سياحة الجهاد • روى أبو داود في سُننه عن أبي أمامة الباهلي -رضي الله عنه- أن رجلا قال: «يا رسول ...

سياحة الجهاد

• روى أبو داود في سُننه عن أبي أمامة الباهلي -رضي الله عنه- أن رجلا قال: «يا رسول الله، ائذن لي بالسياحة»؛ فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: (إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله)؛ سكت عنه أبو داود، ورواه الحاكم في مستدركه وصحّح إسناده، وصحّحه عبد الحق الإشبيلي والذهبي، وجوّد إسناده النووي والعراقي.

وهذا الحديث مما أخطأ بعض أهل الهجرة والجهاد في فهمه، وظنوا أن سياحة الجهاد هي ما عليه أهل العصر من «التنقل من بلد إلى بلد طلبا للتنزه أو الاستطلاع والكشف» [المعجم الوسيط المعاصر]، فإذا نظر بعد فهمه الخاطئ إلى شيء من جمال البلد المُهاجَر إليه من جبال وأنهار وشواطئ وأشجار، أو وجد شيئا من رغد العيش فيه من طعام وشراب وزينة وراحة، أشار إلى زهرة الحياة الدنيا، وقال: «صدق رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إن الجهاد سياحة الأمة!».

وهكذا أخطأ كثير من الناس في فهم الحديث والأثر، فشتّان ما بين ما هو مقصود في الحديث الشريف، وبين ما ذهبت إليه أذهان كثير من الناس.

فإن قيل، فما معنى «السياحة» المذكورة إن لم يكن سفر النزهة المتعارف عليه؟

الجواب: إنما يُفسّر غريب الحديث والأثر بلسان العرب الفصيح وبفهم السلف الصالح -لا ما اصطلح عليه المتأخرون ولا ما تعارف عليه المعاصرون- وهذا بالرجوع إلى أئمة اللغة والغريب، الذين حفظوا معاني القرآن والحديث لمن بعدهم من القرون كما حفظ القراء والمحدثون ألفاظ الوحيين، جزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خيرا كبيرا كثيرا.

قال ابن قتيبة، رحمه الله (المتوفى 276 هـ) في شرح ما جاء من السياحة في الأثر: «[السياحة]: مفارقة الأمصار والذهاب في الأرض كفعل... عُبّاد بني إسرائيل... وأراد -صلى الله عليه وسلم- أن الله -جل وعز- قد وضع هذا عن المسلمين وبعثه بالحنيفية السمحة» [غريب الحديث].

وقال ابن الأنباري، رحمه الله (المتوفى 328 هـ): «السياحة: الخروج إلى أطراف البلاد، والتفرد من الناس، بحيث لا يشهد جمعة، ولا يحضر جماعة» [الزاهر].

وقال أبو منصور الأزهري، رحمه الله (المتوفى 370 هـ): «قال الليث: السياحة ذهاب الرجل في الأرض للعبادة والترهّب، وسياحة هذه الأمة الصيام ولزوم المساجد» [تهذيب اللغة].

فالسياحة التي لم يأذن بها النبي -صلى الله عليه وسلم- هي من الترهّب الذي لم يشرّعه أحكم الحاكمين، قال سبحانه وتعالى: {ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد: 27].

عن عروة بن الزبير -رحمه الله- قال: «دخلت امرأة عثمان بن مظعون... على عائشة وهي باذَّة الهيئة فسألتها ما شأنك؟ فقالت: زوجي يقوم الليل ويصوم النهار؛ فدخل النبي -صلى الله عليه وسلم- فذكرت عائشة ذلك له، فلقي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عثمان فقال: (يا عثمان، إن الرهبانية لم تكتب علينا، أفما لك فيّ أسوة، فوالله إني أخشاكم لله، وأحفظكم لحدوده) [رواه أحمد وأبو داود وابن حبان].

وهكذا، لما استأذن بعض الصحابة -رضي الله عنهم- النبي -صلى الله عليه وسلم- في السياحة، نهاه -صلى الله عليه وسلم- عن التشبّه بالرهبان الضالين، وأرشده إلى ما شرعه الله –تعالى- منهاجا لخير أمة أخرجت للناس: الجهاد في سبيله؛ وفيه ما في سياحة الرهبانية من الزهد والعزلة والذكر والعبادة، يتقرب المجاهد إلى الله بالتزام هذه الحقائق في أسفار جهاده، وليكون بذلك من رهبان الليل فرسان النهار، وهم: {ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ} [الواقعة: 13-14].

وتشهد لقول أئمة اللغة بعضُ الأحاديث المرفوعة الضعيفة، منها: (عليك بالجهاد، فإنه رهبانية الإسلام) [رواه أحمد عن أبي سعيد الخدري]، و(لكل نبي رهبانية، ورهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل الله) [رواه أحمد عن أنس]، و(عليك بالجهاد فإنه رهبانية أمّتي) [رواه ابن حبّان عن أبي ذر].
ومنها: رواية لحديث عثمان بن مظعون، أنه أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: «ائذن لنا بالاختصاء»؛ فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (ليس منا من خصى، ولا اختصى، إنّ إخصاء أمتي الصيام)؛ فقال: «يا رسول الله، ائذن لنا في السياحة»؛ فقال: (إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله)؛ فقال: «يا رسول الله، ائذن لنا في الترهّب»؛ فقال: (إن ترهّب أمتي الجلوس في المساجد انتظار الصلاة) [رواه ابن المبارك في الزهد بإسناد ضعيف].
...المزيد

قصة شهيد: أبو جهاد الكبيِّر حفظ كتاب الله وعمل بما فيه، نحسبه والله حسيبه.. (٢/٢) وقد أحسن ...

قصة شهيد:
أبو جهاد الكبيِّر
حفظ كتاب الله
وعمل بما فيه، نحسبه والله حسيبه..

(٢/٢)
وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن

مكث في السجن 3 سنين حتى فرّج الله عنه مع بدايات الجهاد في الشام، وبمجرد خروجه بدأ بالبحث عن طريق إلى ساحات الجهاد، وتخطي منع السفر الذي فرضه الطواغيت عليه ، فبقي عدة أشهر على هذا الحال حتى يسر الله له طريقاً إلى الشام، وكان خلال فترة الانتظار يجهز بعض المواد الإعلامية، ويجمع ما تفرّق من كلمات المجاهدين وعلمائهم، ليعدها ويوزعها بين الشباب، وكذلك شارك في مواقع التواصل مع أنصار الجهاد، حتى يسّر الله له الطريق فلم ينتظر أو يتوانَ، وانطلق مستعيناً بالله ووصل -بفضل الله- إلى الشام بسهولة ويسر.

وما إن أنهى المعسكر حتى بدأ بإكمال بعض مشاريعه الدعوية والإعلامية، وتوزيع ما جمعه من مواد علمية على الإخوة ليستفيدوا منها في أوقات فراغهم، فقد كان يتحسر دائماً على أي لحظة يضيعها من عمره دون أن يقدم شيئا للإسلام والمسلمين.

ومن تجربته الأولى مع حمير العلم ودعاة الضلالة عَلم كبير خطرهم على المسلمين، فكان لا يجلس مجلساً إلا حذّر منهم، ودعا إلى البراءة من أولئك الرموز الذين اتخذهم الناس طواغيت يتبعونها على ضلالة، خاصة وأن شرّهم وصل إلى ساحات الجهاد، فحشروا أنوفهم في كل صغيرة وكبيرة، لينفّذوا أوامر أسيادهم في تخريب الجهاد، والتحريض على الموحدين، ولم يطل الوقت حتى قامت صحوات الشام وغدرت بالمجاهدين بفتاويهم وتوصياتهم، فثبت -تقبله الله- وثبت إخوانه، وقد سمع في أول يوم من قيام الصحوات عن مجموعة من الشباب تردّدوا في قتال الصحوات، فقام إليهم مسرعاً وجمعهم وخطب فيهم خطبة بليغة انشرحت بها صدورهم، بفضل الله، ومضوا يقاتلون أولئك المرتدين بثبات ويقين.

ربِّ أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ

وبعد القضاء على الصحوات في أغلب المناطق وانحياز المجاهدين في ريف حلب الشمالي، كان أبو جهاد واحدا منهم، حيث انتقل إلى مدينة منبج وعمل في مركز الحسبة فيها، آمرا بالمعروف وناهيا عن المنكر.

فكان لا يترك منكراً إلا وأنكره مهما صغُر، وإن لم يجد منكراً أمر بالمعروف، فلا يجد رجلا من عامة المسلمين أو مجاهدا من إخوانه إلا أمره بمعروف يناسب حاله، فتميَّز بذلك، فلا تجده في مكان إلا وهو يتكلم مع هذا وينصح ذاك، وكان يصل ليله بنهاره مجتهدا في الاحتساب في هذا الميدان، وكان له ولإخوانه في منبج قصب السبق في إقامة الدورات الشرعية للموقوفين من أهل المعاصي والمنكرات.

وبقي على هذه الحال زماناً طويلاً لا يفتر ولا يكل أو يمل، وكل همه رفع راية لا إله إلا الله، وإن كان حاله يوم أن كان بين أظهر السرورية شعلة لا تنطفئ فهو في الجهاد بركان لا يخمد، وقد كان المجاهدون يتعجبون أشد العجب من صبره وجلده وبذله في كل مجال، خاصة فيما لم يكلَّف به إدارياً، فعمله الأساسي لا يحتمله إلا رجل جلد صبور؛ إذ يقابل عشرات وربما مئات الناس يومياً في مكتب الحسبة ويتعامل مع قضاياهم، ومع كل هذا لا تفارق الابتسامة وجهه، فأحبه عامة المسلمين وكان سبباً بعد توفيق الله لهداية كثير منهم، ولحوقهم بالمجاهدين.

من الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، نحسبه

ومع كل هذا البذل ومع أنه لم يترك هيعة أو صيحة للقتال إلا كان من أول المجيبين لها، فقد كان يتهم نفسه دوماً بالنفاق ويحزن على بقائه كل هذا المدة بعيدا عن الرباط والقتال، فكم ألح على أميره لينقله من عمله إلى الكتائب العسكرية فيبقى في الرباط دائماً، ولكن أميره كان يذكِّره بأهمية عمله، وقلة من يسد مكانه، حتى وصل القتال إلى مدينة منبج، فصدَّق الأقوال بالأفعال، والتزم الرباط على ثغور منبج.

وفي اليوم الثالث عشر من رمضان تسلل إلى موقع قريب من نقطته مجموعة من مقاتلي حزب الـ PKK المرتدين، فلم يتراجع من مكانه، بل بادر بالهجوم عليهم، وسمعه الإخوة على اللاسلكي وهو يقول: قتلت المرتد الأول! ثم يخبرهم أنه قد أجهز على الثاني، ثم الثالث، حتى قتل 5 من المرتدين، ثم أُصيب برصاصة في قدمه فلم يترك موقعه، حتى يسر الله له الشهادة فأصابته قذيفة RPG، وكانت نهايته كما أحب وتمنى، فقد كان يدعو أن لا يُقتل حتى يَقتل من الكفار ويثخن فيهم.

رحل -رحمه الله- وبقيت أعماله لتشهد له -بإذن الله- يوم القيامة، فمشاريعه في الحسبة والدعوة والتعليم والإعلام وغيرها قائمة وصدقة له- بإذن الله- جارية.

• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 59
الخميس 15 ربيع الأول 1438 ه‍ـ

• لقراءة القصة كاملة، تواصل - تيليغرام:
@wmc111at
...المزيد

قصة شهيد: أبو جهاد الكبيِّر حفظ كتاب الله وعمل بما فيه، نحسبه والله حسيبه.. (١/٢) يوفّق ...

قصة شهيد:
أبو جهاد الكبيِّر
حفظ كتاب الله
وعمل بما فيه، نحسبه والله حسيبه..

(١/٢)
يوفّق الله -سبحانه وتعالى- عبده لسبيل النجاة إن جدّ في السعي إليه، مهما كثر من حوله دعاة الضلالة أو قلَّ في محيطه المصلحون، فقد عرف الحقَّ زيدُ بن عمرو -رضي الله عنه- وتحنَّف لله في وَسَطٍ جاهلي، وطلب الحقَّ عمرو بن عبسة السلمي -رضي الله عنه- فجاء من الصحراء إلى مكة قاصداً رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فعرف الحق وصدّقه وآمن به، وكذلك الأمر مع كل من أراد اتباع ملة أبينا إبراهيم -عليه السلام- الذي قال يوما: {إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الصافات: 99].

أبو جهاد، عبد الرحمن الكبيِّر، تقبله الله، من مدينة بريدة في جزيرة العرب، تُوفي والده في صغره ، فعاش يتيماً في كنف والدته، ثم تعلق قلبه بالمساجد وتوجّهت همته إلى كتاب الله، عز وجل، فحفظ القرآن كاملاً في مقتبل عمره، وانشغل ذهنه بالبحث عن نصرة دينه.

ولهذين السببين وجد فيه رؤوس السرورية ضالتهم، فقرّبوه منهم، ورفعوا مكانته بين أقرانه، فكلفوه بالإشراف على إحدى حلقات التحفيظ التي يديرونها، كي يكبر على أعينهم، ويكون قرة عين لهم ولأولياء أمورهم المرتدين، الذين وظّفوهم أيما توظيف في تخدير الشباب، وتعبيدهم لطواغيت الجزيرة وأسيادهم الصليبيين، ولأن منهجهم سِلْمٌ للطواغيت حرب على المجاهدين، وثق بهم طواغيت آل سلول فقاموا بإلغاء ومنع حلق التحفيظ في عموم المساجد وحصروها في عدد محدّد منها، لتُدار غالباً من قِبل أفراد من هذه الفئة الضالة، يختارون من يعجبهم من الطلاب ليسلموه حلقة مستقلة، ويبقوه إلى جانبهم، ويهيئوه لمراكز متقدمة في مشروعهم العفن.

فبذل جهوداً كبيرة معهم، وحضر مجالسهم ونواديهم، ونافح ودافع عن رموزهم ومشايخهم، حتى منّ الله عليه وأنقذه منهم، إذ وقع -قَدَراً- على بعض المواقع التي تتابع أخبار المجاهدين على الإنترنت، فشدّه ذلك، وأكثر القراءة فيه، فبدأ يطلع على منهج أهل التوحيد، ويتنبه لحرب الحكومة السلولية لدين الله، وبدأ يناقش زملاءه ورفاقه في بعض المسائل، ولِحبِّه نشر الحق لم يسكت بعدما عرفه، فبدأ بمناقشة «مشايخه» ومعلميه في حلقات التحفيظ، محاولاً تبيين الحق لهم، محسناً الظن بهم، جاهلاً بحجم ضلالهم وخبثهم، واستمر على هذا فترة من الزمان، يحاول هدايتهم إلى الحق ويحاولون إعادته إلى طريق الضلال.

وأرادوا به كيداً فجعلناهم المكيدين

ولم يُنهِ سنته الأولى في الجامعة حتى اختطفته مباحث آل سلول، ليتفاجأ في السجن ببعض رسائله التي أرسلها إلى مشايخ السوء ينصحهم فيها بيد ضباط المباحث يستجوبونه في أمرها، فحققوا معه فترة من الزمن، فلما لم يجدوا لديه غير محاولته إيضاح بعض ما يُكذب به على المجاهدين، ولم يكن قد تعمَّق في طريق الجهاد كثيرا بعد، اكتفوا بأن يعاقبوه ببعض السنين سجنا، ليُرهبوه ويرهبوا به من حوله من الشباب الذين يفكرون بالخروج عن خط علماء السوء من «الشيوخ» الرسميين و«الشيوخ» المدجنين، فخدموه بذلك -قاتلهم الله- خدمة عظيمة.

فقد التقى في السجن ببعض الإخوة الموحدين الذين كفروا بالطواغيت من آل سلول، ودينهم، وعلمائهم، وتعلّم منهم ما كان صعبا عليه تعلّمَه خارج السجن، فعَلم كفرَ الطواغيت وعساكرهم، وتنبّه لحقيقة حمير العلم وبغاله، وأنهم أشد كفرا من عساكر الطواغيت ومباحِثهم، وأولى بالقتل منهم.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 59
الخميس 15 ربيع الأول 1438 ه‍ـ

• لقراءة القصة كاملة، تواصل - تيليغرام:
@wmc111at
...المزيد

وتلك الأيام نداولها بين الناس الظهور والتمكين من النعم التي يمنّ الله بها على من يشاء من عباده، ...

وتلك الأيام نداولها بين الناس

الظهور والتمكين من النعم التي يمنّ الله بها على من يشاء من عباده، فأما الذين آمنوا فلا يُقابلون هذا الفضل إلا بقول موسى، عليه السلام: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص: 24]، إقرارا منهم بأن ما نالهم من نصر إنما هو من محض فضل الله عليهم، فلا يصيبهم العجب والكبر، ولا يبتغون في الأرض الفساد، وكذلك إن ابتلاهم الله بخسارة أرض أو معركة من المعارك فإن إرادة القتال عندهم لا تنكسر بذلك، إن شاء الله، ليقينهم أن ما يصيبهم من خير أو شر إنما هو ابتلاء يصيب به الله من يشاء من عباده.

وأما الذين كفروا فإنهم يقابلون نعمة الله عليهم بالعُجب والطغيان في الأرض، كما قابل سلفهم قارون فضلَ ربه عليه بقوله: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي} [القصص: 78]، فهذا يزعم أنه نال ما فُتح عليه من الدنيا بعلمه أو بحسن تخطيطه وتدبيره، أو بقوة سلاحه، وعديد جنوده، ولذلك يبغي على عباد الله، ويتكبر عن طاعة الله سبحانه، وينازعه في سلطانه، فيحكم الأرض بغير ما أنزل الله تعالى.

وإن مما يزيد المؤمن إيمانا في ظل هذه الفتن والامتحانات، تدبّره قوله تعالى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 139-142].

فليس المشركون بمنأى عن تحمل تكاليف المعركة، لما ينالهم من نكاية وإثخان على يد الموحدين، فأما ما أصاب المؤمنين من قرح فهو تمحيص لهم من الخطايا، وتطهير لهم من الذنوب، ورفع لمن شاء الله تعالى له منهم إلى مراتب الشهداء، وأما ما أصاب المشركين من قرح فهو إهلاك لهم.

وأيام الابتلاء بالسوء لا تستقر على أهل الإيمان، وإنما هي مداولة بينهم وبين أهل الكفر، ليبلوا الفريقين فيما آتاهم أو ابتلاهم، فالصابرون يوفَّون أجورهم بغير حساب، والكافرون يكونون لجهنم حطبا.

ولقد رأينا هذا الأمر واقعا -بفضل الله- في فتح ولايات العراق وعلى رأسها الموصل من قبل، بعد سنين من القرح الذي أصاب الموحدين على أيدي الكفرة من روافض وصليبيين وصحوات، لم يَهِنوا فيها ولم يحزنوا على ما أصابهم، ومضوا يزيدون من إيمانهم بالصبر والمصابرة والرباط والجهاد، لعلمهم أنهم بإيمانهم سيكونون الأعلون على الكافرين، حتى جعل الله لهم الدولة على أعدائهم، فازدادوا إيمانا، بشكرهم لله تعالى على فضله بإقامة دينه وتحكيم شرعه، ثم صبروا على ذلك لمّا قاتلهم عليه المشركون في العالم أجمع، وما زالوا على ذلك حتى يحكم الله بينهم وبين القوم الكافرين.

وكذلك رأيناه واقعا في تدمر التي فتحها الله على المجاهدين قبل زمن، فحكموها بشرع الله، وأمروا فيها بالمعروف ونهوا عن المنكر، ثم دافعوا عن دار الإسلام هذه حتى انحازوا منها بعد الإثخان في أعدائهم، ورغم مرارة أن يروا أرض الإسلام تعود لحكم الطاغوت عليها، فإنهم لم ينكسروا ،بفضل الله، بل استمروا في جهادهم لشهور طويلة مرابطين على أطرافها، لا يتركون فرصة إلا وينالون فيها من المرتدين والصليبيين، حتى أكرمهم الله بفتحها من جديد، ومنّ عليهم بأضعاف ما أنفقوه من السلاح والمال في حربهم لاستعادتها، ومكّن لهم في هذه الأرض من جديد، ليعيدوا -بإذن الله- تحكيم شرع الله على ثراها، ويقيموا شعائر الدين الكامل في أرضها، وهم مستعدون لأن يعيدوا الكرّة في هذه الأرض أو سواها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

لقد أثبتت هذه الأمثلة وسواها للناس، أن خسارة قرية هنا، أو مدينة هناك لا تعني أبداً انتهاء المعركة، فما دام التوحيد غضا طريا في النفوس، فستبقى جذوة الجهاد مشتعلة فيها، وستبقى إرادة القتال قائمة، وسيبقى القعود للمشركين في كل مرصد أمرا واقعا، بإذن الله.

والرب العظيم الذي أعاد لعباده الدولة في أرض تدمر، ومن قبلها أرض الموصل وغيرها من ولايات العراق، قادر على أن يعيد لهم الدولة في الفلوجة والرمادي وتكريت وبيجي وسرت ومنبج والشدادي، وغيرها من مدن المسلمين المسلوبة، ما دام المؤمنون واثقين بوعد ربهم لهم، {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139].


* المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 59
الخميس 15 ربيع الأول 1438 ه‍ـ
...المزيد

كتمان الأسرار من أقوى أسباب النجاح، وأدوم لأحوال الصلاح ◾ وفي الاسترسال بإبداء السر دلائل على ...

كتمان الأسرار
من أقوى أسباب النجاح، وأدوم لأحوال الصلاح

◾ وفي الاسترسال بإبداء السر دلائل على ثلاثة أحوال مذمومة:

• إحْدَاهَا:
ضيق الصدر، وقلة الصبر، حتى أنه لم يتسع لسر، ولم يقدر على صبر.
الثانية:
الغفلة عن تحذر العقلاء، والسهو عن يقظة الأذكياء. وقد قال بعض الحكماء: انفرد بسرك ولا تودعه حازما فيزل، ولا جاهلا فيخون.
• الثالثة:
ما ارتكبه من الغدر، واستعمله من الخطر.

◾ من صفات أمين السر

عقل صاد
دين حاجز
نصح مبذول
ود موفور
كتوم بالطبع

◾ وليحذر كثرة المستودعين لسره فإن كثرتهم سبب الإذاعة، وطريق إلى الإشاعة؛ لأمرين:

• أحدهما:
أن اجتماع هذه الشروط في العدد الكثير معوز، ولا بد إذا كثروا من أن يكون فيهم من أخل ببعضها
• والثاني:
أن كل واحد منهم يجد سبيلا إلى نفي الإذاعة عن نفسه، وإحالة ذلك على غيره، فلا يضاف إليه ذنب، ولا يتوجه عليه عتب

[أدب الدنيا والدين] للماوردي -رحمه الله-


المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 485
السنة السادسة عشرة - الخميس 6 رمضان 1446 هـ
إنفوغرافيك العدد

* لقراءة الصحيفة، تواصل - تيليغرام:
@wmc111at
...المزيد

الهجرُ الشرعي "الهجر الشرعي نوعان: أحدهما بمعنى الترك للمنكرات، والثاني بمعنى العقوبة عليها. ...

الهجرُ الشرعي

"الهجر الشرعي نوعان: أحدهما بمعنى الترك للمنكرات، والثاني بمعنى العقوبة عليها.

فالأول: هو المذكور في قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}، وقوله تعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ}، ..وهذا الهجر من جنس هجر الإنسان نفسه عن فعل المنكرات، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: (المهاجر من هجر ما نهى الله عنه).

ومن هذا الباب الهجرة من دار الكفر والفسوق إلى دار الإسلام والإيمان، فإنه هجر للمقام بين الكافرين والمنافقين الذين لا يمكنونه من فعل ما أمر الله به، ومن هذا قوله تعالى: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ}.

النوع الثاني: الهجر على وجه التأديب وهو هجر من يظهر المنكرات يهجر حتى يتوب منها كما هجر النبي -صلى الله عليه وسلم- والمسلمون الثلاثة الذين خلفوا حتى أنزل الله توبتهم؛ حين ظهر منهم ترك الجهاد المتعين عليهم بغير عذر ولم يهجر من أظهر الخير وإن كان منافقا فهنا الهجر هو بمنزلة التعزير، والتعزير يكون لمن ظهر منه ترك الواجبات وفعل المحرمات كتارك الصلاة والزكاة والتظاهر بالمظالم والفواحش والداعي إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة التي ظهر أنها بدع.

وهذا حقيقة قول من قال من السلف والأئمة: إن الدعاة إلى البدع لا تقبل شهادتهم ولا يُصلّى خلفهم ولا يؤخذ عنهم العلم ولا يُناكحون، فهذه عقوبة لهم حتى ينتهوا؛ ولهذا يفرقون بين الداعية وغير الداعية؛ لأن الداعية أظهر المنكرات فاستحق العقوبة بخلاف الكاتم فإنه ليس شرا من المنافقين الذين كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقبل علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله مع علمه بحال كثير منهم، ولهذا جاء في الحديث: (أن المعصية إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها ولكن إذا أعلنت فلم تنكر ضرت العامة)؛ وذلك لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه)، فالمنكرات الظّاهرة يجب إنكارها؛ بخلاف الباطنة فإنّ عقوبتها على صاحبها خاصة.

وهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوتهم وضعفهم وقلتهم وكثرتهم فإن المقصود به زجر المهجور وتأديبه ورجوع العامة عن مثل حاله، فإن كانت المصلحة في ذلك راجحة بحيث يفضي هجره إلى ضعف الشر وخفيته كان مشروعا، وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك بل يزيد الشر والهاجر ضعيف بحيث يكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته لم يشرع الهجر؛ بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر، والهجر لبعض الناس أنفع من التأليف؛ ولهذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يتألف قوما ويهجر آخرين..

وإذا عرف هذا، فالهجرة الشرعية هي من الأعمال التي أمر الله بها ورسوله، فالطاعة لا بد أن تكون خالصة لله وأن تكون موافقة لأمره فتكون خالصة لله صوابا، فمن هجر لهوى نفسه أو هجر هجرا غير مأمور به: كان خارجا عن هذا، وما أكثر ما تفعل النفوس ما تهواه ظانة أنها تفعله طاعة لله!

والهجر لأجل حظ الإنسان لا يجوز أكثر من ثلاث، كما جاء في الصحيحين عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث؛ يلتقيان فيصد هذا ويصد هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام)؛ فلم يرخص في هذا الهجر أكثر من ثلاث.. وفي الصحيحين عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (تفتح أبواب الجنة كل اثنين وخميس فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئا؛ إلا رجلا كان بينه وبين أخيه شحناء فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا)، فهذا الهجر لحق الإنسان حرام وإنما رخص في بعضه كما رخص للزوج أن يهجر امرأته في المضجع إذا نشزت.. فينبغي أن يفرق بين الهجر لحق الله وبين الهجر لحق نفسه.
فالأول مأمور به والثاني منهي عنه؛ لأن المؤمنين إخوة وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح: (لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخوانا المسلم أخو المسلم)، وقال -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الذي في السنن: (ألا أنبئكم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: إصلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين)، وقال في الحديث الصحيح: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذ اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر)؛ وهذا لأن الهجر من باب "العقوبات الشرعية" فهو من جنس الجهاد في سبيل الله، وهذا يفعل لأن تكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين كله لله، والمؤمن عليه أن يعادي في الله ويوالي في الله فإن كان هناك مؤمن فعليه أن يواليه وإن ظلمه؛ فإن الظلم لا يقطع الموالاة الإيمانية..
 
وليعلم أن المؤمن تجب موالاته وإن ظلمك واعتدى عليك، والكافر تجب معاداته وإن أعطاك وأحسن إليك؛ فإن الله سبحانه بعث الرسل وأنزل الكتب ليكون الدين كله لله فيكون الحب لأوليائه والبغض لأعدائه والإكرام لأوليائه والإهانة لأعدائه والثواب لأوليائه والعقاب لأعدائه، وإذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر وفجور وطاعة ومعصية وسنة وبدعة: استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة فيجتمع له من هذا وهذا كاللص الفقير تقطع يده لسرقته ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته، هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة وخالفهم الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم عليه".

[مجموع الفتاوى]
لابن تيمية -رحمه الله-


المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 485
السنة السادسة عشرة - الخميس 6 رمضان 1446 هـ
مقال:
الهجرُ الشرعي


* لقراءة الصحيفة، تواصل - تيليغرام:
@wmc111at
...المزيد

صحيفة النبأ العدد 485 المقال الافتتاحي: موقعة المكتب البيضاوي في البعد المنهجي، يعد الخناق ...

صحيفة النبأ العدد 485
المقال الافتتاحي:
موقعة المكتب البيضاوي

في البعد المنهجي، يعد الخناق في المكتب البيضاوي هو الصورة الحقيقية للسياسة الجاهلية التي افتتن بها الجهاديون النُّكّث بعد أن طال عليهم الأمد في أواخر عهدهم واستمرأوا الارتكاس في دركاتها واستمروا يصفونها -كذبا- بالشرعية، وزيّن لهم الشيطان أنّ فيها الخلاص من ضريبة التوحيد الخالص التي يدفعها الربيون طوعا منذ عهد النبوة وإلى يومنا هذا.

وفيه إشارة إلى الذين لاذوا بالمجتمع الدولي في زمن أفول نجمه وتصدُّع بنيانه، ونعني بذلك الحركات والتنظيمات المرتدة التي تظن أنها من الحنكة والخبرة السياسية بمكان؛ يبلّغها كسب العون والمدد الأمريكي بتقديم معونة أو رفع عقوبة، في الوقت الذي تقطع أمريكا معوناتها عن حلفائها الصليبيين وتلوح بعقوبات عليهم، فهل تتسع "الأسرة الدولية" لمرتدة العرب وهي قد ضاقت على أبنائها الإفرنج الخلّص؟ وماذا عسى أن يكون مصير المسخ "جولانسكي" وهو يرى "زيلينسكي" يوبَّخ ويُهان في عقر دار المجتمع الدولي الذي يناغيه ويستجديه الجهاديون النُّكّث من مالي إلى دمشق بعد أن زلقت أقدامهم في الطين!

ومن المفارقات العادلة أنّ هذا الانقسام في المعسكر الدولي الصليبي سينعكس سلبا وخرابا على هؤلاء الذين بنوا حكوماتهم ومشاريعهم بالاتكاء عليه والتعلق بأستاره ورهنوا مصيرهم بمصيره، بينما سيجني ثمار خرابه من كانوا وما زالوا شوكة في حلقه يجمع لحربهم "تحالفا عالميا" بات مستقبله مرهونا بهذا "الانقسام الصليبي الخلاق"، ولذلك يتحتم على أجناد وأنصار الخلافة وجوب استغلال هذا الانقسام والاستعداد له من الآن.

تاريخيا، نذكّر بأنّ التفرق والتشرذم هو الأصل لدى الصليبيين، فهم مختلفون في كل شيء حتى في إلههم المفترى!، وإنّ انقسام وتفكك الحملات الصليبية المعاصرة شبيه بما أصاب سابقاتها الغابرة، فالعداوة والبغضاء والأطماع الخاصة لكل حلف ودولة بدأت تطغى على المشهد الصليبي، كلٌّ يصرخ نفسي نفسي!، يقابل ذلك ثبات الربانيين على توحيدهم وجهادهم الذي لم يتوقف، وهو ما فاقم من معاناة الدول الصليبية رغم تركيزها وانشغالها به، فكيف لو انشغلت بنفسها عنه؟!

ختاما، ليتأمل المجاهد الموقن بوعد مولاه، كيف أنّ تحالفاتهم ومؤتمراتهم التي كانوا يعقدونها لحرب الدولة الإسلامية، قد انقلبت ودارت الدائرة عليهم، فباتوا يعقدونها لبحث انقساماتهم وحروبهم الداخلية التي ما زالت في بداياتها، فاللهم خالف بين قلوبهم وأدر دائرة السوء عليهم.


صحيفة النبأ – العدد 485
السنة السادسة عشرة - الخميس 6 رمضان 1446 هـ
المقال الافتتاحي:
موقعة المكتب البيضاوي

* لقراءة الافتتاحية كاملة، تواصل - تيليغرام:
@wmc111at
...المزيد

صحيفة النبأ العدد 485 المقال الافتتاحي: موقعة المكتب البيضاوي لم تتسع كل مسارات الدبلوماسية ...

صحيفة النبأ العدد 485
المقال الافتتاحي:
موقعة المكتب البيضاوي

لم تتسع كل مسارات الدبلوماسية لاحتواء خلاف الحليفين الأمريكي والأوكراني حتى انفجر على الهواء مباشرة وسط المكتب البيضاوي الذي لطالما تآمروا واجتمعوا فيه على حربنا، إنه انقسام كبير في المعسكر الصليبي هو الأبرز في عصرنا، لكنه ليس جديدا ولا غريبا على التركيبة الصليبية طوال تاريخها الأسود.

وسريعا امتدت الأزمة الصليبية خارج المكتب البيضاوي لتشمل أوروبا بأسرها التي سارعت إلى عقد قمة أوروبية استثنائية في "لحظة لا تتكرر إلا مرة كل جيل" كما وصفوها بأنفسهم، هذه القمة لم تنعقد لبحث خطر الدولة الإسلامية وهجماتها العالمية! وإنما لبحث سُبل دعم أوكرانيا بعد موقف "العم سام" الذي جنح للسلم حاليا مع روسيا على حساب علاقته التاريخية بأوروبا العجوز، سعيًا منه للتفرغ لأزماته الخاصة وانكفاءً على ذاته تحت شعار "أمريكا أولا".

موقعة المكتب البيضاوي، تعكس حجم الضغط الذي تعيشه الإدارة الأمريكية بفعل أزماتها الداخلية وصراعها المتصاعد مع الصين الشيوعية، فترامب ومساعدوه أرادوا أن يعلّموا أوروبا -بالطريقة الصعبة- أنها أمام واقع جديد لن تجني فيه خدمات أمريكية مجانية! أو أي خدمات لا تكون فيها مصالح أمريكا أولا، كما تعكس الموقعة الصاخبة حجم الورطة الأمريكية الأوروبية جراء استمرار الحرب الأوكرانية التي غدت مصدر استنزاف عسكري واقتصادي كبير للطرفين خلافا لما أمّلوه منها، حيث أرادوا أن تكون أوكرانيا كبش الفداء الذي سيجنّبهم المذبحة الصليبية على أراضيهم، لكن يبدو أن آمالهم خابت.

قبل موقعة المكتب البيضاوي، كانت أوروبا قد بدأت بالفعل زيادة الإنفاق على قدراتها الدفاعية، لتحكّ جلدها بظفرها، بعد انشغال المخالب الأمريكية بجلدها المتورم من الحساسيّة الصينيّة! وقبلها "التهديدات الإرهابية"، والآن أوروبا -أو بعض أقطابها- يرون أنه لا مناص من التسلُّح بحثا عن "الأمن" الذي لم تعد أمريكا قادرة أو راغبة في توفيره لهم.

زيادة الإنفاق الدفاعي والتسلُّح الأوروبي المكلف، يعني أنّ على القارة العجوز الاستعداد لموجات من التقشف والتخلي عن الكثير من الرفاهية، فهم مقبلون على عصر جديد عليهم أن يختاروا فيه بين "الأمن" و "الرفاهية" في ظل الانقسام الصليبي الكبير، فهل سيحتمل المجتمع الصليبي ذلك؟

والأهم بالنسبة إلينا، أنّ الاستقلال الدفاعي الأوروبي عن أمريكا يضع مصير "حلف الناتو" على المحك، وهو ما دفع العديد من الصحف الصليبية العالمية للتساؤل عن مستقبل "الناتو" في ظل هذا الانقسام في المعسكر الأمريكي الأوروبي، وبالتالي مدى تأثير ذلك على التحالف الدولي الصليبي لمحاربة الدولة الإسلامية التي ما زالت هجمات أسودها تصل إلى أوروبا وأمريكا.

أضف إلى ذلك، أنّ الموقف الأوروبي غير مجمع بالكامل على دعم أوكرانيا عسكريا خلافا للرغبة الأمريكية؛ ما يعني أنّ شبح الانقسام يهدد "الاتحاد الأوروبي" الذي يترنح في السير على حبال الوصل بين "البيت الأوروبي" و "البيت الأبيض" ويبدو أنّ عليه هو الآخر الاختيار بينهما في مرحلة ما.

العسكرة الأوروبية التي تراها أوروبا ضرورة أمنية لها، تقرؤها روسيا أنها محاولة لإشعال نار الحرب كما صرح بذلك العديد من المسؤولين الروس، أي أنّ طبول الحرب تقرع في أوروبا لأول مرة بعد سنوات من محاولة توريط أوكرانيا وحدها بذلك، وهو ما دفع وزير خارجية فرنسا للقول "إن خط الجبهة يقترب منا أكثر من أي وقت مضى".

كل ما سبق يمهد لتفكك النظام الدولي الأمريكي - الأوروبي وفقدان القبضة المركزية وصولا إلى نشوء تحالفات وكيانات جديدة على قاعدة؛ أنّ الكل لديه خططه وأطماعه الخاصة، ما يعني العودة إلى عصر الحروب التي اجتهد الصليبيون في إبعادها عن أراضيهم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، إنها لمحة بسيطة عن مستقبل الانقسام الصليبي المتصاعد وهو مصداق قوله تعالى فيهم: {فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ}.


صحيفة النبأ – العدد 485
السنة السادسة عشرة - الخميس 6 رمضان 1446 هـ
المقال الافتتاحي:
موقعة المكتب البيضاوي

* لقراءة الافتتاحية كاملة، تواصل - تيليغرام:
@wmc111at
...المزيد

انتكاس الفطرة وعلم الغيب • ومن إفرازات انتكاس الفطرة أن كثيرا من الناس لمّا لم يجدوا في صدورهم ...

انتكاس الفطرة وعلم الغيب

• ومن إفرازات انتكاس الفطرة أن كثيرا من الناس لمّا لم يجدوا في صدورهم الإيمان الذي تركن إليه أنفسهم، وتشبع منه أفئدتهم، وتملأ عليهم الفراغ الرهيب الذي يعيشون أرجعوا كل شيء إلى عالم الشهادة دون علم الغيب، فآمنوا بالمادة وكفروا بالله تعالى، بل أنكر كثير منهم وجود الخالق أصلا! ومن ثَمّ أوكلوا كل شيء إلى أنفسهم القاصرة، فانكبّوا عليها يدرسونها ويتفحصون، ويحللون وينظرون، حتى ينتهي المطاف بكثير منهم إلى مصحّات "العلاج النفسي والإدمان على حبوب الطمأنينة الموهومة وعقاقير الراحة المفقودة، وهكذا ينتهي المطاف بكل من اتبعهم في هذا التيه الكبير، الذي يصادم الفـطرة البشرية التي تتشوّف للإيمان بالله خالقا ومدبّرا، وربّا عظيما مهيمنا.

افتتاحية النبأ "الحرب على الفطرة" ٤٤٥
...المزيد

مكانة أهل العلم على غيرهم • رفع الله تعالى أهل العلم درجات على غيرهم، فقال عز وجل: { يَرْفَعِ ...

مكانة أهل العلم على غيرهم

• رفع الله تعالى أهل العلم درجات على غيرهم، فقال عز وجل: { يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}، ذلك أنهم لا يستوون مع غيرهم قدرا ولا نفعا كما قال تعالى: { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ }، فالعلم كان وما يزال علامة فارقة بين خلق الله تعالى؛ كونه وسيلة من وسائل الهداية إلى صراط الله المستقيم، وحامله مؤهل لأن يكون من أهل التدبر والخشية، لأنه مطلع على آيات الله، عارف بها أكثر من غيره. وفي هذا المعنى وردت آيات كثيرة، كقوله تعالى: { وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ }، وقوله عزّ وجل: { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء..} وقوله: { بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أوتُوا الْعِلْمَ..}، بل قرن الله تعالى شهادة أهل العلم بشهادته سبحانه وشهادة الملائكة فقال: { شَهدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأَوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بالْقِسْطِ لا إله إلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }، وكفى بذلك فضلا وشرفا.


[ إفتتاحية النبأ - بين الهداية والعلم - العدد: 441 ]
...المزيد

التشريعات الربانية خير للبلاد والعباد • قد يعلم المرء المصلحة أو الحكمة من بعض التشريعات ...

التشريعات الربانية خير للبلاد والعباد

• قد يعلم المرء المصلحة أو الحكمة من بعض التشريعات الربانية وقد تخفى عليه، إلا أن ما ينبغي التسليم به في كل الأحوال أن كل التشريعات فيها الخير والمصلحة للعباد، علمها من علمها وجهلها من جهلها، حتى لو كان ظاهر بعضها خلاف ذلك؛ ذلك أن مشرعها خالق البشرية، العليم بما يصلحها، الخبير بأحوالها، ولعل أكثر العبادات التي تعرضت للقيل والقال حول المصلحة المترتبة عليها هي الجهاد في سبيل الله، وذلك لما يصاحبها من مشاق وتضحيات، تجعل طلاب الدنيا يؤجلون بسببها أو يلفون العمل بهذه العبادة العظيمة وربما يحاربون ويناصبون أهلها العداء.

[ إفتتاحية النبأ - وهو خيرٌ لكم - العدد: 446 ]
...المزيد
يتم الآن تحديث اوقات الصلاة ...
00:00:00 يتبقى على
4 شعبان 1447
الفجر 00:00 الظهر 00:00 العصر 00:00 المغرب 00:00 العشاء 00:00

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً