القرآن ينادي!. القرآن دائما وأبدا يناديك! القرآن دائما يُخاطبك! أين أنت منه؟! وأين هو ...

القرآن ينادي!.
القرآن دائما وأبدا يناديك! القرآن دائما يُخاطبك! أين أنت منه؟! وأين هو منك؟!{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}() {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ}().
هل شعرت به؟! هل سمعته؟! هل قرأته؟! هل تلّذذت به؟! هل أنصتّ إليه؟!{أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ}().
السموات, الأرض, الجبال, الحجار, الشجر, والدوابّ, في خشوع من القرآن{لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}().
ما أقمت له وزنا! وكأنّه عليك عبْءٌ! فيه السعادة, فيه الراحة, فيه الشفاء, فيه السرور, فيه الحياة السعيدة التي لا تنتهي{وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا}().
القرآن صديقك الوحيد الذي لا يفارقك, إن ضاقت عليك الأرض فارجع إليه! وإن حزنت فارجع إليه! وإن يأست فارجع إليه! حتى وإن جرت عليك رياح الكدر, وتزلزلت بك براكين الهموم, وتعسّرت عليك طرق النجاة, وخسفت بك أرض الوحشة, وماجت بك بحور الخوف, وضاق عليك هواء الراحة, فإلى القرآن مرجعك, وإليه مأواك, وإليه مصيرك, يسعدك وإن كنت حزين, يريحك وإن كنت مهموم, يُضحكك وإن كنت باكٍ.
شهد بهذا أحد صناديد الكفر: إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو ولا يعلى عليه().
وشهدت طائفة الجن بذلك{قَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ}().
مالك بن دينار يقول: يا حملة القرآن، ماذا زرع القرآن في قلوبكم؟ فإن القرآن ربيع المؤمن، كما أن الغيث ربيع الأرض؛ فإن الله ينزل الغيث من السماء إلى الأرض، فيصيب الحش، فتكون فيه حبة، فلا يمنعها نتن موضعها: أن تهتز، وتخضر، وتحسن؛ فيا حملة القرآن ماذا زرع القرآن في قلوبكم، أين أصحاب سورة؟ أين أصحاب سورتين؟ ماذا عملتم فيهما؟().
أنت! أنت! أمامك فرصة الحياة انتهزها! أمامك سعادة الأبد فلا تضيعها! أمامك فرحة العمر فلا تتغابى عنها! أمامك إشارة خضراء مكتوب عليها السعادة{ومَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}().

📙📙 من كتاب دروب السعادة وكسر شوكة الأحزان. ص:(50)
🖋🖋 أبي الليث العريقي، هشام عبده حبيب عبيد ناصر العريقي.
ملاحظة/ المصادر والمراجع في متن الكتاب او على نسخة pdf.
...المزيد

لا تنتظر شكرا من أحد. الناس جُبِلوا على إنكار الجميل, إلا من رحم الله{وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ ...

لا تنتظر شكرا من أحد.
الناس جُبِلوا على إنكار الجميل, إلا من رحم الله{وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ}().
إن أعطيت فلا تنتظر الرد, وإن تجملّت بجميلٍ فلا تنتظر الثناء, تلك طبيعة الحمقاء, وتلك طريقة البؤساء, حقيقة لا شكّ فيها ولا مراء, لأن السعداء لا يطلبون ذلك, ويحملون شعاراً: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً}().
وطبيعة الجحودِ والنكرانِ والجفاءِ وكُفْرانِ النِّعم غالبةٌ على النفوس, -إلا من رحم الله- فلا تُصْدمْ إذا وجدت هؤلاءِ قد كفروا جميلك، وأحرقوا إحسانك، ونسوا معروفك، بل ربما ناصبوك العِداءَ، ورموك بمنجنيق الحقدِ الدفين، لا لشيءٍ إلا لأنك أحسنت إليهمْ{وَمَا نَقَمُواْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ}() إلا من عصمه الله{وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ}().
الله ربُّ الأرباب, ومسبب الأسباب, وخالق الناس من تراب, أحسن إلى بعضهم فلم يشكروه, وتغمّدهم بواسع رحمته فلم يعبدوه, وتودد إليهم بجزيل النعم والعطايا فلم يّقابلوه.
أحسن إلى فرعون{فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى}()وأحسن إلى قارون{قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي}() وأحسن إلى الوليد{فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ}() أحسن إلى صاحب الجنتين{قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً}() هذه هي طبيعة الإنسان{إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ}() تودد إليهم ربُنا بالنعم والإحسان, فقابلوه بالكفر والجحود والنكران, ولا يفيدهم نكرانهم{أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ}().
فلا تحزن! ولا تيأس! على معروفك وإحسانك, فإذا كان الله لم يسلم من جحود إحسانه إليهم. فمن أنا وأنت حتى نحزن, ونيأس, ونضجر على العطايا؟!, أتظنّ أنك تسلم ممّا لم يسلم منه ربُّ العالمين, الرحمن الرحيم, ربُّ العرش الكريم!{وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا}(){إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ}(){إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ}().
فلا تحزن!, ولا تضجر!, ولا تيأس!, فصدقتك باقية, وجميلك يدوم, ومعروفك لا يفنى, وإحسانك لن يضيع{وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ}() {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ}() فما الذي يحزنك إذا كان الله قد توعّد بردّ الجميل!؟.
كم هناك من أُمٍّ حملت ابنها في بطنها وهنَاً على وهن, وأرضعته حولين كاملين.
سهرت لينام! وتعبت ليرتاح! فكان بطنها له مسكنا وبيتاً, وثديها له طعاما وشراباً, وشفتاها له فرحاً وتبسُّماُ, ويدها له نظافةً وتغسيلاً, لحمها ينهك يوما بعد يوم. تحملت الثقل من أجله, تحملت الزفرات من أجله, تحملت البكاء من أجله, تحملت السهر من أجله, تحملت البول والأذى من أجله.
فلمّا كبر! وترعرع! ونشأ! وشبّ! واشتدّ! وقويت سواعده! وقويت أركانه!, خاطبه الله بخطاب الإحسان والمعروف إليها, وشكرها على صنيع ما فعلت{وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا}().
فكان جزاء المعروف والإحسان{أُفٍّ لَكُمَا}() سبّاً, وشتماً, ولعناً, وضرباً, وطرداً, وسحباً, وإخراجاً, وتجويعاً{...وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ}؛ هذا هو الشكر! وهذا هو جزاء المعروف!.
ألا فليهدأ الذين احترقت أوراقُ جميلِهمْ عند منكوسي الفِطرِ، ومحطَّمي الإراداتِ، وليهنؤوا بعوضِ المثوبةِ عند من لا تنفدُ خزائنُه.
إن هذا الخطاب الحارَّ لا يدعوك لتركِ الجميلِ، وعدمِ الإحسانِ للغير، وإنما يوطِّنُك على انتظار الجحودِ، والتنكرِ لهذا الجميلِ والإحسانِ، فلا تبتئس بما كانوا يصنعون.
اعمل الخير لِوجْهِ اللهِ؛ لأنك الفائزُ على كل حالٍ، ثمَّ لا يضرك غمْطُ من غمطك، ولا جحودُ من جحدك، واحمدِ الله لأنك المحسنُ، واليدُ العليا خيرٌ من اليدِ السفلى(){إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً}().
لا تشتغل بهمومك! ولا تخسر نومك! ولا تضيّع وقتك بالتفكير في إنك أعطيت أحدا كبريتاً ليشعل به ناره, فأحرقك به!, أو أعطيت أحدا بترولا ليحرك سيارته فصبّه عليك وأحرقك!, أو أهديت صديقك سهماً ليصطاد به فكنت أنت الرميّة!, أو أهديت أحدا قلما وورقة فكتب فيها عيوبك! أو أنك حملت أحدا على سيارتك فهرب ولم يدفع لك الأجر!{وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ}().
اجتمع عند أمير المؤمنين علي بن أبي طالب-رضي الله عنه- جماعة فتذاكروا المعروف، فانتهز أمير المؤمنين هذا الحديث لترغيبهم فيه وحثهم عليه فقال: المعروف كنز من أفضل الكنوز, وزرع من أزكى الزروع, فلا يزهدنكم في المعروف كفر من كفره, ولا جحود من جحده, فإن من يشكرك عليه ممن لم يصل منه شيء أعظم مما ناله أهله منه, فلا تلتمس من غيرك ما أسديت إلى نفسك, إن المعروف لا يُتمّ إلا بثلاث خصال: تصغيره, وستره, وتعجيله, فإذا أصغرته فقد عظّمته, وإذا سترته فقد أتممته, وإذا عجّلته فقد هنّأته().

📙📙 من كتاب دروب السعادة وكسر شوكة الأحزان. ص:(46)
🖋🖋 أبي الليث العريقي، هشام عبده حبيب عبيد ناصر العريقي.
ملاحظة/ المصادر والمراجع في متن الكتاب او على نسخة pdf.
...المزيد

الصدقة ضياء. الصدقة تجلب السعادة, وتجلب السرور, وتجلب لصاحبها ودُّ الله له, وتجلب له ودُّ الناس؛ ...

الصدقة ضياء.
الصدقة تجلب السعادة, وتجلب السرور, وتجلب لصاحبها ودُّ الله له, وتجلب له ودُّ الناس؛ فيصبح محبوبا عند الله وعند الناس, فكن أنت صاحب الصدقة لتسعد سعادة لن تشقى بعدها أبدا. قال الرسول –صلى الله عليه وسلم-: (( السخي قريب من الله قريب من الجنة قريب من الناس، والبخيل بعيدٌ من الله، بعيدٌ من الناس بعيدٌ من الجنة))().
الصدقة فيها السعادة, وفيها الراحة, وفيها الطمأنينة, وفيها العزّ, وفيها الشرف, وفيها الفخر, فيها كل ألوان سعادة القلب (( اللهم أعط منفقاً خلفاً ))() {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ}().
محمد -صلى الله عليه وسلم- جوادا وأكرم من خلق الله، وأجود البرية نفسا ويدا، فكفه غمامة بالخير، ويده غيث بالجود، بل هو أسرع بالخير من الريح المرسلة، لا يعرف لا؛ إلا في التشهد.
ما قال (لا) قط إلا في تشهده لولا التشهد كانت لاؤه نعم.
يعطي -صلى الله عليه وسلم- عطاء من لا يخشى الفقر؛ لأنه بعث بمكارم الأخلاق، فهو سيد الأجواد على الإطلاق، أعطى غنما بين جبلين، وأعطى كل رئيس من العرب مائة ناقة، وسأله سائل ثوبه الذي يلبسه فخلعه وأعطاه، وكان لا يرد طالب حاجة، قد وسع الناس بره، طعامه مبذول، وكفه مدرار، وصدره واسع، وخلقه سهل، ووجهه بسام.
تراه إذا ما جئته متهللا ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله.
ينفق مع العدم، ويعطي مع الفقر، يجمع الغنائم ويوزعها في ساعة، لا يأخذ منها شيئا، مائدته -صلى الله عليه وسلم- معروضة لكل قادم، وبيته قبلة لكل وافد، يضيف، وينفق، ويعطي، ويؤثر، ويصل القريب بما عنده، ويواسي المحتاج بما يملك، ويقدم الغريب على نفسه، فكان -صلى الله عليه وسلم- آية في الجود والكرم، حتى لا يقارن به أجواد العرب، كـ حاتم وابن جدعان؛ لأنه يعطي عطاء من لا يطلب الخلف إلا من الله.
ويجود جود من هانت عليه نفسه وماله وكل ما يملك في سبيل ربه ومولاه، فهو أندى العالمين كفا، وأسخاهم يدا، وأكرمهم محتذى، قد غمر أصحابه وأحبابه - بل حتى أعداءه- ببره وإحسانه وجوده وكرمه وتفضله، أكل اليهود على مائدته، جلس الأعراب على طعامه، حف المنافقون بسفرته، ولم يحفظ عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه تبرم بضيف، أو تضجر بسائل، أو تضايق بطالب، بل جر أعرابي بردته حتى أثر في عنقه، وقال له: اعطني من مال الله الذي عندك، لا من مال أبيك ولا أمك، فالتفت إليه -صلى الله عليه وسلم- وضحك وأعطاه.
وجاءته كنوز من الذهب والفضة فأنفقها في مجلس واحد، ولم يدخر منها درهما ولا دينارا، ولا قطعة، فكان أسعد بالعطية يعطيها من السائل، وكان يأمر بالإنفاق والكرم والبذل، ويدعو للجود والسخاء، ويذم البخل والإمساك() فيقول: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه))().
إن المتصدقين كثير، والمستجيبين لهذا النداء الرباني مِنْ فَجْرِ هذه الأمة، ومن فجر الإسلام إلى يومنا هذا هم جمعٌ غفيرٌ.
فهذا أبو بكر -رضي الله عنه وأرضاه-, يقول له النبي -صلى الله عليه وسلم- عندما تصدق: ((يا أبا بكر ما أبقيت لأهلك؟. فقال أبقيت لهم الله ورسوله))().
وهذا عثمان, يجهز جيش العسرة فيخرج نوقاً بأحلاسها وأقتابها فيقول له الرسول -صلى الله عليه وسلم-: ((ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم))().
ودخل عبد الرحمن بن عوف يحمل أكياس الذهب والفضة حتى وضعها في المسجد وقال: يا رسول الله! خذ هذا. قال: ((آجرك الله فيما أعطيت، وبارك لك فيما أبقيت))().
وقد أُثر عن علي زين العابدين -ذلك الإمام الجليل من أئمة السلف الصالح علماً وفضلاً ونبلاً رحمة الله عليه- أنه كان إذا جَنَّ عليه الليل وضع اللثام على وجهه، ثم حمل على ظهره أكياس الطعام، ومضى إلى بيوت يعرفها للأيتام والأرامل –رحمه الله- ثم أطعم وسقى واقتحم العقبة، ففك الرقبة، وأطعم ذا المسغبة، يتيماً ذا مقربة، أو مسكيناً ذا متربة، -رحمة الله على تلك الروح الطيبة- فلما توفي فقد أكثر من عشرين بيتاً –ممن يقرع عليهم في جوف الليل أبوابهم بذلك الطعام- فعلموا أنه ذلك العالم وذلك العابد، وكان في زمانه آيةً في العلم والصلاح مع ماله من النسب؛ لأنه ابن ابن بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فجمع الله له بين هذه الخيرات والفضائل، يقول في مدحه الفرزدق: ما قال لا قط, إلا في تشهده لولا التشهد كانت لاؤه نعم أي: ما جاءه أحد يسأله شيئاً فقال له: لا. وهذا من كمال خلقه وزينها -رضي الله عنه-.
فلما أرادوا أن يغسلوه ويكفنوه؛ خلعوا ثيابه فنظروا فإذا ظهره متشحط من الدم؛ بسبب أكياس الدقيق التي كان يحملها.
فسلامٌ على تلك القلوب الرحيمة، وسلام على تلك الأخلاق الكريمة، وتلك المعادن الأبية الصالحة التي كانت ترجو ما عند الله، وتريد رحمة الله –تعالى-، كان السلف الصالح -رحمة الله عليهم- لهم من الأخلاق والفضائل والنوائل ما تضرب به الأمثال().

📙📙 من كتاب دروب السعادة وكسر شوكة الأحزان. ص:(42)
🖋🖋 أبي الليث العريقي، هشام عبده حبيب عبيد ناصر العريقي.
ملاحظة/ المصادر والمراجع في متن الكتاب او على نسخة pdf.
...المزيد

الهمة, الهمة. إذا أعطي العبد همة كبرى، ارتحلت به في دروب الفضائل، وصعدت به في درجات المعالي. ومن ...

الهمة, الهمة.
إذا أعطي العبد همة كبرى، ارتحلت به في دروب الفضائل، وصعدت به في درجات المعالي.
ومن سجايا الإسلام التحلي بكبر الهمة، وجلالة المقصود، وسمو الهدف، وعظمة الغاية.
فالهمة هي مركز السالب والموجب في شخصك، الرقيب على جوارحك، وهي الوقود الحسي والطاقة الملتهبة، التي تمد صاحبها بالوثوب إلى المعالي والمسابقة إلى المحامد.
وكبر الهمة يجلب لك -بإذن الله- خيرا غير مجذوذ، لترقى إلى درجات الكمال، فيجري في عروقك دم الشهامة، والركض في ميدان العلم والعمل, فلا يراك الناس واقفا إلا على أبواب الفضائل، ولا باسطا يديك إلا لمهمات الأمور، تنافس الرواد في الفضائل، وتزاحم السادة في المزايا، لا ترضى بالدون، ولا تقف في الأخير، ولا تقبل بالأقل, وبالتحلي بالهمة، يسلب منك سفساف الآمال والأعمال، ويجتث منك شجرة الذل والهوان، والتملق، والمداهنة، فكبير الهمة ثابت الجأش، لا ترهبه المواقف، وفاقدها جبان رعديد، تغلق فمه الفهاهة.
فكبر الهمة تاج على مفرق القلب الحر المثالي، يسعى به دائما وأبدا إلى الطهر والقداسة والزيادة والفضل، فكبير الهمة يتلمظ على ما فاته من محاسن، ويتحسر على ما فقده من مآثر، فهو في حنين مستمر، ونهم دؤوب للوصول إلى الغاية والنهاية.
فالهِمَّة الهمة؛ فإنها طريق إلى القمة، فأسرع الوصول ولا تنظر إلى الخلف، لا تنظر إلى أي عائق، واعلم أن شبراً بذراع، وأن ذراعاً بباع، وأن مشياً بهرولة، فضلا من الله ومِنَّة.
اصبر، وجِدِّ، ولا تسأم، ولا تمل بالعمل الصالح, بالنصح، بالدعوة، بالقيام بما أوجب الله عليك، فلا تنظر إلى لوم لائم، ولا إلى عتاب عاتب، ولا إلى هوى نفس أو شيطان, فالنفس تحب التحرر من القيود، والانطلاق والتفلت، فتراها تستلذ الحرام والشهوات، همها هواها، لكن صاحب الهمة العاقل الحازم يمنعها هواها، ويداريها، فيأخذها تارة بالعزائم، وتارة بالرخص، ويستعيذ بالله من شرها، ويدعو بتزكيتها، لتزكو وتتربى، وتسمو وتترقى.
فلتكن هِمّتك عالية, وهدفك صائب, وغايتك مشروعة, ليكن لك في التاريخ ذكرا, وبعد الموت أثرا, طالع الكتب, ألّف كتابا, ابني مسجدا, اوقف أرضا, اعمل صدقة جارية, احفظ كتاب الله, احفظ آحاديث رسوله, فلتكن همتك عالية ورفيعة, ناطح الثريّا بهمتك, ناطح نجوم السماء, كن أرفع من الجبال, وأوسع من الأرض, وأرقُّ من الخيط, وألين من الماء, وأحلى من العسل.
كن كالجبل نصفه تحت الأرض عميق, ونصفه فوق الأرض رفيع, غايته وهدفه مناطحة قمم السماء, لا يهمك جور السلطان, ولا غلا الأسعار, ولا ارتفاع صرف الدولار, ولا سوء الحال, كن كالجبل, لا يذوب, لا يتقلقل, لا يتحرك, لا يتمايل, لا يتصدع , همّه خدمة غيره, لا تهمّه نفسه, ولا يخدم نفسه, إنما همّه حماية الأرض من التمايل والعدول, لكن ذوبانه واضطرابه وتصدعه كلها من خشية الله{لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}().
أنت! أنت!, كن كالجبل, اصعد سلّم النجاح وناطح الثريا, واجعل خوفك وخشيتك من الله دون غيره.
فبقدر همتك واهتمامك وبذْلك وتضحيتك تكون مكانتك، ولا يعطى لك المجد جزافا.
لا تحسب المجد تمرا أنت آكله... لن تبلغ المجد حتى تلق الصبرا.
التفوق والمثابرة لا تعترف بالأنساب والألقاب ومستوى الدخل والتعليم, بل من عنده همة وثابة, ونفس متطلعة, وصبر جميل, أدرك العلياء, وناطح الثُريا.
انظر إلى أصحاب الهمم العالية, والأهداف الناصعة, والغايات الصالحة, أمضوا حياتهم كلها عمل في عمل, وجهد في جهد, وتعب في تعب, وصبروا وجدّوا واجتهدوا, حتى وصلوا إلى القمة, وناطحوا نجوم السماء, وتركوا أثرهم ثمارا طيبة لمن بعدهم فرحمة الله عليهم.
هاهو رسول الله –صلى الله عليه وسلم– الذي غفر من ذنبه ما تقدم وما تأخر كان يقول: ((اللهم إني أعوذ بك من الهمّ والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من البخل والجبن، وأعوذ بك من ضلع الدين وغلبة الرجال))().
وقام من الليل حتى تفطرت قدماه، وربط الحجر على بطنه من الجوع، وربما صلى أكثر الليل، وصبر على الإيذاء والسب والشتم والطرد والتشريد من الأوطان، والجراح في المعركة والجوع، وجاهد أعداء الله من مشركين، ويهود، ونصارى، ومنافقين، وكان أعظم الناس جهاداً، وأحسنهم خلقاً، وأجلهم إيماناً، وأسدهم رأياً، وأنبلهم كرماً، وأكرمهم نفساً، وأطيبهم عُشرة، وأشجعهم قلباً، وأسخاهم يداً، وأكبرهم همة، وأمضاهم عزيمة، وأكثرهم صبراً -صلى الله عليه وسلم-.

وصبر معه أصحابه أَجلَّ الصبر، وجاهدوا أحسن الجهاد، فوقفوا مواقف تشيب لها الرءوس، فضحوا بأموالهم وأنفسهم، وقدموا الغالي والرخيص في سبيل الله، ولقوا الألاقي في مرضاته، فنكل بهم من أعدائهم، فمنهم من قتل، ومنهم جرح، ومنهم من قطعت أعضاؤه ومزقت أطرافه، وأكلوا من الجوع ورق الشجر، وسحب بعضهم على الرمضاء وحبس البعض، هذا وهم صامدون مجاهدون مناضلون مكافحون، يستعذبون من أجل دينهم العذاب، ويستسهلون الصعاب، ويتجرعون الغُصف.

فهذا أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-, ينفق ماله في سبيل الله، ويهب عمره كله لمرضاة الله، فهو المصلي الصائم المنفق المجاهد المضياف الجواد البار الصادق الذاكر العابد القانت الأواب، حتى إنه ليدعى من أبواب الجنة الثمانية يوم القيامة؛ لكثرة فضائله وإحسانه، وهو رفيق الرسول -صلى الله عليه وسلم- في الهجرة، وصاحبه في الغار، ما تخلف عن غزوة، ولا تأخر عن معركة، بل هو السَّباق الأول إلى الإسلام، والهجرة والجهاد والبر والتقوى، وما استحق كلمة الصدّيق ولا تاج القبول ولا وسام البر إلا بعد جهادٍ عظيم، وخلقٍ مستقيم، وفضلٍ عميم..
وهذا الفاروق عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-, بلغ الغاية في الزهد والورع مع ما سبق له من المقامات الجليلة في الإيمان، والتضحية والهجرة، والجهاد، والإنفاق مع خشيته لربه، ومراقبة لمولاه، وعدلٍ في رعيته، وضبط لشئون المسلمين، وإتقانٍ لعمله في الخلافة مع الصدق في السر والعلن، والإنصاف في الغضب والرضا، مع ما كان عليه من الفقه في الدين، والاجتهاد في معرفة الوحي، واستنباط الحكم من النصوص..
وهذا عثمان بن عفان ذي النورين -رضي الله عنه-، الذي سارع إلى الاستجابة لله ولرسوله، فأسلم قديماً ولزم الرسول -صلى الله عليه وسلم- مع العسر واليسر، فصدق مع الله جهاده وهجرته وإنفاقه، فجهز جيش العسرة، واشترى بئر رومة، وأوقفها على المسلمين، ومَهَر في القرآن، وجودّه، حتى كان يتهجد به أكثر الليل، مع الحياء من الله، والسعي في مرضاته، مع صدق اللهجة، وكرم النفس، وطهر الضمير، وحمد السيرة..
وهذا علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، كان سيد الشجعان، ورائد الفرسان، حضر المعارك، وجالد بسيفه، وقتل الأقران، فكان ميمون النقيبة، مبارك السيرة، طيب السريرة، مع ما كان عليه من علمٍ غزير، وفقهٍ ثاقب، وفصاحةٍ مشرقة، وشجاعةٍ متناهية، وزهدٍ عظيم، وإقدامٍ وتضحية، وهمةٍ ومضاء، وعزيمةٍ وإباء، حتى استحق هذه المنزلة بجدارةٍ وتأهل للمجد بحق..
وهذا أبي بن كعب, سيد القراء، جمع القرآن وأتقنه وحفظه، وضبط فعلم، وعلَّم وصدق ونصح حتى صار آيةً في هذا الفن ومرجعاً في هذا الباب..
وهذا الزبير بن العوام, أصيب في كل شبرٍ من جسمه في سبيل الله، فاستحق رفقة الرسول -عليه الصلاة والسلام-، والمنزلة العالية، ورضوان الله.

وسعد بن أبي وقاص, أحد العشرة، وخال الرسول -صلى الله عليه وسلم-، صدق الله فكان مجاب الدعوة، ثابت القلب، فنصره الله على أهل فارس، ورفع به رأس كل مسلم، وكبت به أعداء الله، فكان الأسد في براثنه..
وعبد الرحمن بن عوف, أحد العشرة, تصدق بقافلةٍ في سبيل الله، بجمالها، وحمولتها طلباً لمرضاة الله، وأنفق في كل عمل راشدٍ مبرور..
وهذا ابن عباس, حبر الأمة، وبحر الشريعة، وترجمان القرآن، جدَّ في طلب العلم، وحرص غاية الحرص، وبلغ النهاية في فهم الوحي، وتصدر لتعليم الناس، فكان عجباً في فهمه وحفظه وبيانه وكرمه وسخائه، حتى صار إماماً للناس لما صبر وجاهد وعلم وتعلم..
وهذا معاذ بن جبل, إمام العلماء، طلب العلم من معلم الخير -صلى الله عليه وسلم-، وعمل بما علمه الله، فكان مثال العالم العامل المنيب المخبت الزاهد العابد، ودعا إلى الله، وعلم عباده، وجاهد في سبيله، وأمر بالمعروف، ونهى عن المنكر، مع فقهٍ عميق، وخلقٍ كريم، ورفقٍ بالناس، وسخاءٍ بذات يده..
وأبو هريرة, سيد الحفاظ، جمع الحديث حفظاً، وبلغه الأمة صدقاً، فكان الحافظ الأمين حقاً، قسم ليله للعبادة وتذكر الحديث والنوم، واشتغل بتعليم الناس مع الفتيا والوعظ والجهاد والتعليم، وما ذاك إلا لسمو همته، ومضاء عزيمته، وقوة نفسه..
وهذا خالد بن الوليد, سيف الله المسلول، كتب اسمه في سجل الخالدين بحروفٍ من النور، وخلد ذكره في ديوان الفاتحين بأسطر من ضياء، نصر الإسلام بسيفه، وخاض غمار المعارك، يعرض نفسه للأخطار، ويقدم روحه في راحته مستهيناً بالمصاعب، حتى صار مضرب المثل في الفداء والتضحية، وسمو القدر، وجلالة المنزلة، وارتفاع المحل..
سعيد بن المسيب, سيد التابعين، ما فاتته تكبيرة الإحرام مع الإمام ستين سنة، وكان يمضي ثلاثة أيام مسافراً في طلب الحديث الواحد، وغالب جلوسه في المسجد، وكان مرجع الناس في الفتيأ وتعبير الرؤيا، مع قيام الليل، والقوة في ذات الله، والغيرة على محارم الله، والصدق والزهد والإنابة والسخاء والهيبة والعلم الراسخ..
عطاء بن أبي رباح, المولى الأسود رفعه الله بالعلم، ومكث بالحرم ثلاثين سنة يطلب العلم، ثم صار مفتي الناس، مع تقشفه وإخلاصه وورعه، وتبحره وإتقانه في الرواية، وفقهه في الدراية، فصار إماماً للناس..

والحسن البصري المولى, جاهد في طلب العلم ومعرفة السنة، والصبر على الاشتغال بالأثر، مع ما رزقه من فصاحةٍ ورجاحةٍ وملاحةٍ وسماحة؛ فصار كلامه دواءً للقلوب، ووعظه حياةً للنفوس، وهو في ذلك واحد الناس زهداً وتواضعاً وإنابةً وخشيةً وورعاً واستقامة، حتى رفعه الله في المحل الأسمى وبوأه الله المكان الأعلى..
ومحمد بن شهاب الزهري, حافظ السنة، وإمام الناس في الحديث، طلب العلم مع الفقر والحاجة، وصبر وثابر، وارتحل إلى العلماء، واعتنى بالحديث، فصار أحفظ أهل زمانه، مع فقهٍ ودراية، وسخاءٍ حاتمي، وكرمٍ سارت به الركبان، فاستحق أن يكون اسمه في ديوان السنة مرقوماً، وفي الخلود منقوشاً..
وعامر الشعبي, الإمام الجامع للعلوم، كان قديم السلم، وافر الحلم، كثير العلم، تبحر في السنة، وبرع في الأدب، مع ذهنٍ وقّاد، وقلبٍ ذكي، وفهمٍ ثاقب، حتى صار رسول الخليفة عبد الملك إلى ملك الروم، لعلمه وفهمه وبديهته وفصاحته ونبله وقوة شخصيته، وهو الذي يقول: ما كتبتُ سوداء في بيضاء، وما استودعتُ شيئاً فخانني. أي ما نسي علماً..
أبو حنيفة, الفقيه الكبير، اجتهد في طلب العلم ورزقه الله فهماً وذهناً خصباً، صار الناس في الفقه عيالاً عليه، فقعد واستنبط، وصدف عن الدنيا، وأعرض عن المناصب، وفَرَقَ من القضاء، واكتفى ببيع البز، مع عبادةٍ وزهدٍ وخشوعٍ وصدقٍ وذكاءٍ منقطع النظير..
مالك بن أنس, إمام دار الهجرة، صاحب الموطأ الذي فاق الناس عقلاً، وأنفق عمره في طلب الحديث، حتى شهد له سبعون عالماً أنه أهلٌ للفتيأ، فصارت تضرب إليه أكباد الإبل، وتشد إليه الرحال، حباه الله بجلالة ووقارٍ, مع سمتٍ وجمال مظهرٍ وسلامة مخبر..
الشافعي, إمام الآفاق، الذي قعَّد القواعد، وأصَّل الأصول، سخر جسمه ووقته في طلب العلم، فحلَّ وارتحل، وجال وصال، حتى ضرب بعلمه الأمثال، وصار كالشمس للبلدان، وكالعافية للأبدان، مع صبره وشكره وزهده وأدبه وفصاحته وشعره ونبوغه وعلو همته، ورجاحة عقله، وسعة معارفه..
أحمد بن حنبل, إمام السنة، وقامع البدعة، وبطل المحنة، طاف الأقطار، وقطع القفار في جمع الآثار، مع الجوع الشديد، والتعب المضني، والفقر المتقع، والزهد الظاهر، ثم ابتلاه الله بالمحنة، فحبس وجلد فما أجاب، فرفعه الله لعلمه وصبره وصدقه، حتى أصبح ذكره في الخالدين، وصار إماماً للناس أجمعين..

عمر بن عبد العزيز, الخليفة الزاهد العابد المجاهد، مجدد القرن الأول، عزف عن الدنيا، وأعرض عن الشهوات، وأقبل على العلم والعبادة، والزهد والعدل، فأقام الله به السنة، وقمع به البدعة، وأنار به طريق الإصلاح، وجدد به معالم الفلاح، فهو إمام هدى، وعالم ملة، ورباني أمة..

سفيان الثوري, زاهد زمانه، وعالم دهره، زهد في الفاني، وأقبل على الباقي، وحفظ الحديث، وجَوَّد الزَاد، أفتى وعلم، وأمر ونهى ووعظ، ونصح بنية صادقة، وعزيمة ماضية، وهو مع ذلك يحفظ أنفاسه، ويربي جلاسه، حتى أتاه اليقين..
عبد الله بن المبارك, الذي جمع الله له المحاسن، فهو العالم العامل الزاهد العابد المجاهد المحدث الحافظ الغني المنفق، الأديب الفصيح، سليم الصدر، طيب الذكر، عظيم القدر، منشرح الصدر، دأب في الخير، وصبر على التحصيل، وداوم على الفضائل، حتى جعله الله إماماً في الناس يفوق الوصف..
الإمام البخاري, صاحب الصحيح فتح الله عليه بالعلم، فوصل الليل بالنهار في طلب الآثار، حتى صار إمام الأقطار، فضرب بحفظه المثل، مع المعرفة التامة، والفهم الدقيق، يُزين ذلك خلقٌ كريم، وزهدٌ مستقيم، ثم ترك ميراثاً مباركاً من العلم في كتابه الصحيح، الذي هو أجل كتابٍ بعد القرآن، فجزاه الله عن الأمة أفضل الجزاء، وأنزله الفردوس الأعلى..
وقس على هذا الإمام مسلم, صاحب الصحيح، ومصنف الصحاح والسنن والمسانيد، والمعاجم من المحدثين الأخيار أهل الهمم الكبار..
وانظر لـ سيبويه!, إمام النحو، الذي طاف البوادي، وزاحم العلماء، ثم ألف كتابه المسمى بـ الكتاب، فصار أعظم كتابٍ في النحو، وصار من بعده من النحاة عالةً عليه، فاستحق الثناء، واستوجب الشكر، ونزل منزلةً ساميةً عند أهل الإسلام، لفرط ذكائه وبراعته، ومئات النحاة تزينت بهم الكتب، وأشرقت بهم المجالس، ولولا الإطالة لأشرت لكل واحدٍ منهم، وإنما أكتفي بالأعيان، ومن له ذكرٌ وأثرٌ وتفردٌ وتميزٌ ولموعٌ وسطوعٌ وإبداعٌ..
وهذا محمد بن جرير الطبري, صاحب التفسير، جمع الفنون، وصنف التصانيف، وحاز قصب السبق في تفسير كتاب الله، حتى صار شيخ المفسرين، وصار كتابه أعظم كتابٍ في هذا الفن، فتداوله الملوك، وتباصرت به الأقطار، ونهلت من فيضه الأجيال، فهو مرجعٌ لكل مفسر، ومعتمد كل عالمٍ لكتاب الله –تعالى-..

وهذا ابن حبان, صاحب الصحيح، المحدث الأعجوبة، الذكي العبقري اللوذعي الألمعي، طاف البلدان، وهجر الأوطان، وبرع في هذا الشأن، حتى روى عن ألفين من الشيوخ، ومن شاء فلينظر إلى كتابه الصحيح، وكتبه الأخرى، فإن فيها من التبحر والدقة والبراعة ما يفوق الوصف..
ومن العلماء الربانيين الإمام النووي، مات في سن الأربعين، لكنه ترك علماً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وحسبك بـ رياض الصالحين، هذا الإمام وصل ليله بالنهار، وصام وقام، وسطع ولمع، وجمع العلم، وهجر الكرى، وجد في السُرى، حتى اعتزل الزواج ليتفرغ للعلم فأتى فيه بالعجب العجاب..
وشيخ الإسلام، وعلم الأعلام ابن تيمية، سيد العلماء، وكبير الفقهاء، جد في الطلب، فحاز الرتب، حقق، ودقق، ودرس، وخطب، وأفلح حتى صار مجدد قرنه، ومصلح زمانه، وترك من التأليف ما يفوق الوصف، براعةً وحسناً وأصالةً وعمقاً، فهو حقيقةً مضرب المثل للعالم الرباني، العامل بعلمه، زهداً وخشيةً وإنابةً وجهاداً وصدقاً وتواضعاً وكرماً وشجاعةً وإمامة، وما حصل له هذا الفضل إلا بفتح الله وكرمه، بعد صبرٍ وجلد، وسهرٍ وتعب، ومشقةٍ ونصب؛ لأنه كان ذا همةٍ عارمة لا تقبل الأدنى، وعزيمة صارمة لا ترضى بالدون، فبز علماء عصره، وصار المرجعية الكبرى للفتيأ، فهو قصة سارت بها الركبان، وأعجوبةً قلّ أن يرى مثلها الزمان.
وتلميذه ابن القيم, صاحب التصنيف المبارك البديع، الذي استفاد منه الموافق والمخالف، مع حسن لفظ، وبراعة إنشاء، وقوة حجة، وصحة برهان، ورسوخ علم، وعمق فهم، وكان في نفسه ذاكراً، شاكراً، صابراً، صواماً، قواماً، عابداً، زاهداً..
وابن رجب, الحافظ المجتهد، كتبه خير شاهدٍ على علمه وفهمه وتبحره، وله جهدٌ مباركٌ مشكور في شرح الأحاديث، وإخراج كنوز الآثار، بل لا أعلم عالماً له من البراعة في الشرح مثل ما لهذا العالم الكبير..
ومنهم حافظ الدنيا في زمانه ابن حجر، صاحب فتح الباري الذي شرح فيه صحيح البخاري، فقد دبجه في خمس وعشرين سنة، وصنف المقدمة في سبع سنوات، فأتى بما يذهل العقول، ويدهش الألباب، مع عشراتٍ من المجلدات غير ذلك.
وكان دائم التحصيل والتأليف والتدريس، لا يكل، ولا يمل، ولا يفتر، ولا يسأم، ولا يضجر، حتى أصبح خاتمة الحفاظ، وسيد الجهابذة، وشيخ المحدثين، ومن شاء أن يعرف هذا الرجل فلينظر في الفتح، فلا هجرة بعد الفتح..

ومنهم السيوطي, جامع الفنون، وحائز قصب السبق في التأليف والتصنيف، وقد اعتزل في الأربعين، وترك تراثاً ضخماً من المؤلفات النافعة الذائعة..
وقبلهم ابن الجوزي, واعظ الدنيا، أكبر مؤلفٍ في كثرة ما أُلف، فقد ألف قرابة ألف مصنف ما بين كتابٍ ورسالة، وشغل وقته بطلب العلم، والحفظ، والتفقه، والتصنيف، والتدريس، والوعظ، حتى أصبح حديث الركبان، وقصة الزمن، وأعجوبة الدهر، فصاحةً ونباهةً وعلواً وخطراً..

ومنهم مجدد الإسلام في هذا الزمان، الإمام محمد بن عبد الوهاب، الذي جدد الله به دينه، ونصر به شرعه، وأعلى به كلمته، وهو الذي دعا إلى التوحيد، وهزم الأوثان، وأزال الشركيات، وصحح المعتقد، وجاهد في الله حق جهاده بعزمٍ أمضى من السيف، وهمةٍ أقوى من الدهر، وصبرٍ عظيم، وإخلاصٍ وتضحية، حتى رفع الله محله، وأعلى قدره، ورفع ذكره، وكبت أعداءه، فاستحق كلمة الثناء، ومنزلة الإمامة، ورتبة الربانية..
والشيخ عبد العزيز بن باز، جامع الميميات الثلاث ميم العلم وميم الحلم وميم الكرم، كان إماماً في السنة على هدي السلف، محدثاً فقيهاً عالماً مربياً، رفيقاً بالناس، رحيماً متواضعاً صبوراً، يقوم بأعمالٍ يعجز عنها نفرٌ من الرجال، فكان يعلم ويفتي، ويراجع الكتب، ويرسل الرسائل للآفاق، ويشفع، ويضيف، وينصح، ويعظ، ويحاضر، ويحضر المؤتمرات، مع زهدٍ وخلقٍ وسماحةٍ وذكرٍ وتهجدٍ وصدقات، وإصلاحٍ بين الناس، وأمرٍ بمعروف، ونهيٍ عن منكر، وصبرٍ على أذى، وشفقة على المساكين، ورحمة بالفقراء، وحبٍ لطلبة العلم..
ولا ننسى الإمام الفقيه العلامة الزاهد محمد بن عثيمين، كان فقيهاً ذكياً ألمعياً عالماً، علم وأفتى، ودرس بصبرٍ وحكمةٍ ورفق، وأتقن عدة فنون شرعية، وواصل التعليم والإفتاء حتى طبق اسمه الآفاق، مع صدوفٍ عن المناصب، وزهدٍ في المراتب، وإعراضٍ عن الدنيا، وترك طلاباً نجباء، وكتباً هي قرة عيون العلماء، صحةً في المعتقد، وقوةً في الحجة، وجمالاً في الأسلوب..
وكذلك محدث العصر، وعلامة السنة في زمانه، محمد بن ناصر الدين الألباني، صاحب المصنفات المشهورة، والرسائل النافعة، قضى عمره كله ليله ونهاره في خدمة السنة، تصحيحاً وتضعيفاً وجرحاً وتعديلاً، وكان على هدي السلف، مع اهتمام بشئون المسلمين وقضاياهم في مشارق الأرض ومغاربها..

ومحمد الأمين الشنقيطي، الإمام الحافظ الأصولي المفسر النظار اللغوي، حافظ وقته، كان يلقي الدرس ارتجالاً فيأتي بالعجب العجاب، لجودة ذهنه، وصفاء خاطره، وقوة حفظه، حتى انبهر منه العلماء، وصار مضرب المثل للأذكياء().

📙📙 من كتاب دروب السعادة وكسر شوكة الأحزان. ص:(30)
🖋🖋 أبي الليث العريقي، هشام عبده حبيب عبيد ناصر العريقي.
ملاحظة/ المصادر والمراجع في متن الكتاب او على نسخة pdf.
...المزيد

كن مؤمنا بالله. الإيمان بالله –تعالى- هو سرُّ النجاح, وسرُّ الحياة, وسرُّ السعادة, فلا حياة بدون ...

كن مؤمنا بالله.
الإيمان بالله –تعالى- هو سرُّ النجاح, وسرُّ الحياة, وسرُّ السعادة, فلا حياة بدون إيمان, ولا راحة بدون إيمان{مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}().
شرط الحياة الطيّبة, الحياة الهنيّة؛ الإيمان بالله رباً, وبالإسلام ديناً, وبمحمدٍ –صلى الله عليه وسلم– نبيّاً ورسولا.
وهذه الحياة الطيبة هي استقرار نفوسهم لحسن موعود ربهم، وثبات قلوبهم بحب باريهم، وطهارة ضمائرهم من أوضار الانحراف، وبرود أعصابهم أمام الحوادث، وسكينة قلوبهم عند وقع القضاء، ورضاهم في مواطن القدر، لأنهم رضوا بالله ربا, وبالإسلام دينا، وبمحمد -صلى الله عليه وسلم- نبيا ورسولا.
قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: إن القلب لا يصلح ولا يفلح ولا ينعم ولا يُسر ولا يطيب ولا يسكن ولا يطمئن إلا بعبادة ربه وحده، ومحبته والإنابة إليه، فلو حصل على كل ما يتلذذ به المخلوقات لم يطمئن ولم يسكن إذ فيه فقر ذاتي، واضطرار وحاجة إلى ربه ومعبوده ومحبوبه ومطلوبه بالفطرة، لا يسعد ولا يطمئن ولا يَقِرُّ إلا بالإيمان بالله رب العالمين()، فمن قرَّت عينه بالله قرَّت به كل عين، ومن لم تقِر عينه بالله تقطعت نفسه على الدنيا حسرات، وإنما يصدِّق هذا من في قلبه حياة الإيمان.
فحلاوة الإيمان تسري في القلب كما يسري الدم في العروق, والماء في العود, لها طعم في القلب, ولها ذوق في الروح, لا يتذوقها إلا أصحاب الإيمان.
الإيمان يحيي القلوب, ويفتح لها باب الراحة, كما يحيي الماءُ الأرضَ{وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ}().
حُطّ الإيمان في قلبك وأبشر بالاستقرار والتمكين, ولا تنظر إلى تغيّر الأحوال؛ فتلك سنة الله في خلقه{وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}().
إنَّ في بعض البلدان التي لم تعرف ربها, ولم تؤمن به, ولم تعرف رسولها, ولم تقتدي به, بلغت بهم التعاسة, والكدر, والنكد, والضيق, مع أنهم أصحاب أموال, وأصحاب ثرى, وأصحاب سيادة, بلغ بهم الأمر إلى الانتحار, والخروج من هذه الحياة التعيسة, الحياة النكدة{وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً}() بظنّهم أنهم يرتاحون, أنهم ينّعمون، أنهم يتمتعون؛ والعكس في ما ظنّوه{فَتَعْساً لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ}(){ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ}().
والطريقة المثلى لهم إن لم يؤمنوا أن ينتحروا ليريحوا أنفسهم من هذه الآصار والأغلال والظلمات والدواهي، يا لها من حياة تاعسة بلا إيمان، يا لها من لعنة أبدية حاقت بالخارجين على منهج الله في الأرض{وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}()وقد آن الأوان للعالم أن يقتنع كل القناعة، وأن يؤمن كل الإيمان بأن لا إله إلا الله بعد تجربة طويلة شاقة عبر قرون غابرة توصل بعدها العقل إلى أن الصنم خرافة, والكفر لعنة، والإلحاد كذبة, وأن الرسل صادقون، وأن الله حق له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
فالواجب عليّ وعليك أن نفرح ولا نحزن, ونحشو القلب بالإيمان, حتى وإن كنّا في زمن الحزن, والخوف, فأهل الإيمان, لا شيء يرعبهم, لا شيء يحزنهم{يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ}()من هم هؤلاء الناس الذين أمنّهم الله بقوله: {يا عبادِ}؟؟!! إنهم أصحاب الإيمان{الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ}().
فلا تقل لي الوضع متغيّر! ألا نحزن؟! ألا نضيق؟! الأسعار ارتفعت! والرواتب انخفضت! والعملة تدهورت! والحروب طوّلت! والسماء ما أمطرت! والأرض ما أنبتت! ألا نضجر؟!.
أقول لك: لا تقلق! واكسر بنفسك شوكة الأحزان, فهناك ربٌّ كريم رحيم رحمــن, بل افرح, وكن مؤمنا, وكن على يقين بإيمانك{إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا}().
كن على يقين بإيمانك{الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ}().
كن على يقين بإيمانك{مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}().
كن على يقين بإيمانك{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}().
إيمانك بالله يعطيك الثقة الكبرى التي لا تُقاوم, والقوة التي لا تُغلب, والشجاعة التي لا تُذل, والسعادة التي لا تنتهي, والحياة التي لا تكمل, تشاجر أحد الأزواج مع زوجته فأقسم أن يسلبها سعادتها فقال: لأحرمنّكِ سعادتكِ, فقالت افعل ما يحلو لك, فلن تستطيع أن تسلبني سعادتي, فظن الزوج المسكين أن سعادتها في الذهب والمجوهرات, أو في البقاء عنده, فقال في عجبٍ: وكيف ذلك؟! فقالت وهي صاحبة الإيمان بالله –تعالى-: إن سعادتي في إيماني بالله, وإيماني بالله في قلبي, وقلبي لا يملكه أحد غير الله{فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا}(). هكذا هي النفس المؤمنة، هكذا هي النفس الراضية بإيمانها, ثقة في ثقة, وشجاعة في شجاعة, لا يهمها غير رضاء الله, لا يهمها غير حبها لله –تعالى-.
فليتك تحلو والحياة مريرة ... وليتك ترضى والأنام غضابُ
وليت الذي بيني وبينك عامر... وبيني وبين العالمين خرابُ
إذا صحّ الودّ منك فالكلُّ هينٌ ... وكل الذي فوق التراب ترابُ.
هكذا هي حالة أهل الإيمان الشعور بالفرحة, والسرور, والثقة, والسعادة, حتى وإن كانوا تحت وطأة التعذيب, وتحت الصلب, وتحت القهر والجبروت, لسان حالهم: {إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ}(). هذا إبراهيم -عليه السلام- لما كان الإيمان في قلبه قويّا أراد تنفيذ أمراً لم يُنفّذه أحد{قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى}() شجاعة, وقوة.
ولما استشار ولده, وفلذة كبده, وأمل حياته, وجواب دعوته, أجاب الشجاع الآخر, المقدام, والصلب الذي لا يتزعزع ولا يتتأتأ, ولا يتأنّى أمام الأوامر الآلهية؛ لأنه قوّى الإيمان في قلبه: {...يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ}.
والله لا يُسعد النفس ولا يزكيها ولا يطهرها، ولا يُذهب غمها وهمَّها وقلقها، ويسد جوعتها وظمأها، ويعيد لها شمها وذوقها، إلا الإيمان بالله رب العالمين بلسم الحياة, ومفتاح السعادة.

📙📙 من كتاب دروب السعادة وكسر شوكة الأحزان. ص:(26)
🖋🖋 أبي الليث العريقي، هشام عبده حبيب عبيد ناصر العريقي.
ملاحظة/ المصادر والمراجع في متن الكتاب او على نسخة pdf.
...المزيد

كن موحّدا لله ولا تحزن. التوحيد والسعادة مقترنان، لا يأتي الثاني إلا بالأول{الَّذِينَ آمَنُواْ ...

كن موحّدا لله ولا تحزن.
التوحيد والسعادة مقترنان، لا يأتي الثاني إلا بالأول{الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ}().
إذاً: تريد السعادة ومشتقاتها، تريد الأمن، تريد الحياة الطيّبة، تريد الاستقرار، تريد التمكين في الأرض، تريد الشعور بالطمأنينة، تريد الوقار، تريد ...؟!.
التوحيد: اعترافك بالله رباً؛ هو سرُّ السعادة الحقيقة, سرُّ الحياة الطيّبة, سرُّ التمتع بالحياة الهنيّة.
التوحيد يجعلك تحلّق في سماء جديدة, وفي جوِ صافٍ ونقي, وتستنشق الهواء البارد النقي, وتعيش في ارضٍ طيّبة, يجعلك تمشي في الأرض وكأنك تحلّق بأجنحة.
الملائكة عالم نوراني راقي, تسبح في السموات, وتتمتع بقدرات إلهيّة؛ لماذا؟! لأن همهم وغايتهم توحيد الربّ -جلّ جلاله-{لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}().
الطير تسبح في جوّ السماء, وتتمتع بقدرات خاصّة؛ لأنها عرفت قيمة التوحيد{وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ }(){وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ}() .
والله! لو تملك الدنيا بأسرها, وزخارفها، ومتاعها, ولم تعرف قيمة التوحيد؛ لن تحصل على الحياة الراقية, ولن ينشرح صدرك, ولن يُنير قلبك؛ لأنك ما عرفت قيمة التوحيد.
فرعون تحت بيته الأنهارُ تجري, وفوق بيته أطراف الأشجار تدني, يجني من ثمارها, ويشمُّ روائح عطرها, والجنود أيسر بيته وأيمنه, والخدم والحشم بين يديه وتحت إمرته, ولكنّه لم يشعر بالسعادة، ولم يعرف طعم الحياة كما هي, ولم يتلذذ بالعيش, فظلّ طوال الدهر خائفاً, مرعوبا, تزعز الأمن منه, همه وتفكيره على يد من يكون قتله, قتّل الأطفال, واستحيا النساء؛ بسبب رؤيا رآها في المنام. لأنك يا فرعون ما عرفت قيمة التوحيد.
بينما في نفس الوقت موسى عاش فقيرا{رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ}() لا مال, ولا جاه، ولا زوجة، ولا أب, ولا أُمّ, ولا أولاد, ولا قصر، ولا مسكن يأوي إليه, لكنّه عرف حقيقة التوحيد في قلبه{كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ}() عرف قيمة التوحيد في أصعب الأماكن, فأتاه الله ما سأل, وشقّ له البحر بضربة عصا{اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ}() وحصل على المال, والزوجة، والمسكن.
بل وحصل على ما هو أجمل وأحلى وألذّ وأغلى وأحسن وأكبر من هذا{وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ}() أجمل ساعة لموسى، وأجمل لذّة, و...و... لا أستطيع أن أصف تلك اللحظة التي تمتع بها موسى بالكلام مع ربه -جلّ وعلا-.
كلام الربّ, كلام الواحد الأحد, يجلي الهموم, يزيل الأحزان, يشفي العلل, يشرح الصدر، يسعد القلب أيّما إسعاد{اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ}(){الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا}().
زوجة فرعون عرفت قيمة التوحيد, وقوّت العقيدة في قلبها, وهي في بيت الكفر, تركت زوجها والزوج محبوب إلى الزوجات، تركت الأموال والمال محبوب إلى النفوس, تركت القصور والقصر أجمل ما يُسكن فيه، تركت كل شيء يحلو سماعه, يحلو القرب منه, ويحلو العيش معه. من أجل ماذا؟!
تركت كل شيء من أجل: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}().
تريد السعادة؟ تجدها في: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ}.
تريد الفرح والسرور؟{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ}.
تريد انشراح الصدر؟{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ}.
تريد الحياة الطيّبة؟{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ}.
تريد التمكين في الأرض؟{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ}.
تريد وظيفة؟{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ}.
تريد المناصب والرئاسة والسيادة؟{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ}.
السعداء هم أهل التوحيد يتمتعون في حياتهم, ويشعرون بالسعادة الحقيقة, فتراهم لا حزن, ولا نكد، ولا شقاوة, لإنهم رضوا بأفعال الله عن أنفسهم, فارتاحت نفوسهم برضا الله عنهم.
أما الصنف الثاني الذين ما عرفوا قيمة التوحيد{فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}() {وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ}().
هذه حالة البؤساء, وتلك حالة السعداء, وأنت اختار حالتك التي تسعدك, وتفرحك.
الهدهد كان موحّدا لله, وذات يوم نظر إلى أقوام يوحّدون غير الله، ويعبدون غير الله، فلم يعجبه مناقض التوحيد، وتعجّب من هذا الدين الجديد!, فانطلق من مكان بعيد، ونقل لسليمان الخبر الشديد, فاختصر له ولم يزيد{أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ}().
فماذا كانت النتيجة؟! أسلم على يديه القوم, ومن جاء بعدهم, والفضل يعود لله ثم لك يا هدهد.
فيأسفاه!! على من كان الهدهد أغير منه, وأفضل منه، والنملة أفقه منه, والكلب أوفَ منه, والحوت أوسع منه{وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ}(){أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا}().
الغلام المؤمن في قصة أصحاب الأُخدود كان موحّدا لله, وكان ذكيًا ألمعيًا, وحين سنحت له فرصة عظيمة في تبليغ رسالة ربه، اغتنمها وحقق معاني عظيمة في مفهوم النصر والتمكين.
لقد انتصر الغلام بقوة فهمه وإدراكه لأقصر وأسلم الطرق لنصرة دينه وتوحيده، وإخراج أمته من الضلال إلى الهدى، ومن الكفر إلى الإيمان, وانتصر عندما وفق لاتخاذ القرار الحاسم في الوقت المناسب، متخطيًا جميع العقبات، ومستعليًا على الشهوات, وحظوظ النفس, ومتاع الحياة الدنيا، وانتصر على هذا الملك المتجبر المتغطرس، الذي أعمى الله قلبه، فأخرب ملكه بيده.
إن الغلام كان عبقريًا عندما خطط لإهلاك الملك الكافر وعندما رسم طريقه لنيل الشهادة في سبيل الله, رافعا شعار التوحيد.
لقد كان الانتصار العظيم في المعركة بين الكفر والإيمان لصالح موكب التوحيد، لقد استشهد فرد وحيت بسببه أمة فآمنت برب الغلام.
إن دقة التخطيط وبراعة التنفيذ، وسلامة التقدير، نجاح باهر، وفوز ظاهر, بإذن الله الخالق الظاهر.

📙📙 من كتاب دروب السعادة وكسر شوكة الأحزان. ص:(21)
🖋🖋 أبي الليث العريقي، هشام عبده حبيب عبيد ناصر العريقي.
ملاحظة/ المصادر والمراجع في متن الكتاب او على نسخة pdf.
...المزيد

حدد الهدف. حدد الهدف الذي تسعى إليه وانطلق في الحياة لتسعد, لتمرح, لتبني لنفسك مستقبلا زاهرا، ...

حدد الهدف.
حدد الهدف الذي تسعى إليه وانطلق في الحياة لتسعد, لتمرح, لتبني لنفسك مستقبلا زاهرا، ومسكناً يطيب لك العيش فيه.
حدد هدفك وانطلق لتصنع لك مجدا في التاريخ، ولتصنع لنفسك عنواناً: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ}() بشرط أن يكون هدفك صائبا, وفي الشرع جائزا, وأقتدِ بمن قبلك, إبراهيم: {وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}(). موسى: {لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا}().
وانتبه !!! للهدف الخاطئ, فيوصلك إلى المهالك، ويولّد لك الخسائر, ويحوّل سعادتك إلى حزن, وفَرَحك إلى بكاء, وانشراحك إلى ضيق وهمّ، واعتبر بمن سبق، أولاد يعقوب: {اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ}() فتحوّلت سعادتهم إلى حزن, وضحكتهم إلى بكاء, وتخطيطهم إلى اعتذار: {يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ}(). أولاد صاحب الجنة: {أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ}() فتحوّلت سعادتهم إلى حزن, وضحكتهم إلى بكاء, وتخطيطهم إلى استغفار, وطمعهم إلى حسرة وندامة: {يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ}().
إن عدم تحديد هدفك في الحياة, والسعي وراء الهدف –هدف النجاة والسعادة– كمن يمشي في ظلام لا يدري أين يطأ! ولا يدري أين يقع!, وقد قيل: إذا لم تعلم أين تذهب فكل الطرق تفي بالغرض. وقيل: إذا لم تكن جزءا من الحلّ فأنت جزءا من المشكلة.
فأحرص على تحديد اتّجاهك لتسعد ولتفرح ولتكون أكثر نشاط وأكثر حيوية بمعرفتك ما تسعى إليه. وكن كالأسد هدفه وغايته فريسة حيّة طازجة. والصقر لا يبحث إلا عن الفريسة الحيّة. ولا تكن كالغراب الدنيئ الذي هدفه وغايته تتبع الجيف المنتنة.

📙📙 من كتاب دروب السعادة وكسر شوكة الأحزان. ص:(19)
🖋🖋 أبي الليث العريقي، هشام عبده حبيب عبيد ناصر العريقي.
ملاحظة/ المصادر والمراجع في متن الكتاب او على نسخة pdf.
...المزيد

✍ قال ابنُ القيِّم : (( فَالذَّنْبُ يَحْجُبُ الْوَاصِلَ، وَيَقْطَعُ السَّائِرَ، وَيُنَكِّسُ ...

✍ قال ابنُ القيِّم :
(( فَالذَّنْبُ يَحْجُبُ الْوَاصِلَ، وَيَقْطَعُ السَّائِرَ، وَيُنَكِّسُ الطَّالِبَ، وَالْقَلْبُ إِنَّمَا يَسِيرُ إِلَى اللهُ بِقُوَّتِهِ، فَإِذَا مَرِضَ بِالذُّنُوبِ ضَعُفَتْ تِلْكَ الْقُوَّةُ الَّتِي تُسَيِّرُهُ، فَإِذَا زَالَتْ بِالْكُلِّيَّةِ انْقَطَعَ عَنِ اللهِ انْقِطَاعًا يبْعدُ تَدَارُكَهُ، فَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ ))
((الجواب الكافي))(ص :73)

🔗 اضغط هنا لمتابعة قناة فوائد علمية على الواتساب:
https://whatsapp.com/channel/0029VbAZ4HH8F2pGv35lJE25
...المزيد

الدولة الإسلامية - صحيفة النبأ العدد 515 الافتتاحية: اقعدوا مع القاعدين! من عجائب أقدار الله ...

الدولة الإسلامية - صحيفة النبأ العدد 515

الافتتاحية:
اقعدوا مع القاعدين!

من عجائب أقدار الله النافذة وحكمته البالغة المشاهَدة، شدّة التضاد وحدّة التباعد بين سبيل المجاهدين وسبيل المنافقين، فالنفاق عدو الجهاد دوما، وهما خصمان لا يجتمعان أبدا، ومساران لا يتقاطعان مطلقا.

وهذا الواقع لا تكاد تخطئه العين في ساحات الجهاد، فنفور المنافقين من طريق الجهاد لا يكافئه مقدارا ويخالفه مسارا، سوى نفور المجاهدين من النفاق، فلكل فعل ردّ فعل؛ مساو له في المقدار ومعاكس له في الاتجاه، كما يقول أرباب التفسيرات الفيزيائية.

والقاعد عن الجهاد المتخلّف عنه بغير عذر معتبر، تدركه لمّة من النفاق لا محالة! لقوله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الذي أخرجه مسلم: (مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ)، قال النووي في شرحه: "والمراد: أنّ من فعل هذا، فقد أشبه المنافقين المتخلفين عن الجهاد في هذا الوصف، فإنّ ترك الجهاد أحد شعب النفاق". أهـ.

ولشدّة وضوح معالم التباعد بين النفاق والجهاد؛ فإنها تبرز مبكرا حتى قبل أن تبدأ مراحله أو تنطلق قافلته! فقد جعل سبحانه إعداد العدة والأهبة للجهاد؛ دليلا على صدق نيّة طالبه ومريده، وبمفهوم المخالفة، فالقاعد البليد المتثاقل عن الإعداد المتقاعس عن أولى خطوات الجهاد؛ كاذب في سعيه ودعواه وإنْ أفنى عمره يدّعي محبته ووصله، والدليل قوله تعالى: {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً}. قال القرطبي: "أي: لو أرادوا الجهاد لتأهبوا أهبة السفر، فتركهم الاستعداد دليل على إرادتهم التخلّف". أهـ.

ومن تلبيس إبليس على الناس في هذه الآية، إيهامهم أنها خاصة نزلت في أعيان من المنافقين المتخلّفين عن غزوة تبوك، وأنها مقتصرة عليهم لا تطال غيرهم، وكأنها قصة فردية انتهت بانتهاء زمانها وموت أشخاصها، متناسين أنها قصة تتكرر في واقعنا كل يوم، بل هي آفة عصرنا وبلية زماننا، وقد استفحلت حتى عمّت وطمّت، فتكاثرت جيوش المنافقين وقلت طائفة المجاهدين.

وقد تضمنت الآية السابقة ردودا على أولئك الذين يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم؛ من إرادة الخروج للجهاد دون الإعداد له، فلو كانوا صادقين في دعواهم وإرادتهم إيّاه؛ لتأهّبوا له وبذلوا جهدهم واستفرغوا وسعهم في التهيؤ له وأخذ عدته، ولكنهم لم يفعلوا شيئا من ذلك! فكيف يبغي الجهاد من لا يتأهب له؟! أرأيت لو أن أحدهم همَّ بسفر إلى بلاد أخرى، هل يخرج إليها بغير راحلة ولا زاد؟ وكذلك الجهاد لا يقصده ويحمل رايته إلا من أخذ له أهبته ومهّد له بين يديه، وهذا معلوم شرعا وعقلا ولذا قال: {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً}.

ثم يخبرنا سبحانه في تمام الآية بالحقيقة المرعبة في قوله: {وَلَٰكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ}، يعني كره الله خروجهم للجهاد لما علمه من فساد أحوالهم، قال الإمام الطبري: "فثقَّل عليهم الخروجَ حتى استخفُّوا القعودَ في منازلهم، واستثقلوا السفر والخروج". أهـ.

أفما تخشى أيها القاعد عن الجهاد المتخلّف عن ميادين الإعداد، أن تكون ممن كره الله انبعاثهم وخروجهم؛ فثبطهم وثقّلهم؟! وكفى بقوله: (فَثَبَّطَهُمْ) زاجرا يقرع سمع المؤمن كقرع الحديد، بل كفى بالآية كلها أن تخلع فؤاده وهو يرى أنها نزلت في المنافقين، وقد نزل منازلهم وقعد مقاعدهم؛ بتخلُّفه عن الإعداد وتقاعسه عن أهبة الجهاد.

أما من كان صادقا في طلب الجهاد تجده يتهم نفسه ولا يعذرها، ويبذل كل الأسباب الموصلة إلى ساحات الجهاد، فلا يُبقِ بابا إليها إلا طرقه، ولا يدع مدخلا إليها إلا ولجه، ولم يتعذر بأعذار القاعدين، فلم يتعلل بزوج أو بنين، ولم يأسره شوق ولا حنين، بل خشي على نفسه سبيل المنافقين، فانطلق يشق طريقه نحو البراءة من شعابهم والخلاص من شرنقتهم، منتصرا على نفسه الأمارة قائدا لها لا مقودا، متجاهلا الشيطان ووساوسه، متجاوزا جميع عوائقه، كما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه، فقعد له بطريق الإسلام.. ثم قعد له بطريق الهجرة فقال: تهاجر وتدع أرضك وسماءك.. ثم قعد له بطريق الجهاد فقال: تجاهد فهو جهد النفس والمال، فتقاتل فتُقتل فتُنكح المرأة ويُقسم المال.. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: فمن فعل ذلك كان حقا على الله عز وجل أن يدخله الجنة) [أحمد].والمتأمل في أحوال القاعدين المتخلّفين عن الإعداد والجهاد، يجد أعذارهم وقيودهم التي تشدهم إلى الأرض وتمنعهم من الخروج للجهاد، كلها لا تخرج عما ذكره الحديث النبوي السابق من الإخلاد لمسقط الرأس الذي سقط بسببه الكثيرون، وحب الدنيا وكراهية الموت، والتعلق بالزوج والولد، فاعلم أنّ ها هنا تتمايز النفوس وتتفاضل الشخوص، وتبرز معادن الرجال ويتغربل الأبطال، فهذا نافر ناج بفضل مولاه، وذلك قاعد محجوب قيّدته سريرته وأقعدته خطاياه.

وفي ذلك قال المجاهد المجرِّب ابن النحاس في المشارع: "هل سبب إحجامك عن القتال، واقتحامك معارك الأبطال، وبخلك في سبيل الله بالنفس والمال؛ إلا طول أمل، أو خوف هجوم أجل، أو فراق محبوب من أهل ومال، أو أخ لك شقيق، أو قريب عليك شفيق، أو ولي كريم، أو صديق حميم، أو حب زوجة ذات حسن وجمال، أو جاه منيع، أو منصب رفيع، أو قصر مشيد، أو ظل مديد، أو ملبس بهي، أو مأكل هني؟! ليس غير هذا يقعدك عن الجهاد". أهـ.

أيها القاعد المتخلّف عن الجهاد، خف على نفسك أن يكون قد كره الله انبعاثك؛ فحرمك بلوغ ساحات الجهاد، بما اقترفته يداك من سوء نية أو فساد طوية أو تقديم فانية على باقية؛ ثم يقال لك توبيخا وتقريعا كما قيل للمتخلّفين عن الجهاد قبلك: {وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ}، يعني اقعدوا مع "المرضى والزمنى، والنساء والصبيان!"، فأي تقريع يفوق هذا؟! وأي نفس أبية ترضى بهذا المقعد؟! الذي تأباه -والله- بعض الحرائر اليوم، ممن يتحرقن لحمل السلاح والمشاركة في الجهاد، بينما يتسابق أشباه الرجال إلى القعود والتدثر في الخدور! في زمان انقلاب المعايير وانتكاس الفطر.

إننا نجد الباحث عن الجهاد بصدق، متأهبا مستنفرا يسابق الريح نحو ساحاته وميادينه، فإن وصل أرض الجهاد ولم يُتح له مباشرة القتال، تجده مكثّرا سواد المؤمنين، مرابطا حارسا ثغور المسلمين، فرِحا بذلك مبتهجا لا يرتاح جسده على فراشه كما يرتاح في ثغره ومرابطته، حتى إذا نادى المنادي حي على الجهاد طار قلبه قبل بدنه وانطلق لا يلوي على شيء قاصدا مرضاة ربه، باذلا له روحه ومهجته، فهل يستوي حال هذا ومن قيل لهم: {اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ}؟! شتان شتان.

فيا طالب الجهاد بحق، ومبتغي مرضاة ربك بصدق، إنّ أمارة صدقك في طلبك ومبتغاك؛ أن تعدّ له عدته وتأخذ له أهبته، فإنْ تأخَّر نفيرك، لم يتوقف إعدادك فتلك عبادة بحد ذاتها، فأعدّ نفسك إيمانيا وشرعيا وبدنيا وأمنيا، فأنت في جهاد ما دمت في الإعداد، ثم اعلم أنّ إخلاص النوايا وإصلاح الطوايا، والصدق مع الله تعالى، هي بريد الوصول إلى أرض الجهاد، وهي أول الإعداد وأوسطه وآخره، وهي ملاكه كله، وهي التي عليها العهدة.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 515
السنة السابعة عشرة - الخميس 10 ربيع الآخر 1447 هـ
...المزيد

✍ قال إبراهيمُ بنُ آزَرَ الفَقيهُ: (( حَضَرْتُ أحمَدَ بنَ حَنبَلٍ وسَألَهُ رَجُلٌ عَمَّا جَرى بينَ ...

✍ قال إبراهيمُ بنُ آزَرَ الفَقيهُ:
(( حَضَرْتُ أحمَدَ بنَ حَنبَلٍ وسَألَهُ رَجُلٌ عَمَّا جَرى بينَ عَليٍّ ومُعاويةَ؟ فأعرَضَ عنه، فقيلَ له: يا أبا عَبدِ اللهِ هو رَجُلٌ مِن بني هاشِمٍ، فأقبَلَ عليه فقال: اقرَأ:﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾[البقرة: 141] ))
((تاريخ بغداد))(6/544)

🔗 اضغط هنا لمتابعة قناة فوائد علمية على الواتساب:
https://whatsapp.com/channel/0029VbAZ4HH8F2pGv35lJE25
...المزيد

✍ قال أبو نُعَيمٍ الأصبَهانيُّ: (( لا يَتَتَبَّعُ هَفَواتِ أصحابِ رَسولِ اللهِ ﷺ وزَلَلَهم ...

✍ قال أبو نُعَيمٍ الأصبَهانيُّ:
(( لا يَتَتَبَّعُ هَفَواتِ أصحابِ رَسولِ اللهِ ﷺ وزَلَلَهم ويَحفَظُ عليهِم ما يَكونُ مِنهم في حالِ الغَضَبِ والموجِدةِ إلَّا مَفتونُ القَلبِ في دينِه ))
((تثبيت الإمامة وترتيب الخلافة))(ص:344)

🔗 اضغط هنا لمتابعة :
https://whatsapp.com/channel/0029VbAZ4HH8F2pGv35lJE25
...المزيد

✍ قال أبو زُرعةَ الرَّازي: (( إذا رَأيتَ الرَّجُلَ يَنتَقِصُ أحَدًا مِن أصحابِ رَسولِ اللهِ ﷺ ...

✍ قال أبو زُرعةَ الرَّازي:
(( إذا رَأيتَ الرَّجُلَ يَنتَقِصُ أحَدًا مِن أصحابِ رَسولِ اللهِ ﷺ فاعلَمْ أنَّه زِنْديقٌ، وذلك أنَّ الرَّسولَ ﷺ عِندَنا حَقٌّ، والقُرآنُ حَقٌّ، وإنَّما أدَّى إلَينا هَذا القُرآنَ والسُّننَ أصحابُ رَسولِ اللهِ ﷺ ، وإنَّما يُريدونَ أن يَجرَحوا شُهودَنا ليُبطِلوا الكِتابَ والسُّنَّةَ، والجَرحُ بهِم أَولى، وهم زَنادِقةٌ! ))
((الكفاية)) للخطيب البغدادي (ص:49)

🔗 اضغط هنا لمتابعة قناة فوائد علمية على الواتساب:
https://whatsapp.com/channel/0029VbAZ4HH8F2pGv35lJE25
...المزيد
يتم الآن تحديث اوقات الصلاة ...
00:00:00 يتبقى على
2 شوال 1447
الفجر 00:00 الظهر 00:00 العصر 00:00 المغرب 00:00 العشاء 00:00

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً