خواطر مجاهد من ملحمة الموصل 1/5 إيمانٌ خالطت بشاشته القلوب: على بُعد أمتار من خط رباطنا ...

خواطر مجاهد من ملحمة الموصل

1/5

إيمانٌ خالطت بشاشته القلوب:

على بُعد أمتار من خط رباطنا كان العدو، لا يفصل بيننا وبينه إلا شارع أحدثت فيه طائرات (B52) الأمريكية المنطلقة من قواعد جزيرة العرب حفرا هائلة، كتلك التي انتشرت في مختلف أحياء الموصل القديمة، نتيجة تطبيق الصليبيين وأذنابهم استراتيجية ساذجة لمنع وصول الاستشهاديين إلى تجمعات المرتدين ومقراتهم، فانقلب تدبيرهم تدميرا لهم، فأخرجت تلك الحفر آلياتهم عن الخدمة، ومنعتها من الحركة، ولم يبق أمامهم إلا أن تقوم طائراتهم مقام آلياتهم لتقدم التغطية النارية لجنودهم، وتفتح أمامهم الطريق، فتحرق الأخضر واليابس، وتحيل المناطق الواسعة يباباً حتى يتقدم القطيع المثقل بالجراح بضعة أمتار.

عوداً إلى خط النار إذ يتوزع المجاهدون على مفارز وكمائن على طوله بين ركام المباني المهدَّمة والخنادق، يتخلل كل مفرزة قناصون ماهرون يتربصون بالروافض الأنجاس، يتناوبون على القنص الليلي والنهاري.

عمل شاق ومحفوف بالمخاطر، فهو يتطلب التركيز الدائم، والعين الساهرة والقوة البدنية.

اقتربتُ من أحدهم، وقد شدتني فيه وضاءة وجهه، وجبيرة يده المكسورة، حاولت أن أفتح حديثاً معه، لكن خشيت أن تفوته فريسته أثناء حديثي، فجلست بجانبه أرصد تحركات العدو.

سادت حالة من الصمت شقت جدارها أصوات انفجارات متعددة، كانت إحداها نتيجة قنبلة فوسفور أبيض انفجرت على مقربة منّا، فانبعث دخان كريه الرائحة، فسارعت إلى قطعة قماش كنت قد هيئتها للحوادث المماثلة كي أستنشق عبرها.

ولكن الله -تعالى- أبعد الدخان عنا، واتجه صوب المرتدين ولله الحمد، غير أن غبار المبنى المدمَّر القريب أعدم الرؤية بالمكان، فلما انقشع الغبار جاء إليّ هذا القنّاص والبسمة تعلو محيَّاه، وهو يهمّ باتخاذ موقع بديل، قائلا: بإذن الله، هذا الغبار لن يجتمع بأنفي وأنفك وأنوف من يستنشقه من المجاهدين، مع دخان نار جهنم، كما قال صلى الله عليه وسلم: (لا يجتمعُ غبار في سبيل الله ودخان جهنم في جوف عبد أبداً) [رواه البخاري في الأدب المفرد وغيره]، ثم أردف قائلاً: تعرف أن الدخان أكثر رائحة أكرهها في حياتي، غير أني أستعذبها الآن!

ذكرني بقول بلال -رضي الله عنه- لما سُئل كيف صبرت يا بلال؟ (أي على عذاب المشركين لك برمضاء مكة) قال: مزجتُ حلاوة الإيمان بمرارة العذاب، فطغتْ حلاوة الإيمان على مرارة العذاب، فصبرت!

ذكرتني هذه الحادثة بقصة أخرى عن أثر حلاوة الإيمان على المؤمن، فيستطيب العسير الشاق في سبيل دينه.

شاب ينحدر من إحدى قرى الموصل، نحيل به عرجة نتيجة إصابة عصبية في رجله في إحدى المعارك، وصل للصف الخامس العلمي وكان من المتفوقين في دراسته، كان والده -تقبله الله- يحلم أن يكون ابنه طبيباً.

ولما فُتحت الموصل، التحق والده بالمجاهدين، ثم تبعه هو وأعمامه، حتى التحق بنو جده كلهم، وقد قُتلوا كلهم في سبيل الله، نحسبهم والله حسيبهم، آخرهم والده وعمه في يوم واحد في الزنجيلي.

سألته: هل تؤلمك إصابتك؟ قال: عندما أضغط على شيء ناتئ أتألم.

كنت أشفق عليه لحالته، غير أنه لما يحمى الوطيس تجده أول المتقدمين، مهرولاً وكأنه صحيح معافى. ما شاء الله... لا يعرف السكون، يستطلع أماكن العدو، ويبحث عن نقاط مناسبة لاصطياد فرائسه.

ففي ظل هذه المعركة القاسية، صار إيجاد المكمن المناسب للمجاهد غاية عسيرة، إذ جرت العادة أن يهاجَم أيُّ مكان يُرمى منه العدو برصاصة بصاروخ طائرة، في استنزاف مريع للترسانة العسكرية الصليبية والرافضية، فغدت أماكن الرباط في خط النار أكواما من الحجارة، أحالها المجاهدون بثباتهم وصلابة دفاعهم قلاعا حصينة، بفضل الله تعالى.

عاد أخونا من مهمة بحثه عن مكمن لنفسه، وقال: أثناء استطلاعي وجدت قطعة حلوى وبعض زجاجات المياه المعدنية. فنبهته أن مدة صلاحيتها انتهت منذ سنوات، فالمكان كان مهجورا، قال: على كل حال أكلت قطعة الحلوى وإن وجدت غيرها فسآكلها إن شاء الله، وتركني مبتسماً، وكأنه قد تناول لحم طير، وليس قطعة حلوى منتهية الصلاحية.

نعم إنها حلاوة الإيمان التي ذكرها أبو سفيان -رضي الله عنه- على لسان هرقل لما سأله عن حال أتباع محمد -صلى الله عليه وسلم- فقال له: "وسألتك أيرتدُّ أحدٌ سخطةً لدينه بعد أن يدخل فيه، فذكرتَ أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب".



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 88
الخميس 12 شوال 1438 ه‍ـ

لقراءة المقال كاملاً.. تواصل معنا تيليجرام:
@WMC11AR
...المزيد

اغتنم فراغك قبل شُغلِك 2/2 • كلما ذهب منك يوم ذهب بعضك: وهناك من كبر سنه وانحنى ظهره ...

اغتنم فراغك قبل شُغلِك

2/2

• كلما ذهب منك يوم ذهب بعضك:

وهناك من كبر سنه وانحنى ظهره ولديه من يعينه على أمر دنياه من مال أو ولد، وقد أنعم الله عليه مع تلك النعم بالفراغ، لكنه لا يعرف كيف يقضيه، فإلى من هذه حاله تفكَّر ملياً في تلك السنين التي قضيتها ولم يكن لك فيها حظ من الآخرة، تفكر كم أنت قريب من لقاء ربك، أما آن الأوان لك لتحرِّض أبناءك وأحفادك على البذل لدين الله ونصرته، أما آن الأوان لتقضي فراغك خالياً بالله بالدعاء لنفسك وللمسلمين المستضعفين ولعباد الله المجاهدين، أما آن أوان الانقطاع إلى الله والتقرب إليه بكل أنواع القُرب.

فإن كثيراً من الناس بلغوا من الكبر عتياً ثم تراهم يعيشون بعقل التائهين من الشباب الذين لا يفكرون بالموت وساعة السؤال والحساب، وهذا -والله- هو طول الأمل والهلكة بعينها، فأين أنت من قوله تعالى: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ} [ق: 19]؟ قال الإمام البغوي: "وجاءت سكرةُ الموت: غمرتُه وشدتُه التي تغشى الإنسان وتغلب على عقله، بالحق: أي بحقيقة الموت، وقيل: بالحق من أمر الآخرة حتى يتبيَّنه الإنسان ويراه بالعيان. وقيل: بما يؤول إليه أمر الإنسان من السعادة والشقاوة. ويقال: لمن جاءته سكرة الموت، ذلك ما كنت منه تحيد: تميل، قال الحسن: تهرب. قال ابن عباس: تكره" [معالم التنزيل في تفسير القرآن].

فاغتنم فراغك قبل أن تصير في قبرك، واغتنم صباحك فلربما لا تدرك مساءك، عن الحسن قال: "ابنَ آدم، إنما أنت أيام وكلما ذهب يوم ذهب بعضك" [الزهد لأحمد بن حنبل]، واقتد بأولئك الشيب الذين قدموا أشلاءهم في سبيل الله وسابقوا الشباب على الجنة لا على الدنيا.

• اغتنم ساعات فراغك:

إن هنالك صِنفاً من الأبرار كفاه الله -تعالى- مؤنة العيش فكان رزقه تحت ظل رمحه، فهو يستعمله في تنغيص عيش الكافرين ونصرة دين رب العالمين، ومن هؤلاء الموفَّقين أيضا من اكتفى في رباطه بأداء نوبة الحراسة في ساعات قليلة ثم يعود إلى فراغه الطويل، وتلك الأوقات هي نعمة للمجاهد قد لا يدركها، فلو استغلها بذكر الله وقراءة القرآن والدعاء أو المحافظة على النوافل أو ساعة تذكرة لإخوانه فيحرِّض بعضهم بعضاً، لكان في ذلك منفعة عظيمة وثبات عند لقاء الكفار ورفعة في الدرجات وزيادة في الحسنات.

فاعلم أيها المجاهد أن فراغك نعمة من الله فاغتنمها لئلا تكون من المغبونين، واجعلها ذخراً لك عند الله تعالى، فإن الله أعد للمجاهدين في الجنة مئة درجة، فدرجة المجاهد الذي يذكر الله -تعالى- ويتطوع في الصلاة ويقرأ القرآن ويجتهد في الحراسة والرباط والقتال ليست كدرجة المجاهد المرابط الذي لا يذكر الله إلا قليلاً، ويؤدي نوبة حراسته ثم يعود إلى فراغه الطويل.

فعلى المجاهدين المرابطين الصادقين أن يجتهدوا في فراغهم لنيل أعلى الدرجات ويعلموا أن ما بين الدرجة والدرجة في الجنة كما بين السماء والأرض، وأن نعيم المنازل العلى أفضل وأكمل مما دونها، فلا يزهد المرابط في التزوُّد من العمل الصالح مع عظيم عمله الذي أخبر عنه النبي، صلى الله عليه وسلم: (رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأمن الفتَّان) [رواه مسلم]، فأي فضل عظيم للمرابط الذي يُقتل فيجرى له عمله الذي شغل فراغه به؟ فعليك بقراءة القرآن وقيام الليل وغير ذلك من العبادات، واحرص على طلب العلم والتفقه في الدين وحفظ كتاب الله جل وعلا، فالفراغ الذي تعيشه ما بين نوبات الحراسة يغبطك عليه كثير من الصالحين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 88
الخميس 12 شوال 1438 ه‍ـ

لقراءة المقال كاملاً.. تواصل معنا تيليجرام:
@WMC11AR
...المزيد

اغتنم فراغك قبل شُغلِك 1/2 الفراغ نعمة غُبن فيها كثير من أصحابها، الذين كفاهم الله مُؤنة العيش ...

اغتنم فراغك قبل شُغلِك

1/2
الفراغ نعمة غُبن فيها كثير من أصحابها، الذين كفاهم الله مُؤنة العيش والسعي وراء الرزق، فلم يستفيدوا منه ولم يغتنموه، بل أضاعوه في لهو ولعب، حتى جاءهم الموت وهم ساهون لاهون عن مُراد الله منهم، يتنعَّمون بفضله الذي سيُسألون عنه، وقال الله -تعالى- فيه: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} [التكاثر: 8].

نعم سيُسألون، لأن الله -تعالى- ما خلَق الخلْقَ ليتنعَّموا بالنعيم الزائل بل خلقهم ليعبدوه، وهو غني عنهم وعن عبادتهم، وهو بفضله ورحمته أعدَّ للطائعين منهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، يعوِّضهم فيها بالنعيم الدائم عن إشغال أوقاتهم بطاعته، ونعم العِوض جنةُ المأوى.

وأما من مال عن الآخرة إلى دنياه الفانية وعيشِه الزائل، فحاله بعد الموت كما قال الله سبحانه: {رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ} [المؤمنون: 99 - 100]، فهل يعتبر المرء فيشغل نفسه بطاعة الله ومرضاته ما دامت روحه بين جنبيه؟ قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة) [رواه الشيخان]. تأمَّل قوله -صلى الله عليه وسلم- ونفيَه أن يكون نعيم الدنيا عيشاً حقيقياً يستحق عناء الطالبين له، لأن العيش الحقيقي هو عيش الآخرة في جنة الله الكريم.

• يا ليتني قدمت لحياتي:

لقد أضاع كثير من الناس الميزان بين أعمال الدنيا وأعمال الآخرة فلم يوفِّقوا بينهما، فمبلغ همِّ كثير منهم جمعُ الثروات والإسراف في المباحات، فتراه في غنىً وكفاية من العيش ولكنه فقير من الأعمال للفوز بجنة الله ورضوانه، فأنعم الله عليه بنعمة الفراغ ولكنه أشغل فراغه بدنياه، وهو ليس محتاجاً إليها فهذا هو المغبون حقاً، كما جاء عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال النبي، صلى الله عليه وسلم: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ) [رواه البخاري].

فيا صاحب الغِنى والفراغ، اللاهي بدنياه إنك من المحرومين، لأنك لم تُقدِّر قيمة الأوقات الفائتة من عمرك كما عرفها أصحاب الهمم العالية الذين لا يجدون فراغاً لإتمام أعمالهم وجهادهم، وإنك يا صاحب الفراغ صائر إلى أمر عظيم قد غاب عنك وغفلت عنه، اللحظة التي تقول فيها: {يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي} [الفجر: 24]، قال الإمام الطبري، رحمه الله: "يقول -تعالى ذكره- مخبراً عن تلهُّف ابن آدم يوم القيامة، وتندّمه على تفريطه في الصَّالِحات من الأعمال في الدنيا التي تورثه بقاء الأبد في نعيم لا انقطاع له، يا ليتني قدَّمت لحياتي في الدنيا من صالح الأعمال لحياتي هذه، التي لا موت بعدها، ما ينجيني من غضب الله، ويوجب لي رضوانه" [جامع البيان].

نعم هناك من الناس من أنعم الله عليه فكفاه مؤنة العيش ولكنه سادرٌ في غيِّه لاهٍ عن أوامر ربه، لم يشغل فراغه في معرفة دينه وماذا أراد الله منه، بل أشغله في المحرمات، أو كثرة المباحات، فأعدَّ أيها التائه اللاهي أجوبة كثيرة لأسئلة كثيرة، فإنك -والله- ما خُلقت عبثاً ولن تترك سدى وستسأل عن فراغك بماذا قضيته.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 88
الخميس 12 شوال 1438 ه‍ـ

لقراءة المقال كاملاً.. تواصل معنا تيليجرام:
@WMC11AR
...المزيد

الدولة الإسلامية - صحيفة النبأ العدد 88 الافتتاحية: • وليمحِّص الله الذين آمنوا إن مغفرة ...

الدولة الإسلامية - صحيفة النبأ العدد 88
الافتتاحية:

• وليمحِّص الله الذين آمنوا

إن مغفرة الله ذنوب عباده من أسباب نصرهم الإلهي في الدنيا، وفوزهم في الآخرة، ولذلك دلّ الله -سبحانه- عباده على الحرص على هذا السبب عند التقاء الصفوف مع الأعداء، كما في قوله: {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 147].

ومغفرة الذنوب لها أسباب كثيرة ولله الحمد، منها التوبة والإنابة إلى الله تعالى، ومنها استغفاره سبحانه، ومنها فعل الطاعات، ومنها الصبر عند الابتلاءات، ومنها ما يمنّ الله به على من يشاء من عباده من مغفرة، دون توبة منهم أو استغفار.

وأكثرها مهيَّأة للعبد في طريق الجهاد، وعلى رأسها، قيامه بعبادة الجهاد التي هي ذروة سنام الإسلام، وصبره على الابتلاءات التي يمحو الله بها الخطايا، ويرفع بها الدرجات، فطريق الجهاد كله طريق لمحو ذنوب الموحِّدين مهما كثرت، وتكفير لخطاياهم مهما كبرت، قال تعالى: {تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [الصف: 11 - 13].

وإذا كان ما يصيب المسلم من أنواع الابتلاءات يكفِّر الله به خطاياه، كما قال عليه الصلاة والسلام: (ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن، ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفَّر الله بها من خطاياه) [متفق عليه]، فكيف بالمسلم المجاهد؟

فما تمر طائرة من فوق رأس المجاهد، وهو يخشى أن تلقي عليه قنابلها، إلا كان كفارة لذنوبه، وما تقع بجانبه قذيفة فيخيفه صوتها، ويؤذيه غبارها، ويصيبه من ريح بارودها، إلا كان كفارة لذنوبه، وما يصيبه من حزن على ما ينال إخوانه المجاهدين، أو سائر المسلمين، من الحرب وآثارها، إلا كان كفارة لذنوبه، فضلا عما يصيبه هو من الجراح والأذى في سبيل الله.

ولا يزال المجاهد في سبيل الله -تعالى- متعرضا لنفحات رحمة الله ومغفرته، بقيامه بأمر الله تعالى، وصبره على الطريق وما فيه، فينقِّيه الله بذلك من الخطايا والآثام، حتى يكون أهلا لنيل إحدى الحسنيين، شهادةٍ في سبيله سبحانه، يتوفاه بها مغفورا له ذنبه، ما عليه يوم القيامة من حساب ولا عقاب، أو نصرٍ يمنّ الله به على المؤمنين الصابرين، كما قال تعالى: {إن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 140 - 142]، وقوله: {وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا}، أي: ليكفِّر عنهم خطاياهم بما يصيبهم.

فتمحيص الذين آمنوا من ذنوبهم هو ثمرة من ثمرات الجهاد في سبيل الله، وثمرة من ثمرات الابتلاءات التي تصاحبه، ولذلك كان أمر المجاهد كلُّه خيرا له، فإن أصابه الفتح، وكُتب له النصر، نال ما نال من أجر وغنيمة، وإن أصابته جراحات وأذى، كان ذلك كفارة له من ذنوبه، وإعظاما له في أجره، كما قال عليه الصلاة والسلام: (ما من غازية أو سرية تغزو فتغنم وتسلم، إلا كانوا قد تعجَّلوا ثلثي أجورهم، وما من غازية أو سرية تخفق وتصاب إلا تم أجورهم) [رواه مسلم].

وبعد، فلا يركننَّ مجاهد إلى هذا الأمر، رغم فرحه به، وليستعن بالله، مجتهدا في الطاعات، مجتنبا للمعاصي الموبقات، وليستغفر الله -تعالى- من كل ذنب يصيبه، ومن كل خطيئة يقع فيها، وليسأله دوما أن يغفر له ذنبه، وأن يثبت أقدامه، وأن ينصره على القوم الكافرين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 88
الخميس 12 شوال 1438 ه‍ـ

للمزيد من المواد.. تواصل معنا تيليجرام:
@WMC11AR
...المزيد

%نحن6. إحق..حنان.. بالشك8 من9. ابراهيم اذا قال12 ربي ارني كيف تحيي. موتى ....الخ % نحن6. ...

%نحن6. إحق..حنان.. بالشك8 من9. ابراهيم اذا قال12 ربي ارني كيف تحيي. موتى ....الخ
% نحن6. باب. اولا

هندين .. فسليم لا اوافق عل. زواج صين من جزاءر. تحبس استنا 1/2/3

هندين ..
فسليم
لا اوافق عل. زواج صين من جزاءر. تحبس استنا
1/2/3

وجد عالما مليءا بامرأة عزيز. نساء1 . فاخذ صديقه وهربا

وجد عالما مليءا بامرأة عزيز. نساء1
.
فاخذ صديقه وهربا

✍قال ابن القيم : ((إنَّ الكريم المحسن أشرح النَّاس صدرًا، وأطيبهم نفسًا، وأنعمهم قلبًا، والبخيل ...

✍قال ابن القيم :
((إنَّ الكريم المحسن أشرح النَّاس صدرًا، وأطيبهم نفسًا، وأنعمهم قلبًا، والبخيل الذي ليس فيه إحسان أضيق النَّاس صدرًا، وأنكدهم عيشًا، وأعظمهم همًّا وغمًّا))
((زاد المعاد))(2/22)
════════❁══════
📙 خدمة فوائد علمية 📙
════════❁══════
📌 للاشتراك في الخدمة: أرسل (اشتراك) إلى الرقم
249100802323
📎 انشر تؤجر بإذن الله 📎
...المزيد
يتم الآن تحديث اوقات الصلاة ...
00:00:00 يتبقى على
13 رجب 1447
الفجر 00:00 الظهر 00:00 العصر 00:00 المغرب 00:00 العشاء 00:00

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً