نساءكم وذراريكم تارة، ويشردونهم تارة أخرى؟ أَوَما ترون العراق تفرغ مدنها من أهل السنة، وتحشى بأرذل خلق الله وشر من وطئ الحصى؟ انظروا إلى راياتهم وهم يقاتلونكم، اسمعوا شعاراتهم وهم يحيطون ببلادكم، تأمّلوا في صنيعهم حين يخرجونكم من أرضكم، واسمعوا نداءاتهم وهم يصرخون بالدعوة إلى غزو أراضي السنة كلها من عراقكم إلى شامكم إلى نجدكم بل إلى يمنكم.
يا أهل السنة، لقد مارس زعماؤكم في المنطقة أحط وأحقر صور الخيانة عرفها التأريخ، فباعوا القضية، وسلموا أمركم وأرضكم لعدوكم، فها هي مناطقكم يقتسمها الملحد الكافر والمشرك الرافضي والنصيري الحاقد، في مشهد باطني خبيث مكشوف، يراه ويسمع به العالم أجمع، وها هي حلب تواجه أعتى وأشرس حملة نصيرية بدعم مجوسي روسي كافر، يهدفون من خلالها إلى إقامة كيان نصيري بديل وسط خيانة الفصائل المرتدة المنشغلة بقتال الدولة الإسلامية والساعية لإزاحة حكم الله من الأرض في سبيل مصالح أسيادهم وداعميهم من دول الكفر.
وما تزال خطط الروم وما يزال مكرهم جاريا ساريا، حتى في جزيرة محمد، صلى الله عليه وسلم، لتسليط الرافضة على أطرافها، في ظل إفساد كبير تعمل عليه حكومة آل سلول لعلمنة البلاد، والسعي في إكفار أهلها، ونشر الرذيلة بينهم، والإطاحة بما يُمكن أن يُعد من رسوم الشرع وأهله، ولم يقتصروا على ذلك فحسب، بل شاركوا مشاركة عسكرية حقيقية مع أمم الكفر لحرب الإسلام والسنة في العراق والشام، فهم رأس كل بلية، وسبب كل رزية.
فيا رجال الجزيرة، يا أحفاد الصحابة، أعيدوا عليهم الكرة تلو الكرة، دونكم أعداء الله، دونكم أمنهم وعسكرهم وشرطهم، دونكم أزلامهم وأصحاب أقلامهم، دونكم أمراؤهم ووزراؤهم وأبواق إعلامهم، وتذكروا وصية نبيكم، صلى الله عليه وسلم: (لا يجتمع دينان في جزيرة العرب) [رواه مالك وغيره].
يا أهل السنة، إنه ما بقي لكم بعد الله إلا دولة الخلافة تصون دينكم وتحفظ بيضتكم وتقوي شوكتكم، تحيون فيها أعزاء أو تموتون شرفاء، من غير أن يجرأ على مس كرامتكم فيها رافضي ذليل، أو نصيري خبيث، أو ملحد حقير.
أيها المسلمون الموحدون في مشارق الأرض ومغاربها، لقد ظلت تركيا العلمانية المرتدة خلال مدة جهادنا وصراعنا مع أحلاف الكفر خاسئة خانسة، تطل بقرن وتستخفي بقرن، تسعى لتحقيق مصالحها وأطماعها في شمال العراق وأطراف الشام، ثم ترتد خشية أن يصلاها المجاهدون في عقر دارها بجحيم عملياتهم ولهيب معركتهم، ثم إنها فكَّرت وقدَّرت ونظرت، ثم عبست وبسرت واستكبرت، ودخلت في حربنا كما تدخل الضباع المبتورة مستندة مستظلة بطائرات تحالف الصليب، مستغلة انشغال المجاهدين بحرب أمم الكفر ودفاعهم عن أرض الإسلام، وظنت أنها آمنة من أن ينزل بساحتها أبناء التوحيد وأسود الجهاد، ألا إنه من مأمنه يؤتى الحذر.
أيها الموحدون، لقد دخلت تركيا اليوم في دائرة عملكم ومشروع جهادكم، فاستعينوا بالله، واغزوها، واجعلوا أمنها فزعا، ورخاءها هلعا، ثم أدرجوها في مناطق صراعكم الملتهبة.
ويا أجناد الخلافة في أرض الشام، ها قد جاءكم الجندي التركي الكافر، وإنما دم أحدهم كدم الكلب خسةً ورداءةً، فأروهم بطشكم، واصلوهم بنار غضبكم، وخذوا بثأر دينكم وتوحيدكم من إخوان الشياطين وقدوة المرتدين وحلفاء الملحدين، فلن يغلب شركهم توحيدكم، ولا نفاقهم إيمانكم، وإن الله مع المتقين، هذا ما وعدنا الله ورسوله.
لقد غدا الإخوان المرتدون رأس حربة مسمومة يحملها الصليبيون لحرب الخلافة، فلم يقتصر كفر هذه الفرقة الغاوية على شركها بالله في الدساتير والتشريعات الباطلة، ومنازعة الله في حكمه، وموافقة أمم الكفر على كفرهم، حتى صارت طائفة لا دين لها، أشبه بالزنادقة والباطنية، بل إنها غدت ذراعا عسكريا وثيقا في منظومة التحالف الصليبي على الإسلام وأهله، لا غنى لهم عنه على الأرض، {وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ} [الأعراف: 202]، فانظروا إلى العراق والشام وليبيا وتونس وغيرها من البلدان، فإنكم لا تجدون فيهم إلا مشركا مشاركا بالقوانين والتشريعات الكافرة، أو مصاففا موالفا للجيوش الصليبية أو الرافضية أو العلمانية الملحدة، مقاتلا مناكفا للمجاهدين في سبيل الله الساعين لإقامة حكم الله في الأرض، فهم بحق إخوان الشياطين والعميل العامل للصليبيين، قاتلهم الله أنّى يؤفكون.
أيها المجاهدون في سبيل الله، اعلموا أنكم اليوم درع الإسلام وحصنه المتين، فإياكم إياكم -يرحمكم الله- أن يؤتى الإسلام والمسلمون من قبلكم، فإن سنن الله لا تحابي أحدا، والله -تبارك وتعالى- استعملكم وأورثكم، لينظر كيف تعملون، فاستعملوا تقوى الله وطاعته في ابتغاء نصره ووعده، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الأنفال: 29]؛ وتجنبوا معصيته ومخالفة أمره، فإن عاقبة ذلك وخيمة على جميعكم، وإني تالٍ عليكم وصية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لسعد بن أبي وقاص -رضي الله عنهما- ومن معه من الأجناد، حيث قال: «فإني آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال، فإن تقوى الله أفضل العدّة على العدوّ، وأقوى المكيدة في الحرب، وآمرك ومن معك أن تكونوا أشدّ احتراسا من المعاصي منكم من عدوّكم، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوّهم، وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوّهم لله، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة، لأن عددنا ليس كعددهم، ولا عدّتنا كعدّتهم، فإذا استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة، وإلا ننصر عليهم بفضلنا، لم نغلبهم بقوتنا، واعلموا أن عليكم في مسيركم حفظة من الله يعلمون ما تفعلون، فاستحيوا منهم، ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله، ولا تقولوا إن عدوّنا شر منا فلن يسلّط علينا وإن أسأنا، فربّ قوم سُلّط عليهم شر منهم، كما سُلّط على بني إسرائيل لما عملوا بمساخط الله كفّار المجوس، فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا، واسألوا الله العون على أنفسكم كما تسألونه النصر على عدوّكم، أسأل الله ذلك لنا ولكم»، انتهى كلامه، رضي الله عنه.
أيها المجاهدون، قال نبيكم، صلى الله عليه وسلم: (إنكم منصورون ومصيبون ومفتوح لكم فمن أدرك ذلك منكم فليتق الله وليأمر بالمعروف ولينه عن المنكر) [رواه أحمد والترمذي وغيرهما عن ابن مسعود].
وها أنتم اليوم قد أورثكم الله هذه الأرض المباركة، وحمّلكم أمانة حفظها والدفاع عنها والثبات على إقامة حكم الله فيها، فاحذروا أن يستزلكم الشيطان بانحياز عن أرض أو انسحاب من ثغر، بل اصبروا وصابروا ورابطوا واثبتوا، ولا تردوا موارد الذل بعد أن أعزكم الله، ولا تستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، ولا تهبطوا بعد الرفعة إلى مراتب الدون والضعة، واعلموا أن ثمن بقائكم في أرضكم بعزكم أهون بألف مرة من ثمن انسحابكم عنها بذلكم، قال تعالى: {قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا} [الأحزاب: 16]، وقال صلى الله عليه وسلم: (رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأمن الفُتّان) [رواه مسلم عن سلمان الفارسي].
فإن خرجتم من أرض بذنوبكم، فأرجعوها بتوبتكم وتقواكم ربكم، فإنه حقيق أن يكون لكم ذلك، تذكروا أن عدوكم إن كان يقاتل في سبيل الطاغوت، فأنتم تقاتلون في سبيل الله العظيم، وإن كانوا يقاتلون من أجل كلمة الكفر، فأنتم تقاتلون من أجل كلمة الله، وإن كانوا يقاتلون من أجل عرض من الدنيا قليل، فأنتم تقاتلون من أجل ثواب عظيم وتجارة تنجيكم من عذاب أليم، وإن كانوا يقاتلون وفي صدروهم الخنا والكفران، فأنتم تقاتلون وفي صدوركم الإيمان والقرآن، وإن كانوا يقاتلون وعاقبتهم النار، فأنتم تقاتلون والعاقبة جوار الرحمن وجنة عرضها السماوات والأرض، إن شاء الله، فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون؟ {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} [الأنعام: 82]؛ هذا ما وعدنا الله ورسوله.
ثم إني أحذركم النزاع والخلاف بينكم في علومكم وأعمالكم، وأنتم في عدوة واحدة، توحّدون ربكم وتجاهدون عدوكم وتسعون لإعلاء كلمة الله في الأرض، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 45-46]؛ فالنزاع مدعاة للفشل وتسلط العدو، والاختلاف سبب للشر ووقوع العداوة بينكم، ولا تكونوا كالذين خلوا من قبلكم من الأمم، أخذوا بحظ وتركوا حظا فجعل الله العداوة والبغضاء بينهم، قال تعالى: {فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [المائدة: 14].
وإياكم والاختلاف على أمرائكم، اسمعوا لهم قربة، وأطيعوا لهم عبادة، ما لم يأمروكم بمعصية، واعلموا أن خلافكم إياهم من أمر الجاهلية، وإنما أعزكم الله بالإسلام والجماعة والسمع والطاعة، {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [آل عمران: 103]؛ وتذكروا وتأملوا قول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الرعد: 11].
وإلى جنود الخلافة في خراسان وبنغلادش وإندونيسيا والقوقاز والفلبين واليمن والجزيرة وسيناء ومصر والجزائر وتونس وليبيا والصومال وغرب أفريقيا، اعلموا أنكم اليوم دعائم الإسلام في الأرض، وأوتاد الخلافة فيها، أذهلتم أمم الكفر بجهادكم وصبركم وثباتكم، علّمتم الناس كيف تكون مسالك النصر بحسن الاجتماع، وامتثال الطاعة، وتكوين جماعة المسلمين الكبرى في واقع استمرأ الجاهلية الجهلاء بكثرة الفرقة والبقاء على الشتات، ولقد أغظتم باجتماعكم وجهادكم أمم الكفر كما كان غيظهم بقيام الخلافة سواء، وعليه فإنهم سيسعون لإطفاء نور الله بينكم ببث أسباب الفرقة والاختلاف، فاصبروا وصابروا ولا تخافوا، واثبتوا ولا تفروا عند إرادة القتال، فإذا صبرتم فإن الله يؤيدكم وينصركم ويثبت أقدامكم، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف، واعلموا أنه إن قُتل بعض قادتكم، فإن الله مخلفا لكم مثله أو خيرا منه، والله لن يضيعكم، فلا تحزنوا، إن الله معنا.
ويا أيها المجاهدون الصابرون على البأساء والضراء في سرت، لقد لقنتم الأعداء من صبركم دروسا، وكتبتم لمقامات المجد والثبات بدمائكم الطاهرة طروسا، كانت أوروبا الصليبية ولا تزال تطمع بأن تغزو مهد الخلافة وحصن الإسلام في العراق والشام، حتى زلزلتم أمنها بنشأتكم، وقلبتم موازين سياساتها بجهادكم، فصرتم العقبة الكأداء والصخرة الصلبة التي تكسرت عندها إرادتهم، وتحطمت بها مشاريعهم، إن عدوكم يألم كما تألمون، ولكنكم ترجون من ربكم ما لا يرجون، فإياكم أن تبرحوا مقاعد قتالكم ومواطن رباطكم، فلقد أوشك عدوكم أن يمل أو يُدفع فيُفل.
ولا يفوتنا في هذا المقام أن نذكر إخواننا المسلمين عامة بأنه إن ضاقت السبل وتقطعت الطرق بالهجرة إلى أرض العراق والشام، فقد جعل الله لهم سبيلا واسعة للهجرة إلى تلك الولايات المباركة ليقيموا هنالك صرحا من صروح الإسلام ويحوزوا فضل السبق في نصرة دين الله وإعلاء كلمته، قال تعالى: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ} [العنكبوت: 56].
وإلى إخواننا القابضين على الجمر الذين ابتلاهم الله بالأسر، إنا على قدر ما نحن فيه من منازلة ضخمة لأعداء الله، فإننا والله ما نسيناكم ولن ننساكم، كيف وأنتم أرقنا الدائم وهمنا الذي لا يبرح، نسأل الله أن يجعل فك أسركم على أيدينا، وكسر سجونكم بأسلحتنا وحديدنا، وما ذلك على الله بعزيز، فعليكم بالتضرع إلى الله ببلائكم، وتذكروا أن الله يصنعكم ليوم تنصرون فيه دينكم ودولتكم، وإني أحرضكم على الدعاء العظيم لإخوانكم في الدولة الإسلامية أن يهيئ الله لهم من أمرهم رشدا، وأن يجعل معونته الحسنى لهم مددا، ويغنيهم به عمن سواه، فك الله أسركم وكشف كربكم، وجبر كسركم، وقوّى عزمكم، وجعل لكم فرجا ومخرجا.
أيها المسلمون في كل مكان، إني معزيكم ومعزي المجاهدين عامة بمقتل الشيوخ والقادة، وعلى رأسهم الشيخ أبو محمد العدناني والشيخ أبو محمد الفرقان، رحمهم الله، وأعلى في الفردوس مسكنهم، فقد كانوا لنا من خيرة الوزراء، وصالح الأمراء، إلى ما شرفهم الله به من حسن السابقة وقديم الفضل، والجد في تشييد صرح الخلافة، وحكم الله في الأرض، حتى قضوا نحبهم، وأوفوا ما بذمتهم، نحسبهم كذلك والله حسيبهم، إلا أننا نبشركم -بفضل الله ومَنّه- أن الخلافة ما تعثرت بمقتلهم فضلا عن أن تقف عجلة الجهاد بفقدهم، بل إن تلكم الأجساد الطاهرة ما هي إلا قرابين نقدمها بين يدي الله طلبا لمرضاته واستجلابا للنصر المبين والفتح القريب، بإذن الله، فلقد علمنا في كتاب الله أن استشهاد القادة والصالحين هو الباب الأقرب للتمكين في الأرض، وثواب الدنيا والآخرة، قال الله تعالى عن حال الأنبياء وأتباعهم: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 146-148].
اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم، اللهم عليك بالكفرة المجرمين الذين يصدون عن سبيلك، ويكذّبون رسلك، ويحاربون أولياءك، اللهم أعنا عليهم بسنين كسني يوسف، اللهم أحصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تغادر منهم أحدا، اللهم فرق جمعهم، وشتت شملهم، اللهم من أرادنا وأراد ديننا وجهادنا بسوء، فاجعل دائرة السوء تدور عليه، حتى يُهلك نفسه بيديه، اللهم امكر لنا ولا تمكر علينا، واهدنا، ويسر الهدى لنا، وانصرنا على من بغى علينا، أنت مولانا، نعم المولى ونعم النصير، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
• للإستماع للكلمة الصوتية، تواصل - تيليغرام:
@wmc111at ...المزيد
أبي بكر الحسيني القرشي البغدادي ( تقبله الله )
بعنوان: هذا ما وعدنا الله ورسوله
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد:
يقول الله تعالى: {ولَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا} [الأحزاب: 22].
حقا، إنه وعد الله الذي وعد، وخبره الذي صدق، فها هو العالم الكافر اليوم قد حشر ونادى، وتحالف وتحزّب، وجمعَ كل كيده وتألّب؛ كيدَه وشركاءَه وأحلافَه وأولياءَه لحرب الإسلام وأهله، وكيدِ المؤمنين ودينهم بكل ما يملكونه من كيد، وما يقدرون عليه من آلة حربية وعسكرية، جوية أو برية أو بحرية، كل هذا للسعي حثيثا لإطفاء نور الله وعداوة لدينه ومنهاجه في الأرض، وخوفا وهلعا من أن تعود لأهل الإسلام والسنة خلافتهم وقوتهم، ويعود لهم التمكين والظهور كما كان أول مرة.
إن هذه المعركة المستعرة والحرب الشاملة والجهاد الكبير الذي تخوضه دولة الإسلام اليوم ما تزيدنا -إن شاء الله- إلا إيمانا ثابتا ويقينا راسخا بأن ذلك كله ما هو إلا تقدمة للنصر المكين وإرهاصا للفتح المبين الذي وعد الله عباده، فإنا نظرنا في كتاب الله وفي تاريخ جهاد هذه الأمة الطويل لعدوها، فرأينا أن الآية البينة على قرب هلاك عدونا وزواله هو يوم شروعهم وإيذانهم بحرب الله ورسوله ودينه، وإيذائهم عباده وأولياءه، والسعي لإخراجهم من الأرض التي لله، يورثها من يشاء من عباده، يقول الله تبارك وتعالى: {وإِن كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 76].
إن بداية نصرنا وأشرفه وأعظمه هو في غاية ما يكون عليه عدونا من التجمع والتحزب والتفاخر والتكاثر، فهناك يدفع الله عن عباده، وتتجلى لهم آثار قوته وعزته وجبروته، قال الله تعالى: {فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ * فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ * فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ * فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ * فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ * وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء: 53-68]؛ وقال سبحانه: {حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} [يوسف: 110].
عباد الله، إن الإيمان لا يتم تمامه في نفس جماعة المسلمين حتى تتعرض وتستعد لمجاهدة الناس في أمر هذا الإيمان، ومواجهة أهل الباطل بجميع قواهم، وهي تتعرض في ذلك الجهاد وتلك المجاهدة لمطارق الابتلاء ومرارة الأذى، وتصبر معه على النصر والهزيمة، ويصيبها من الخوف والزلزال، ثم تثبت ولا ترتاب، وتستقيم ولا تلتفت، وتمضي في طريق إيمانها الراشد، إن شاء الله، ولولا هذه الأحزاب وهذا الجهاد، لضعف الإيمان وما زاد، وفسدت القلوب وما صلحت، ولرأينا النفوس تأسن، والهمم تسترخي، والإيمان يذبل، وهكذا يكون الحال حينما نبتلى بالرخاء، {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة: 251].
لقد أرصد أعداء الله من اليهود والنصارى والملاحدة والرافضة والمرتدين وأمم الكفر جمعاء إعلامهم وأموالهم وجيوشهم وعتادهم لحرب المسلمين والمجاهدين في ولاية نينوى بعد أن رأوها قاعدة من قواعد الإسلام ومنارة من مناراته تحت ظل الخلافة، فأرقهم حياة المسلمين فيها أعزة آمنين، وأرهقهم أن تحقق للناس فيها مثالا لحكم الإسلام يرونه ويعيشونه ويستفيئون ظلاله وينعمون بخيره وبركته، وهذا غاية ما يخشونه ويخافونه لأنه سبيل امتداد نفوذ الإسلام واتساع رقعته ودخول الناس فيه.
فيا أهل نينوى عامة، ويا أيها المجاهدون خاصة، الله الله في دين الله، إياكم والضعف عن جهاد عدوكم ودفعه، فإن ذلك ينقض عرى الإسلام ويطفئ نور الحق.
يا معشر المهاجرين والأنصار، امضوا على بصيرتكم، واصبروا على عزيمتكم صبرا على الغُصص، فكأن قد اندمل شعث الشتات، والتأمت كلمة الخير والعدل، ودفع الحق الباطل، فإن لهذا اليوم ما بعده، والصبر خير في الأمور عواقبا، قال تعالى: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} [القمر: 45]، وقال جل وعلا: {وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} [الأنفال: 7-8].
يا جنود الخلافة، إذا وقفتم صوب طائرات أمريكا وحلفائها، فقفوا ثابتين متوكلين على من بيده ملكوت السموات والأرض، الذي ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها، إن ربي على صراط مستقيم، وقولوا: «حسبنا الله ونعم الوكيل»، فإنها كلمة قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد -صلى الله عليه وسلم- حين قال له الناس: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ} [آل عمران: 173]، واعلموا أنه لو أطبقت السماء على الأرض، لجعل الله للمؤمنين منها متنفسا.
فيا كتائب الانغماسيين، ويا قوافل الاستشهاديين، ويا سرايا الاقتحاميين، يا طلاب الشهادة والحسنى وزيادة، يا سعاة إلى الجنان والرضوان، انطلقوا على بركة الله، فإن الحرب حربكم، حوّلوا ليل الكافرين نهارا، وخرّبوا ديارهم دمارا، واجعلوا دماءهم أنهارا، فإن ذلك هو الحظ الأوفر، والفوز الأكبر، بصحبة الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا، وليكن لسان حال أحدكم: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ} [طه: 84]، فجزاكم الله عن الإسلام والمسلمين خيرا، لقد أذقتم الكافرين الأهوال، ومرغتم أنوفهم بالأوحال، فَدَيناكم بأنفسنا، لقد كنتم وما زلتم بعد الله نعم الظهر والسند، ونعم الساعد والمدد.
يا أهل السنة في العراق، أفي كل مرة لا تعقلون؟ استمرأتم الذلة والمهانة حتى رتعتموها، وتهتم كما تاه بنو إسرائيل من قبلكم، أَوَما ترون الرافضة كل يوم يسومونكم سوء العذاب، يغزون بلادكم بحجة محاربة الدولة الإسلامية، ثم لا يبرحون حتى يقتلوا رجالكم، ويأسروا نساءكم وذراريكم تارة، ويشردونهم تارة أخرى؟ أَوَما ترون العراق تفرغ مدنها من أهل السنة، وتحشى بأرذل خلق الله وشر من وطئ الحصى؟ انظروا إلى راياتهم وهم يقاتلونكم، اسمعوا شعاراتهم وهم يحيطون ببلادكم، تأمّلوا في صنيعهم حين يخرجونكم من أرضكم، واسمعوا نداءاتهم وهم يصرخون بالدعوة إلى غزو أراضي السنة كلها من عراقكم إلى شامكم إلى نجدكم بل إلى يمنكم.
يا أهل السنة، لقد مارس زعماؤكم في المنطقة أحط وأحقر صور الخيانة عرفها التأريخ، فباعوا القضية، وسلموا أمركم وأرضكم لعدوكم، فها هي مناطقكم يقتسمها الملحد الكافر والمشرك الرافضي والنصيري الحاقد، في مشهد باطني خبيث مكشوف، يراه ويسمع به العالم أجمع، وها هي حلب تواجه أعتى وأشرس حملة نصيرية بدعم مجوسي روسي كافر، يهدفون من خلالها إلى إقامة كيان نصيري بديل وسط خيانة الفصائل المرتدة المنشغلة بقتال الدولة الإسلامية والساعية لإزاحة حكم الله من الأرض في سبيل مصالح أسيادهم وداعميهم من دول الكفر.
وما تزال خطط الروم وما يزال مكرهم جاريا ساريا، حتى في جزيرة محمد، صلى الله عليه وسلم، لتسليط الرافضة على أطرافها، في ظل إفساد كبير تعمل عليه حكومة آل سلول لعلمنة البلاد، والسعي في إكفار أهلها، ونشر الرذيلة بينهم، والإطاحة بما يُمكن أن يُعد من رسوم الشرع وأهله، ولم يقتصروا على ذلك فحسب، بل شاركوا مشاركة عسكرية حقيقية مع أمم الكفر لحرب الإسلام والسنة في العراق والشام، فهم رأس كل بلية، وسبب كل رزية.
فيا رجال الجزيرة، يا أحفاد الصحابة، أعيدوا عليهم الكرة تلو الكرة، دونكم أعداء الله، دونكم أمنهم وعسكرهم وشرطهم، دونكم أزلامهم وأصحاب أقلامهم، دونكم أمراؤهم ووزراؤهم وأبواق إعلامهم، وتذكروا وصية نبيكم، صلى الله عليه وسلم: (لا يجتمع دينان في جزيرة العرب) [رواه مالك وغيره].
يا أهل السنة، إنه ما بقي لكم بعد الله إلا دولة الخلافة تصون دينكم وتحفظ بيضتكم وتقوي شوكتكم، تحيون فيها أعزاء أو تموتون شرفاء، من غير أن يجرأ على مس كرامتكم فيها رافضي ذليل، أو نصيري خبيث، أو ملحد حقير.
أيها المسلمون الموحدون في مشارق الأرض ومغاربها، لقد ظلت تركيا العلمانية المرتدة خلال مدة جهادنا وصراعنا مع أحلاف الكفر خاسئة خانسة، تطل بقرن وتستخفي بقرن، تسعى لتحقيق مصالحها وأطماعها في شمال العراق وأطراف الشام، ثم ترتد خشية أن يصلاها المجاهدون في عقر دارها بجحيم عملياتهم ولهيب معركتهم، ثم إنها فكَّرت وقدَّرت ونظرت، ثم عبست وبسرت واستكبرت، ودخلت في حربنا كما تدخل الضباع المبتورة مستندة مستظلة بطائرات تحالف الصليب، مستغلة انشغال المجاهدين بحرب أمم الكفر ودفاعهم عن أرض الإسلام، وظنت أنها آمنة من أن ينزل بساحتها أبناء التوحيد وأسود الجهاد، ألا إنه من مأمنه يؤتى الحذر.
أيها الموحدون، لقد دخلت تركيا اليوم في دائرة عملكم ومشروع جهادكم، فاستعينوا بالله، واغزوها، واجعلوا أمنها فزعا، ورخاءها هلعا، ثم أدرجوها في مناطق صراعكم الملتهبة.
ويا أجناد الخلافة في أرض الشام، ها قد جاءكم الجندي التركي الكافر، وإنما دم أحدهم كدم الكلب خسةً ورداءةً، فأروهم بطشكم، واصلوهم بنار غضبكم، وخذوا بثأر دينكم وتوحيدكم من إخوان الشياطين وقدوة المرتدين وحلفاء الملحدين، فلن يغلب شركهم توحيدكم، ولا نفاقهم إيمانكم، وإن الله مع المتقين، هذا ما وعدنا الله ورسوله.
لقد غدا الإخوان المرتدون رأس حربة مسمومة يحملها الصليبيون لحرب الخلافة، فلم يقتصر كفر هذه الفرقة الغاوية على شركها بالله في الدساتير والتشريعات الباطلة، ومنازعة الله في حكمه، وموافقة أمم الكفر على كفرهم، حتى صارت طائفة لا دين لها، أشبه بالزنادقة والباطنية، بل إنها غدت ذراعا عسكريا وثيقا في منظومة التحالف الصليبي على الإسلام وأهله، لا غنى لهم عنه على الأرض، {وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ} [الأعراف: 202]، فانظروا إلى العراق والشام وليبيا وتونس وغيرها من البلدان، فإنكم لا تجدون فيهم إلا مشركا مشاركا بالقوانين والتشريعات الكافرة، أو مصاففا موالفا للجيوش الصليبية أو الرافضية أو العلمانية الملحدة، مقاتلا مناكفا للمجاهدين في سبيل الله الساعين لإقامة حكم الله في الأرض، فهم بحق إخوان الشياطين والعميل العامل للصليبيين، قاتلهم الله أنّى يؤفكون.
أيها المجاهدون في سبيل الله، اعلموا أنكم اليوم درع الإسلام وحصنه المتين، فإياكم إياكم -يرحمكم الله- أن يؤتى الإسلام والمسلمون من قبلكم، فإن سنن الله لا تحابي أحدا، والله -تبارك وتعالى- استعملكم وأورثكم، لينظر كيف تعملون، فاستعملوا تقوى الله وطاعته في ابتغاء نصره ووعده، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الأنفال: 29]؛ وتجنبوا معصيته ومخالفة أمره، فإن عاقبة ذلك وخيمة على جميعكم، وإني تالٍ عليكم وصية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لسعد بن أبي وقاص -رضي الله عنهما- ومن معه من الأجناد، حيث قال: «فإني آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال، فإن تقوى الله أفضل العدّة على العدوّ، وأقوى المكيدة في الحرب، وآمرك ومن معك أن تكونوا أشدّ احتراسا من المعاصي منكم من عدوّكم، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوّهم، وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوّهم لله، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة، لأن عددنا ليس كعددهم، ولا عدّتنا كعدّتهم، فإذا استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة، وإلا ننصر عليهم بفضلنا، لم نغلبهم بقوتنا، واعلموا أن عليكم في مسيركم حفظة من الله يعلمون ما تفعلون، فاستحيوا منهم، ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله، ولا تقولوا إن عدوّنا شر منا فلن يسلّط علينا وإن أسأنا، فربّ قوم سُلّط عليهم شر منهم، كما سُلّط على بني إسرائيل لما عملوا بمساخط الله كفّار المجوس، فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا، واسألوا الله العون على أنفسكم كما تسألونه النصر على عدوّكم، أسأل الله ذلك لنا ولكم»، انتهى كلامه، رضي الله عنه.
أيها المجاهدون، قال نبيكم، صلى الله عليه وسلم: (إنكم منصورون ومصيبون ومفتوح لكم فمن أدرك ذلك منكم فليتق الله وليأمر بالمعروف ولينه عن المنكر) [رواه أحمد والترمذي وغيرهما عن ابن مسعود].
وها أنتم اليوم قد أورثكم الله هذه الأرض المباركة، وحمّلكم أمانة حفظها والدفاع عنها والثبات على إقامة حكم الله فيها، فاحذروا أن يستزلكم الشيطان بانحياز عن أرض أو انسحاب من ثغر، بل اصبروا وصابروا ورابطوا واثبتوا، ولا تردوا موارد الذل بعد أن أعزكم الله، ولا تستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، ولا تهبطوا بعد الرفعة إلى مراتب الدون والضعة، واعلموا أن ثمن بقائكم في أرضكم بعزكم أهون بألف مرة من ثمن انسحابكم عنها بذلكم، قال تعالى: {قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا} [الأحزاب: 16]، وقال صلى الله عليه وسلم: (رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأمن الفُتّان) [رواه مسلم عن سلمان الفارسي].
فإن خرجتم من أرض بذنوبكم، فأرجعوها بتوبتكم وتقواكم ربكم، فإنه حقيق أن يكون لكم ذلك، تذكروا أن عدوكم إن كان يقاتل في سبيل الطاغوت، فأنتم تقاتلون في سبيل الله العظيم، وإن كانوا يقاتلون من أجل كلمة الكفر، فأنتم تقاتلون من أجل كلمة الله، وإن كانوا يقاتلون من أجل عرض من الدنيا قليل، فأنتم تقاتلون من أجل ثواب عظيم وتجارة تنجيكم من عذاب أليم، وإن كانوا يقاتلون وفي صدروهم الخنا والكفران، فأنتم تقاتلون وفي صدوركم الإيمان والقرآن، وإن كانوا يقاتلون وعاقبتهم النار، فأنتم تقاتلون والعاقبة جوار الرحمن وجنة عرضها السماوات والأرض، إن شاء الله، فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون؟ {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} [الأنعام: 82]؛ هذا ما وعدنا الله ورسوله.
ثم إني أحذركم النزاع والخلاف بينكم في علومكم وأعمالكم، وأنتم في عدوة واحدة، توحّدون ربكم وتجاهدون عدوكم وتسعون لإعلاء كلمة الله في الأرض، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 45-46]؛ فالنزاع مدعاة للفشل وتسلط العدو، والاختلاف سبب للشر ووقوع العداوة بينكم، ولا تكونوا كالذين خلوا من قبلكم من الأمم، أخذوا بحظ وتركوا حظا فجعل الله العداوة والبغضاء بينهم، قال تعالى: {فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [المائدة: 14].
وإياكم والاختلاف على أمرائكم، اسمعوا لهم قربة، وأطيعوا لهم عبادة، ما لم يأمروكم بمعصية، واعلموا أن خلافكم إياهم من أمر الجاهلية، وإنما أعزكم الله بالإسلام والجماعة والسمع والطاعة، {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [آل عمران: 103]؛ وتذكروا وتأملوا قول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الرعد: 11].
وإلى جنود الخلافة في خراسان وبنغلادش وإندونيسيا والقوقاز والفلبين واليمن والجزيرة وسيناء ومصر والجزائر وتونس وليبيا والصومال وغرب أفريقيا، اعلموا أنكم اليوم دعائم الإسلام في الأرض، وأوتاد الخلافة فيها، أذهلتم أمم الكفر بجهادكم وصبركم وثباتكم، علّمتم الناس كيف تكون مسالك النصر بحسن الاجتماع، وامتثال الطاعة، وتكوين جماعة المسلمين الكبرى في واقع استمرأ الجاهلية الجهلاء بكثرة الفرقة والبقاء على الشتات، ولقد أغظتم باجتماعكم وجهادكم أمم الكفر كما كان غيظهم بقيام الخلافة سواء، وعليه فإنهم سيسعون لإطفاء نور الله بينكم ببث أسباب الفرقة والاختلاف، فاصبروا وصابروا ولا تخافوا، واثبتوا ولا تفروا عند إرادة القتال، فإذا صبرتم فإن الله يؤيدكم وينصركم ويثبت أقدامكم، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف، واعلموا أنه إن قُتل بعض قادتكم، فإن الله مخلفا لكم مثله أو خيرا منه، والله لن يضيعكم، فلا تحزنوا، إن الله معنا.
ويا أيها المجاهدون الصابرون على البأساء والضراء في سرت، لقد لقنتم الأعداء من صبركم دروسا، وكتبتم لمقامات المجد والثبات بدمائكم الطاهرة طروسا، كانت أوروبا الصليبية ولا تزال تطمع بأن تغزو مهد الخلافة وحصن الإسلام في العراق والشام، حتى زلزلتم أمنها بنشأتكم، وقلبتم موازين سياساتها بجهادكم، فصرتم العقبة الكأداء والصخرة الصلبة التي تكسرت عندها إرادتهم، وتحطمت بها مشاريعهم، إن عدوكم يألم كما تألمون، ولكنكم ترجون من ربكم ما لا يرجون، فإياكم أن تبرحوا مقاعد قتالكم ومواطن رباطكم، فلقد أوشك عدوكم أن يمل أو يُدفع فيُفل.
ولا يفوتنا في هذا المقام أن نذكر إخواننا المسلمين عامة بأنه إن ضاقت السبل وتقطعت الطرق بالهجرة إلى أرض العراق والشام، فقد جعل الله لهم سبيلا واسعة للهجرة إلى تلك الولايات المباركة ليقيموا هنالك صرحا من صروح الإسلام ويحوزوا فضل السبق في نصرة دين الله وإعلاء كلمته، قال تعالى: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ} [العنكبوت: 56].
وإلى إخواننا القابضين على الجمر الذين ابتلاهم الله بالأسر، إنا على قدر ما نحن فيه من منازلة ضخمة لأعداء الله، فإننا والله ما نسيناكم ولن ننساكم، كيف وأنتم أرقنا الدائم وهمنا الذي لا يبرح، نسأل الله أن يجعل فك أسركم على أيدينا، وكسر سجونكم بأسلحتنا وحديدنا، وما ذلك على الله بعزيز، فعليكم بالتضرع إلى الله ببلائكم، وتذكروا أن الله يصنعكم ليوم تنصرون فيه دينكم ودولتكم، وإني أحرضكم على الدعاء العظيم لإخوانكم في الدولة الإسلامية أن يهيئ الله لهم من أمرهم رشدا، وأن يجعل معونته الحسنى لهم مددا، ويغنيهم به عمن سواه، فك الله أسركم وكشف كربكم، وجبر كسركم، وقوّى عزمكم، وجعل لكم فرجا ومخرجا.
أيها المسلمون في كل مكان، إني معزيكم ومعزي المجاهدين عامة بمقتل الشيوخ والقادة، وعلى رأسهم الشيخ أبو محمد العدناني والشيخ أبو محمد الفرقان، رحمهم الله، وأعلى في الفردوس مسكنهم، فقد كانوا لنا من خيرة الوزراء، وصالح الأمراء، إلى ما شرفهم الله به من حسن السابقة وقديم الفضل، والجد في تشييد صرح الخلافة، وحكم الله في الأرض، حتى قضوا نحبهم، وأوفوا ما بذمتهم، نحسبهم كذلك والله حسيبهم، إلا أننا نبشركم -بفضل الله ومَنّه- أن الخلافة ما تعثرت بمقتلهم فضلا عن أن تقف عجلة الجهاد بفقدهم، بل إن تلكم الأجساد الطاهرة ما هي إلا قرابين نقدمها بين يدي الله طلبا لمرضاته واستجلابا للنصر المبين والفتح القريب، بإذن الله، فلقد علمنا في كتاب الله أن استشهاد القادة والصالحين هو الباب الأقرب للتمكين في الأرض، وثواب الدنيا والآخرة، قال الله تعالى عن حال الأنبياء وأتباعهم: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 146-148].
اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم، اللهم عليك بالكفرة المجرمين الذين يصدون عن سبيلك، ويكذّبون رسلك، ويحاربون أولياءك، اللهم أعنا عليهم بسنين كسني يوسف، اللهم أحصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تغادر منهم أحدا، اللهم فرق جمعهم، وشتت شملهم، اللهم من أرادنا وأراد ديننا وجهادنا بسوء، فاجعل دائرة السوء تدور عليه، حتى يُهلك نفسه بيديه، اللهم امكر لنا ولا تمكر علينا، واهدنا، ويسر الهدى لنا، وانصرنا على من بغى علينا، أنت مولانا، نعم المولى ونعم النصير، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
• للإستماع للكلمة الصوتية، تواصل - تيليغرام:
@wmc111at ...المزيد
وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت مع بداية الحملة الصليبية على بلاد المسلمين المسلوبة، التي كان ...
وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت
مع بداية الحملة الصليبية على بلاد المسلمين المسلوبة، التي كان الهدف منها ترسيخ حكم الطاغوت فيها ومنع الموحّدين من إقامة الدين وتحكيم الشرع، أطلق الأحمق المطاع جورج بوش مشروعا موازيا لتبديل دين الناس، وتغيير أصول الإسلام وفروعه، ليصبح متوافقا مع الرؤية الأمريكية الجاهلية للعالم، التي أطلقوا عليها مسمى «النظام العالمي الجديد»، ولتحقيق ذلك لم يجد خيرا من الإخوان المرتدين ليجعل منهم النموذج الذي يدفع الناس إليه ليتّبعوه إن أرادوا رضى أمريكا، فهم قد جرّبوهم، وخبروا فساد معتقدهم وولاءهم لأعداء الدين في مواطن من الأرض عديدة.
ولما كان أتباع الطاغوت أربكان في تركيا هم أكثر مدارس الإخوان المرتدين انحطاطا، وأشدهم انتكاسا في حمأة الشرك، والولاء للمشركين، وقع الاختيار على أحد تلاميذه أردوغان ليمثل هذا النموذج، وذلك لأن التلميذ سبق أستاذه بمراحل في سلوك منهج الديموقراطية والرضى بالعلمانية، فنصبوه رئيسا، وصنعوا له الهالة التي يحتاجها لخداع سفهاء الناس، وكلّفوه بإدارة بعض الملفات في المنطقة، فكان له الدور الكبير مع طواغيت الدول العربية في إنجاز مشروع الصحوات في العراق الذي أعان الصليبيين على إخفاء عار الهزيمة، وساعدهم في تثبيت أركان الحكومة الرافضية في بغداد.
ومنذ بدايات الجهاد في الشام، سعى أردوغان وأجهزة مخابراته إلى جر الفصائل المقاتلة وربطها به، ليرتبطوا عن طريقه بالدول الصليبية التي استثمرتهم لقتال الدولة الإسلامية، وأمرتهم بترك قتال النظام النصيري، حتى صارت أرتالهم تترك جبهات القتال معه، وتتوجه -تحت رعاية جيش الطاغوت أردوغان وبتمويل من حكومته- لقتال الموحدين.
وقد كان أردوغان ودولته الخبيثة يستخْفُون بحربهم على الدولة الإسلامية، ويستترون وراء الفصائل المرتدة التي صُنعت على أعينهم، وغُذِّيت بدعمهم وتمويلهم، وذلك خوفا من أن يقبل الموحدون على تركيا، فيشعلوها حربا لا تخمد نيرانها حتى تُلحق حدودها بغيرها من حدود (سايكس - بيكو) التي أزالها المجاهدون بأيديهم، فلما اشتد القتال بين الدولة الإسلامية وبين التحالف الصليبي وجنوده المرتدين، كشف طاغوت الأتراك عن دوره المعدّ ومهمّته المرسومة، ففتح أجواء بلاده لطائرات الصليب، وفتح حدوده لإمداد الملاحدة في عين الإسلام، وفتح مخازن أسلحته لمرتدي الصحوات في حلب، ولما طُلب منه المزيد، وفّى ولبّى، فزجّ بجيشه في ساحة المعركة ضد جنود الخلافة، وأطلق طائراته لتقصف مواقعهم، وأمر مدفعيته لتدك قرى المسلمين ومدنهم، ومازال يتوعد بالمزيد، وهو يحسب أن ما فعله سيقيه شر ما صنع، ومَن أمِن العقاب أساء الأدب.
لم يتعظ أردوغان وحكومته الزائلة بغيرهم من الحكومات المرتدة التي سلط الله عليها جنود الدولة الإسلامية، فهدّوا بنيانها، ودكّوا أركانها، كما فعلوا مع الروافض من قبل، ولم يتعظوا بأوليائهم الصليبيين الذي صال المجاهدون في مدنهم وجالوا، وجعلوا من أسواقهم وملاهيهم ساحات حرب مفتوحة، كما فعلوا في باريس وبروكسل من قبل، ولم يعوا بعد معنى أن تطلق الدولة الإسلامية نداء للمسلمين بأن يقاتلوا أعداءها بما استطاعوا، فيستجيب لندائها العشرات من جنود الله الأخفياء، وينشروا الرعب في مشارق الأرض ومغاربها بسكاكينهم، وأحزمتهم، وسياراتهم، وبكل ما وقعت عليه أيديهم من سلاح، وما مكّنهم الله به من وسيلة.
وإن حكومة تركيا اليوم بدخولها الحرب المعلنة ضد الدولة الإسلامية إنما تحز عنقها بسكينها، وتقطع أوردتها بيدها، وتشنق نفسها بحبالها، وتخرب بيتها بنفسها، وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت.
فيا جنود الخلافة في تركيا، يا من حال بينكم وبين الهجرة إلى دار الإسلام مرتدو «الـجندرمة»، عليكم بطاغوت تركيا وأتباعه المرتدين، قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين، وأبدؤوا بأئمة الكفر وأوتاد الطاغوت فيها، عليكم بالشرط والقضاة والعساكر، عليكم بعلماء الطاغوت وأنصار حزب أردوغان وغيرها من الأحزاب المرتدة، ولا تنسوا في غمرة حربكم على هؤلاء أن تقتلوا رعايا دول الصليب حيث ثقفتموهم هناك، وأن تشردوا بهم من خلفهم، وتثأروا بقتلهم من جرائمهم بحق إخوانكم.
وإلى كل المرابطين على الثغور مع الجيش التركي وأوليائه، اثبتوا في وجوههم، وليروا منكم غلظة، عسى الله أن يكف بأسهم بكم، والله أشد بأسا وأشد تنكيلا.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 53
الخميس 3 صفر 1438 هـ
• لقراءة الصحيفة، تواصل - تيليغرام:
@wmc111at ...المزيد
مع بداية الحملة الصليبية على بلاد المسلمين المسلوبة، التي كان الهدف منها ترسيخ حكم الطاغوت فيها ومنع الموحّدين من إقامة الدين وتحكيم الشرع، أطلق الأحمق المطاع جورج بوش مشروعا موازيا لتبديل دين الناس، وتغيير أصول الإسلام وفروعه، ليصبح متوافقا مع الرؤية الأمريكية الجاهلية للعالم، التي أطلقوا عليها مسمى «النظام العالمي الجديد»، ولتحقيق ذلك لم يجد خيرا من الإخوان المرتدين ليجعل منهم النموذج الذي يدفع الناس إليه ليتّبعوه إن أرادوا رضى أمريكا، فهم قد جرّبوهم، وخبروا فساد معتقدهم وولاءهم لأعداء الدين في مواطن من الأرض عديدة.
ولما كان أتباع الطاغوت أربكان في تركيا هم أكثر مدارس الإخوان المرتدين انحطاطا، وأشدهم انتكاسا في حمأة الشرك، والولاء للمشركين، وقع الاختيار على أحد تلاميذه أردوغان ليمثل هذا النموذج، وذلك لأن التلميذ سبق أستاذه بمراحل في سلوك منهج الديموقراطية والرضى بالعلمانية، فنصبوه رئيسا، وصنعوا له الهالة التي يحتاجها لخداع سفهاء الناس، وكلّفوه بإدارة بعض الملفات في المنطقة، فكان له الدور الكبير مع طواغيت الدول العربية في إنجاز مشروع الصحوات في العراق الذي أعان الصليبيين على إخفاء عار الهزيمة، وساعدهم في تثبيت أركان الحكومة الرافضية في بغداد.
ومنذ بدايات الجهاد في الشام، سعى أردوغان وأجهزة مخابراته إلى جر الفصائل المقاتلة وربطها به، ليرتبطوا عن طريقه بالدول الصليبية التي استثمرتهم لقتال الدولة الإسلامية، وأمرتهم بترك قتال النظام النصيري، حتى صارت أرتالهم تترك جبهات القتال معه، وتتوجه -تحت رعاية جيش الطاغوت أردوغان وبتمويل من حكومته- لقتال الموحدين.
وقد كان أردوغان ودولته الخبيثة يستخْفُون بحربهم على الدولة الإسلامية، ويستترون وراء الفصائل المرتدة التي صُنعت على أعينهم، وغُذِّيت بدعمهم وتمويلهم، وذلك خوفا من أن يقبل الموحدون على تركيا، فيشعلوها حربا لا تخمد نيرانها حتى تُلحق حدودها بغيرها من حدود (سايكس - بيكو) التي أزالها المجاهدون بأيديهم، فلما اشتد القتال بين الدولة الإسلامية وبين التحالف الصليبي وجنوده المرتدين، كشف طاغوت الأتراك عن دوره المعدّ ومهمّته المرسومة، ففتح أجواء بلاده لطائرات الصليب، وفتح حدوده لإمداد الملاحدة في عين الإسلام، وفتح مخازن أسلحته لمرتدي الصحوات في حلب، ولما طُلب منه المزيد، وفّى ولبّى، فزجّ بجيشه في ساحة المعركة ضد جنود الخلافة، وأطلق طائراته لتقصف مواقعهم، وأمر مدفعيته لتدك قرى المسلمين ومدنهم، ومازال يتوعد بالمزيد، وهو يحسب أن ما فعله سيقيه شر ما صنع، ومَن أمِن العقاب أساء الأدب.
لم يتعظ أردوغان وحكومته الزائلة بغيرهم من الحكومات المرتدة التي سلط الله عليها جنود الدولة الإسلامية، فهدّوا بنيانها، ودكّوا أركانها، كما فعلوا مع الروافض من قبل، ولم يتعظوا بأوليائهم الصليبيين الذي صال المجاهدون في مدنهم وجالوا، وجعلوا من أسواقهم وملاهيهم ساحات حرب مفتوحة، كما فعلوا في باريس وبروكسل من قبل، ولم يعوا بعد معنى أن تطلق الدولة الإسلامية نداء للمسلمين بأن يقاتلوا أعداءها بما استطاعوا، فيستجيب لندائها العشرات من جنود الله الأخفياء، وينشروا الرعب في مشارق الأرض ومغاربها بسكاكينهم، وأحزمتهم، وسياراتهم، وبكل ما وقعت عليه أيديهم من سلاح، وما مكّنهم الله به من وسيلة.
وإن حكومة تركيا اليوم بدخولها الحرب المعلنة ضد الدولة الإسلامية إنما تحز عنقها بسكينها، وتقطع أوردتها بيدها، وتشنق نفسها بحبالها، وتخرب بيتها بنفسها، وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت.
فيا جنود الخلافة في تركيا، يا من حال بينكم وبين الهجرة إلى دار الإسلام مرتدو «الـجندرمة»، عليكم بطاغوت تركيا وأتباعه المرتدين، قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين، وأبدؤوا بأئمة الكفر وأوتاد الطاغوت فيها، عليكم بالشرط والقضاة والعساكر، عليكم بعلماء الطاغوت وأنصار حزب أردوغان وغيرها من الأحزاب المرتدة، ولا تنسوا في غمرة حربكم على هؤلاء أن تقتلوا رعايا دول الصليب حيث ثقفتموهم هناك، وأن تشردوا بهم من خلفهم، وتثأروا بقتلهم من جرائمهم بحق إخوانكم.
وإلى كل المرابطين على الثغور مع الجيش التركي وأوليائه، اثبتوا في وجوههم، وليروا منكم غلظة، عسى الله أن يكف بأسهم بكم، والله أشد بأسا وأشد تنكيلا.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 53
الخميس 3 صفر 1438 هـ
• لقراءة الصحيفة، تواصل - تيليغرام:
@wmc111at ...المزيد
صحيفة النبأ العدد 483 الافتتاحية: فكيف بهم غدا؟! يوما بعد يوم يعاين الثابتون على الحق قلة ...
صحيفة النبأ العدد 483
الافتتاحية:
فكيف بهم غدا؟!
يوما بعد يوم يعاين الثابتون على الحق قلة النصير، ويدركون أن ضريبة ثباتهم تكالب أهل الباطل عليهم، وأن حب العاجلة الفانية غاية شانئيهم ومناوئيهم؛ الذين صاروا يمتدحون الضلال بذريعة "حفظ الأرواح" ولو عاشت في سبيل الوثن! ويذمون سبيل الرشاد ويصفون سالكيه بالفشل ولو قُتلوا في سبيل الله تعالى.
وحقيقة الأمر أنّ تطاوُل العهد قد أتى على قلوب الناس؛ فغيّروا وبدّلوا، فاستصعبوا القراع وشدته! واستسهلوا الاقتراع وسلميّته، فصرت ترى المنتكسين يلمّعون سياساتهم الجاهلية بأنها حققت أهدافها دون إراقة الدماء!، بينما الثابتون على الحق "أضاعوا الثمرة.. بتضحيات فادحة!" زعموا.
فكيف بهم وبزمان قد مضى فيه من التضحيات قصص مسطرة في الكتاب والسنة المعطرة، فتراها تزدحم بمراثي الشهداء من المؤمنين والمؤمنات وتروي المحن والأزمات وتذكر الانحيازات وتحكي الانتصارات، فإنْ كانت "ثمرتهم" وصول الحُكم بمفارقة الدين!، وإن كان مهر الشريعة التضحيات و "فداحتها" بقوافل الشهداء وأنهار الدماء؛ فكيف بهم غدا مع الفتن والملاحم العظام وقد بان أطرافها اليوم؟
كيف هم اليوم مع الروم وعداوتهم، وكيف هم مع حماية بني جلدتهم؟ وكيف بهم غدا إذا نزل الروم بالأعماق وطلبوا قتال فئة من المسلمين، ثم كيف بهم إذا سارت الجموع تفتح القسطنطينية كما أخبر بذلك الصادق المصدوق -صلى الله عليه وسلم- من حديث أبي هريرة: (لا تقوم السّاعة حتّى ينزل الرّوم بالأعماق، أو بدابق، فيخرج إليهم جيش من المدينة، من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافّوا قالت الرّوم: خلّوا بيننا وبين الّذين سبوا منّا نقاتلهم. فيقول المسلمون: لا واللّه، لا نخلّي بينكم وبين إخواننا. فيقاتلونهم فينهزم ثلث لا يتوب اللّه عليهم أبدا، ويقتل ثلثهم أفضل الشّهداء عند اللّه، ويفتتح الثّلث لا يفتنون أبدا، فيفتتحون قسطنطينيّة) [مسلم].
وكيف بهم غدا مع غربة الدين واندثار العلم، فخرج الدجال وقد استتبت له الأمور ودانت له شياطين الإنس والجن، وجاء فأطعم الناس وقد جاعوا وسقاهم وقد قنطوا، والمسلمون مشردون يفرون بدينهم للقفار والجبال، كما روى الإمام أحمد بسند صحيح عن جابر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (ويبعث اللّه معه شياطين تكلّم النّاس، ومعه فتنة عظيمة، يأمر السّماء فتمطر، فيما يرى النّاس، ويقتل نفسا، ثمّ يحييها، فيما يرى النّاس، لا يسلّط على غيرها من النّاس، ويقول: أيّها النّاس، هل يفعل مثل هذا إلّا الرّبّ؟ قال: فيفرّ المسلمون إلى جبل الدّخان بالشّام، فيأتيهم فيحاصرهم، فيشتدّ حصارهم، ويجهدهم جهدا شديدا).
وكيف هم اليوم مع قول الحق أمام الطواغيت، وكيف تمكر الدجاجلة بالمؤمنين فتطلق عليهم نيران الدنيا فيصيرون إلى الجنة بإذن الله، فكيف بهم غدا مع خبر مواجهة أحد الثابتين للدجال: (فإذا رآه المؤمن قال: يا أيّها النّاس، هذا الدّجّال الّذي ذكر رسول اللّه -صلى الله عليه وسلم- قال: فيأمر الدّجّال به فيشبّح، فيقول: خذوه، وشجّوه. فيوسع ظهره وبطنه ضربا، قال: فيقول: أوما تؤمن بي؟ قال: فيقول: أنت المسيح الكذّاب. قال: فيؤمر به فيؤشر بالمئشار من مفرقه حتّى يفرّق بين رجليه، قال: ثمّ يمشي الدّجّال بين القطعتين، ثمّ يقول له: قم. فيستوي قائما، قال: ثمّ يقول له: أتؤمن بي؟ فيقول: ما ازددت فيك إلّا بصيرة. قال: ثمّ يقول: يا أيّها النّاس، إنّه لا يفعل بعدي بأحد من النّاس. قال: فيأخذه الدّجّال ليذبحه، فيجعل ما بين رقبته إلى ترقوته نحاسا، فلا يستطيع إليه سبيلا، قال: فيأخذ بيديه ورجليه، فيقذف به، فيحسب النّاس أنّما قذفه إلى النّار، وإنّما ألقي في الجنّة) [مسلم] وغير ذلك من مشاهد آخر الزمان، الذي تدنو إرهاصاته.
إن أتباع عيسى ابن مريم لن ينبعوا بين ليلة وضحاها، ولن ينزلوا معه من السماء، فهم ثمرة توحيد وجهاد وثبات متعاقب طيلة السنين، ثمرة لا تضيع بل تعظم من أجلها التضحيات، وكذا الطائفة المنصورة لم تنشأ على باطل فتستحيل إلى الحق، إنها لم تبرح الحق من يوم بعث محمد -صلى الله عليه وسلم- حتى نزول عيسى عليه السلام، يؤيد ذلك حديث عمران بن حصين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (لا تزال طائفة من أمّتي يقاتلون على الحقّ ظاهرين على من ناوأهم، حتّى يقاتل آخرهم المسيح الدّجّال) [أحمد وأبو داود]، فعجبا لمنتسب لأمة بعث رسولها بالسيف، وربط واقعها ومصيرها بالقتال حتى قيام الساعة؛ وهو يريد أن يرتع ويلعب بين هذه وتلك!
وعجبا لمن أصيب بداء الرافضة فعطّل الجهاد منتظرا "مهديا" يقاتل معه، فأمثال هؤلاء المنتظِرين لن يجاهدوا اليوم ولن يجاهدوا غدا، وهم كحال بني إسرائيل: {إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ... فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ}، أو كحال يهود المدينة مع بعثة محمد -صلى الله عليه وسلم- كما روى ابن إسحاق قال: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن رجال من قومه، قالوا: "إن مما دعانا إلى الإسلام، مع رحمة الله تعالى وهداه لنا، لما كنا نسمع من رجال يهود، وكنا أهل شرك أصحاب أوثان، وكانوا أهل كتاب عندهم علم ليس لنا، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور، فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون، قالوا لنا: إنه قد تقارب زمان نبي يبعث الآن نقتلكم معه قتل عاد وإرم! فكنا كثيرا ما نسمع ذلك منهم، فلما بعث الله رسوله -صلى الله عليه وسلم- أجبناه، حين دعانا إلى الله تعالى، وعرفنا ما كانوا يتوعدوننا به، فبادرناهم إليه، فآمنا به وكفروا به، ففينا وفيهم نزل هؤلاء الآيات من البقرة: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ}" [السيرة].
لقد تعددت الأسباب والخذلان واحد، وإنما تكون الدائرة سجالا ودولة، هزيمة ونصرا، ومن أراد نصرا بلا جهاد، أو جهادا بلا قتال، أو قتالا بلا تضحية؛ فإنما يطلب دينا آخر غير دين محمد -صلى الله عليه وسلم-، ومن عزت عليه الحياة فهو لا شك ميت، ومن بعدت عليه الشقة فالقادم أبعد وأشق، ولا يزال الجهاد قائما إلى قيام الساعة، وسيظل حال المسلمين بين منح ومحن، حتى ينجز الله وعده وينصر جنده والعاقبة للمتقين.
• المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 483
السنة السادسة عشرة - الخميس 21 شعبان 1446 هـ
• لقراءة الصحيفة وطلب غيرها من المواد، تواصل - تيليغرام:
@wmc111at ...المزيد
الافتتاحية:
فكيف بهم غدا؟!
يوما بعد يوم يعاين الثابتون على الحق قلة النصير، ويدركون أن ضريبة ثباتهم تكالب أهل الباطل عليهم، وأن حب العاجلة الفانية غاية شانئيهم ومناوئيهم؛ الذين صاروا يمتدحون الضلال بذريعة "حفظ الأرواح" ولو عاشت في سبيل الوثن! ويذمون سبيل الرشاد ويصفون سالكيه بالفشل ولو قُتلوا في سبيل الله تعالى.
وحقيقة الأمر أنّ تطاوُل العهد قد أتى على قلوب الناس؛ فغيّروا وبدّلوا، فاستصعبوا القراع وشدته! واستسهلوا الاقتراع وسلميّته، فصرت ترى المنتكسين يلمّعون سياساتهم الجاهلية بأنها حققت أهدافها دون إراقة الدماء!، بينما الثابتون على الحق "أضاعوا الثمرة.. بتضحيات فادحة!" زعموا.
فكيف بهم وبزمان قد مضى فيه من التضحيات قصص مسطرة في الكتاب والسنة المعطرة، فتراها تزدحم بمراثي الشهداء من المؤمنين والمؤمنات وتروي المحن والأزمات وتذكر الانحيازات وتحكي الانتصارات، فإنْ كانت "ثمرتهم" وصول الحُكم بمفارقة الدين!، وإن كان مهر الشريعة التضحيات و "فداحتها" بقوافل الشهداء وأنهار الدماء؛ فكيف بهم غدا مع الفتن والملاحم العظام وقد بان أطرافها اليوم؟
كيف هم اليوم مع الروم وعداوتهم، وكيف هم مع حماية بني جلدتهم؟ وكيف بهم غدا إذا نزل الروم بالأعماق وطلبوا قتال فئة من المسلمين، ثم كيف بهم إذا سارت الجموع تفتح القسطنطينية كما أخبر بذلك الصادق المصدوق -صلى الله عليه وسلم- من حديث أبي هريرة: (لا تقوم السّاعة حتّى ينزل الرّوم بالأعماق، أو بدابق، فيخرج إليهم جيش من المدينة، من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافّوا قالت الرّوم: خلّوا بيننا وبين الّذين سبوا منّا نقاتلهم. فيقول المسلمون: لا واللّه، لا نخلّي بينكم وبين إخواننا. فيقاتلونهم فينهزم ثلث لا يتوب اللّه عليهم أبدا، ويقتل ثلثهم أفضل الشّهداء عند اللّه، ويفتتح الثّلث لا يفتنون أبدا، فيفتتحون قسطنطينيّة) [مسلم].
وكيف بهم غدا مع غربة الدين واندثار العلم، فخرج الدجال وقد استتبت له الأمور ودانت له شياطين الإنس والجن، وجاء فأطعم الناس وقد جاعوا وسقاهم وقد قنطوا، والمسلمون مشردون يفرون بدينهم للقفار والجبال، كما روى الإمام أحمد بسند صحيح عن جابر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (ويبعث اللّه معه شياطين تكلّم النّاس، ومعه فتنة عظيمة، يأمر السّماء فتمطر، فيما يرى النّاس، ويقتل نفسا، ثمّ يحييها، فيما يرى النّاس، لا يسلّط على غيرها من النّاس، ويقول: أيّها النّاس، هل يفعل مثل هذا إلّا الرّبّ؟ قال: فيفرّ المسلمون إلى جبل الدّخان بالشّام، فيأتيهم فيحاصرهم، فيشتدّ حصارهم، ويجهدهم جهدا شديدا).
وكيف هم اليوم مع قول الحق أمام الطواغيت، وكيف تمكر الدجاجلة بالمؤمنين فتطلق عليهم نيران الدنيا فيصيرون إلى الجنة بإذن الله، فكيف بهم غدا مع خبر مواجهة أحد الثابتين للدجال: (فإذا رآه المؤمن قال: يا أيّها النّاس، هذا الدّجّال الّذي ذكر رسول اللّه -صلى الله عليه وسلم- قال: فيأمر الدّجّال به فيشبّح، فيقول: خذوه، وشجّوه. فيوسع ظهره وبطنه ضربا، قال: فيقول: أوما تؤمن بي؟ قال: فيقول: أنت المسيح الكذّاب. قال: فيؤمر به فيؤشر بالمئشار من مفرقه حتّى يفرّق بين رجليه، قال: ثمّ يمشي الدّجّال بين القطعتين، ثمّ يقول له: قم. فيستوي قائما، قال: ثمّ يقول له: أتؤمن بي؟ فيقول: ما ازددت فيك إلّا بصيرة. قال: ثمّ يقول: يا أيّها النّاس، إنّه لا يفعل بعدي بأحد من النّاس. قال: فيأخذه الدّجّال ليذبحه، فيجعل ما بين رقبته إلى ترقوته نحاسا، فلا يستطيع إليه سبيلا، قال: فيأخذ بيديه ورجليه، فيقذف به، فيحسب النّاس أنّما قذفه إلى النّار، وإنّما ألقي في الجنّة) [مسلم] وغير ذلك من مشاهد آخر الزمان، الذي تدنو إرهاصاته.
إن أتباع عيسى ابن مريم لن ينبعوا بين ليلة وضحاها، ولن ينزلوا معه من السماء، فهم ثمرة توحيد وجهاد وثبات متعاقب طيلة السنين، ثمرة لا تضيع بل تعظم من أجلها التضحيات، وكذا الطائفة المنصورة لم تنشأ على باطل فتستحيل إلى الحق، إنها لم تبرح الحق من يوم بعث محمد -صلى الله عليه وسلم- حتى نزول عيسى عليه السلام، يؤيد ذلك حديث عمران بن حصين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (لا تزال طائفة من أمّتي يقاتلون على الحقّ ظاهرين على من ناوأهم، حتّى يقاتل آخرهم المسيح الدّجّال) [أحمد وأبو داود]، فعجبا لمنتسب لأمة بعث رسولها بالسيف، وربط واقعها ومصيرها بالقتال حتى قيام الساعة؛ وهو يريد أن يرتع ويلعب بين هذه وتلك!
وعجبا لمن أصيب بداء الرافضة فعطّل الجهاد منتظرا "مهديا" يقاتل معه، فأمثال هؤلاء المنتظِرين لن يجاهدوا اليوم ولن يجاهدوا غدا، وهم كحال بني إسرائيل: {إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ... فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ}، أو كحال يهود المدينة مع بعثة محمد -صلى الله عليه وسلم- كما روى ابن إسحاق قال: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن رجال من قومه، قالوا: "إن مما دعانا إلى الإسلام، مع رحمة الله تعالى وهداه لنا، لما كنا نسمع من رجال يهود، وكنا أهل شرك أصحاب أوثان، وكانوا أهل كتاب عندهم علم ليس لنا، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور، فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون، قالوا لنا: إنه قد تقارب زمان نبي يبعث الآن نقتلكم معه قتل عاد وإرم! فكنا كثيرا ما نسمع ذلك منهم، فلما بعث الله رسوله -صلى الله عليه وسلم- أجبناه، حين دعانا إلى الله تعالى، وعرفنا ما كانوا يتوعدوننا به، فبادرناهم إليه، فآمنا به وكفروا به، ففينا وفيهم نزل هؤلاء الآيات من البقرة: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ}" [السيرة].
لقد تعددت الأسباب والخذلان واحد، وإنما تكون الدائرة سجالا ودولة، هزيمة ونصرا، ومن أراد نصرا بلا جهاد، أو جهادا بلا قتال، أو قتالا بلا تضحية؛ فإنما يطلب دينا آخر غير دين محمد -صلى الله عليه وسلم-، ومن عزت عليه الحياة فهو لا شك ميت، ومن بعدت عليه الشقة فالقادم أبعد وأشق، ولا يزال الجهاد قائما إلى قيام الساعة، وسيظل حال المسلمين بين منح ومحن، حتى ينجز الله وعده وينصر جنده والعاقبة للمتقين.
• المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 483
السنة السادسة عشرة - الخميس 21 شعبان 1446 هـ
• لقراءة الصحيفة وطلب غيرها من المواد، تواصل - تيليغرام:
@wmc111at ...المزيد
صحيفة النبأ العدد 482 المقال الافتتاحي: في الأصل لا الحاشية! أمام الضجة الكبيرة التي أثارها ...
صحيفة النبأ العدد 482
المقال الافتتاحي:
في الأصل لا الحاشية!
أمام الضجة الكبيرة التي أثارها قرار طالبان منع "كتاب التوحيد" والصدمة التي أحدثها ذلك في الأوساط الجهادية الموالية لطالبان؛ لم يكن أمام الميليشيا إلا محاولة تبرير ذلك بترقيعٍ متداعٍ جاء معتمدًا بالكلّية على بثوث "فقهاء التراجعات" واستعارةً لوحي شياطينهم الذي لم يصمد أمام صواعق الحق المرسلة.
وكان لافتًا امتعاض الميليشيا من وصف البعض لها بـ "القبورية" والحقيقة أنّ هذا الوصف هو تقزيم لجرمها وتقنين لانحرافها، فالقبورية وما اتصل بها هي مشكلة عقدية واحدة من جملة مشاكل "الإمارة الجاهلية" التي بنت حكمها على الديمقراطية والاعتراف بالمواثيق الدولية والانخراط في "مكافحة الإرهاب" شأنها شأن أيّ حكومة مرتدة، كما ينبغي لطلاب التوحيد الحذر من حصر انحراف طالبان في "القبورية".
كما ينبغي الانتباه إلى أنّ آفة عصرنا اليوم ليست في "القبورية" كما كان عليه الحال في حقب تاريخية سابقة، بل آفة عصرنا في الحكم الديمقراطي الذي يساوي بين الخالق والشعب! ويجعل الأخير مصدرا للتشريع!، آفة عصرنا في تعطيل الشرع واستبداله بالدساتير الوطنية التي صارت منتهى غاية الجهاديين الثوريين وأمارة نجاح تجاربهم وثوراتهم!
ولعل من أقبح ما بررت به "الإمارة الديمقراطية" موقفها من كتاب التوحيد؛ نسبة القرار إلى "وزارة إعلامها" كإجراءٍ رسميٍّ قاسته على إجراءات وزارات إعلام "نظرائها" في حكومات الردة، وهي حتى في تبريرها هذا، لم تستطع أنْ تخرج عن عباءة الحكومات المرتدة والتزيّي بزيّها والتأسي بسياساتها قولا وفعلا، فأدانت نفسها من حيث لا تدري! ورسّخت ما تفانت لتنفيه عن نفسها، حتى أنها استعارت نفس "المبررات والعبارات" التي تدرجها حكومات الردة في بياناتها وتصدّرها مؤتمرات "مكافحة الإرهاب" بقولها: "إنّ ما ترفضه الإمارة أنْ يُستغل اسم الإسلام وتوحيد الله، لأغراض سياسية وحزبية وغيرها.." وكأنك تقرأ بيانا لوزارة الداخلية السلولية التي أضمرت "الإمارة" قياس موقفها بمنع الكتاب؛ بمواقف مشابهة لحكومة آل سلول، في طفرة حديثة تنسب السلفية وتُحاكمها إلى مواقف طواغيت آل سلول وبلاعمتهم، في حرب تشويه مقصودة مرصودة على العقيدة السلفية في زمن طغيان اللوثة الإخوانية التي ألجمت الحركات الجهادية إلجاما.
وكان من جملة ترقيع الإمارة لموقفها الجاهلي، تصريحها بأنّ مشكلتها كانت مع "حواش وزيادات رأت أن فيها غلوا وإفراطا، وليس لمخالفتها مضمون الكتاب أو معارضته لجوهره" وهو تبرير تلقّفته من جوقة "فقهاء التراجعات" الذين صنعتهم "الحوزة الخليجية" لتدوير الجهاديين الناكثين وإعادة استخدامهم في حرب المجاهدين!، وفات هؤلاء جميعا أنّ الحكم على طالبان لا يحتاج للنظر في كتاباتها وتبريراتها ولا استعاراتها، فسلوكها العملي على الأرض يكفي للحكم عليها.
والناظر لاحمرار وانتفاخ أوداج الإمارة الشيطانية وهي ترقّع حربها على التوحيد، يلحظ كيف خصّت بخطابها الدولة الإسلامية -التي تسمّيها بمسميات قاموس البنتاغون للمصطلحات الإعلامية- مع أنّ أطرافا كثيرة أخرى انبرت للرد على طالبان، بل إنّ الدولة الإسلامية لم تتطرق للأمر في إعلامها الرسمي قبل هذه اللحظة، ومع ذلك لم يثر حفيظة طالبان غير الدولة الإسلامية التي بمحاربتها؛ نالت الإمارة الوطنية -ومثلها الإدارة السورية- أوراق الاعتماد الدولية.
نعم، فما اعترف به خطاب "الإمارة" ونَطقه رغمًا عنها، أنّ الدولة الإسلامية رأس حربة في نصرة التوحيد، وهي المتن والحاشية والميمنة والميسرة والطليعة في الدفاع عنه، وتحت ظلاله وعلى عتباته جادت بخيرة أمرائها وجيوش أبنائها البررة الذين أمهروا التوحيد دماءهم وأفنوا لأجله زهرة شبابهم في السجون التي تتنافس وتتسابق "الإمارة والإدارة" لحراستها خدمة وتقرّبا لقيصر وأتاتورك!
أيها الدراويش الديمقراطيون، إن التوحيد الذي تحمله الدولة الإسلامية وتطبقه في عسرها ويسرها، هو الذي لأجله جلبتكم أمريكا إلى طاولة المؤامرات عليه، وأدخلتكم بيت الطاعة لحربه، إنه التوحيد الذي تترزقون به على الموائد الصليبية والدولية، بينما تدفع الدولة الإسلامية أثمانا أخدودية لحفظه ونصرته والموت تحت رايته عبيدا لله تعالى، فهذه هي الحرية وما عداها باطل.
ومن جملة إخفاقات الإمارة في ترقيع حربها على التوحيد، أنها جمعته في سياق واحد مع اعتراضها على إعلان "المحكمة الجنائية" فرض عقوبات بحق بعض قادتها، واستجدائها رفع "القيود السياسية المفروضة على حكومتها"، فهل هذا خطابُ كافرٍ بالمحكمة الدولية أم خاضع لها معتدٍّ بها متأثرٍ بتقييماتها؟! إنّ هذا نموذج واحد فقط لرسوب طالبان في اختبار التوحيد العملي بعيدا عن خدعة "الحواشي والزيادات" فمشكلتها مع "الأصل" لا الحاشية!
وإنّ التلويح الصليبي بفرض عقوبات على بعض قادة طالبان رغم كل قرابين الطاعة التي ذبحوها على النُّصب الأمريكية، هو أمر متوقع في سياق الابتزاز والضغط المتواصل، ضمن سياسة صليبية معروفة في "تعميد" الناكثين وامتحان ردتهم وتعميق هوّة انحرافهم، وسيتعمّق هذا الابتزاز ويمتد ليطال كل "الحكومات الجهادية" المرتدة مصداقا لقوله تعالى: {وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ}، وإنّ ما يجهله هؤلاء أنّ مسك العصا من المنتصف بين الإسلام والكفر كفر بعينه، وأنّ التمايز لن يترك للرماديين موضع قدم، وأنّ القادم أسود أو أبيض شاء المتلونون أم أبوا، إنه دين الله تعالى وشرعه وتوحيده الذي لا يقبل القسمة على اثنين فما هو حق لله تعالى لن يكون حقا لغيره سبحانه.
وإنّ من جملة إخفاقات الميليشيا في معركة الترقيع قولها إنه "لو كان لديها مشكلة مع مفهوم توحيد الله بالعبادة، لما اكتظت مكاتب أفغانستان بكتب العقيدة الإسلامية!" وهل فرغت مكاتب آل سلول من كتب العقيدة الإسلامية ومتونها الأصلية وهم أعدى أعدائها وأئمة الكفر في حربها وتحريفها! {كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا}.
إنّ العقائد لا تحفظ في متون الكتب وبطونها، إنما تصونها الدماء -وتصون الدماء- في ميادين القتال والمراغمة، وترسم خارطة الطريق في الحكم والعلاقات والولاءات، يحتكم إليها المسلمون دوما وأبدا دون غيرها ولا يعدلون أو يخلطون بها سواها، ولا يستبدلونها بالشورى الأمريكية نعني "الديمقراطية".
إنّ شواهد حرب طالبان وأخواتها على التوحيد مستفيضة عملية في الميدان ولا يزيدها منع كتاب أو كتابين أو حذف سطر أو اثنين، ولا يغفره التمسّح بتضحيات الأفغانيين، بل من الخيانة لها أنْ تُمنح ثمرتها لحكومة ديمقراطية تحتكم لنفس الدساتير التي ينافح عنها طواغيت الحكم الجاهلي؛ {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ}.
المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 482
السنة السادسة عشرة - الخميس 14 شعبان 1446 هـ
• لقراءة الصحيفة، تواصل - تيليغرام:
@wmc111at ...المزيد
المقال الافتتاحي:
في الأصل لا الحاشية!
أمام الضجة الكبيرة التي أثارها قرار طالبان منع "كتاب التوحيد" والصدمة التي أحدثها ذلك في الأوساط الجهادية الموالية لطالبان؛ لم يكن أمام الميليشيا إلا محاولة تبرير ذلك بترقيعٍ متداعٍ جاء معتمدًا بالكلّية على بثوث "فقهاء التراجعات" واستعارةً لوحي شياطينهم الذي لم يصمد أمام صواعق الحق المرسلة.
وكان لافتًا امتعاض الميليشيا من وصف البعض لها بـ "القبورية" والحقيقة أنّ هذا الوصف هو تقزيم لجرمها وتقنين لانحرافها، فالقبورية وما اتصل بها هي مشكلة عقدية واحدة من جملة مشاكل "الإمارة الجاهلية" التي بنت حكمها على الديمقراطية والاعتراف بالمواثيق الدولية والانخراط في "مكافحة الإرهاب" شأنها شأن أيّ حكومة مرتدة، كما ينبغي لطلاب التوحيد الحذر من حصر انحراف طالبان في "القبورية".
كما ينبغي الانتباه إلى أنّ آفة عصرنا اليوم ليست في "القبورية" كما كان عليه الحال في حقب تاريخية سابقة، بل آفة عصرنا في الحكم الديمقراطي الذي يساوي بين الخالق والشعب! ويجعل الأخير مصدرا للتشريع!، آفة عصرنا في تعطيل الشرع واستبداله بالدساتير الوطنية التي صارت منتهى غاية الجهاديين الثوريين وأمارة نجاح تجاربهم وثوراتهم!
ولعل من أقبح ما بررت به "الإمارة الديمقراطية" موقفها من كتاب التوحيد؛ نسبة القرار إلى "وزارة إعلامها" كإجراءٍ رسميٍّ قاسته على إجراءات وزارات إعلام "نظرائها" في حكومات الردة، وهي حتى في تبريرها هذا، لم تستطع أنْ تخرج عن عباءة الحكومات المرتدة والتزيّي بزيّها والتأسي بسياساتها قولا وفعلا، فأدانت نفسها من حيث لا تدري! ورسّخت ما تفانت لتنفيه عن نفسها، حتى أنها استعارت نفس "المبررات والعبارات" التي تدرجها حكومات الردة في بياناتها وتصدّرها مؤتمرات "مكافحة الإرهاب" بقولها: "إنّ ما ترفضه الإمارة أنْ يُستغل اسم الإسلام وتوحيد الله، لأغراض سياسية وحزبية وغيرها.." وكأنك تقرأ بيانا لوزارة الداخلية السلولية التي أضمرت "الإمارة" قياس موقفها بمنع الكتاب؛ بمواقف مشابهة لحكومة آل سلول، في طفرة حديثة تنسب السلفية وتُحاكمها إلى مواقف طواغيت آل سلول وبلاعمتهم، في حرب تشويه مقصودة مرصودة على العقيدة السلفية في زمن طغيان اللوثة الإخوانية التي ألجمت الحركات الجهادية إلجاما.
وكان من جملة ترقيع الإمارة لموقفها الجاهلي، تصريحها بأنّ مشكلتها كانت مع "حواش وزيادات رأت أن فيها غلوا وإفراطا، وليس لمخالفتها مضمون الكتاب أو معارضته لجوهره" وهو تبرير تلقّفته من جوقة "فقهاء التراجعات" الذين صنعتهم "الحوزة الخليجية" لتدوير الجهاديين الناكثين وإعادة استخدامهم في حرب المجاهدين!، وفات هؤلاء جميعا أنّ الحكم على طالبان لا يحتاج للنظر في كتاباتها وتبريراتها ولا استعاراتها، فسلوكها العملي على الأرض يكفي للحكم عليها.
والناظر لاحمرار وانتفاخ أوداج الإمارة الشيطانية وهي ترقّع حربها على التوحيد، يلحظ كيف خصّت بخطابها الدولة الإسلامية -التي تسمّيها بمسميات قاموس البنتاغون للمصطلحات الإعلامية- مع أنّ أطرافا كثيرة أخرى انبرت للرد على طالبان، بل إنّ الدولة الإسلامية لم تتطرق للأمر في إعلامها الرسمي قبل هذه اللحظة، ومع ذلك لم يثر حفيظة طالبان غير الدولة الإسلامية التي بمحاربتها؛ نالت الإمارة الوطنية -ومثلها الإدارة السورية- أوراق الاعتماد الدولية.
نعم، فما اعترف به خطاب "الإمارة" ونَطقه رغمًا عنها، أنّ الدولة الإسلامية رأس حربة في نصرة التوحيد، وهي المتن والحاشية والميمنة والميسرة والطليعة في الدفاع عنه، وتحت ظلاله وعلى عتباته جادت بخيرة أمرائها وجيوش أبنائها البررة الذين أمهروا التوحيد دماءهم وأفنوا لأجله زهرة شبابهم في السجون التي تتنافس وتتسابق "الإمارة والإدارة" لحراستها خدمة وتقرّبا لقيصر وأتاتورك!
أيها الدراويش الديمقراطيون، إن التوحيد الذي تحمله الدولة الإسلامية وتطبقه في عسرها ويسرها، هو الذي لأجله جلبتكم أمريكا إلى طاولة المؤامرات عليه، وأدخلتكم بيت الطاعة لحربه، إنه التوحيد الذي تترزقون به على الموائد الصليبية والدولية، بينما تدفع الدولة الإسلامية أثمانا أخدودية لحفظه ونصرته والموت تحت رايته عبيدا لله تعالى، فهذه هي الحرية وما عداها باطل.
ومن جملة إخفاقات الإمارة في ترقيع حربها على التوحيد، أنها جمعته في سياق واحد مع اعتراضها على إعلان "المحكمة الجنائية" فرض عقوبات بحق بعض قادتها، واستجدائها رفع "القيود السياسية المفروضة على حكومتها"، فهل هذا خطابُ كافرٍ بالمحكمة الدولية أم خاضع لها معتدٍّ بها متأثرٍ بتقييماتها؟! إنّ هذا نموذج واحد فقط لرسوب طالبان في اختبار التوحيد العملي بعيدا عن خدعة "الحواشي والزيادات" فمشكلتها مع "الأصل" لا الحاشية!
وإنّ التلويح الصليبي بفرض عقوبات على بعض قادة طالبان رغم كل قرابين الطاعة التي ذبحوها على النُّصب الأمريكية، هو أمر متوقع في سياق الابتزاز والضغط المتواصل، ضمن سياسة صليبية معروفة في "تعميد" الناكثين وامتحان ردتهم وتعميق هوّة انحرافهم، وسيتعمّق هذا الابتزاز ويمتد ليطال كل "الحكومات الجهادية" المرتدة مصداقا لقوله تعالى: {وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ}، وإنّ ما يجهله هؤلاء أنّ مسك العصا من المنتصف بين الإسلام والكفر كفر بعينه، وأنّ التمايز لن يترك للرماديين موضع قدم، وأنّ القادم أسود أو أبيض شاء المتلونون أم أبوا، إنه دين الله تعالى وشرعه وتوحيده الذي لا يقبل القسمة على اثنين فما هو حق لله تعالى لن يكون حقا لغيره سبحانه.
وإنّ من جملة إخفاقات الميليشيا في معركة الترقيع قولها إنه "لو كان لديها مشكلة مع مفهوم توحيد الله بالعبادة، لما اكتظت مكاتب أفغانستان بكتب العقيدة الإسلامية!" وهل فرغت مكاتب آل سلول من كتب العقيدة الإسلامية ومتونها الأصلية وهم أعدى أعدائها وأئمة الكفر في حربها وتحريفها! {كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا}.
إنّ العقائد لا تحفظ في متون الكتب وبطونها، إنما تصونها الدماء -وتصون الدماء- في ميادين القتال والمراغمة، وترسم خارطة الطريق في الحكم والعلاقات والولاءات، يحتكم إليها المسلمون دوما وأبدا دون غيرها ولا يعدلون أو يخلطون بها سواها، ولا يستبدلونها بالشورى الأمريكية نعني "الديمقراطية".
إنّ شواهد حرب طالبان وأخواتها على التوحيد مستفيضة عملية في الميدان ولا يزيدها منع كتاب أو كتابين أو حذف سطر أو اثنين، ولا يغفره التمسّح بتضحيات الأفغانيين، بل من الخيانة لها أنْ تُمنح ثمرتها لحكومة ديمقراطية تحتكم لنفس الدساتير التي ينافح عنها طواغيت الحكم الجاهلي؛ {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ}.
المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 482
السنة السادسة عشرة - الخميس 14 شعبان 1446 هـ
• لقراءة الصحيفة، تواصل - تيليغرام:
@wmc111at ...المزيد