✍قال ابنُ عبد البر: (وقد أجمَعوا على أنَّ المسافر إذا أدرك ركعةً من صلاة المقيم لزِمَه الإتمامُ، ...

✍قال ابنُ عبد البر:
(وقد أجمَعوا على أنَّ المسافر إذا أدرك ركعةً من صلاة المقيم لزِمَه الإتمامُ، بل قد قال أكثرهم: إنَّه إذا أحرم المسافرُ خلْفَ المقيم قَبل سلامه أنَّه تلزمه صلاةُ المقيم، وعليه الإتمام)

((التمهيد)) (16/315)
...المزيد

المتحاكمون إلى الطواغيت قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- في قوله ...

المتحاكمون إلى الطواغيت

قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- في قوله تعالى:
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا * فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا} [النساء: 60 - 62]:
"إن من عرف أن لا إله إلا الله فلا بد من الانقياد لحكم الله، والتسليم لأمره الذي جاء من عنده على يد رسوله محمد، صلى الله عليه وسلم، فمن شهد أن لا إله إلا الله ثم عدل إلى تحكيم غير الرسول -صلى الله عليه وسلم- في موارد النزاع فقد كذب في شهادته.

ولما كان التوحيد مبنيا على الشهادتين إذ لا تنفك إحداهما عن الأخرى لتلازمهما وكان ما تقدم من هذا الكتاب [يعني كتاب التوحيد لجده الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمهما الله] في معنى شهادة أن لا إله إلا الله التي تتضمن حق الله على عباده، نبه في هذا الباب على معنى شهادة أن محمدا رسول الله التي تتضمن حق الرسول -صلى الله عليه وسلم- فإنها تتضمن أنه عبد لا يُعبد، ورسول صادق لا يكذب، بل يطاع ويتبع، لأنه المبلِّغ عن الله تعالى، فله -عليه الصلاة والسلام- منصب الرسالة والتبليغ عن الله، والحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، إذ هو لا يحكم إلا بحكم الله، ومحبته على النفس والأهل والمال والوطن، وليس له من الإلهية شيء، بل هو عبد الله ورسوله، كما قال تعالى {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا} [الجن: 19]، وقال صلى الله عليه وسلم: (إنما أنا عبده فقولوا عبد الله ورسوله) [رواه البخاري].

ومن لوازم ذلك متابعته وتحكيمه في موارد النزاع، وترك التحاكم إلى غيره، كالمنافقين الذي يدَّعون الإيمان به ويتحاكمون إلى غيره، وبهذا يتحقق العبد بكمال التوحيد وكمال المتابعة، وذلك هو كمال سعادته، وهو معنى الشهادتين، إذا تبين هذا فمعنى الآية المترجم لها: إن الله -تبارك وتعالى- أنكر على من يدعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء قبله وهو مع ذلك يريد أن يتحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة رسوله، كما ذكر المصنف في سبب نزولها: قال ابن القيم: "والطاغوت كل من تعدى به حده، من الطغيان، وهو مجاوزة الحد"، فكل ما تحاكم إليه متنازعان غير كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- فهو طاغوت، اذ قد تعدى به حده، ومن هذا كل من عبد شيئا دون الله، فإنما عبد الطاغوت وجاوز بمعبوده حده، فأعطاه العبادة التي لا تنبغي له، كما أن من دعا إلى تحكيم غير الله تعالى ورسوله -صلى الله عليه وسلم- فقد دعا إلى تحكيم الطاغوت، وتأمل تصديره -سبحانه- الآية، منكرا لهذا التحكيم على من زعم أنه قد آمن بما أنزله الله على رسوله -صلى الله عليه وسلم- وعلى من قبله، ثم هو مع ذلك يدعو إلى تحكيم غير الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- ويتحاكم إليه عند النزاع، وفي ضمن قوله {يَزْعُمُونَ}، نفي لما زعموه من الإيمان، ولهذا لم يقل: ألم تر إلى الذين آمنوا، فإنهم لو كانوا من أهل الإيمان حقيقة لم يريدوا أن يتحاكموا الى غير الله -تعالى- ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولم يقل فيهم {يَزْعُمُونَ} فإن هذا إنما يقال -غالبا- لمن ادعى دعوى هو فيها كاذب أو مُنزَّل منزلة الكاذب، لمخالفته لمُوجِبها وعمله بما ينافيها، قال ابن كثير: "والآية ذامَّة لمن عدل عن الكتاب والسنة وتحاكم إلى ما سواهما من الباطل، وهو المراد بالطاغوت ههنا، وقوله تعالى: {وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ} أي بالطاغوت، وهو دليل على أن التحاكم إلى الطاغوت مناف للإيمان، مضاد له، فلا يصح الإيمان إلا بالكفر به، وترك التحاكم اليه، فمن لم يكفر بالطاغوت لم يؤمن بالله، وقوله: {وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا}، أي: لأن إرادة التحاكم إلى غير كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- من طاعة الشيطان، وهو إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير، وفي الآية دليل على أن ترك التحاكم إلى الطاغوت الذي هو ما سوى الكتاب والسنة: من الفرائض، وأن المتحاكم إليه غير مؤمن، بل ولا مسلم.

وقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا}، أي إذا دعوا إلى التحاكم إلى ما أنزل الله والى الرسول أعرضوا إعراضا مستكبرين، كما قال تعالى: {وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ} [النور: 48]، قال ابن القيم: "هذا دليل على أن من دُعي الى تحكيم الكتاب والسنة فلم يقبل وأبى ذلك أنه من المنافقين، و{يَصُدُّونَ} هنا لازم لا متعد، هو بمعنى يُعرضون، لا بمعنى يمنعون غيرهم، ولهذا أتى مصدره على صدود، ومصدر المتعدي صدا"، فإذا كان المعرض عن ذلك قد حكم الله -سبحانه- بنفاقهم، فكيف بمن ازداد إلى إعراضه منعَ الناس من تحكيم الكتاب والسنة، والتحاكم إليهما، بقوله وعمله وتصانيفه، ثم يزعم مع ذلك أنه إنما أراد الإحسان والتوفيق؛ الإحسان في فعله ذلك والتوفيق بين الطاغوت الذي حكَّمه وبين الكتاب والسنة؟
قلت: وهذا حال كثير ممن يدعي العلم والإيمان في هذه الأزمان، إذا قيل لهم تعالوا نتحاكم الى ما أنزل الله والى الرسول {رَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ} [المنافقون: 5]، ويعتذرون أنهم لا يعرفون ذلك ولا يعقلون، {بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 88].

وقوله تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ}، قال ابن كثير: "أي فكيف بهم إذا ساقتهم المقادير إليك في المصائب بسبب ذنوبهم، واحتاجوا إليك في ذلك"، وقال ابن القيم: "قيل المصيبة فضيحتهم، إذا أُنزل القرآن بحالهم ولا ريب أن هذا أعظم المصيبة والإضرار، فالمصائب التي تصيبهم بما قدمت أيديهم في أبدانهم وقلوبهم وأديانهم بسبب مخالفة الرسول -عليه الصلاة والسلام- أعظمها مصائب القلب والدين، فيُرى المعروف منكرا، والهدى ضلالا، والرشاد غيا، والحق باطلا، والصلاح فسادا، وهذا من المصيبة التي أصيب بها في قبله، وهو الطبع الذي أوجبه مخالفة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وتحكيم غيره، قال سفيان الثوري: في قوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ} [النور: 63]، قال: هي أن تطبع على قلوبهم".

وقوله تعالى: {ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا}، قال ابن كثير: "أي: يعتذرون ويحلفون إن أردنا بذهابنا إلى غيرك إلا الإحسان والتوفيق، أي المداراة والمصانعة".

وقال غيره: "{إِلَّا إِحْسَانًا}، أي: لا إساءة، و{وَتَوْفِيقًا} أي: بين الخصمين، ولم نرد مخالفة لك، ولا تسخطا لحكمك"". [من كتاب: تيسير العزيز الحميد، باختصار]


المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 69
الخميس 25 جمادى الأولى 1438 ه‍ـ
...المزيد

المتحاكمون إلى الطواغيت قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- في قوله ...

المتحاكمون إلى الطواغيت

قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- في قوله تعالى:
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا * فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا} [النساء: 60 - 62]:
"إن من عرف أن لا إله إلا الله فلا بد من الانقياد لحكم الله، والتسليم لأمره الذي جاء من عنده على يد رسوله محمد، صلى الله عليه وسلم، فمن شهد أن لا إله إلا الله ثم عدل إلى تحكيم غير الرسول -صلى الله عليه وسلم- في موارد النزاع فقد كذب في شهادته.

ولما كان التوحيد مبنيا على الشهادتين إذ لا تنفك إحداهما عن الأخرى لتلازمهما وكان ما تقدم من هذا الكتاب [يعني كتاب التوحيد لجده الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمهما الله] في معنى شهادة أن لا إله إلا الله التي تتضمن حق الله على عباده، نبه في هذا الباب على معنى شهادة أن محمدا رسول الله التي تتضمن حق الرسول -صلى الله عليه وسلم- فإنها تتضمن أنه عبد لا يُعبد، ورسول صادق لا يكذب، بل يطاع ويتبع، لأنه المبلِّغ عن الله تعالى، فله -عليه الصلاة والسلام- منصب الرسالة والتبليغ عن الله، والحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، إذ هو لا يحكم إلا بحكم الله، ومحبته على النفس والأهل والمال والوطن، وليس له من الإلهية شيء، بل هو عبد الله ورسوله، كما قال تعالى {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا} [الجن: 19]، وقال صلى الله عليه وسلم: (إنما أنا عبده فقولوا عبد الله ورسوله) [رواه البخاري].

ومن لوازم ذلك متابعته وتحكيمه في موارد النزاع، وترك التحاكم إلى غيره، كالمنافقين الذي يدَّعون الإيمان به ويتحاكمون إلى غيره، وبهذا يتحقق العبد بكمال التوحيد وكمال المتابعة، وذلك هو كمال سعادته، وهو معنى الشهادتين، إذا تبين هذا فمعنى الآية المترجم لها: إن الله -تبارك وتعالى- أنكر على من يدعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء قبله وهو مع ذلك يريد أن يتحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة رسوله، كما ذكر المصنف في سبب نزولها: قال ابن القيم: "والطاغوت كل من تعدى به حده، من الطغيان، وهو مجاوزة الحد"، فكل ما تحاكم إليه متنازعان غير كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- فهو طاغوت، اذ قد تعدى به حده، ومن هذا كل من عبد شيئا دون الله، فإنما عبد الطاغوت وجاوز بمعبوده حده، فأعطاه العبادة التي لا تنبغي له، كما أن من دعا إلى تحكيم غير الله تعالى ورسوله -صلى الله عليه وسلم- فقد دعا إلى تحكيم الطاغوت، وتأمل تصديره -سبحانه- الآية، منكرا لهذا التحكيم على من زعم أنه قد آمن بما أنزله الله على رسوله -صلى الله عليه وسلم- وعلى من قبله، ثم هو مع ذلك يدعو إلى تحكيم غير الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- ويتحاكم إليه عند النزاع، وفي ضمن قوله {يَزْعُمُونَ}، نفي لما زعموه من الإيمان، ولهذا لم يقل: ألم تر إلى الذين آمنوا، فإنهم لو كانوا من أهل الإيمان حقيقة لم يريدوا أن يتحاكموا الى غير الله -تعالى- ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولم يقل فيهم {يَزْعُمُونَ} فإن هذا إنما يقال -غالبا- لمن ادعى دعوى هو فيها كاذب أو مُنزَّل منزلة الكاذب، لمخالفته لمُوجِبها وعمله بما ينافيها، قال ابن كثير: "والآية ذامَّة لمن عدل عن الكتاب والسنة وتحاكم إلى ما سواهما من الباطل، وهو المراد بالطاغوت ههنا، وقوله تعالى: {وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ} أي بالطاغوت، وهو دليل على أن التحاكم إلى الطاغوت مناف للإيمان، مضاد له، فلا يصح الإيمان إلا بالكفر به، وترك التحاكم اليه، فمن لم يكفر بالطاغوت لم يؤمن بالله، وقوله: {وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا}، أي: لأن إرادة التحاكم إلى غير كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- من طاعة الشيطان، وهو إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير، وفي الآية دليل على أن ترك التحاكم إلى الطاغوت الذي هو ما سوى الكتاب والسنة: من الفرائض، وأن المتحاكم إليه غير مؤمن، بل ولا مسلم.

وقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا}، أي إذا دعوا إلى التحاكم إلى ما أنزل الله والى الرسول أعرضوا إعراضا مستكبرين، كما قال تعالى: {وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ} [النور: 48]، قال ابن القيم: "هذا دليل على أن من دُعي الى تحكيم الكتاب والسنة فلم يقبل وأبى ذلك أنه من المنافقين، و{يَصُدُّونَ} هنا لازم لا متعد، هو بمعنى يُعرضون، لا بمعنى يمنعون غيرهم، ولهذا أتى مصدره على صدود، ومصدر المتعدي صدا"، فإذا كان المعرض عن ذلك قد حكم الله -سبحانه- بنفاقهم، فكيف بمن ازداد إلى إعراضه منعَ الناس من تحكيم الكتاب والسنة، والتحاكم إليهما، بقوله وعمله وتصانيفه، ثم يزعم مع ذلك أنه إنما أراد الإحسان والتوفيق؛ الإحسان في فعله ذلك والتوفيق بين الطاغوت الذي حكَّمه وبين الكتاب والسنة؟
قلت: وهذا حال كثير ممن يدعي العلم والإيمان في هذه الأزمان، إذا قيل لهم تعالوا نتحاكم الى ما أنزل الله والى الرسول {رَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ} [المنافقون: 5]، ويعتذرون أنهم لا يعرفون ذلك ولا يعقلون، {بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 88].

وقوله تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ}، قال ابن كثير: "أي فكيف بهم إذا ساقتهم المقادير إليك في المصائب بسبب ذنوبهم، واحتاجوا إليك في ذلك"، وقال ابن القيم: "قيل المصيبة فضيحتهم، إذا أُنزل القرآن بحالهم ولا ريب أن هذا أعظم المصيبة والإضرار، فالمصائب التي تصيبهم بما قدمت أيديهم في أبدانهم وقلوبهم وأديانهم بسبب مخالفة الرسول -عليه الصلاة والسلام- أعظمها مصائب القلب والدين، فيُرى المعروف منكرا، والهدى ضلالا، والرشاد غيا، والحق باطلا، والصلاح فسادا، وهذا من المصيبة التي أصيب بها في قبله، وهو الطبع الذي أوجبه مخالفة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وتحكيم غيره، قال سفيان الثوري: في قوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ} [النور: 63]، قال: هي أن تطبع على قلوبهم".

وقوله تعالى: {ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا}، قال ابن كثير: "أي: يعتذرون ويحلفون إن أردنا بذهابنا إلى غيرك إلا الإحسان والتوفيق، أي المداراة والمصانعة".

وقال غيره: "{إِلَّا إِحْسَانًا}، أي: لا إساءة، و{وَتَوْفِيقًا} أي: بين الخصمين، ولم نرد مخالفة لك، ولا تسخطا لحكمك"". [من كتاب: تيسير العزيز الحميد، باختصار]


المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 69
الخميس 25 جمادى الأولى 1438 ه‍ـ
...المزيد

✍قال ابنُ قُدامةَ: (ليس لِمَن نوى السَّفر القصرُ حتى يخرجَ من بيوت قريته، ويجعلها وراءَ ظهره. ...

✍قال ابنُ قُدامةَ:
(ليس لِمَن نوى السَّفر القصرُ حتى يخرجَ من بيوت قريته، ويجعلها وراءَ ظهره. وبهذا قال مالك، والشافعيُّ، والأوزاعيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثور، وحُكِي ذلك عن جماعةٍ من التابعين)

((المغني)) (2/191) ...المزيد

عقيدة ومنهج نبوي قويم • أما جنود الخلافة فقد أكرمهم الله بعقيدة صحيحة ومنهج نبوي قويم يمنعهم من ...

عقيدة ومنهج نبوي قويم

• أما جنود الخلافة فقد أكرمهم الله بعقيدة صحيحة ومنهج نبوي قويم يمنعهم من الاستسلام لعدوهم أو الاكتفاء بما في أيديهم والركون إليه، إذ إن قتالهم ليس لطلب مغنم إنما هو جهاد لإزالة الشرك من الأرض وإخضاع الناس كلهم لرب العالمين، ومن كانت عقيدته هكذا فلا يمكن أن يلقي السلاح من يده سواء كان منتصرا، أو منكسرا، فإن فتح الله عليه في أرض وأقام فيها حكم الله، تذكر أن ما يحكمه المشركون بشريعة الطاغوت أكثر، وأنه لا يحل له القعود حتى يسعى لاستنقاذه من أيديهم، وإن انكسر تذكر أنه لم يكلف إلا بعبادة الله بقتال أعدائه ما استطاع، حتى يأتيه الموت أو يكتب الله له الشهادة، وفي الحالتين ما له من شعار سوى قوله عليه الصلاة والسلام: ( الآن الآن جاء القتال ). ...المزيد

4. 1/2/3 اريد. عشر جنيات. وتسع رو ميات وقصر. خدمه. تسع. نجوم. في وسارة ثم ...

4. 1/2/3
اريد. عشر جنيات. وتسع رو ميات
وقصر. خدمه. تسع. نجوم. في وسارة
ثم اكون.8

✍قال المعصومِيُّ الخُجَنْدِيُّ: (الحاكِمُ الحَقُّ حقيقةً هو اللهُ وَحْدَه، وهو المشَرِّعُ ...

✍قال المعصومِيُّ الخُجَنْدِيُّ:
(الحاكِمُ الحَقُّ حقيقةً هو اللهُ وَحْدَه، وهو المشَرِّعُ وَحْدَه، وهو المحَلِّلُ وَحْدَه، وهو المحَرِّمُ وَحْدَه، فلا حاكِمَ إلَّا اللهُ، ولا مُشَرِّعَ إلَّا اللهُ، ولا محَلِّلَ إلَّا اللهُ، ولا محَرِّمَ إلَّا اللهُ، فمن حَكَم بحِلِّ شَيءٍ لم يُحِلَّه اللهُ، أو حَكَم بحُرمةِ شيءٍ لم يُحَرِّمْه اللهُ، أو شَرَع ما لم يأذَنْ به اللهُ؛ فقد أشرك باللهِ)

((مفتاح الجنة لا إله إلا الله))(ص75)
...المزيد

قلت: وكلام أحمد في ذمه التقليد وإنكار تأليف كتب الرأي كثير مشهور. قوله: "عرفوا الإسناد" أي: ...

قلت: وكلام أحمد في ذمه التقليد وإنكار تأليف كتب الرأي كثير مشهور.

قوله: "عرفوا الإسناد" أي: إسناد الحديث، و"صحته" أي: صحة الإسناد، وصحته دليل على صحة الحديث.

قوله: "ويذهبون إلى رأي سفيان"، أي: الثوري الإمام الزاهد العابد الثقة الفقيه، وكان له أصحاب ومذهب مشهور، فانقطع.

ومراد أحمد الإنكار على من يعرف إسناد الحديث وصحته، ثم بعد ذلك يقلِّد سفيان أو غيره، ويعتذر بالأعذار الباطلة، إما بأن الأخذ بالحديث اجتهاد، والاجتهاد انقطع منذ زمان! وإما بأن هذا الإمام الذي قلدته أعلم مني، فهو لا يقول إلا بعلم، ولا يترك هذا الحديث مثلا إلا عن علم! وإما بأن ذلك اجتهاد، ويشترط في المجتهد أن يكون عالما بكتاب الله، عالما بسنة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وناسخ ذلك ومنسوخه، وصحيح السنة وسقيمها، عالما بوجوه الدلالات عالما بالعربية والنحو والأصول، ونحو ذلك من الشروط التي لعلها لا توجد تامة في أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما- كما قاله المصنف.

فيقال له: هذا إن صح، فمرادهم بذلك المجتهد المطلق، أما أن يكون ذلك شرطا في جواز العمل بالكتاب والسنة، فكذب على الله وعلى رسوله، صلى الله عليه وسلم، وعلى أئمة العلماء، بل الفرض والحتم على المؤمن إذا بلغه كتاب الله وسنة رسوله، صلى الله عليه وسلم، وعلم معنى ذلك في أي شيء كان، أن يعمل به ولو خالفه من خالفه، فبذلك أمرنا ربنا، تبارك وتعالى، ونبينا، صلى الله عليه وسلم، وأجمع على ذلك العلماء قاطبة، إلا جهَّال المقلدين وجفاتهم ومثل هؤلاء ليسوا من أهل العلم، كما حكى الإجماع على أنهم ليسوا من أهل العلم، منهم أبو عمر بن عبد البر وغيره.
قال الله تعالى: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: 3].
وقال تعالى: {وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [النور: 54].

فشهد -تعالى- لمن أطاع الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالهداية، وعند جفاة المقلدين أن من أطاعه -صلى الله عليه وسلم- ليس بمهتدٍ إنما المهتدي من عصاه وعدل عن أقواله، ورغب عن سنته إلى مذهب أو شيخ ونحو ذلك.

وقد وقع في هذا التقليد المحرَّم خلق كثير ممن يدعي العلم والمعرفة بالعلوم، ويصنف التصانيف في الحديث والسنن، ثم بعد ذلك تجده جامدا على أحد هذه المذاهب يرى الخروج عنها من العظائم.

وفي كلام أحمد إشارة إلى أن التقليد قبل بلوغ الحجة لا يُذم إنما المذموم المنكر الحرام: الإقامة على ذلك بعد بلوغ الحجة، نعم ويُنكِر الاعراضَ عن كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- والإقبالَ على تعلم الكتب المصنفة في الفقه استغناءً بها عن الكتاب والسنة، بل إن قرؤوا شيئا من كتاب الله وسنة رسوله، صلى الله عليه وسلم، فإنما يقرؤون تبركا لا تعلما وتفقُّها، أو لكون بعض المُوقِفين وقف على من قرأ البخاري مثلا، فيقرؤونه لتحصيل الوظيفة لا لتحصيل الشريعة، فهؤلاء من أحق الناس بدخولهم في قول الله تعالى: {وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا * مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا * خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا} [طه: 99 – 101].
وقوله تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه: 124] إلى قوله: {وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى} [طه: 127].

فإن قلت فماذا يجوز للإنسان من قراءة هذه الكتب المصنفة في المذاهب؟

قيل يجوز من ذلك قراءتها على سبيل الاستعانة بها على فهم الكتاب والسنة، وتصوير المسائل، فتكون من نوع الكتب الآلية، أما أن تكون هي المقدَّمة على كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- الحاكمة بين الناس فيما اختلفوا فيه، المدعو إلى التحاكم إليها دون التحاكم إلى الله والرسول، صلى الله عليه وسلم، فلا ريب أن ذلك منافٍ للإيمان مضادٌ له، كما قال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65] فإذا كان التحاكم عند المشاجرة إليها دون الله ورسوله، ثم اذا قضى الله ورسوله أمرا وجدت الحرج في نفسك، وإن قضى أهل الكتاب بأمر لم تجد فيها حرجا، ثم إذا قضى الرسول -صلى الله عليه وسلم- بأمر لم تسلِّم له وإن قضوا بأمر سلمت له، فقد أقسم الله تعالى سبحانه -وهو أصدق القائلين- بأجلِّ مقسم به وهو نفسه -تبارك وتعالى- أنك لست بمؤمن والحالة هذه، وبعد ذلك فقد قال الله تعالى: {بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَہُ} [القيامة: 14 - 16].


* المصدر:
صحيفة النبأ العدد 73

للمزيد من المقالات النافعة.. تواصل معنا تيليجرام:
@wmc11ar
...المزيد

إقامة الدولة الإسلامية بين منهاج النبوة وسبل أهل الضلالة إن الدولة الإسلامية هي الوسيلة الوحيدة ...

إقامة الدولة الإسلامية بين منهاج النبوة وسبل أهل الضلالة

إن الدولة الإسلامية هي الوسيلة الوحيدة لإقامة الدين، وتحقيق العدل بين الناس الذي فرضه الله -تعالى- على خلقه، وجعل تحكيم شريعته شرطا له، وبغياب هذا الدين، وبتحكيم غير شريعة الله -سبحانه- يطغى الكفر، ويسود الظلم، ولعلاج ذلك يلجأ الناس إلى مسالك شتى، فمنهم من يرى أن إقامة الدين إضافة إلى كونها واجبا شرعيا، فإنها تتضمن تحقيق العدل، وهم المسلمون لرب العالمين، ومنهم من يسعى لإقامة كل ما يحسبه عدلا بأي طريق كانت، ولأسباب دنيوية محضة، وهم المفسدون من دعاة الإصلاح في كل ملّة ودين باطل.

إذ يتساوى البشر جلهم برغبتهم في إقامة العدل داخل المجتمعات التي يحيون فيها، ويرون في ذلك وسيلة لتجنيبهم ظلم الآخرين لهم، وفتح المجال أمامهم ليحيوا حياتهم الدنيوية بأمان أكبر، وسعادة أكثر، ولذلك نرى كثرة ما كتبه الفلاسفة والمتكلمون من الجاهليين في مسائل الحكم، لكونه وسيلة لإقامة العدل، وسعادة البشر، وظهرت مصطلحات كثيرة تحوم حول "الحكم العادل" و"المدينة الفاضلة" التي يحلم الناس بوجودها والعيش فيها، وقد قام عدد لا يحصى من الثورات والحروب في الأمم المختلفة لتحقيق هذه الغايات.
فبإغفال الناس للمنهج الذي بيّنه لهم خالقهم -جلّ وعلا- لتحقيق العدل فيما بينهم، وتحصيل السعادة في الدارين، لا يلبثون أن يختلفوا فيما بينهم، وأن يظهر فيهم الأئمة المضلون الذين يزعم كل منهم أنه وحده من يعرف الطريق لتحقيق العدل، وأنه وحزبه هم الوحيدون الذين بإمكانهم إقامته في الأرض، وعندما تتصارع رؤاهم حول العدل الذي يزعمون مع رؤى غيرهم ومصالحهم، لا يبقى إلا السلاح حكما بينهم، إذ لا أصل متفق عليه بينهم يرجعون إليه لحسم التنازع.

- قالوا إنّما نحن مصلحون:

وعلى هذا يسير الكثيرون ممن يزعمون اتّباع أنبياء الله ورسله -عليهم السلام- ممن ترك السنة وسار على طريق الهوى والبدعة، فضلَّ عن الصراط المستقيم، واتبع كلٌّ منهم سبيلا من السبل، عليه شيطان يدعو إلى النار، وكلٌّ منهم يدّعي أنه وريث علم النبوة، وحامي حمى الشريعة، وكلٌّ منهم يؤمل أتباعه بأنه سيعيد الدين إلى ما كان عليه في حياة أنبيائهم، بل وسيحقق لهم ما لم يتحقق لأولئك الأنبياء من الظفر والتمكين، وتحكيم الكتاب وإقامة الدين، وفي المحصلة ظهرت فيهم الفرق المتعددة؛ ففي النصارى إحدى وسبعون فرقة، وفي اليهود ثنتان وسبعون، ليتبعهم من يزعمون الانتساب إلى أمة محمد، صلى الله عليه وسلم، فينقسموا بدورهم إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها على ضلالة إلا فرقة تسير على منهاج النبوة، على ما كان عليه النبي -عليه الصلاة والسلام- وصحابته الكرام.

ومن يرجع إلى تاريخ كثير من تلك الفرق يجد أن مبدأ الانحراف في مناهج كثير منها، الذي قادها إلى الخروج عن الدين بالكلية إنما هو مناداتهم بالعودة إلى منهاج النبوة مع بنائهم دعاواهم على أصول فاسدة، وسعيهم في إقامة دولة تختلف كثيرا عن دولة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ما برحوا يزداد بهم الانحراف، ويبتعد بهم سبيلهم عن الصراط المستقيم، وهم يزيدون على دينهم وينقصون بما يخدم منهجهم الضال، حتى باتت أديانهم المختلفة شيئا مختلفا عن دين الإسلام الذي خرجوا بادئ الأمر يطلبون إعادته لما كان عليه السلف الأول.

- الرافضة.. تاريخ طويل من الضلال:

فالرافضة -إن صدق عدُّهم من أولى الفرق ظهورا- هم استمرار للانحراف الذي بدأ عند بعض الناس بتعصبهم لآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، واعتقادهم أنه لن يعيد الدين إلى ما كان عليه قبل انقطاع الوحي، ولن يحفظه إلى يوم القيامة إلا رجال من آل النبي وذريته، فظهرت في الشيعة عقيدة الوصاية على الدين التي حصروها بعلي، رضي الله عليه، وخرجوا بكذبةٍ مفادها أن النبي –صلى الله عليه وسلم- نصّ عليه خليفة من بعده، وأظهروا بدعة تفضيله على الصحابة وخاصة الشيخين، ثم تطوّر بهم الأمر إلى الغلو في علي بل إلى تأليهه في حياته وبعد موته، وأصبحت مسألة إمامة أهل البيت أصلا في دينهم، فلا يرون طريقا لإصلاح الدين إلا أن تكون إمامة الدين لواحد من أبناء فاطمة، رضي الله عنها.

وهذا الاتجاه البدعي في الإصلاح المزعوم -الذي ألزموا به أنفسهم- ذهب بهم في كل مرة يموت فيها إمامهم المنصوب إلى القول برجعته، أو إنكار موته، بل ووصل بهم الأمر إلى أن ينسبوا لأحد أئمتهم ابنا لم يكن له، وذلك لما وصلت سلسلة الإمامة التي تنتقل حلقاتها من الآباء إلى الأبناء إلى طريق مسدود، عندما انعدمت سلالة الإمام الحادي عشر الحسن العسكري، فخرجوا بكذبة الإمام الثاني عشر الذي أسموه (محمد المهدي بن الحسن العسكري)، ليواروا سوءة ضلالهم في مسألة الوصاية، بأن خلت الأرض من وصي يحقق شروطهم النَسبيّة والشرعية، واخترعوا قصة غيبته في سرداب سامراء إلى آخر الزمان ليستمر منهجهم البدعي الشركي الضال، زاعمين ظهوره في آخر الزمان ليملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا.

- دين ملفق في خدمة منهج ضال:

ومنذ بداية ظهور فرقة الشيعة وحتى ما نراه اليوم من شرك طوائفهم المختلفة وكفرها، غيّر علماء السوء الذين يتبعونهم دين الإسلام الذي زعموا أول الأمر أنهم حريصون على حفظه ووقايته من الانحراف الذي ادعوا وجوده، وأضافوا عليه الكثير من أديان أهل الكتاب والوثنيين، وأنكروا منه كل ما لا يوافق هواهم ومنهجهم، وكذبوا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وآل بيته، من الآثار ما ملؤوا به المجلدات وخدعوا به السذج الأغرار، وحتى القرآن الكريم لم يسلم من كفرهم وتشكيكهم، فزعموا أن فيه زيادة ونقصانا، لما وجدوا أن آياته تعارض ما يزعمون من الدين.

ولعزل منهجهم عن منهج أهل السنة والجماعة بالكلية، طفقوا يدورون على الفرق المنحرفة، والأديان الباطلة، ليختاروا من كلٍّ منها ما يمكن أن ينبني على أصولهم الفاسدة من العقائد والأحكام، حتى لفقوا لأنفسهم دين الرفض الذي يخالف دين الإسلام بالكلية.

ومن يرجع لتاريخ فرق الشيعة يجد أنها ما زالت منذ عهدها الأول مستمرة في العمل لإقامة ما يزعمون أنه الدولة الإسلامية، وإدخال الناس في دينهم الباطل الذي يزعمون أنه الدين الذي نزل على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وورث تبليغه للناس أئمتهم الغائبون، ولا يعلم إلا الله -تعالى- عدد من قُتل من أتباع ملتهم ومن المسلمين في سبيل غاياتهم تلك في حروبهم التي لم تتوقف ضد المسلمين خلال القرون الأربعة عشر الماضية.

فهكذا نشأ دين الرفض كلّه من أصل فاسد ونظرية فاسدة في الإصلاح، رأوها ضرورية لتحقيق العدل الذي يزعمون السعي إليه، والإصلاح الذي يكذبون في ادعاء طلبه، أخذها بعض الشيعة الأوائل من دين اليهود، أو أدخلها في أذهانهم يهودي كابن سبأ، باعتقادهم وصاية علي بن أبي طالب على الدين من بعد انقطاع الوحي، كما كان يوشع بن نون وصيا على بني إسرائيل من بعد موسى، عليه السلام، وتطوّرت هذه الفكرة على مدى القرون الطويلة، وما جرى فيها من صراعات بين فرق الشيعة وأعدائهم، ومن نزاعات بين فرق الشيعة أنفسهم، ومن تبديل وتغيير في دينهم على أيدي علماء السوء المشرعين لهم من دون الله، حتى تكوَّن من كل ذلك هذا المزيج النجس من العقائد الذي نراه اليوم عند فرق الشيعة المختلفة.

- تنظيمات وفصائل على خطى الرافضة:

فهذا التطور البعيد الأمد لدين الرافضة يقدّم لنا نموذجا حيا لما يمكن أن تصل إليه الدعوات إلى إقامة الدولة الإسلامية إن سلكت سبلا تنحرف عن الصراط المستقيم، وجعلت من تلك السبل واجبا حتميا على الناس سلوكه لإقامة الدين، فكانت نهايتهم أن بدَّلوا الدين ليتوافق مع تلك السبل التي ابتدعوها.

وهذا ما نجد كثيرا من الدعوات تسير عليه اليوم في طريقها المزعوم لإقامة الدين وتحكيم شريعة رب العالمين، فالانحرافات التي بدأت في أول الطريق لم تلبث أن انجلت اليوم عن ابتعادٍ كبيرٍ عن منهاج النبوة، بل ومحاربة لهذا المنهاج الذي رضيه الله ورسوله، صلى الله عليه وسلم.
وسنسعى -بإذن الله- فيما يأتي من حلقات هذه السلسلة إلى ضرب أمثلة أكثر لتوضيح هذه الفكرة، وصولا إلى بيان مآلات سبل الضالين، مقارنة مع منهاج النبوة الذي تسير عليه الدولة الإسلامية اليوم، بفضل الله تعالى.


المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 69
الخميس 25 جمادى الأولى 1438 ه‍ـ

لقراءة المقال كاملاً.. تواصل معنا تيليغرام:
@WMC11AR
...المزيد

طاغوت الحرية الشخصية • ومن الطواغيت المعاصرة: طاغوت "الحرية الشخصية" التي يتشدق بها كفار الغرب ...

طاغوت الحرية الشخصية

• ومن الطواغيت المعاصرة: طاغوت "الحرية الشخصية" التي يتشدق بها كفار الغرب والشرق، وحقيقتها الحرية المطلقة، المنافية للعبودية المطلقة لله تعالى، أي: أن يقول أو يفعل المرء ما شاء ومتى شاء، وكيفما شاء، دون ضابط من دين أو شرع، طالما أنه يوافق رغبته وهواه، فيصبح الهوى بذلك الأساس المتبع والسيد المطاع، وبعبارة أوضح وأكثر صراحة: الإله المعبود كما قال الله تعالى: { أَفَرَءَیۡتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُۥ هَوَاهُ }.

[ إفتتاحية النبأ - العدد 457 ]
...المزيد

إقامة الدولة الإسلامية بين منهاج النبوة وسبل أهل الضلالة - دين ملفق في خدمة منهج ضال: ومنذ ...

إقامة الدولة الإسلامية بين منهاج النبوة وسبل أهل الضلالة

- دين ملفق في خدمة منهج ضال:

ومنذ بداية ظهور فرقة الشيعة وحتى ما نراه اليوم من شرك طوائفهم المختلفة وكفرها، غيّر علماء السوء الذين يتبعونهم دين الإسلام الذي زعموا أول الأمر أنهم حريصون على حفظه ووقايته من الانحراف الذي ادعوا وجوده، وأضافوا عليه الكثير من أديان أهل الكتاب والوثنيين، وأنكروا منه كل ما لا يوافق هواهم ومنهجهم، وكذبوا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وآل بيته، من الآثار ما ملؤوا به المجلدات وخدعوا به السذج الأغرار، وحتى القرآن الكريم لم يسلم من كفرهم وتشكيكهم، فزعموا أن فيه زيادة ونقصانا، لما وجدوا أن آياته تعارض ما يزعمون من الدين.

ولعزل منهجهم عن منهج أهل السنة والجماعة بالكلية، طفقوا يدورون على الفرق المنحرفة، والأديان الباطلة، ليختاروا من كلٍّ منها ما يمكن أن ينبني على أصولهم الفاسدة من العقائد والأحكام، حتى لفقوا لأنفسهم دين الرفض الذي يخالف دين الإسلام بالكلية.

ومن يرجع لتاريخ فرق الشيعة يجد أنها ما زالت منذ عهدها الأول مستمرة في العمل لإقامة ما يزعمون أنه الدولة الإسلامية، وإدخال الناس في دينهم الباطل الذي يزعمون أنه الدين الذي نزل على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وورث تبليغه للناس أئمتهم الغائبون، ولا يعلم إلا الله -تعالى- عدد من قُتل من أتباع ملتهم ومن المسلمين في سبيل غاياتهم تلك في حروبهم التي لم تتوقف ضد المسلمين خلال القرون الأربعة عشر الماضية.

فهكذا نشأ دين الرفض كلّه من أصل فاسد ونظرية فاسدة في الإصلاح، رأوها ضرورية لتحقيق العدل الذي يزعمون السعي إليه، والإصلاح الذي يكذبون في ادعاء طلبه، أخذها بعض الشيعة الأوائل من دين اليهود، أو أدخلها في أذهانهم يهودي كابن سبأ، باعتقادهم وصاية علي بن أبي طالب على الدين من بعد انقطاع الوحي، كما كان يوشع بن نون وصيا على بني إسرائيل من بعد موسى، عليه السلام، وتطوّرت هذه الفكرة على مدى القرون الطويلة، وما جرى فيها من صراعات بين فرق الشيعة وأعدائهم، ومن نزاعات بين فرق الشيعة أنفسهم، ومن تبديل وتغيير في دينهم على أيدي علماء السوء المشرعين لهم من دون الله، حتى تكوَّن من كل ذلك هذا المزيج النجس من العقائد الذي نراه اليوم عند فرق الشيعة المختلفة.

- تنظيمات وفصائل على خطى الرافضة:

فهذا التطور البعيد الأمد لدين الرافضة يقدّم لنا نموذجا حيا لما يمكن أن تصل إليه الدعوات إلى إقامة الدولة الإسلامية إن سلكت سبلا تنحرف عن الصراط المستقيم، وجعلت من تلك السبل واجبا حتميا على الناس سلوكه لإقامة الدين، فكانت نهايتهم أن بدَّلوا الدين ليتوافق مع تلك السبل التي ابتدعوها.

وهذا ما نجد كثيرا من الدعوات تسير عليه اليوم في طريقها المزعوم لإقامة الدين وتحكيم شريعة رب العالمين، فالانحرافات التي بدأت في أول الطريق لم تلبث أن انجلت اليوم عن ابتعادٍ كبيرٍ عن منهاج النبوة، بل ومحاربة لهذا المنهاج الذي رضيه الله ورسوله، صلى الله عليه وسلم.
وسنسعى -بإذن الله- فيما يأتي من حلقات هذه السلسلة إلى ضرب أمثلة أكثر لتوضيح هذه الفكرة، وصولا إلى بيان مآلات سبل الضالين، مقارنة مع منهاج النبوة الذي تسير عليه الدولة الإسلامية اليوم، بفضل الله تعالى.


المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 69
الخميس 25 جمادى الأولى 1438 ه‍ـ

لقراءة المقال كاملاً.. تواصل معنا تيليغرام:
@WMC11AR
...المزيد
يتم الآن تحديث اوقات الصلاة ...
00:00:00 يتبقى على
9 شعبان 1447
الفجر 00:00 الظهر 00:00 العصر 00:00 المغرب 00:00 العشاء 00:00

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً