لا يكونن أحدكم إمعة! قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ( ليوطنن أحدكم نفسه على أنه إن كفر أهل ...

لا يكونن أحدكم إمعة!

قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ( ليوطنن أحدكم نفسه على أنه إن كفر أهل الأرض جميعاً لم يكفر، ولا يكونن أحدكم إمعة )، قيل: وما الإمعة؟ قال: ( الذي يقول: أنا مع الناس، إن ضل الناس ضللت وإن اهتدوا اهتديت، ألا إنه لا أسوة في الشر ).

• الإبانة الكبرى لابن بطة العكبري -رحمه الله-
...المزيد

من يوقف إجرام الحكم الشيوعي في الصين؟ مع شيوع نظرية حصر صراع المسلمين في هذا الزمان مع اليهود ...

من يوقف إجرام الحكم الشيوعي في الصين؟

مع شيوع نظرية حصر صراع المسلمين في هذا الزمان مع اليهود والنصارى المحاربين تصوّر البعض أن اليهود والنصارى هم فقط من يحارب أهل الإسلام في هذا الزمان، في حين أن هناك من الأمم من يناصب أمريكا العداء وفي الوقت نفسه تشنّ حرباً على المسلمين لتغيير دينهم واستضعافهم أشد مما يفعل اليهود والنصارى بمراحل كثيرة.

إذ لا شك أن الشيوعيين الملاحدة والهندوس الوثنيين والرافضة المشركين وطواغيت الحكم في بلاد المسلمين ارتكبوا بحق المسلمين من الجرائم أضعاف ما فعله مشركو أهل الكتاب.


- عقود من الاستضعاف للمسلمين

فتحت حكمهم الطاغوتي الغاشم يرزح أكثر من مئة مليون من المنتسبين إلى الإسلام منذ عشرات السنين، وهم مصرّون لا على إلباسهم لباس الشيوعية الكافرة فحسب، بل هم عازمون على محو أي أثر للإسلام في تلك الديار، أسوة بما فعله إخوانهم من شيوعيي روسيا من قبل، وذلك خوفاً من أن يستيقظ المسلمون في تلك الديار من غفلتهم، فيجاهدوا عدوهم لاستنقاذ أنفسهم وأعراضهم من أيدي الظالمين، ويسعوا لإقامة الدين في تلك البلاد، ويزيلوا منها كل مظاهر الشرك والإلحاد.

فبعد أن تحكّم أولئك الملاحدة بكل مناحي حياتهم بدءاً من فرض القوانين الطاغوتيّة التي تحكم كل شؤونهم وليس انتهاء بتحديد عدد أطفالهم ونوعية طعامهم وشرابهم ولباسهم بل وأسمائهم واللغة التي بها يتكلّمون وبواسطتها لله يتعبّدون، بعد هذا كله قرّر طواغيت الصين أنّهم لم يحقّقوا أحلامهم الشيطانية بمحو كل أثر للإسلام في البلاد التي يحكمون، وأن عليهم أن يفرضوا على الناس تغيير معتقداتهم بالقسر والإكراه، وأن يمسحوا من قلوبهم كل ما يمت للإسلام بصلة، ويحلّوا مكانه أفكار الطاغوت (ماو) الخرقاء وعقائد الشيوعيّة الكافرة.


- لماذا الجميع ساكتون؟

ولا زالت العلاقات التي تجمع الطواغيت الحاكمين لبلدان المسلمين مع حكومة الصين الكافرة قوية، خاصة أن الأخيرة اتخذت منذ عقود منهجا بعيدا عن التحيّز للمعسكر الأمريكي أو المعادي له، وتطبّق خطّتها للهيمنة على المناطق خارجها بشكل خبيث يعتمد على فرض النفوذ الاقتصادي والمالي لا على النفوذ العسكري والمجابهة المباشرة، ولذلك لم نجد من هؤلاء الطواغيت عداء ظاهراً لحكومة الصين الشيوعية، بعكس العداء تجاه حكومة روسيا الشيوعية الذي كان يغذيه تحريض أمريكا للدول التابعة لها، وردود أفعال تجاه غطرسة السوفييت ومحاولاتهم فرض نفوذهم من خلال الانقلابات العسكرية والاحتلال المباشر كما حدث في أفغانستان.

ونتيجة هذه العلاقات بين الطواغيت وحكومة الصين الكافرة لم يكن هناك توجّه منهم لدفع الإعلام إلى كشف حقيقة ما يتعرّض له المسلمون على أيدي الشيوعيين في تلك البلاد، وكذلك لم يأذنوا لعلماء السوء الموظّفين لديهم بإشعال المنابر بالخطب التي تحرّض على جهاد أولئك المشركين، ولا تحرّكت الأحزاب والجماعات المنتسبة إلى الإسلام كالإخوان المرتدّين وربائبهم من السرورية للحديث في هذا الباب كما يتحدثون في أي قضية يجدون لهم عليها ظهيرا من الطواغيت.


- فلا تخشوهم

أما المنتسبون للجهاد فقد زعموا بأن المعارك مع الصليبيين والطواغيت أشغلتهم، فهم ينتظرون أن تحسم هذه المعارك ليتفرّغوا لفتح جبهات جديدة ضد المشركين، بل رأينا بعضا آخر منهم كأطراف في حركة طالبان المرتدة يرى في حكومة الصين الشيوعية حليفا له في الحرب ضد أمريكا، وقد قوي هذا التوجه لديهم بعد الطفرة الكبيرة في العلاقات بين حكومة الصين والحكومة الباكستانية المرتدة التي تراجعت علاقاتها كثيرا مع أمريكا بتأثير دعمها المتزايد للحكومة الهندوسية.

ولذلك فإن الكثير من هؤلاء لا يودّون أن يتذكر المسلمون قضية الحكم الطاغوتي الصيني، وما يرتكبه بحق المسلمين من جرائم، خوفاً من فتح جبهة جديدة للجهاد ويريدونها تبقى باردة، ليتفرّغوا لقتال أمريكا كما تصوّر لهم أوهامهم، أو خوفا من إغضاب طواغيت الصين، وهذا الأمر بالغ الأهمية لإدراك الأسباب الحقيقيّة عن تقاعس التنظيمات والفصائل التي تنادي بالجهاد عن قتال المشركين في الصين، لإزالة شركهم واستنقاذ المسلمين من تحت أيديهم.

إذ هناك هالة من الغموض تحيط بالصين وقوتها تفرض نوعاً من الإعراض عن مجرّد تصوّر الدخول في حرب معها، وهذه الهالة ولا شك هي شبيهة بتلك التي كانت أحاط بها الاتحاد السوفيتي نفسه من مظهر للقسوة المفرطة وشهوة إلى الفتك والتدمير، وبتلك التي أحاط بها الجيش الأمريكي نفسه من قدرة على تحقيق أصعب المهمات بدقة وفاعلية، وذلك كلّه قبل أن يتورّط الطرفان في احتكاك مباشر مع مجاهدي الإسلام الذين عرفوا أن كثيرا من التصورات بخصوصهما كانت أوهاما كاذبة خلقها الإعلام، وآمنوا بإمكان هزيمة هؤلاء المشركين ثم رأوا ذلك حقا في خراسان والصومال والعراق، وهم على يقين اليوم بأنّ أي منازلة على الأرض بينهم وبين تلك الجيوش لن تكون في صالح الكفرة على الإطلاق، وأن حروب طائراتهم لن تحسم المعركة معهم بإذن الله تعالى مهما طالت.

- توسيع للهيمنة خارج الصين

إن الاقتصاد والاستثمارات هما أهم مرتكزات الصين الخارجية في سعيها لمد نفوذها في العالم، وقد عبّرت عن هذا بإعلان استراتيجية أسمتها "الحزام والطريق" تعتمد على ربط الحكومات الأخرى بها عن طريق الاستثمار في اقتصاداتها وتكبيلها بالديون الربوية، والسيطرة على البنية التحتية والموارد في تلك البلدان وخاصّة طرق المواصلات وشبكات الاتصالات والصناعات الاستخراجيّة، وبالتالي إخضاع هذه الحكومات لها مع الزمن، ومما يساعد الحكومة الصينية على تقوية علاقاتها مع الحكومات الطاغوتية تركيزها على الجانب الاقتصادي دون الجانب السياسي الذي تحاول الدول الغربية التدخل فيه ولو ظاهرا من خلال مطالبتها الحكومات الموالية لها بالديمقراطية وما شابه من قضايا يرفضها الطواغيت المستبدون بالحكم.

وكذلك فإن المساعي الأمريكية للانسحاب من المنطقة بعد الإرهاق الشديد الذي أصابها من حرب المجاهدين خلال عقدين من الزمان تقريبا، من شأنه أن يزيد من قدرة الصين على مد نفوذها العسكري بعد الاقتصادي والسياسي في عدة بلدان، بل ومساعدة الطواغيت في حرب المسلمين إن طلبوا المساعدة في ذلك، كما هو جار اليوم في إعانتهم للطاغوت بشار على حرب المسلمين في الشام، ولن يطول الزمن قبل أن يتدخّلوا بشكل مباشر في الحرب بجنودهم وطائراتهم وصواريخهم وسفنهم الحربيّة، كما فعلت روسيا، إذا شعروا بالخوف على أحد الطواغيت الموالين لهم.


- أوقفوا إجرام الشيوعيين

كل هذه الأمور تفرض على مجاهدي الدّولة الإسلاميّة أن يهيؤوا أنفسهم لحرب طويلة مع مشركي الصين، طلبا لإزالة شركهم، واستنقاذا للمسلمين من تحت أيديهم، وحماية للمسلمين خارج الصين من أن ينالهم أذاهم أو يفرضوا عليهم كفرهم بالله العظيم.

وإن الواجب الأكبر يقع على عاتق المسلمين الواقعين تحت حكم أولئك الملاحدة المجرمين، إذ يتعيّن عليهم يجاهدوهم ويعظّموا النكاية فيهم، فما بقي عندهم شيء يحسبون حساباً لخسارته، إذ استولى المشركون على دينهم وأنفسهم وأعراضهم وعقولهم يعبثون فيها كيف يشاؤون، وأن يتذكّروا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا تبايعتم بالعِيْنة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط اللّه عليكم ذلًّا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم) [رواه أبو داود]، فإن لم يقدروا عليهم وجبت الهجرة من تلك الديار إلى أقرب دار للإسلام منهم، فإن لم يجدوا فإلى أي دار هي أقل شرا من دارهم، كما هاجر المسلمون من مكة إلى الحبشة وكلاهما ديار كفر.

وإن واجب المسلمين أن يعينوهم في جهادهم، وأن يحاربوا مشركي الصين في كل مكان، فيستهدفوهم بالقتل والأسر، ويستهدفوا مصالحهم الاقتصادية واستثماراتهم بالاغتنام والتخريب، ويزرعوا الرعب في قلوب موظفيهم وأعضاء بعثاتهم وسفاراتهم، فإن أولئك المشركين إن أيقنوا أن حربهم على المسلمين في الصين ستكلّفهم الكثير من الخسائر داخلها وخارجها فسيكفون أذاهم بإذن الله تعالى، قال سبحانه: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا} [النساء: 84].


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 171
الخميس 23 جمادى الآخرة 1440 هـ
...المزيد

مقال: بدع ومنكرات في رجب الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد خاتم المرسلين وعلى ...

مقال: بدع ومنكرات في رجب

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد خاتم المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين, وبعد:

فإن الابتداع في الشرع واختراع عبادات لم ينزل الله بها من سلطان من أكبر الضلال وهو طريق الهلاك، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: (صبحكم ومساكم)، ويقول: (بعثت أنا والساعة كهاتين)، ويقرن بين إصبعيه السبابة، والوسطى، ويقول: (أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة) [رواه مسلم]

وإن من أكثر الأشهر شيوعا البدع فيها شهر رجب، ولعلنا في هذا المقال نذكر ما اشتهر منها ليحذرها المؤمن غاية الحذر ويبتعد عنها نهاية البعد.

أيها الموحدون.. سُمي شهر رجب بذلك لأنه كان يُعظّم كما قال ابن رجب رحمه الله: "سُمي رجب رجبا لأنه كان يرجّب: أي يعظم"[تفسير ابن رجب]، وذكر ابن كثير رحمه الله عن السخاوي أنه قال في سبب تسميته: "رجب: من الترجيب، وهو التعظيم، ويجمع على أرجاب، ورجاب، ورجبات" [التفسير].
وهو أحد الأشهر الحُرم التي قال الله فيها {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} [التوبة: 36].

والأشهر الحرم هي ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب كما في الصحيحين عن أبي بكرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب، مضر الذي بين جمادى، وشعبان).

أما عن حكم القتال في الأشهر الحرم فأجمعوا على جوازه إذا بدأ الكفار بالقتال واختلفوا في غيره.

قال ابن القيم رحمه الله: "ولا خلاف في جواز القتال في الشهر الحرام إذا بدأ العدو، إنما الخلاف أن يقاتل فيه ابتداء، فالجمهور جوزوه وقالوا: تحريم القتال فيه منسوخ، وهو مذهب الأئمة الأربعة رحمهم الله، وذهب عطاء وغيره إلى أنه ثابت غير منسوخ، وكان عطاء يحلف بالله ما يحل القتال في الشهر الحرام، ولا نسخ تحريمه شيء" [زاد المعاد].

إذا علم هذا فنشرع الآن في ما قصدناه من ذكر منكرات هذا الشهر المنتشرة والله المستعان.
ومن هذه المنكرات: دعاء دخول رجب:
رُوي عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا دخل رجب: (اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان). وهو حديث منكر، وأكثر المحدثين على ضعفه.

قال البيهقي: "تفرد به زياد النميري، وعنه زائدة بن أبي الرقاد ، قال البخاري: زائدة بن أبي الرقاد، عن زياد النميري منكر الحديث" [شعب الإيمان].

ومنها تخصيص هذا الشهر بالعبادات من صيام وصلاة وذبح وغيرها:

فإن بعض المسلمين يخص شهر رجب ببعض العبادات ظنا منهم أن لها فضلا وأجرا والصحيح أن رجبا كغيره من الأشهر لا يخص ولا يقصد بعبادة معينة.

ومن العبادات التي أحدثها الناس في شهر رجب صلاة الرغائب: وهي اثنتا عشرة ركعة بعد المغرب في أول جمعة، وهي بلا شك بدعة منكرة وحديثها موضوع، بل جاء النهي عن تخصيص ليلة الجمعة بقيام ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام، إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم».

قال النووي رحمه الله: "وفي هذا الحديث النهي الصريح عن تخصيص ليلة الجمعة بصلاة من بين الليالي ويومها بصوم كما تقدم وهذا متفق على كراهيته واحتج به العلماء على كراهة هذه الصلاة المبتدعة التي تسمى الرغائب قاتل الله واضعها ومخترعها فإنها بدعة منكرة من البدع التي هي ضلالة وجهالة وفيها منكرات ظاهرة وقد صنف جماعة من الأئمة مصنفات نفيسة في تقبيحها وتضليل مصليها ومبتدعها ودلائل قبحها وبطلانها وتضلل فاعلها أكثر من أن تحصر والله أعلم" [شرح صحيح مسلم].

وقال ابن تيمية رحمه الله: "وأما صلاة الرغائب فلا أصل لها، بل هي محدثة، فلا تستحب لا جماعة ولا فرادى... والأثر الذي ذكر فيها كذب موضوع باتفاق العلماء" [الفتاوى، باختصار].

وقال ابن رجب رحمه الله تعالى "فأما الصلاة فلم يصح في شهر رجب صلاة مخصوصة تختص به والأحاديث المروية في فضل صلاة الرغائب في أول ليلة جمعة من شهر رجب كذب وباطل لا تصح وهذه الصلاة بدعة عند جمهور العلماء" [لطائف المعارف].

ومنها صيام رجب:
فإن رجب كغيره من الأشهر لم يرد في الترغيب في صيامه حديث صحيح بل يُشرع أن يصام منه الاثنين والخميس والأيام البيض لمن عادته الصيام كغيره من الأشهر أما إفراده بذلك فلا.

قال الإمام مسلم رحمه الله: بسنده إلى عثمان بن حكيم الأنصاري، قال: سألت سعيد بن جبير، عن صوم رجب ونحن يومئذ في رجب فقال: سمعت ابن عباس رضي الله عنهما، يقول: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم ". قال النووي رحمه الله:" الظاهر أن مراد سعيد بن جبير بهذا الاستدلال أنه لا نهي عنه ولا ندب فيه لعينه بل له حكم باقي الشهور" [شرح صحيح مسلم].

وكل الأحاديث الواردة في فضل صيام رجب بخصوصه أو يوم من أيامه لا تصح بحال.

قال ابن رجب رحمه الله: "وأما الصيام فلم يصح في فضل صوم رجب بخصوصه شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه".

وقال ابن القيم رحمه الله:" كل حديث في ذكر صوم رجب وصلاة بعض الليالي فيه فهو كذب مفترى".ا.هـ [نقد المنقول]

وقال ابن حجر رحمه الله: "لم يرد في فضل شهر رجب، ولا في صيامه، ولا في صيام شيء منه معين، ولا في قيام ليلة مخصوصة فيه - حديث صحيح يصلح للحجة" ا.هـ [تبيين العجب]

ومنها: الذبح في رجب وتسمى (الرجبية) واستدل بعضهم بحديث مخنف بن سليم -رضي الله عنه- قال : كنا وقوفا مع النبي صلى الله عليه وسلم بعرفات فسمعته يقول: (يا أيها الناس على كل أهل بيت في كل عام أضحية وعتيرة هل تدرون ما العتيرة؟ هي التي تسمونها الرجبية) وهو حديث ضعيف. قال ابن حزم رحمه الله: "أما حديث مخنف فعن أبي رملة الغامدي، وحبيب بن مخنف - وكلاهما مجهول لا يدرى" ا.هـ.[المحلى] وقال الخطابي رحمه الله: "هذا الحديث ضعيف المخرج وأبو رملة مجهول"[عون المعبود]
وقال ابن كثير رحمه الله:"وقد تكلم في إسناده"[التفسير]
وأصح منه ما في الصحيحين عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا فرع ولا عتيرة) قال: "والفرع: أول نتاج كان ينتج لهم، كانوا يذبحونه لطواغيتهم، والعتيرة في رجب".

وكذلك بقية العبادات من زكاة وغيرها فقد قال ابن رجب رحمه الله: "وأما الزكاة فقد اعتاد أهل هذه البلاد إخراج الزكاة في شهر رجب ولا أصل لذلك في السنة ولا عرف عن أحد من السلف... وأما الاعتمار في رجب فقد روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر في رجب فأنكرت ذلك عائشة عليه وهو يسمع فسكت". ا.هـ [لطائف المعارف]

أسأل الله تعالى بمنه وكرمه أن يوفقنا لاتباع السنة واجتناب البدعة والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين والحمد لله رب العالمين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 171
الخميس 23 جمادى الآخرة 1440 هـ
...المزيد

اليقين بوعد الله ربّ العالمين الحمد لله وليّ الموقنين والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله ...

اليقين بوعد الله ربّ العالمين

الحمد لله وليّ الموقنين والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وصحبه الغر الميامين، أما بعد:

فإن اليقين هو الاعتقاد الجازم الثابت المطابق للواقع.
قال ابن تيمية رحمه الله: "وأما اليقين فهو طمأنينة القلب، واستقرار العلم فيه" [مجموع الفتاوى].

وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: "ومن منازل {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} منزلة اليقين، وهو من الإيمان منزلة الروح من الجسد، وبه تفاضل العارفون، وفيه تنافس المتنافسون، وإليه شمّر العاملون، وعمل القوم إنما كان عليه، وإشاراتهم كلها إليه... فاليقين روح أعمال القلوب التي هي أرواح أعمال الجوارح، وهو حقيقة الصّدّيقيّة، وهو قطب هذا الشأن الذي عليه مداره". ا.ه [المدارج].

وقال ابن تيمية رحمه الله تعالى: "واليقين: استقرار الإيمان في القلب علما وعملا، فقد يكون علم العبد جيدا، لكن نفسه لا تصبر على المصائب بل تطيش، قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: إذا شئت أن ترى بصيرا لا صبر له رأيته، وإذا شئت أن ترى صابرا لا بصيرة له رأيته، فإذا رأيت بصيرا صابرا فذاك" ا.ه [جامع المسائل].

- مراتب اليقين
واليقين له ثلاث مراتب:
1- علم اليقين.
2- حق اليقين.
3- عين اليقين.

قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: "علم اليقين ما علمه بالسماع والخبر والقياس والنّظر، وعين اليقين ما شاهده وعاينه بالبصر، وحق اليقين ما باشره ووجده وذاقه وعرفه بالاعتبار، فالأولى مثل من أخبر أن هناك عسلا وصدق المخبر، أو رأى آثار العسل فاستدل على وجوده، و"الثاني" مثل من رأى العسل وشاهده وعاينه، وهذا أعلى كما قال النّبي صلى اللّه عليه وسلم: (ليس المخبر كالمعاين)، و"الثالث" مثل من ذاق العسل ووجد طعمه وحلاوته، ومعلوم أن هذا أعلى مما قبله... كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم في الحديث الصّحيح: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ومن كان يكره أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار) وقال صلى الله عليه وسلم (ذاق طعم الإيمان: من رضي بالله ربًا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولًا) فالناس فيما يجده أهل الإيمان ويذوقونه من حلاوة الإيمان وطعمه على ثلاث درجات".ا.ه [الفتاوى، باختصار].


- من ثمار اليقين

واعلم أخي بارك الله فيك أن أهل اليقين يمتازون عن غيرهم بأمور ذكرها الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز منها:

أنّهم إن جمعوا إلى يقينهم الصبر حصلوا على مرتبة عظيمة وهي الإمامة في الدّين، كما قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة، 24].

قال ابن كثير رحمه الله تعالى: "أي: لما كانوا صابرين على أوامر الله وترك نواهيه وزواجره وتصديق رسله واتّباعهم فيما جاؤوهم به، كان منهم أئمة يهدون إلى الحق بأمر اللّه، ويدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر".ا.ه [التفسير]، وقال رحمه الله تعالى: "وقال بعض العلماء: بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين" [التفسير]، وقال ابن القيم رحمه الله: "وإذا تزوج الصبر باليقين: ولد بينهما حصول الإمامة في الدين". ا.ه [المدارج].

ومنها انتفاعهم بآيات الله تعالى وحججه، قال عزّ وجلّ: {وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ} [الذاريات:20].

قال الإمام الطبري رحمه الله تعالى: "وفي الأرض عبر وعظات لأهل اليقين بحقيقة ما عاينوا ورأوا إذا ساروا فيها".ا.ه [تفسير الطبري].

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "وخصّ سبحانه أهل اليقين بالانتفاع بالآيات والبراهين" ا.ه [المدارج].

ومن فوائد اليقين وثماره أن أصحابه هم المهتدون الفائزون قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [البقرة: 6،5].

قال الإمام الطبري رحمه الله تعالى: "فأخبر أنهم هم أهل الهدى والفلاح خاصة دون غيرهم، وأن غيرهم هم أهل الضلال والخسارة" ا.ه [تفسير الطبري].

قال ابن كثير رحمه الله تعالى: "يقول اللّه تعالى: {أولئك} أي: المتّصفون بما تقدّم: من الإيمان بالغيب، وإقام الصلاة، والإنفاق من الذي رزقهم اللّه، والإيمان بما أنزل الله إلى الرسول ومن قبله من الرسل، والإيقان بالدار الآخرة، وهو يستلزم الاستعداد لها من العمل بالصّالحات وترك المحرمات، {على هدى} أي: نور وبيان وبصيرة من الله تعالى، {وأولئك هم المفلحون} أي: في الدنيا والآخرة".ا.ه [التفسير].

وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: "وخص أهل اليقين بالهدى والفلاح من بين العالمين،... وأخبر عن أهل النار: بأنهم لم يكونوا من أهل اليقين، فقال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ}" ا.ه [المدارج].

ومن فوائد اليقين أن صاحبه ثابت لا يعتريه شك ولا يصيبه تردد بل يحمله اليقين على مباشرة الأهوال وركوب الأخطار.

ففي الصحيحين عن أنس رضي اللّه عنه، قال: غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر، فقال: يا رسول الله غبت عن أول قتال قاتلت المشركين، لئن الله أشهدني قتال المشركين ليرين الله ما أصنع، فلما كان يوم أحد، وانكشف المسلمون، قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني أصحابه - وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء - يعني المشركين - ثم تقدم، فاستقبله سعد بن معاذ، فقال: يا سعد بن معاذ، الجنة ورب النّضر إني أجد ريحها من دون أحد، قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع، قال أنس: فوجدنا به بضعا وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح، أو رمية بسهم ووجدناه قد قتل وقد مثل به المشركون، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه قال أنس: كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: {مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} الآية [الأحزاب: 23].

وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: "ومتى وصل اليقين إلى القلب امتلأ نورا وإشراقا، وانتفى عنه كل ريب وشك وسخط، وهم وغم، فامتلأ محبة لله، وخوفا منه ورضا به، وشكرا له، وتوكلا عليه، وإنابة إليه. فهو مادة جميع المقامات والحامل لها" ا.ه [المدارج].


- التوصّل إلى اليقين

فإن قلت فكيف أتحصّل على اليقين؟ قلنا قد ذكر ذلك ابن تيمية رحمه الله تعالى بقوله: "وأما كيف يحصل اليقين فبثلاثة أشياء: أحدها: تدبّر القران، والثاني: تدبر الآيات التي يحدثها الله في الأنفس والآفاق التي تبيّن أنه حق، والثالث: العمل بموجب العلم قال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} والضمير عائدٌ على القران" [مجموع الفتاوى].

فاجتهد أخي المبارك في تحصيل هذه المنازل السامقة الرفيعة بتعلّم العلم النافع والتدبّر في آيات الله العظيم والعمل بها فإنّ اليقين يزيد وينقص، وإيّاك وسلوك مسلك الساهين اللاهين والوقوف في مقام المغترّين، والتلّبس بأحوال البطّالين الذين ركنوا إلى أنفسهم وساروا مع أهوائهم ولم يتداركوا أحوالهم ولم يقدموا لآخرتهم نسوا الله فنسيهم..

واقتد بالموقنين بوعد ربهم من الصحابة ومن بعدهم فقد بذلوا أرواحهم طيبة بذلك قلوبهم فرحين مستبشرين بوعد خالقهم فهذا أنس بن النضر رضي الله عنه يقول: إنّي لأجد ريح الجنة دون أحدٍ، وذا عمير بن الحمام الأنصاري رضي الله عنه يقول: "لئن أنا حييت حتّى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة"، ورمى بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتّى قتل [رواه مسلم].

وهذا عمرو بن الجموح رضي الله عنه يخرج في غزوة أحد وهو يقول: "والله إنّي لأرجو أن أستشهد فأطأ بعرجتي هذه في الجنة" [رواه البيهقي].

فكن موقنا بوعد ربك باذلا له نفسك صابراً محتسبا على طريقك وإن كنت في جوف المحنة فإنّ الله تعالى سينجز لك الوعد.

قال الله سبحانه وتعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} [النور: 55].


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 171
الخميس 23 جمادى الآخرة 1440 هـ
...المزيد

وما بعد العجز إلّا الاستسلام إنّ من يتابع الإعلام الصليبي هذه الأيّام يجد إجماعاً غريباً من ...

وما بعد العجز إلّا الاستسلام

إنّ من يتابع الإعلام الصليبي هذه الأيّام يجد إجماعاً غريباً من قادتهم وخبرائهم على القول بأنّ الدّولة الإسلاميّة باقية، بفضل الله تعالى.

بل أصدرت وزارة الدفاع الأمريكيّة توقعات متشائمة بخصوص مستقبل الحملة الصليبيّة ضدّ الدّولة الإسلاميّة واعترفت بإمكان عودة جنودها خلال بضعة أشهر للسيطرة على المناطق التي انحازوا منها خلال الحرب الماضية والتي استمرت 5 سنين.

ويبرر قادة جيوش الصليب وضباط استخباراتهم ومسؤولوهم السياسيون وصحفيوهم المتابعون تحذيراتهم من مزاعم انتصار جديدة قد يتورّط فيها زعماؤهم بفشلهم في هزيمة الدّولة الإسلاميّة في الجانب العقائدي رغم محاولاتهم الكبيرة في الضغط عليها لدفعها إلى هذا الاتجاه أو تحقيق اختراقات في هذا الجانب، ما يعني أن الأصول العقديّة والمنهجيّة التي قامت عليها دولة الخلافة قبل سنوات لاتزال -بفضل الله تعالى- راسخة صلبة يمكن أن يقوم عليها البناء من جديد، بإذنه سبحانه.

وكذلك فإنّهم يشيرون إلى فشلهم -بفضل الله العظيم- في هزيمة نفوس المجاهدين، باستمرارهم في قتال المشركين رغم كل ما أصابهم من جراح، وسرعتهم في تغيير أساليبهم في الحرب بتغير ظروفهم وأحوالهم، الأمر الذي سيساعد في استمرار إنهاك أعدائهم، وجذب المزيد من المجاهدين إلى صفوفهم، واستعادة الكثير من القاعدين إلى جبهات قتالهم، ما يمهّد -بإذن الله تعالى- إلى تسعير الحرب من جديد خلال فترة زمنيّة وجيزة.

الأمر الآخر الذي يعترف المشركون بأنّه يشكّل نقطة ضعف كبيرة في خطّة حربهم على الدّولة الإسلاميّة هو عدم قدرة أي من جيوش المرتدّين في المنطقة على الوقوف في وجه جنود الخلافة -بفضل الله العزيز القدير- إن توقّفت الجيوش الصليبية عن تقديم الدعم الجوي الكبير لهم، ما يعني وجوب استمرار الجيوش الصليبية في حرب لا منتهية ضدّ الموحّدين، أو توقّع انهيار جيوش المرتدّين خلال أشهر فقط إن قررت الخروج من ساحة المعركة.

وإننا نؤمن أنّ كلّ هذا هو محض فضل الله تعالى على عباده الموحّدين، فحفظ عقيدة الدّولة الإسلاميّة ومنهجها، وثبّت -بفضله سبحانه- جنودها أن يجتمعوا على ضلالة أو يقعدوا كلّهم عن جهاد، وأوهن جيوش المرتدّين أن تقوى على قتالهم، وحتّى ما يبالغ فيه الصليبيون من معلومات بخصوص قوّتهم وأعدادهم ليبرّروا فشلهم في الحرب ضدّهم هو من نصر الله تعالى لهم بما يزرعه في قلوب أعدائهم من خوف من مجابهتهم ويأس من القضاء على دولتهم.

وفي الوقت الذي يسعى فيه الصليبيون إلى حصر تركيز الناس على المعارك في البركة وإظهارها أن ما يجري فيها هي نهاية الحرب ضدّ الدّولة الإسلاميّة، يبذلون جهدهم للتعمية عن الحرب التي يخوضها جنود الخلافة ضد المشركين في شتّى البلاد، وتجاهل أخبار فتوحاتهم المباركة وعملياتهم المدويّة أملاً في إقناع شعوبهم أن حملتهم المستمرّة منذ 55 شهراً آتت بعض أكلها على العراق والشّام، ويأساً من إمكان نقل هذه الحملة إلى كل أرض يمكّن الله تعالى فيها جند الخلافة من إقامة دينه وسياسة عبيده بشرعه.

وإن أكبر نصر للدّولة الإسلاميّة -بفضل الله تعالى- أن يعترف عدوّها بعجزه عن الانتصار عليها، رغم حشده لأكبر أسطول من الطائرات المقاتلة لحربها، ورغم تشكيله لأكبر حلف عسكري عرفه التاريخ لقتالها، ضمّ 70 دولة من دول الكفر، بالإضافة إلى عشرات الفصائل والتنظيمات والجماعات، ويعلن أن أقصى ما تمكّن منه هو تحويل البلاد التي تحكم بالشريعة إلى أكوام من الحجارة ثم يسلّمها للمرتدّين ليحكموها بشريعة الطاغوت.

وما بعد العجز إلا الاستسلام بإذن الله تعالى، خاصّة أنّ الحرب بيننا وبينهم لم تضع أوزارها، ولم تخرج كل أثقالها، فلا زالت راية الدّولة الإسلاميّة باقية بفضل الله تعالى، ولا زالت حربها على المشركين في توسّع وامتداد حتّى تحكم الأرض بشريعة ربّ العباد، ولا زال اعداؤها تضعف قوّتهم ويتشتّت شملهم، ويزدادون يأساً بعد يأس، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} [الأنفال: 36].

إن أمريكا اليوم تعلن عجزها عن هزيمة الدّولة الإسلاميّة بمفردها، وتدعو حلفاءها الغارقين في مشاكلهم أن يزيدوا من مساهمتهم في حربها، بل وتلقي على أكتافهم مسؤولية قيادة هذه الحرب التي أتعبتها وما زالت -بفضل الله تعالى- مستمرّة ويأست من تحقيق النصر فيها، وسيهزم الله تعالى حلفاءها كما هزمت هي بأيدي عباده الموحّدين، ولله الأمر من قبل ومن بعد، والحمد لله ربّ العالمين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 170
الخميس 16 جمادى الآخرة 1440 هـ
...المزيد

مقال: لا تتبعوا خطوات الشيطان (2) الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: نواصل في ...

مقال: لا تتبعوا خطوات الشيطان (2)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
نواصل في هذا العدد ما بدأناه مسبقا من الحديث عن خطوات الشيطان:

فمن خطوات الشيطان اتباع الهوى قال الله تعالى: {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ} [القصص: 50].

قال الإمام الطبري رحمه الله: "يقول تعالى ذكره: إن الله لا يوفق لإصابة الحقّ وسبيل الرشد القوم الذين خالفوا أمر الله وتركوا طاعته، وكذّبوا رسوله، وبدّلوا عهده، واتبعوا أهواء أنفسهم إيثاراً منهم لطاعة الشيطان على طاعة ربهم" [تفسير الطبري].

وصاحب هذه الآفة لا ينتفع بالأدلة لأنه يقتفي هواه ولا تردعه الحجج لأنه تبع لشهواته فهو أبعد عن معرفة الحق فضلا عن اتباعه.

ومنها اتباع الظن وترك اليقين قال تعالى: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} [الأنعام: 116].

قال ابن كثير رحمه الله: " يخبر تعالى عن حال أكثر أهل الأرض من بني آدم أنه الضلال، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأوَّلِينَ}، وقال تعالى: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ}، وهم في ضلالهم ليسوا على يقين من أمرهم، وإنما هم في ظنون كاذبة وحسبان باطل، {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ} فإن الخرص هو الحزر...، و {هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ} فييسره لذلك {وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} فييسرهم لذلك، وكل ميسر لما خلق له". [التفسير]

وهذا حال أكثر الناس اليوم والله المستعان بعيدون عن الحق تاركون لليقين بأوامر الله المحكمة الواضحة -كالهجرة والجهاد وموالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين والمرتدين- متّبعين للظن، ومن هذا حاله لا يصل إلا إلى الضلال والعياذ بالله.

ومن خطواته اتباع المتشابه وترك المحكم، قال الله تعالى:{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} [آل عمران: 7].

قال ابن كثير رحمه الله:" يخبر تعالى أن في القرآن آيات محكمات هن أم الكتاب، أي: بينات واضحات الدلالة، لا التباس فيها على أحد من الناس، ومنه آيات أخر فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس أو بعضهم، فمن رد ما اشتبه عليه إلى الواضح منه، وحكم محكمه على متشابهه عنده، فقد اهتدى، ومن عكس انعكس... {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} أي : ضلال وخروج عن الحق إلى الباطل {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} أي: إنما يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنهم أن يحرفوه إلى مقاصدهم الفاسدة، وينزلوه عليها، لاحتمال لفظه لما يصرفونه فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه؛ لأنه دامغ لهم وحجة عليهم، ولهذا قال سبحانه: {ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} أي: الإضلال لأتباعهم، إيهاما لهم أنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن، وهذا حجة عليهم لا لهم" [التفسير].

وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم) [رواه مسلم].

ومن خطواته التسويف والتأخير وطول الأمل، قال تعالى عن الشيطان: {وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا}. [النساء: 119]

قال ابن كثير رحمه الله: "{وَلأضِلَّنَّهُمْ} أَيْ: عن الحق {وَلأمَنِّيَنَّهُمْ} أَيْ: أزين لهم ترك التوبة، وأعدهم الأماني، وآمرهم بالتسويف والتأخير، وأغرهم من أنفسهم". [التفسير]

ومن مداخله على المعلمين والمصنفين أن يكون مقصودهم الباطن من نشر الدين انتشار الذكر وعلو الصيت والرياسة والعياذ بالله.

عن أبي هريرة، رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (وذكر حديث أول من تسعر بهم النار ومنهم: رجل تعلم العلم، وعلمه وقرأ القرآن، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم، وعلمته وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار) [صحيح مسلم].

قال النووي رحمه الله: "قوله صلى الله عليه وسلم في الغازي والعالم والجواد وعقابهم على فعلهم ذلك لغير الله وإدخالهم النار دليل على تغليظ تحريم الرياء وشدة عقوبته وعلى الحث على وجوب الإخلاص في الأعمال كما قال الله تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} وفيه أن المعلومات الواردة في فضل الجهاد إنما هي لمن أراد الله تعالى بذلك مخلصا، وكذلك الثناء على العلماء وعلى المنفقين في وجوه الخيرات كله محمول على من فعل ذلك لله تعالى مخلصا" [شرح صحيح مسلم].

وَقَدْ يتخلّص البعض من تلبيسات إبليس الظاهرة فيأتيهم من مدخلٍ خفي وذلك بإيهامك أنك أعرف الناس بمداخله، فان سكنت إلى هذا هلكت بالعُجب وإن سلِمتَ من ذلك سلِمتَ بإذن الله تعالى.

هذه بعض خطوات الشيطان إلى إفساد قلبك وتكون الوقاية منها بالانقياد لشرع الله تعالى ظاهراً وباطناً وسؤالك له سبحانه أن يجنّبك إيّاها.
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} [البقرة: 208].
قال الإمام الطبري رحمه الله: " يعني جل ثناؤه بذلك: اعملوا أيها المؤمنون بشرائع الإسلام كلها، وادخلوا في التصديق به قولا وعملا ودعوا طرائق الشيطان وآثاره أن تتبعوها فإنه لكم عدو مبين لكم عداوته، وطريقُ الشيطان الذي نهاهم أن يتبعوه هو ما خالف حكم الإسلام وشرائعه" [تفسير الطبري].

ومتى كنت كذلك كانت خطواتك كلها محكمة ثابتة بعيدة عن خطوات الشيطان بل إنه سيسلك طرقا غير طرقك كما قال صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه: (والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان قط سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك) [متفق عليه].

قال النووي رحمه الله: "وهذا الحديث محمول على ظاهره أن الشيطان متى رأى عمر سالكا فجا هرب هيبة من عمر وفارق ذلك الفج وذهب في فج آخر لشدة خوفه من بأس عمر أن يفعل فيه شيئا، قال القاضي: ويحتمل أنه ضرب مثلا لبعد الشيطان وإغوائه منه وأن عمر في جميع أموره سالك طريق السداد خلاف ما يأمر به الشيطان. والصحيح الأول" [شرح صحيح مسلم].

فعندما يكون العبد مشغولاً بالطاعة والذكر، فلن يكون محلاً للوساوس فإن غفِل وسوس إليه الشيطان بالمعاصي. قال ابن الجوزي رحمه الله: "وإنما يدخل إبليس على الناس بقدر ما يمكنه ويزيد تمكنه منهم ويقل على مقدار يقظتهم وغفلتهم وجهلهم وعلمهم" [تلبيس إبليس].

فكن مستيقظا محترسا من عدوك في كل وقت وحين، عسى الله الكريم أن يجنبنا وإياك سبل الظالمين، والحمد لله رب العالمين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 170
الخميس 16 جمادى الآخرة 1440 هـ
...المزيد

الدولة الإسلامية - مقال: حربنا لا معاركهم كثيرة هي المعارك التي استنفر إليها المجاهدون وحشّد ...

الدولة الإسلامية - مقال: حربنا لا معاركهم

كثيرة هي المعارك التي استنفر إليها المجاهدون وحشّد إليها المهاجرون في هذا الزمان، وفي الزمان نفسه كان هناك كثير من الذين ظنّوا بأنّهم من أهل الجهاد، ولكن اكتشفوا أنهم قد أخطأوا الطريق، وخاضوا معركة غير معركتهم، بل وجدوا أن من يقاتلون في صفوفهم لا يختلفون كثيراً في حالهم عن من خرجوا لقتالهم.

فبعض من خرج لقتال العلمانيين وإقامة الدين فوجئ بقائد فصيله يعلن أنه عازم بعد الانتصار في حربه أن يقيم دولة مدنية ديمقراطية، وبعض من خرج لقتال المشركين أصابته الصدمة في وسط المعركة وهو يسمع المقاتلين في صفّه يستغيثون بغير الله تعالى، أو يسبّون الله ورسوله ودينه (عياذاً بالله)، وبعض من أعلن أنّه لن يوقف حربه حتى يكون الدين كله لله اكتشف في وقت متأخّر أن غاية حرب الفصيل الذي يقاتل فيه هي إجبار الطواغيت على التفاوض لتقديم بعض التنازلات لا استبدال حكمهم الكفري بحكم ربّ العالمين، وبعض من خرج ليقاتل المشركين كافّة وجد الأمور تأول بعد انتهاء المعارك إلى تسليم العلمانيين السلطة، واعتقال المسلمين وطردهم من الأرض، والأمثلة على كل ذلك كثيرة معروفة.

وهكذا ضاعت كثير من الدماء هباء، وحصد الكثيرون الخيبات، بل وانقلب بعض الناس من مسلمين مجاهدين في سبيل الله تعالى إلى مرتدّين يقاتلون في سبيل الطاغوت، طاعة للأحزاب التي انتموا إليها، واتباعاً للطواغيت الذين قلدوهم دينهم، وفدوهم بأنفسهم وأموالهم وكل ما يملكون.

والأبشع من هذا كله تحريف بعض المنتسبين للعلم دين الله تعالى بزعمهم أن جهاد الدفع لا يشترط له شرط مطلقاً، شاملين بذلك شرط الإسلام، لكي يغلقوا على من يهتم لصحّة باب البحث في ذلك، فالمهم أن يقاتل الشباب ويقتلوا دون النظر في سبب هذا القتال وغايته، وكذلك حرّفوا مفهوم الجهاد ليصبح مساوياً لمفهوم المقاومة والدفاع عن النفس، فيصبح كل من يقاوم المحتل الكافر أو يسعى لإسقاط الطاغية الفاجر مجاهداً في سبيل الله تعالى، ولو كانت غايته أن يستبدلهما بمن هو أكفر وأفجر منهما، أو كان لا يبالي أن تحكم البلاد بشريعة الإسلام أم بدستور أهل الكفر والإجرام.


• القتال لتكون كلمة الظالمين هي العليا

ولقد رأينا حين الغزو الأمريكي للعراق، كيف اشتعلت المنابر حماساً تحرّض الشباب في كل مكان على الخروج للتصدي للغزو الصليبي لبلاد المسلمين، ولم يلق أولئك المحرّضون بالا لقضية أن من يقاتل تحت راية حزب البعث التي يرفعها الطاغوت صدام حسين كافر بالله العظيم ولو كان يقاتل اليهود والصليبيين، ولا يكون مجاهداً في سبيل الله بحال، لأن غاية قتال هذا الجيش المرتد دوام حكم البعث وأفكاره العلمانية وحماية الطاغوت صدام وإعانته على حرب الإسلام والمسلمين.

وعندما هدم الله دولة البعثيين بأيدي إخوانهم الصليبيين، وبعد أن ظهرت الرايات الإسلاميّة الصافية التي يقاتل تحتها المجاهدون لتكون كلمة الله هي العليا، رأينا أولئك المحرّضين على الهجرة والقتال يصدّون الشباب عن اللحاق بالمجاهدين ويصوّرون الجهاد هناك أنّه محرقة للإسلام والمسلمين.

ورأينا من قبل من يدعو المسلمين لنصرته في قتال المشركين من غير ملته، فلما هزمهم الله تعالى على أيدي المجاهدين، وضع يديه في أيدي المشركين من أبناء بلده، ودخل في حرب مع خصومه على السلطة والمنافع، مخيراً من جاء لنصرته بين الدخول معه في الكفر أو الخروج من حمايته ليلقى ما يلقاه في كل مكان، كما حدث في خراسان من قبل.

كما رأينا آخرين يعلنون قتال الطواغيت في سبيل الديمقراطية فإن وجدوا من يكفر بالديمقراطية ويكفّر من يدعو إليها، اتهموه بالغلو والخارجية، وحرّضوا على قتاله، ولم يلبثوا أن يصالحوا الطواغيت على أمل أن يحصلوا على الديمقراطية من غير طريق القتال الذي ساد فيه الموحّدون، وهذا ما حصل في الجزائر مع جبهة الإنقاذ المرتدّة، وهو ما يحصل في كل ساحة يعلو فيها صوت الإخوان المرتدّين والسروريّة.

ورأينا من يدخل حرباً مع المشركين تحت راية قوميّة جاهليّة يصبغها بالإسلام، فلما كانت الغلبة للمشركين استنفر المسلمين لنصرته وإعانته في قتال المشركين، حتى إذا هدأت الحرب أعلن حكومة علمانية وجعل بلاده قاعدة للصليبيين الغربيين بعد أن خرج منها الصليبيون الشرقيون بدماء المسلمين وعرقهم وأموالهم، كما حصل في البوسنة والهرسك.

ورأينا من يعلن قتال المشركين تحت رايات عميّة جاهليّة، فإذا أعلن المجاهدون أن قتالهم هو لإقامة دين الله تعالى، وأنهم سيقاتلون المشركين والمرتدّين كافّة، انقلب أولئك إلى صف الطواغيت والصليبيين يتحالفون معهم لقتال المجاهدين، كما فعلته الصحوات في العراق قبل سنين.

ولا زالت الدعوات مستمرّة من قبل أهل الضلال إلى المجاهدين في سبيل الله تعالى أن يجعلوا دماءهم وأموالهم وجهودهم في غير الحرب التي أمرهم الله تعالى أن يبذلوها فيها، والتي غايتها أن لا يكون في الأرض شرك، وتكون الطاعة كلها لله ربّ العالمين.

• القتال لتكون كلمة الله هي العليا

وإن من فضل الله تعالى على المسلمين في هذا الزمان، أن مكّن لعباده الموحّدين الذين رفعوا راية للجهاد نقية من الشرك صافية من البدعة، وأقام بهم دينه، وحكّم بهم شرعه في أرضه، وأعاد بهم جماعة المسلمين واحدة كما أراد سبحانه، لتقوم بذلك الحجّة على كل من زعم يوماً أن سبيل أهل السنّة والجماعة لا يؤدي إلى التمكين، في حين فشلت كل سبلهم -بحمد الله- في تحقيق أي نجاح رغم الخسائر الهائلة التي تكبّدها أصحابها لتحقيق أهدافهم البدعية أو الشركيّة.

وقد أنقذ الله تعالى بهذه الدّولة الإسلاميّة المباركة عشرات الألوف من المجاهدين من أن تخدعهم شعارات الأحزاب أو تضلهم استعطافات الفصائل، فيخسروا دنياهم وآخرتهم في خدمة مشاريع لا ترضي الله تعالى ولا توافق ما تركنا عليه رسوله عليه الصّلاة والسّلام، فصار كل من يهديه الله للجهاد ويلتحق بجماعة المسلمين يعرف يقيناً أن دمه لن يبذل في غير مرضات الله سبحانه، وأن جهده لن يضيع في أيدي السفهاء العابثين بالعباد والبلاد.

واليوم بات أهل الضّلال من المنتسبين إلى الدين وأدعياء الجهاد يخشون من تيسير الله تعالى الأمور لفتح أي ساحة جهاد جديدة، كخشية المشركين والطواغيت من ذلك وأكثر، لأنهم يعلمون يقيناً أن دعاويهم القديمة التي كانوا يخدعون بها المسلمين باتت بالية كاسدة، لا يسومها إلا المفلسون، ولا يرتضيها إلا الضّالون، كما يوقنون أنّه ما إن ترفع للدّولة الإسلاميّة راية في الأرض إلّا والتف حولها المسلمون -بفضل الله تعالى- ليقاتلوا تحتها الكفرة المشركين، والبغاة المفسدين، والخوارج المارقين، طاعة لربّ العالمين وحفظاً لجماعة المسلمين.

ولذلك كلّه فنحن على ثقة أن هذه الراية ستبقى -بإذن الله تعالى- مرفوعة عالية يقاتل من حولها الموحّدون جيلاً بعد جيل، ويتعاونون على حملها في كل مكان، فإن حربنا بحمد الله باتت واضحة بيّنة، فسينغمس فيها كل من أطاع أمر الله تعالى بالجهاد في سبيله، كما أن معارك أهل الضّلال باتت معروفة النتيجة سلفاً، ولن يضيّع نفسه فيها إلا من سفه نفسه وأسلم قيادها لغيره.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 170
الخميس 16 جمادى الآخرة 1440 هـ
...المزيد

مؤسسة الفرقان - تفريغ كلمة صوتية بعنوان: [ صدق الله فصدقه ] كلمة صوتية للمتحدث الرسمي ...

مؤسسة الفرقان - تفريغ كلمة صوتية بعنوان:

[ صدق الله فصدقه ]

كلمة صوتية للمتحدث الرسمي للدولة الإسلامية الشيخ المجاهد أبي الحسن المهاجر -تقبله الله-

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله...أما بعد:

فإنه لما كان الجهاد قبة الإسلام وذروة سنامه، وهو في زماننا من آكد فروض الأعيان بعد توحيد ربنا الكبير المتعال، صار لزاما على حملة لوائه، التزود بما يكون لهم عونا على مكابدة لأوائه وتحمل بلائه، فما للعبد أمضى من الصبر واليقين والتقوى، وما بيده شيء من الحيل أنفذ منهن وأبقى، قال ربنا تبارك وتعالى {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [آل عمران: 120].

وقد جعل الله الصبر جوادا لا يكبو، وصارما لا ينبو، وجندا لا يهزم، وحصنا حصينا لا يهدم ولا يثلم، فهو والنصر أخوان شقيقان، فالنصر مع الصبر، والفرج مع الكرب، وهو أنصر لصاحبه من الرجال بلا عدة ولا عدد، ومحله من الظفر كمحل الرأس من الجسد ، وهو من المهمات، وأعظم الواجبات، لتحمل المتاعب، والمشاق، وإن كان واجبا بأنواعه على كل مسلم، فإنه على أهل الجهاد من باب أولى وأولى؛ ولهذا أمر الله به إمام المجاهدين وقدوتهم صلى الله عليه وسلم فقال: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل: 127، 128] وبالصبر يتم اليقين بالوعد، وقد جمع الله بينهما في قوله: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ} [الروم: 60].

وربنا سبحانه مالك الضر والنفع، وهو المتصرف في خلقه بما يشاء، لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، وهو الذي خضعت له الرقاب، وذلت له الجبابرة، وعنت له الوجوه، وقهر كل شيء، ودانت له الخلائق، وتواضعت لعظمة جلاله وكبريائه وعلوه وقدرته، واستكانت وتضاءلت بين يديه، وتحت قهره وحكمه، وهو الحكيم في جميع أفعاله، الخبير بمواضع الأشياء ومحالها، فلا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، قال جل شأنه وتقدست أسماؤه: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 17، 18].

فمهما حشدت أمم الكفر وألبت، ومكرت وخططت، وهددت وهدمت، فلن يضروا عباد الله الموحدين المجاهدين شيئا، لأن من استعلى بإيمانه؛ لا يقعده أذى أهل الدنيا عن جهاده لعدوه وإن بلغ أذاه المنتهى، راض بقضاء الله وقدره وسنته الماضية في خلقه، قد جرد قلبه من الهوى فاتقد الحق فيه وغشاه اليقين، ما كان له الخيرة يوما ولا التقدم بين يدي الله ورسوله، لأن القضية قضية كفر وإيمان، فسطاطان متمايزان لا يلتقيان، ولم تزده الوقائع إلا تجلدا وثباتا ويقينا بالوعد الصادق، لأن الله هو القاهر الملك الغلاب، إليه المفزع إن ادلهم الخطب وإليه المآب، حذر وأنذر، وبشر بالنصر من آمن به وهاجر في سبيله وجاهد وصبر، قال تبارك وتعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214] وقال {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 142] وقال: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [التوبة: 16].

وإن مما ينبغي أن يعلمه حملة لواء الإسلام من جنود الخلافة وأنصارها، عظيم المقام الذي هم فيه، وجزيل الأجر الذي ينتظر الصادقين الثابتين منهم، فهنيئا لمن أقامه الله في سوح الجهاد، يراغم أمم الكفر ويسعى باذلا كل ما يملك، محتسبا الأجر عند خالقه جل وعلا يرجو الثواب والنوال، مرخصا ذلك في سبيله ونصرة دينه وإقامة شرعه، وكان ممن جاهد في الله ليصل إليه ويتصل به، واحتمل في الطريق إليه ما احتمل، فلم ينكص ولم ييأس، وصبر على فتنة النفس وفتنة الناس، فحمل أعباءه وسار في ذلك الطريق الشاق المحفوف بالمكاره والآلام، فحاشا لله وكلا أن يتركه وحده، ولن يضيع إيمانه ولن ينسى جهاده، بل سينظر إليه من عليائه فيرضاه، وسينظر إلى جهاده إليه فيهديه، وسينظر إلى محاولته الوصول فيأخذ بيديه، وسينظر إلى صبره وإحسانه فيجازيه خير الجزاء، قال وقوله الحق: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69].

وإن الفضل الذي لا يضاهى، والخير الذي لا يتناهى في الجهاد وأجره أكثر من أن يحصر، وحسبنا أن نذكر طرفا من ذلك حثا على المسارعة والبدار وقطع المهامه وركوب الأخطار، فمن ذلك:
أن الجهاد في سبيل الله هو سبيل عز المسلمين ولا سبيل سواه وفي التنكب عنه بلاء الأمة وشقاؤها كما هو واقعها اليوم، قال صلى الله عليه وسلم: (إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا، لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم).

وبالجهاد في سبيل الله تنصر الملة وينشر الدين قال صلى الله عليه وسلم -: (بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم).

فهذا خير الجهاد المتعدي نفعه على الأمة بل على البشرية جمعاء، وأما ما اختص به أهله من الكرامة إن قتلوا وماتوا في سبيل الله، فدل على عظيم ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء إلا الشهيد يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة).

فالجهاد لا يعدله شيء من الأعمال، كما روى مسلم في صحيحه عن أبى هريرة رضي الله عنه قال قيل للنبي - صلى الله عليه وسلم - ما يعدل الجهاد في سبيل الله عز وجل قال: (لا تستطيعونه) قال فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثا كل ذلك يقول (لا تستطيعونه). وقال في الثالثة (مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله لا يفتر من صيام ولا صلاة حتى يرجع المجاهد في سبيل الله تعالى).

ورباط يوم فيه خير من الدنيا وما عليها، قال صلى الله عليه وسلم: (رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها).

وأما ما فضل الله به المجاهد من الدرجات العلى في الجنة ففيما رواه أبوسعيد الخدري رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يا أبا سعيد، من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا، وجبت له الجنة)، فعجب لها أبو سعيد، فقال: أعدها علي يا رسول الله، ففعل، ثم قال: (وأخرى يرفع بها العبد مائة درجة في الجنة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض)، قال: وما هي يا رسول الله؟ قال: (الجهاد في سبيل الله، الجهاد في سبيل الله).

وهو سبب لمغفرة الذنوب وخير من الاعتزال للتعبد كما روى الترمذي في سننه عن أبى هريرة رضي الله عنه قال مر رجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشعب فيه عيينة من ماء عذبة فأعجبته لطيبها فقال لو اعتزلت الناس فأقمت في هذا الشعب ولن أفعل حتى أستأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فذكر ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: (لا تفعل فإن مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في بيته سبعين عاما ألا تحبون أن يغفر الله لكم ويدخلكم الجنة اغزوا في سبيل الله من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة).
ومعنى (الفواق) مقدار ما بين الحلبتين.

وأما ثواب الشهيد وما يحظى به من الكرامة عند ربه، فأخبرنا به الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم حيث قال: (للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقاربه).
والشهداء يتفاضلون في المنازل كما قال صلى الله عليه وسلم: (أفضل الشهداء الذين يقاتلون في الصف الأول فلا يلفتون وجوههم حتى يقتلوا أولئك يتلبطون في الغرف العلى من الجنة يضحك إليهم ربك فإذا ضحك ربك إلى عبد في موطن فلا حساب عليه).
وأما مقدار ما يجد الشهيد من مس القتل، فقد بين ذلك الضحوك القتال صلى الله عليه وسلم بقوله: (ما يجد الشهيد من مس القتل إلا كما يجد أحدكم من مس القرصة).

ومن كرم المولى جل وعلا على عباده المجاهدين في سبيله ما حباهم به من تمام الأجور إن أخفقوا وأصيبوا، فعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من غازية أو سرية تغزو فتغنم وتسلم إلا كانوا قد تعجلوا ثلثي أجورهم وما من غازية أو سرية تخفق وتصاب إلا تم أجورهم).

وإن الصدق وإخلاص النية في الجهاد في سبيل الله شرط لبلوغ تلك الرتب والمنازل، روى النسائي في سننه عن شداد بن الهاد، أن رجلا من الأعراب جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فآمن به واتبعه، ثم قال: أهاجر معك، فأوصى به النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه، فلما كانت غزوة غنم النبي صلى الله عليه وسلم سبيا، فقسم وقسم له، فأعطى أصحابه ما قسم له، وكان يرعى ظهرهم، فلما جاء دفعوه إليه، فقال: ما هذا؟، قالوا: قسم قسمه لك النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذه فجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ما هذا؟ قال: (قسمته لك)، قال: ما على هذا اتبعتك، ولكني اتبعتك على أن أرمى إلى هاهنا، وأشار إلى حلقه بسهم، فأموت فأدخل الجنة فقال: (إن تصدق الله يصدقك)، فلبثوا قليلا ثم نهضوا في قتال العدو، فأتي به النبي صلى الله عليه وسلم يحمل قد أصابه سهم حيث أشار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أهو هو؟) قالوا: نعم، قال: (صدق الله فصدقه) ثم كفنه النبي صلى الله عليه وسلم في جبة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قدمه فصلى عليه، فكان فيما ظهر من صلاته: (اللهم هذا عبدك خرج مهاجرا في سبيلك فقتل شهيدا أنا شهيد على ذلك).

وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بفضل من قدم شيئا من ولده، وأن الاعتداد به أكثر، والنفع فيه أغزر وليس كما يظن ويعتقد كثير من الناس.

روى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما تعدون الرقوب فيكم؟» قال قلنا: الذي لا يولد له، قال: (ليس ذاك بالرقوب ولكنه الرجل الذي لم يقدم من ولده شيئا).

ومعنى الحديث: إنكم تعتقدون أن الرقوب المحزون، هو المصاب بموت أولاده وليس هو كذلك شرعا، بل هو من لم يمت أحد من أولاده في حياته، فيحتسبه ويكتب له ثواب مصيبته به، وثواب صبره عليه، ويكون له فرطا وسلفا في الآخرة، فأبشر أيها الأب وأبشري أيتها الأم، إن احتسبتما الأجر من الله بفقد بنيكما، فكم رأينا من الآباء والأمهات من حرض بنيه وجهزهم بماله، ثم رمى بهم في نحر العدو، صابرا محتسبا لينالوا شرف القتل في سبيل الله ومنزلة الشهادة، وقد غدى هذا الفعل واقع حال في مسيرة جهاد دولة الخلافة ولله الحمد والمنة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فبعد أن كان النفير إلى الجهاد ضيقا حرجا، تقوم به طائفة من أبناء المسلمين، يندر أن لا تجد في دولة الإسلام أهل بيت إلا وقدم من التضحية و الفدائية لهذا الدين، ما يعجز البيان عن وصفه وذكره كثرة وعددا، وقد أمسوا ما بين قتيل وأسير ومهجر طريد، شيبا وشبانا نساء وأطفالا، بل وقد قتلت عوائل بأكملها أبت أن تخرج من دار الإسلام، وآثرت القتل على أن تترك دار الإسلام وترجع إلى دار الكفر تحت مظلة الطاغوت وحكمه متأسية بأصحاب الأخدود، تلك الأمة الموحدة المؤمنة التي أعلى الله شأنها وأثنى عليها في كتابه بآيات تتلى إلى يوم القيامة، وسماه الفوز الكبير قال جل وعلا: {قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ *إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ} [البروج: 4 - 11]، فتلك الموصل والرقة وسرت وغيرها من ولايات دولة الخلافة، ألوية فخر تشحذ بها الهمم وتحض جيل الخلافة الصاعد على بذل المزيد والسعي الحثيث لتحقيق الغاية السامية من جهاده، الذي ابتدأه القادة الربانيون تقبلهم الله وأعلى نزلهم في عليين لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى ويكون الدين كله لله:

ففي القتلى لأجيال حـياة
وفي الأسرى فدى لهم وعتق فلؤلائك المضحين الباذلين من أبناء الخلافة حق وواجب في عنق كل مسلم لن ينساه أولوا السعة والفضل.

وإن ملاحظة حسن الجزاء، مما أعده الله لعباده من النعيم المقيم في الآخرة هو مما يعين على مصابرة الأعداء والمداومة على الصبر حتى يصبح إلفا وصاحبا وخلا مؤانسا، مهما طالت الطريق وكثرت العقبات واشتدت المحن، قال ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين: "وعلى حسب ملاحظة حسن الجزاء والوثوق به ومطالعته يخفف حمل البلاء، لشهود العوض، لما يلاحظه من لذة عاقبتها وظفره بها، ولولا ذلك لتعطلت مصالح الدنيا والآخرة، وما أقدم أحد على تحمل مشقة عاجلة إلا لثمرة مؤجلة، فالنفس مولعة بحب العاجل، وإنما خاصة العقل: تلمح العواقب، ومطالعة الغايات، وأجمع عقلاء كل أمة على أن النعيم لا يدرك بالنعيم، وأن من رافق الراحة فارق الراحة، وحصل على المشقة وقت الراحة في دار الراحة، فإن قدر التعب تكون الراحة" انتهى كلامه.

فيا إخوة التوحيد وبناة المجد وحراس الخلافة، بارك الله جهادكم ومسعاكم، لقد أثلجتم الصدور وأغظتم كل كفور، وأنس ببذلكم كل مؤمن شكور، يعرف لأهل الفضل قدرهم، ويكبر صنيعهم ويرقب طلائعهم ويسعى للحاق بهم، فواصلوا المسير مقتفين أثر السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار رضوان الله عليهم أجمعين، وليكن حادي المرء منكم:

فيارب إن حانت وفاتي فلا تكن
على شرجع يعلى بدكن المطارف
ولكن أحن يومي شهيدا وعقبة
يصابون في فج من الأرض خائف
عصائب من شتى يؤلف بينهم
هدى الله نزالون عـنـد المواقف
إذا فارقوا دنياهم فارقوا الأذى
وصاروا إلى موعود ما في المصاحف
فأقتل قصعا ثم يرمى بأعظمي
كضغث الخلى بين الرياح العواصف
ويصبح قبري بطن نسر مقيله
بجو السماء في نسور عوائف

يا أهل الإسلام... لم يعد خافيا نقع الملاحم وقرعها في ولايات دولة الإسلام، ومازال أبناء الخلافة بفضل الله ومنه، يثبتون أنهم الكدية والصخرة الصماء، التي ستنكسر عليها أحلاف الكفر بحول الله وقوته، وستنكفئ خاسئة خانسة عن بلاد المسلمين تجر أذيال العار والشنار، مفضوحة مهلهلة يلعن بعضها بعضا، فها هي أمريكا عدوة الإسلام وأهله، بعد أن دكت ديار أهل السنة وأبادتهم بدم بارد، وأسلمت البلاد لشر من وطئ الحصى من رافضة العراق وملاحدة الشام، تعلن نصرا مزورا لا يمت للواقع بصلة، وهي تعلم علم يقين طبيعة المعركة وأبعادها مع أبناء دولة الإسلام، فما كان من رؤوس أحزابها المخالفين لسياسات أحمقها المطاع، أن يلزموا الصمت أو يغضوا الطرف عن حقيقة ما يجري على الأرض ومعطيات الساحة وتقلباتها، حتى غدى ساسة الصليب وبيت السفال المسمى بالأبيض، يعيشون تخبطا وتناقضا، أعجز المتابع أن يفهم المراد بكلمة النصر الذي يتحدثون عنه، ولكنه الهذيان والطيش الذي استمرأته نفوس وألسنة أئمة الكفر وجبلوا عليه، من لدن قوم نوح وعاد وثمود وفرعون وأبي لهب، فعجبا لمنتصر يعز عليه إعلان زيارة رسمية لبلد يزعم إحلال الأمن والاستقرار فيه، وما كان بوسعه أن يأتيه إلا خلسة كاللص الرعديد يخشى الفوات، وفر معتجل الخطى يحذر الدوائر، نادبا حال قومه متحسرا، أن كيف نخسر سبعة تريلون دولار على بلد لا نستطيع المجيء إليه إلا سرا، لقد رضيت ربة الوثنية المعاصرة أمريكا بأدنى من النصر الذي حدثت الناس عنه، فهذا اجتماع قاعدة "أندروز"، والذي ضم أكثر من ثمانين دولة، كان من مخرجاته ما نصه "أن الأمر لا يتعلق بالفوز بالحرب لكن الفوز بالسلام"
وأعقب ذلك الاجتماع، استقالة مبعوث أمريكا وممثلها الرئاسي في التحالف الصليبي لحرب الخلافة، الصفيع القذر الحقود على أهل السنة المسمى "ماكغورك" اعتراضا منه على دعوى الانتصار على الخلافة، ونية الانسحاب من الشام، فالدولة الإسلامية لازالت تشكل تهديدا حقيقيا كما يقول، وخطرا على المنطقة، فما كان من سيده إلا أن يسفه أحلامه شامتا به وأنه لا يعرفه من قبل، وما هو إلا من بقايا سياسات أوباما الفاشلة، فلا حاجة لترهاته وما يقول، متهما إياه بحب الظهور وأن تسلط عليه الأضواء قبل رحيله، وما لبثنا حتى أطل كلب الروم ثانية بإقرار جرئ يثبت خلاف ما يدعيه من الانتصار، أن ليس للدول العظمى خوض حروب لا نهاية لها، مقرا بالعجز والفشل في كسر إرادة وعزيمة جنود الخلافة، وأصبح يلقي باللائمة على حلفائه، لعدم التزامهم إرسال ما يكفي من الدعم والجنود، لتثبيت أركان حكومة المليشيات الإيرانية الرافضية في العراق، خوفا من الظهور المفاجئ للدولة واستعادتها المناطق التي انحازت منها، وهم يرقبون ذلك ويبوحون به ولا يكتمونه، بل ويعتقدون إن حدث الانسحاب وإن لم يحدث، فستستعيد الدولة الإسلامية المناطق في أقل من عام كما صرحت بذلك وزارة دفاعهم، بل وأكد ذلك قائد قواتهم في الشرق الأوسط العلج المسمى "فوتيل" أن انتهاء المعركة ضد الدولة الإسلامية لا يزال بعيدا، وأضاف خلال كلمة له أمام الكونغرس (أن جنود الدولة الإسلامية لم يستسلموا بعد ومازالوا مستعدين للعودة للقتال)، وأعقب ذلك ما أدلى به مستشار أمنها القومي "بولتون" في لقاء أجرته معه إحدى الشبكات الإخبارية قبل أيام مضت مستفهمة عن زعم سيده النصر مئة بالمئة وما صرح به العلج "فوتيل" قائد قواتها، فأتى هذا البغاث الأحمق بثالثة الأثافي وزاد وضوح سيده غموضا قائلا: (بأن تهديد الدولة الإسلامية سيظل قائما، وأن جنود الدولة مازالوا متناثرين في سوريا والعراق، وأن الدولة الإسلامية تتنامى في أنحاء أخرى من العالم) انتهى، وما سبب هذا الخوف والوجل، إلا لقناعتهم التامة أن دولة الخلافة، قد أصبحت واقعا ليس بالإمكان تجاهله أو التغاضي عن خطره، فليست فصيلا أو تنظيما أو حزبا يرضى بأن يقتات على فتات الداعمين، أو يطرق أبواب الصليبيين تسولا وطمعا برضاهم عنه وطمسه من قائمة التطرف والإرهاب كما يسمونها، بل غدت الدولة بفضل الله وتسديده، أمل أمة وصرح عز سما في قلب الأمة، سالكة طريقا قيما لا عوج فيه ولن تأخذها في الله لومة لائم، فهذا جيشها تجوب سرايا كتائبه في بلاد الرافدين والشام وخراسان وغرب إفريقية وغيرها من الولايات، يرقب ساعة الحسم ولن يهزم اثنا عشر ألفا من قلة بإذن الله، فموتوا بغيظكم أيها الصليبيون والمرتدون موتوا بغيظكم، وسحقا لك أمريكا ولحلف الشياطين معك من طواغيت العرب والعجم، أو تظنون بطغيانكم وإهلاككم الحرث والنسل، وإبادتكم لأهل السنة ستفرضون أمرا واقعا وعهدا صارما، أو تحسبون أن مشاهد النزوح للضعفة والمساكين، الخارجين من حصار الموت في الباغوز في الشام، وصور النساء والولدان والشيوخ ستفت في عضد أبناء الخلافة وجيشها وأنصارها، كلا والله فما هذا الزمان لكم بزمان ولا أمان، وإنما بحور الدماء وتناثر الأشلاء يا طواغيت الشرق والغرب، فإن الوهم الذي كبل أبناء الإسلام طوال قرون مضت، قد انزاح وتهشم تحت إرادة وعزيمة أبطال الأمة الأفذاذ وقادتها النبلاء، يوم أن ضحوا بأنفسهم فداء للدين ولإعلاء صرح الخلافة وعز المسلمين، لقد انتصرت الدولة نعم لقد انتصرت الخلافة يوم أن ثبت جنودها وأبناؤها ولا زالوا كالجبال الراسيات يجهرون بإيمانهم وعقيدتهم الشماء غير آبهين بعدوهم حتى وهم بين يديه مكبلين وما استطاعت آلة القتل والدمار التي تملكين أمريكا أن تسلب ما في قلوبهم من إيمان ويقين، فعجبا لك عجبا لك، أما سئمت وأنت تحاولين عبثا أن تقضي على المجاهدين ودولتهم، أما استوقفك لهيب العصف في منبج وجنوب الحسكة بل وثنى الأشاوس بضربة في منبج ثانية، لقد بت تهوين في دركات الفشل والانهيار وتجعجعين بالنصر دون اعتبار، ، كفاك فقد كان المجاهدون بضع مئين قبل فتح الموصل، وهم اليوم ألوف في إثرها ألوف ، لهم النصر حتما إن صبروا واتقوا، رغم أن المجاهدين لا يعولون على عدة ولا عدد فإنما يستمدون من الله العون والمدد، فانزلي حيث أرادوا واغربي عن بلاد المسلمين، وما أموال الدعم التي بت تتسولينها بين فينة وأخرى، من حكومات الردة في جزيرة محمد صلى الله عليه وسلم بمنقذة للموقف، وحائلة دون انتصار من كان الله مولاه وسنده ورجاه، فالله مولانا ولا مولى لكم.
أيها الناس... لقد أبصر الجميع حادثة مذبحة المسجدين في نيوزلندا الصليبية، ولنا معها وقفة، إذ إن المرء ليعجب وهو يبصر السفاحين القتلة المجرمين من قادة الكفر وحكومات الردة وهم يذرفون دموع التماسيح على ضحايا المسجدين، ويشبه الخونة أمناء الهيئات والمنظمات البئيسة الطاغوتية المستسلمة لعدوها، قتل أولئك المصلين بما يقوم به أبناء الدولة الإسلامية من جهاد شرعي لإقامة الدين ورد عادية الصفويين والصليبيين والمرتدين ونفيهم عن بلاد المسلمين، وكأن أحلاف الكفر في العراق والشام وخراسان وغيرها من ولايات دولة الإسلام تسعى جاهدة في حاجة الناس وتعليمهم أمر دينهم وسد فاقتهم وتلقي على رؤوسهم الورود والرياحين بل وكأنهم لم يعلنوا يوما أن المساجد لم يعد لها عندهم حرمة ولم نسمع من هؤلاء الأمناء المرتدين شجبا أو ندبا لمجازر أسيادهم وعلى العكس تماما فهم المبادرون والدالون على عورات المسلمين والساعون بجد وتفان في ذلك، فها هي الباغوز اليوم في الشام لا يزال المسلمون يموتون فيها حرقا يطالهم القصف بما يعرف ومالا يعرف من أسلحة الدمار الشامل، ولا عجب فإن ما أخبرنا به ربنا في كتابه عن حقد أهل الكفر وحنقهم على أهل الإسلام كاف وشاف لمن أراد الحق وطلب الهداية، وما فعلوه بأهل الإسلام طوال عقود وقرون مضت كفيل بأن يميز به المسلم حقيقتهم، فلا تنطلي عليه أكاذيبهم، وما هذه المذبحة في المسجدين إلا نكبة من نكبات سالفة ومقبلة سيعقبها مشاهد بؤس تطال كل من اغتر بالعيش بين ظهراني المشركين وما يدعونه ويزعمون في ملتهم من الحقوق والحرية الفاجرة، وإن مشهد القتل في المسجدين لحري به أن يوقظ الغافلين ويحض أنصار الخلافة القاطنين هناك للثأر والانتقام لدينهم ولأبناء أمتهم الذين يذبحون في كل مكان من الأرض تحت رعاية ومباركة دول الصليب وحكومات الردة والعمالة.

وإنا نبشر أهل الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، أن الخلافة بفضل الله تعالى، لم تزدها شدة الحملة الصليبية إلا قوة وصلابة على تحمل المشاق وكثرة الأعباء، وترقيا في درجات الريادة والقيادة للأمة بإذن الله، فلم يشهد المسلمون ومنذ زوال سلطان دولتهم، جراء نير الحملات الصليبية المتتابعة، أن خاض أبناؤهم المجاهدون حربا مفتوحة متعددة الجبهات وفي شتى البقاع، تحت قيادة وراية واحدة، تستنزف أمم الصليب وأذنابهم من الحكومات العميلة المرتدة، فكلما ظن الصليبيون بسط نفوذهم وسلبهم دارا للمسلمين، ظهر الفاتحون في صقع آخر، في حرب أراد لها بناة الخلافة وقادتها بعد توفيق الله لهم، أن تتسم بمطاولة العدو ومراغمته في كل مكان وشبر من الأرض، واستنزاف طاقاته و مقدراته، وهذا ما يوجب على أبناء الخلافة العمل الدؤوب، وبذل كل ما يستطيعون، حتى يأذن الله بالفتح أو أمر من عنده سبحانه، فكونوا يا أهل الإسلام في صفهم وخندقهم، ولا تكونوا في خندق اليهود والصليبيين والمرتدين ومن لف لفهم، وكونوا من المؤمنين حقا الذين وصفهم الله في كتابه وأثنى عليهم بل وأشركهم في الأجر والمثوبة، لإيوائهم ونصرتهم لمن هاجر وجاهد في سبيله كما قال سبحانه: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال: 74]، وإن مما ينبغي الإشارة إليه والتحذير منه، هو ما تقوم به أبواق الزندقة والكفر من أحفاد ابن سبأ ومسيلمة الكذاب، التابعة لطواغيت المنطقة وحكوماتها المرتدة، من سعيها الحثيث في طمس الحقيقة وأن الخلافة قد قضي عليها وأصبحت سلفا ومثلا، ولا يعدو الأمر، أن انحازت الدولة من المدن والبلدات في بعض ولاياتها بينما فتح الله عليها في ولايات أخرى في معارك كر وفر غير متكافئة، أجلب فيها العدو بكل ما يملك، متبعا سياسة الإبادة والأرض المحروقة، وهذا مالا يظهره إعلام الزندقة والفجور، لأن الضحية مسلم لا يرضى بغير دين الله شرعة ومنهاجا، وأبى أن يرضخ لأمم الكفر بهيئاتها وقوانينها المفروضة على بني البشر.

فيا عشائر وأبناء أهل السنة في الشام وشرق الفرات خاصة، لقد حذرت الدولة الإسلامية وأنذرت منذ وقت ليس باليسير، من مغبة الانخراط في صفوف الملاحدة الأكراد، وبينت ما عليه هذه الطائفة المرتدة من إلحاد في الدين وإنكار لربوبية الله وألوهيته، واشتراكية وإباحية في الأموال والأعراض، مع دعوتها الجاهلية النتنة للقومية الكردية كأساس لإقامة دولتها المزعومة، فهذه المبادئ الثلاثة هي ما تقوم عليه هذه الطائفة اللعينة، وهو الإلحاد والكفر المحض بعينه وليس بعد ذلك مزيد بيان، وعليه فإنا نكرر ونذكر عشائر أهل السنة شرق الفرات، الذين مازال أبناؤهم في صفوف هؤلاء الملاحدة المجرمين، ولم يتعظوا بعد بمرأى من قتل منهم على يد جنود الخلافة، بأن يمنعوا أبناءهم ويحضوهم على التوبة قبل القدرة عليهم وأن يتبرؤوا ممن لم يتب بعد منهم فمالكم ولحرب المجاهدين وقد نعمتم بشرع الله وحكمه لسنين.
وأما أنتم يا ملاحدة الشام من الأكراد، لقد خضتم حربا لستم والله لها بأهل، وما بمقدوركم تحمل تبعاتها، فعاودوا النظر وانجوا بأنفسكم إن استطعتم، فتلك العراق لم تغن عنه أمريكا بطائراتها التي تعبدون شيئا، وإن معركتنا معكم لم يحم وطيسها بعد، وقد عاينتم شيئا من صولات جنود الخلافة وضرباتهم في مناطقكم، فكم من رأس عشيرة مرتد قطفوه ومسؤول مركز أمن كتموا أنفاسه وجندلوه وتجمع عار نسفوه وضبع مستلئم لئيم على حاجز ذبحوه فارقبوها فوق ذلك حربا شاملة لا تبقي ولا تذر.

فيا آساد الخلافة ورجالات الدولة في الرقة والبركة والخير، ثبوا وثبة الأسد الجياع، واثأروا لدماء إخوانكم وأخواتكم، وأعلنوها غزوة للثأر، تستأصل شأفة أهل الكفر والإلحاد في الشام، واجعلوها أياما زرقاوية فداوية تبيد أرتال الصليبيين والمرتدين فأحكموا العبوات وانشروا القناصات وأغيروا عليهم عصفا ونسفا بالمفخخات، فلا خير في عيش تستذل فيه الأعراض وتنتهك الحرم، ويجثم على صدر أبناء السنة الأغيار حثالة من الملحدين، أسلم لهم عابد الصليب بلادا حكمت بشرع الله، بعد أن دمرها وقتل وشرد أهلها، فأفهموا أحذية الصليبين وخدامهم، أن دماءهم لن تكون دماء، ودماء المجاهدين الموحدين وأهليهم هباء.

و يا عشائر أهل السنة في العراق، أما آن لكم أن تعوا المكر الكبار الذي يراد بكم، وماذا جنى الخونة المرتدون من الساسة العملاء طوال عقد من الزمان، سوى النفي والملاحقة بمذكرات الاعتقال وتهم الإرهاب والفساد، فلم يسلم لهم دين ولا دنيا، ولم تشفع لهم ردتهم عند أسيادهم شيئا، لقد أبيتم أن تسلكوا طريق الرشاد، وتدركوا حنق الرافضة وحقدهم، الذين ما انفكوا يهينونكم ويذيقونكم من الذل ألوانا، وإن ما تخشونه من عاقبة التفافكم وبذلكم وتضحيتكم لنصرة هذا الدين وعدم القبول بغير شرع الله وحكمه، ما هو إلا قطرة في بحر ما ستدفعونه من ضريبة الدماء والأعراض والأملاك، إن وهنتم لما أصابكم واستكنتم وخضعتم وخنعتم ورضيتم بالذلة وخفتم خوض المعركة، فها هي الموصل وغيرها من المناطق والبلدات التي باتت رهن تسلط المليشيات الصفوية الرافضية، يعبث بمقدراتها، وتسلب خيراتها ويساق أبناؤها إلى مشانق الموت بتهم ملفقة ودعاوى كاذبة، وها هي مخيمات النزوح في العراء، ملئا بنساء وأبناء أهل السنة، يلاقون فيها العناء بحجة الانتساب للدولة أو صلة القرابة بجنودها، وأن هؤلاء الأطفال يشكلون تهديدا وخطرا بحملهم الثأر والانتقام، وما هذا إلا إمعان في القهر والإذلال لأهل السنة، فالقضية ليست معلقة بمن انتسب، ولكن بمن لحب الصحابة وخير القرون نسب، فقولوا بربكم، كيف سيؤول الحال إن عامل المجاهدون هؤلاء المعتدين بالمثل جزاء وفاقا.

فحدث فقد يهتدى بالحديث
وخبر فقد يؤتسى بالخبر

يا أهل السنة في العراق، إن الدولة الإسلامية ما هي إلا سفينة نجاتكم وقلعتكم الحصينة في وجه المد الصفوي الإيراني، فبادروا بالتوبة قبل أن تبادروا، والسعيد من وعظ بغيره، وإن الدولة عائدة بإذن الله إلى المناطق التي انحازت منها طال الزمان أو قصر، وأنتم اليوم ترون جنود الخلافة، كيف تحفهم رعاية المولى لهم، رغم أسراب الحشود والطائرات، فلا زالوا ظاهرين على عدوهم، يحكمون له الكمائن ويغيرون على أوباشه ويفتكون بتجمعاته، وقد قطعوا على أنفسهم عهدا وموثقا أن يعيدوها خضراء جذعة، ولتعلم الرافضة أن دار الخلافة بغداد، لن تكون طهران أو قم ثانية، وأن بيننا وبينهم وقائع تشيب لهولها الولدان.
فيا جنود الخلافة في العراق والشام وخرسان واليمن، وشرق آسيا وغرب إفريقية وليبيا وسيناء والصومال وكل مكان، خذو للحرب أهبتها وشمروا عن ساعد الجد لها، وانتهزوا الفرصة والتمسوا الغرة، وسيروا الطلائع والكتائب وبثوا العيون، وتحفظوا من البيات، وأطيلوا أمد المعركة فما لعدوكم بذلك من طاقة، ولا يهولنكم ضجيج أحلاف الكفر ودعواها القضاء على الخلافة بحسر نفوذها، فقد أبقى الله لها باجتماعكم واعتصامكم بحبله المتين، ما يسوؤها وينكد عيشها أضعاف أضعاف ما رأته وسمعت به، فما هذا إلا أول المطاف وأولى درجات النهوض، وإيذانا بالفتح الأعظم إن شاء الله تحقيقا لا تعليقا، فما وضعت الحرب أوزارها، وإنا أمة لا نموت إلا قتلا، وما أنتم إلا بناة تسعون وتجدون في الطلب، فإن كان وإلا فما من الموت بد، فلا تقوم الدعوات على من يعتنقونها لأنها غالبة ومن يعتنقونها ليقودوا بها الأتباع ومن يعتنقونها ليحققوا بها الأطماع، وليتجروا بها في سوق الدعوات تشترى منهم وتباع! إنما تقوم بالقلوب الحية التي تتجه إلى الله خالصة له من كل شائبة، لا تبغي جاها ولا متاعا ولا انتفاعا، إنما تبتغي وجهه وترجو رضاه، فليخش كل امرئ منكم على نفسه، وليسأل المولى الثبات على دينه وحسن الختام، فهذا طريق مكلل بالمشاق وطول الغربة ومفارقة الأهل والأصحاب، فوطنوا النفوس على احتمال الأذى من أسر وكسر وبتر واستعيذوا بالله من ذلك، ويوصيكم أمير المؤمنين أبو بكر الحسيني القرشي البغدادي حفظه الله، بتقوى الله في السر والعلن، وأن يكون لسان أحدكم رطبا بذكر الله قريبا من خالقه ومولاه، كما ويوصيكم أن تتركوا أمرا لطالما دعيتم لتجنبه والحذر منه، وهو ذو دور محوري في المعركة، ألا وهو أجهزة الاتصال، فقد تعدى ضررها وعمت البلوى من ورائها، فلا يجعلن أحدكم من نفسه وإخوانه غرضا لعدوه وهدفا رخوا، فلا ضير من أن ينجز العمل من دونه في أسبوع إن كان ينجز به في يومين، فنوم المجاهد ونبهه ولهوه بأسهمه وفي شأنه كله، عبادة يجري عليه أجرها، وهو في رباط إن صدق النية وأحسن العمل، فجدوا في أخذ الحيطة والحذر، واحتسبوا الأجر في السمع والطاعة لأمرائكم وإغاظة أعداء الله ومراغمتهم، فالله الله في دينكم وإخوانكم فلا يؤتين الإسلام من أحدكم.

وأما أنتم أيها الأسرى من الرجال والنساء والولدان في كل مكان اثبتوا على الحق، واعلموا أن أمر المؤمن كله له خير، وما ذاك إلا للمؤمن، وأن الله إذا أحب عبدا ابتلاه، فيصيبه من البلاء ما يمحو به الخطايا ويرفع الدرجات، مما قد لا يدركه المرء بسعيه ورجاه، وحسبكم أنه طريق مطروق وسنة جارية، فتلك سمية رضي الله عنها أول شهيدة في الإسلام، تحبس فتعذب فتقتل، وذلك خبيب يقتل صبرا، فما رد النكال الذي لحق بهما أحدا منهما عن دينه، ولكم إن شاء الله على إخوانكم حق سيقضى وعهد سيوفى، بأن تشفى صدوركم وتأنس قلوبكم بمرأى جزاريكم من محققين وقضاة وقد جزت رقابهم وكتمت أنفاسهم، فطيبوا نفسا واعمروا أوقاتكم بالذكر وتلاوة القرآن فهما وتدبرا وحفظا والدعاء الدعاء لإخوانكم بالفتح والتمكين، فلن يدخروا جهدا بإذن الله لاستنقاذكم فلا يقصرن أحدكم في سيره ومبتغاه، والله معكم ولن يتركم أعمالكم، فلا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين.

{رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23]
{رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 147]
{رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 286]
{وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِہِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف: 21].



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 174
الخميس 14 رجب 1440 هـ
...المزيد

مؤسسة الفرقان - تفريغ كلمة صوتية بعنوان: [ صدق الله فصدقه ] كلمة صوتية للمتحدث الرسمي للدولة ...

مؤسسة الفرقان - تفريغ كلمة صوتية بعنوان:

[ صدق الله فصدقه ]
كلمة صوتية للمتحدث الرسمي للدولة الإسلامية الشيخ المجاهد أبي الحسن المهاجر -تقبله الله-
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله...أما بعد:
فإنه لما كان الجهاد قبة الإسلام وذروة سنامه، وهو في زماننا من آكد فروض الأعيان بعد توحيد ربنا الكبير المتعال، صار لزاما على حملة لوائه، التزود بما يكون لهم عونا على مكابدة لأوائه وتحمل بلائه، فما للعبد أمضى من الصبر واليقين والتقوى، وما بيده شيء من الحيل أنفذ منهن وأبقى، قال ربنا تبارك وتعالى {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [آل عمران: 120].
وقد جعل الله الصبر جوادا لا يكبو، وصارما لا ينبو، وجندا لا يهزم، وحصنا حصينا لا يهدم ولا يثلم، فهو والنصر أخوان شقيقان، فالنصر مع الصبر، والفرج مع الكرب، وهو أنصر لصاحبه من الرجال بلا عدة ولا عدد، ومحله من الظفر كمحل الرأس من الجسد ، وهو من المهمات، وأعظم الواجبات، لتحمل المتاعب، والمشاق، وإن كان واجبا بأنواعه على كل مسلم، فإنه على أهل الجهاد من باب أولى وأولى؛ ولهذا أمر الله به إمام المجاهدين وقدوتهم صلى الله عليه وسلم فقال: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل: 127، 128] وبالصبر يتم اليقين بالوعد، وقد جمع الله بينهما في قوله: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ} [الروم: 60].
وربنا سبحانه مالك الضر والنفع، وهو المتصرف في خلقه بما يشاء، لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، وهو الذي خضعت له الرقاب، وذلت له الجبابرة، وعنت له الوجوه، وقهر كل شيء، ودانت له الخلائق، وتواضعت لعظمة جلاله وكبريائه وعلوه وقدرته، واستكانت وتضاءلت بين يديه، وتحت قهره وحكمه، وهو الحكيم في جميع أفعاله، الخبير بمواضع الأشياء ومحالها، فلا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، قال جل شأنه وتقدست أسماؤه: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 17، 18].
فمهما حشدت أمم الكفر وألبت، ومكرت وخططت، وهددت وهدمت، فلن يضروا عباد الله الموحدين المجاهدين شيئا، لأن من استعلى بإيمانه؛ لا يقعده أذى أهل الدنيا عن جهاده لعدوه وإن بلغ أذاه المنتهى، راض بقضاء الله وقدره وسنته الماضية في خلقه، قد جرد قلبه من الهوى فاتقد الحق فيه وغشاه اليقين، ما كان له الخيرة يوما ولا التقدم بين يدي الله ورسوله، لأن القضية قضية كفر وإيمان، فسطاطان متمايزان لا يلتقيان، ولم تزده الوقائع إلا تجلدا وثباتا ويقينا بالوعد الصادق، لأن الله هو القاهر الملك الغلاب، إليه المفزع إن ادلهم الخطب وإليه المآب، حذر وأنذر، وبشر بالنصر من آمن به وهاجر في سبيله وجاهد وصبر، قال تبارك وتعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214] وقال {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 142] وقال: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [التوبة: 16].

وإن مما ينبغي أن يعلمه حملة لواء الإسلام من جنود الخلافة وأنصارها، عظيم المقام الذي هم فيه، وجزيل الأجر الذي ينتظر الصادقين الثابتين منهم، فهنيئا لمن أقامه الله في سوح الجهاد، يراغم أمم الكفر ويسعى باذلا كل ما يملك، محتسبا الأجر عند خالقه جل وعلا يرجو الثواب والنوال، مرخصا ذلك في سبيله ونصرة دينه وإقامة شرعه، وكان ممن جاهد في الله ليصل إليه ويتصل به، واحتمل في الطريق إليه ما احتمل، فلم ينكص ولم ييأس، وصبر على فتنة النفس وفتنة الناس، فحمل أعباءه وسار في ذلك الطريق الشاق المحفوف بالمكاره والآلام، فحاشا لله وكلا أن يتركه وحده، ولن يضيع إيمانه ولن ينسى جهاده، بل سينظر إليه من عليائه فيرضاه، وسينظر إلى جهاده إليه فيهديه، وسينظر إلى محاولته الوصول فيأخذ بيديه، وسينظر إلى صبره وإحسانه فيجازيه خير الجزاء، قال وقوله الحق: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69].
وإن الفضل الذي لا يضاهى، والخير الذي لا يتناهى في الجهاد وأجره أكثر من أن يحصر، وحسبنا أن نذكر طرفا من ذلك حثا على المسارعة والبدار وقطع المهامه وركوب الأخطار، فمن ذلك:
أن الجهاد في سبيل الله هو سبيل عز المسلمين ولا سبيل سواه وفي التنكب عنه بلاء الأمة وشقاؤها كما هو واقعها اليوم، قال صلى الله عليه وسلم: (إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا، لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم).
وبالجهاد في سبيل الله تنصر الملة وينشر الدين قال صلى الله عليه وسلم -: (بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم).
فهذا خير الجهاد المتعدي نفعه على الأمة بل على البشرية جمعاء، وأما ما اختص به أهله من الكرامة إن قتلوا وماتوا في سبيل الله، فدل على عظيم ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء إلا الشهيد يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة).
فالجهاد لا يعدله شيء من الأعمال، كما روى مسلم في صحيحه عن أبى هريرة رضي الله عنه قال قيل للنبي - صلى الله عليه وسلم - ما يعدل الجهاد في سبيل الله عز وجل قال: (لا تستطيعونه) قال فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثا كل ذلك يقول (لا تستطيعونه). وقال في الثالثة (مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله لا يفتر من صيام ولا صلاة حتى يرجع المجاهد في سبيل الله تعالى).
ورباط يوم فيه خير من الدنيا وما عليها، قال صلى الله عليه وسلم: (رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها).
وأما ما فضل الله به المجاهد من الدرجات العلى في الجنة ففيما رواه أبوسعيد الخدري رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يا أبا سعيد، من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا، وجبت له الجنة)، فعجب لها أبو سعيد، فقال: أعدها علي يا رسول الله، ففعل، ثم قال: (وأخرى يرفع بها العبد مائة درجة في الجنة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض)، قال: وما هي يا رسول الله؟ قال: (الجهاد في سبيل الله، الجهاد في سبيل الله).
وهو سبب لمغفرة الذنوب وخير من الاعتزال للتعبد كما روى الترمذي في سننه عن أبى هريرة رضي الله عنه قال مر رجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشعب فيه عيينة من ماء عذبة فأعجبته لطيبها فقال لو اعتزلت الناس فأقمت في هذا الشعب ولن أفعل حتى أستأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فذكر ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: (لا تفعل فإن مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في بيته سبعين عاما ألا تحبون أن يغفر الله لكم ويدخلكم الجنة اغزوا في سبيل الله من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة).
ومعنى (الفواق) مقدار ما بين الحلبتين.
وأما ثواب الشهيد وما يحظى به من الكرامة عند ربه، فأخبرنا به الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم حيث قال: (للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقاربه).
والشهداء يتفاضلون في المنازل كما قال صلى الله عليه وسلم: (أفضل الشهداء الذين يقاتلون في الصف الأول فلا يلفتون وجوههم حتى يقتلوا أولئك يتلبطون في الغرف العلى من الجنة يضحك إليهم ربك فإذا ضحك ربك إلى عبد في موطن فلا حساب عليه).
وأما مقدار ما يجد الشهيد من مس القتل، فقد بين ذلك الضحوك القتال صلى الله عليه وسلم بقوله: (ما يجد الشهيد من مس القتل إلا كما يجد أحدكم من مس القرصة).

ومن كرم المولى جل وعلا على عباده المجاهدين في سبيله ما حباهم به من تمام الأجور إن أخفقوا وأصيبوا، فعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من غازية أو سرية تغزو فتغنم وتسلم إلا كانوا قد تعجلوا ثلثي أجورهم وما من غازية أو سرية تخفق وتصاب إلا تم أجورهم).

وإن الصدق وإخلاص النية في الجهاد في سبيل الله شرط لبلوغ تلك الرتب والمنازل، روى النسائي في سننه عن شداد بن الهاد، أن رجلا من الأعراب جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فآمن به واتبعه، ثم قال: أهاجر معك، فأوصى به النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه، فلما كانت غزوة غنم النبي صلى الله عليه وسلم سبيا، فقسم وقسم له، فأعطى أصحابه ما قسم له، وكان يرعى ظهرهم، فلما جاء دفعوه إليه، فقال: ما هذا؟، قالوا: قسم قسمه لك النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذه فجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ما هذا؟ قال: (قسمته لك)، قال: ما على هذا اتبعتك، ولكني اتبعتك على أن أرمى إلى هاهنا، وأشار إلى حلقه بسهم، فأموت فأدخل الجنة فقال: (إن تصدق الله يصدقك)، فلبثوا قليلا ثم نهضوا في قتال العدو، فأتي به النبي صلى الله عليه وسلم يحمل قد أصابه سهم حيث أشار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أهو هو؟) قالوا: نعم، قال: (صدق الله فصدقه) ثم كفنه النبي صلى الله عليه وسلم في جبة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قدمه فصلى عليه، فكان فيما ظهر من صلاته: (اللهم هذا عبدك خرج مهاجرا في سبيلك فقتل شهيدا أنا شهيد على ذلك).

وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بفضل من قدم شيئا من ولده، وأن الاعتداد به أكثر، والنفع فيه أغزر وليس كما يظن ويعتقد كثير من الناس.
روى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما تعدون الرقوب فيكم؟» قال قلنا: الذي لا يولد له، قال: (ليس ذاك بالرقوب ولكنه الرجل الذي لم يقدم من ولده شيئا).
ومعنى الحديث: إنكم تعتقدون أن الرقوب المحزون، هو المصاب بموت أولاده وليس هو كذلك شرعا، بل هو من لم يمت أحد من أولاده في حياته، فيحتسبه ويكتب له ثواب مصيبته به، وثواب صبره عليه، ويكون له فرطا وسلفا في الآخرة، فأبشر أيها الأب وأبشري أيتها الأم، إن احتسبتما الأجر من الله بفقد بنيكما، فكم رأينا من الآباء والأمهات من حرض بنيه وجهزهم بماله، ثم رمى بهم في نحر العدو، صابرا محتسبا لينالوا شرف القتل في سبيل الله ومنزلة الشهادة، وقد غدى هذا الفعل واقع حال في مسيرة جهاد دولة الخلافة ولله الحمد والمنة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فبعد أن كان النفير إلى الجهاد ضيقا حرجا، تقوم به طائفة من أبناء المسلمين، يندر أن لا تجد في دولة الإسلام أهل بيت إلا وقدم من التضحية و الفدائية لهذا الدين، ما يعجز البيان عن وصفه وذكره كثرة وعددا، وقد أمسوا ما بين قتيل وأسير ومهجر طريد، شيبا وشبانا نساء وأطفالا، بل وقد قتلت عوائل بأكملها أبت أن تخرج من دار الإسلام، وآثرت القتل على أن تترك دار الإسلام وترجع إلى دار الكفر تحت مظلة الطاغوت وحكمه متأسية بأصحاب الأخدود، تلك الأمة الموحدة المؤمنة التي أعلى الله شأنها وأثنى عليها في كتابه بآيات تتلى إلى يوم القيامة، وسماه الفوز الكبير قال جل وعلا: {قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ *إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ} [البروج: 4 - 11]، فتلك الموصل والرقة وسرت وغيرها من ولايات دولة الخلافة، ألوية فخر تشحذ بها الهمم وتحض جيل الخلافة الصاعد على بذل المزيد والسعي الحثيث لتحقيق الغاية السامية من جهاده، الذي ابتدأه القادة الربانيون تقبلهم الله وأعلى نزلهم في عليين لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى ويكون الدين كله لله:
ففي القتلى لأجيال حـياة
وفي الأسرى فدى لهم وعتق فلؤلائك المضحين الباذلين من أبناء الخلافة حق وواجب في عنق كل مسلم لن ينساه أولوا السعة والفضل.

وإن ملاحظة حسن الجزاء، مما أعده الله لعباده من النعيم المقيم في الآخرة هو مما يعين على مصابرة الأعداء والمداومة على الصبر حتى يصبح إلفا وصاحبا وخلا مؤانسا، مهما طالت الطريق وكثرت العقبات واشتدت المحن، قال ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين: "وعلى حسب ملاحظة حسن الجزاء والوثوق به ومطالعته يخفف حمل البلاء، لشهود العوض، لما يلاحظه من لذة عاقبتها وظفره بها، ولولا ذلك لتعطلت مصالح الدنيا والآخرة، وما أقدم أحد على تحمل مشقة عاجلة إلا لثمرة مؤجلة، فالنفس مولعة بحب العاجل، وإنما خاصة العقل: تلمح العواقب، ومطالعة الغايات، وأجمع عقلاء كل أمة على أن النعيم لا يدرك بالنعيم، وأن من رافق الراحة فارق الراحة، وحصل على المشقة وقت الراحة في دار الراحة، فإن قدر التعب تكون الراحة" انتهى كلامه.

فيا إخوة التوحيد وبناة المجد وحراس الخلافة، بارك الله جهادكم ومسعاكم، لقد أثلجتم الصدور وأغظتم كل كفور، وأنس ببذلكم كل مؤمن شكور، يعرف لأهل الفضل قدرهم، ويكبر صنيعهم ويرقب طلائعهم ويسعى للحاق بهم، فواصلوا المسير مقتفين أثر السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار رضوان الله عليهم أجمعين، وليكن حادي المرء منكم:

فيارب إن حانت وفاتي فلا تكن
على شرجع يعلى بدكن المطارف
ولكن أحن يومي شهيدا وعقبة
يصابون في فج من الأرض خائف
عصائب من شتى يؤلف بينهم
هدى الله نزالون عـنـد المواقف
إذا فارقوا دنياهم فارقوا الأذى
وصاروا إلى موعود ما في المصاحف
فأقتل قصعا ثم يرمى بأعظمي
كضغث الخلى بين الرياح العواصف
ويصبح قبري بطن نسر مقيله
بجو السماء في نسور عوائف
يا أهل الإسلام... لم يعد خافيا نقع الملاحم وقرعها في ولايات دولة الإسلام، ومازال أبناء الخلافة بفضل الله ومنه، يثبتون أنهم الكدية والصخرة الصماء، التي ستنكسر عليها أحلاف الكفر بحول الله وقوته، وستنكفئ خاسئة خانسة عن بلاد المسلمين تجر أذيال العار والشنار، مفضوحة مهلهلة يلعن بعضها بعضا، فها هي أمريكا عدوة الإسلام وأهله، بعد أن دكت ديار أهل السنة وأبادتهم بدم بارد، وأسلمت البلاد لشر من وطئ الحصى من رافضة العراق وملاحدة الشام، تعلن نصرا مزورا لا يمت للواقع بصلة، وهي تعلم علم يقين طبيعة المعركة وأبعادها مع أبناء دولة الإسلام، فما كان من رؤوس أحزابها المخالفين لسياسات أحمقها المطاع، أن يلزموا الصمت أو يغضوا الطرف عن حقيقة ما يجري على الأرض ومعطيات الساحة وتقلباتها، حتى غدى ساسة الصليب وبيت السفال المسمى بالأبيض، يعيشون تخبطا وتناقضا، أعجز المتابع أن يفهم المراد بكلمة النصر الذي يتحدثون عنه، ولكنه الهذيان والطيش الذي استمرأته نفوس وألسنة أئمة الكفر وجبلوا عليه، من لدن قوم نوح وعاد وثمود وفرعون وأبي لهب، فعجبا لمنتصر يعز عليه إعلان زيارة رسمية لبلد يزعم إحلال الأمن والاستقرار فيه، وما كان بوسعه أن يأتيه إلا خلسة كاللص الرعديد يخشى الفوات، وفر معتجل الخطى يحذر الدوائر، نادبا حال قومه متحسرا، أن كيف نخسر سبعة تريلون دولار على بلد لا نستطيع المجيء إليه إلا سرا، لقد رضيت ربة الوثنية المعاصرة أمريكا بأدنى من النصر الذي حدثت الناس عنه، فهذا اجتماع قاعدة "أندروز"، والذي ضم أكثر من ثمانين دولة، كان من مخرجاته ما نصه "أن الأمر لا يتعلق بالفوز بالحرب لكن الفوز بالسلام"
وأعقب ذلك الاجتماع، استقالة مبعوث أمريكا وممثلها الرئاسي في التحالف الصليبي لحرب الخلافة، الصفيع القذر الحقود على أهل السنة المسمى "ماكغورك" اعتراضا منه على دعوى الانتصار على الخلافة، ونية الانسحاب من الشام، فالدولة الإسلامية لازالت تشكل تهديدا حقيقيا كما يقول، وخطرا على المنطقة، فما كان من سيده إلا أن يسفه أحلامه شامتا به وأنه لا يعرفه من قبل، وما هو إلا من بقايا سياسات أوباما الفاشلة، فلا حاجة لترهاته وما يقول، متهما إياه بحب الظهور وأن تسلط عليه الأضواء قبل رحيله، وما لبثنا حتى أطل كلب الروم ثانية بإقرار جرئ يثبت خلاف ما يدعيه من الانتصار، أن ليس للدول العظمى خوض حروب لا نهاية لها، مقرا بالعجز والفشل في كسر إرادة وعزيمة جنود الخلافة، وأصبح يلقي باللائمة على حلفائه، لعدم التزامهم إرسال ما يكفي من الدعم والجنود، لتثبيت أركان حكومة المليشيات الإيرانية الرافضية في العراق، خوفا من الظهور المفاجئ للدولة واستعادتها المناطق التي انحازت منها، وهم يرقبون ذلك ويبوحون به ولا يكتمونه، بل ويعتقدون إن حدث الانسحاب وإن لم يحدث، فستستعيد الدولة الإسلامية المناطق في أقل من عام كما صرحت بذلك وزارة دفاعهم، بل وأكد ذلك قائد قواتهم في الشرق الأوسط العلج المسمى "فوتيل" أن انتهاء المعركة ضد الدولة الإسلامية لا يزال بعيدا، وأضاف خلال كلمة له أمام الكونغرس (أن جنود الدولة الإسلامية لم يستسلموا بعد ومازالوا مستعدين للعودة للقتال)، وأعقب ذلك ما أدلى به مستشار أمنها القومي "بولتون" في لقاء أجرته معه إحدى الشبكات الإخبارية قبل أيام مضت مستفهمة عن زعم سيده النصر مئة بالمئة وما صرح به العلج "فوتيل" قائد قواتها، فأتى هذا البغاث الأحمق بثالثة الأثافي وزاد وضوح سيده غموضا قائلا: (بأن تهديد الدولة الإسلامية سيظل قائما، وأن جنود الدولة مازالوا متناثرين في سوريا والعراق، وأن الدولة الإسلامية تتنامى في أنحاء أخرى من العالم) انتهى، وما سبب هذا الخوف والوجل، إلا لقناعتهم التامة أن دولة الخلافة، قد أصبحت واقعا ليس بالإمكان تجاهله أو التغاضي عن خطره، فليست فصيلا أو تنظيما أو حزبا يرضى بأن يقتات على فتات الداعمين، أو يطرق أبواب الصليبيين تسولا وطمعا برضاهم عنه وطمسه من قائمة التطرف والإرهاب كما يسمونها، بل غدت الدولة بفضل الله وتسديده، أمل أمة وصرح عز سما في قلب الأمة، سالكة طريقا قيما لا عوج فيه ولن تأخذها في الله لومة لائم، فهذا جيشها تجوب سرايا كتائبه في بلاد الرافدين والشام وخراسان وغرب إفريقية وغيرها من الولايات، يرقب ساعة الحسم ولن يهزم اثنا عشر ألفا من قلة بإذن الله، فموتوا بغيظكم أيها الصليبيون والمرتدون موتوا بغيظكم، وسحقا لك أمريكا ولحلف الشياطين معك من طواغيت العرب والعجم، أو تظنون بطغيانكم وإهلاككم الحرث والنسل، وإبادتكم لأهل السنة ستفرضون أمرا واقعا وعهدا صارما، أو تحسبون أن مشاهد النزوح للضعفة والمساكين، الخارجين من حصار الموت في الباغوز في الشام، وصور النساء والولدان والشيوخ ستفت في عضد أبناء الخلافة وجيشها وأنصارها، كلا والله فما هذا الزمان لكم بزمان ولا أمان، وإنما بحور الدماء وتناثر الأشلاء يا طواغيت الشرق والغرب، فإن الوهم الذي كبل أبناء الإسلام طوال قرون مضت، قد انزاح وتهشم تحت إرادة وعزيمة أبطال الأمة الأفذاذ وقادتها النبلاء، يوم أن ضحوا بأنفسهم فداء للدين ولإعلاء صرح الخلافة وعز المسلمين، لقد انتصرت الدولة نعم لقد انتصرت الخلافة يوم أن ثبت جنودها وأبناؤها ولا زالوا كالجبال الراسيات يجهرون بإيمانهم وعقيدتهم الشماء غير آبهين بعدوهم حتى وهم بين يديه مكبلين وما استطاعت آلة القتل والدمار التي تملكين أمريكا أن تسلب ما في قلوبهم من إيمان ويقين، فعجبا لك عجبا لك، أما سئمت وأنت تحاولين عبثا أن تقضي على المجاهدين ودولتهم، أما استوقفك لهيب العصف في منبج وجنوب الحسكة بل وثنى الأشاوس بضربة في منبج ثانية، لقد بت تهوين في دركات الفشل والانهيار وتجعجعين بالنصر دون اعتبار، ، كفاك فقد كان المجاهدون بضع مئين قبل فتح الموصل، وهم اليوم ألوف في إثرها ألوف ، لهم النصر حتما إن صبروا واتقوا، رغم أن المجاهدين لا يعولون على عدة ولا عدد فإنما يستمدون من الله العون والمدد، فانزلي حيث أرادوا واغربي عن بلاد المسلمين، وما أموال الدعم التي بت تتسولينها بين فينة وأخرى، من حكومات الردة في جزيرة محمد صلى الله عليه وسلم بمنقذة للموقف، وحائلة دون انتصار من كان الله مولاه وسنده ورجاه، فالله مولانا ولا مولى لكم.
أيها الناس... لقد أبصر الجميع حادثة مذبحة المسجدين في نيوزلندا الصليبية، ولنا معها وقفة، إذ إن المرء ليعجب وهو يبصر السفاحين القتلة المجرمين من قادة الكفر وحكومات الردة وهم يذرفون دموع التماسيح على ضحايا المسجدين، ويشبه الخونة أمناء الهيئات والمنظمات البئيسة الطاغوتية المستسلمة لعدوها، قتل أولئك المصلين بما يقوم به أبناء الدولة الإسلامية من جهاد شرعي لإقامة الدين ورد عادية الصفويين والصليبيين والمرتدين ونفيهم عن بلاد المسلمين، وكأن أحلاف الكفر في العراق والشام وخراسان وغيرها من ولايات دولة الإسلام تسعى جاهدة في حاجة الناس وتعليمهم أمر دينهم وسد فاقتهم وتلقي على رؤوسهم الورود والرياحين بل وكأنهم لم يعلنوا يوما أن المساجد لم يعد لها عندهم حرمة ولم نسمع من هؤلاء الأمناء المرتدين شجبا أو ندبا لمجازر أسيادهم وعلى العكس تماما فهم المبادرون والدالون على عورات المسلمين والساعون بجد وتفان في ذلك، فها هي الباغوز اليوم في الشام لا يزال المسلمون يموتون فيها حرقا يطالهم القصف بما يعرف ومالا يعرف من أسلحة الدمار الشامل، ولا عجب فإن ما أخبرنا به ربنا في كتابه عن حقد أهل الكفر وحنقهم على أهل الإسلام كاف وشاف لمن أراد الحق وطلب الهداية، وما فعلوه بأهل الإسلام طوال عقود وقرون مضت كفيل بأن يميز به المسلم حقيقتهم، فلا تنطلي عليه أكاذيبهم، وما هذه المذبحة في المسجدين إلا نكبة من نكبات سالفة ومقبلة سيعقبها مشاهد بؤس تطال كل من اغتر بالعيش بين ظهراني المشركين وما يدعونه ويزعمون في ملتهم من الحقوق والحرية الفاجرة، وإن مشهد القتل في المسجدين لحري به أن يوقظ الغافلين ويحض أنصار الخلافة القاطنين هناك للثأر والانتقام لدينهم ولأبناء أمتهم الذين يذبحون في كل مكان من الأرض تحت رعاية ومباركة دول الصليب وحكومات الردة والعمالة.

وإنا نبشر أهل الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، أن الخلافة بفضل الله تعالى، لم تزدها شدة الحملة الصليبية إلا قوة وصلابة على تحمل المشاق وكثرة الأعباء، وترقيا في درجات الريادة والقيادة للأمة بإذن الله، فلم يشهد المسلمون ومنذ زوال سلطان دولتهم، جراء نير الحملات الصليبية المتتابعة، أن خاض أبناؤهم المجاهدون حربا مفتوحة متعددة الجبهات وفي شتى البقاع، تحت قيادة وراية واحدة، تستنزف أمم الصليب وأذنابهم من الحكومات العميلة المرتدة، فكلما ظن الصليبيون بسط نفوذهم وسلبهم دارا للمسلمين، ظهر الفاتحون في صقع آخر، في حرب أراد لها بناة الخلافة وقادتها بعد توفيق الله لهم، أن تتسم بمطاولة العدو ومراغمته في كل مكان وشبر من الأرض، واستنزاف طاقاته و مقدراته، وهذا ما يوجب على أبناء الخلافة العمل الدؤوب، وبذل كل ما يستطيعون، حتى يأذن الله بالفتح أو أمر من عنده سبحانه، فكونوا يا أهل الإسلام في صفهم وخندقهم، ولا تكونوا في خندق اليهود والصليبيين والمرتدين ومن لف لفهم، وكونوا من المؤمنين حقا الذين وصفهم الله في كتابه وأثنى عليهم بل وأشركهم في الأجر والمثوبة، لإيوائهم ونصرتهم لمن هاجر وجاهد في سبيله كما قال سبحانه: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال: 74]، وإن مما ينبغي الإشارة إليه والتحذير منه، هو ما تقوم به أبواق الزندقة والكفر من أحفاد ابن سبأ ومسيلمة الكذاب، التابعة لطواغيت المنطقة وحكوماتها المرتدة، من سعيها الحثيث في طمس الحقيقة وأن الخلافة قد قضي عليها وأصبحت سلفا ومثلا، ولا يعدو الأمر، أن انحازت الدولة من المدن والبلدات في بعض ولاياتها بينما فتح الله عليها في ولايات أخرى في معارك كر وفر غير متكافئة، أجلب فيها العدو بكل ما يملك، متبعا سياسة الإبادة والأرض المحروقة، وهذا مالا يظهره إعلام الزندقة والفجور، لأن الضحية مسلم لا يرضى بغير دين الله شرعة ومنهاجا، وأبى أن يرضخ لأمم الكفر بهيئاتها وقوانينها المفروضة على بني البشر.
فيا عشائر وأبناء أهل السنة في الشام وشرق الفرات خاصة، لقد حذرت الدولة الإسلامية وأنذرت منذ وقت ليس باليسير، من مغبة الانخراط في صفوف الملاحدة الأكراد، وبينت ما عليه هذه الطائفة المرتدة من إلحاد في الدين وإنكار لربوبية الله وألوهيته، واشتراكية وإباحية في الأموال والأعراض، مع دعوتها الجاهلية النتنة للقومية الكردية كأساس لإقامة دولتها المزعومة، فهذه المبادئ الثلاثة هي ما تقوم عليه هذه الطائفة اللعينة، وهو الإلحاد والكفر المحض بعينه وليس بعد ذلك مزيد بيان، وعليه فإنا نكرر ونذكر عشائر أهل السنة شرق الفرات، الذين مازال أبناؤهم في صفوف هؤلاء الملاحدة المجرمين، ولم يتعظوا بعد بمرأى من قتل منهم على يد جنود الخلافة، بأن يمنعوا أبناءهم ويحضوهم على التوبة قبل القدرة عليهم وأن يتبرؤوا ممن لم يتب بعد منهم فمالكم ولحرب المجاهدين وقد نعمتم بشرع الله وحكمه لسنين.
وأما أنتم يا ملاحدة الشام من الأكراد، لقد خضتم حربا لستم والله لها بأهل، وما بمقدوركم تحمل تبعاتها، فعاودوا النظر وانجوا بأنفسكم إن استطعتم، فتلك العراق لم تغن عنه أمريكا بطائراتها التي تعبدون شيئا، وإن معركتنا معكم لم يحم وطيسها بعد، وقد عاينتم شيئا من صولات جنود الخلافة وضرباتهم في مناطقكم، فكم من رأس عشيرة مرتد قطفوه ومسؤول مركز أمن كتموا أنفاسه وجندلوه وتجمع عار نسفوه وضبع مستلئم لئيم على حاجز ذبحوه فارقبوها فوق ذلك حربا شاملة لا تبقي ولا تذر.

فيا آساد الخلافة ورجالات الدولة في الرقة والبركة والخير، ثبوا وثبة الأسد الجياع، واثأروا لدماء إخوانكم وأخواتكم، وأعلنوها غزوة للثأر، تستأصل شأفة أهل الكفر والإلحاد في الشام، واجعلوها أياما زرقاوية فداوية تبيد أرتال الصليبيين والمرتدين فأحكموا العبوات وانشروا القناصات وأغيروا عليهم عصفا ونسفا بالمفخخات، فلا خير في عيش تستذل فيه الأعراض وتنتهك الحرم، ويجثم على صدر أبناء السنة الأغيار حثالة من الملحدين، أسلم لهم عابد الصليب بلادا حكمت بشرع الله، بعد أن دمرها وقتل وشرد أهلها، فأفهموا أحذية الصليبين وخدامهم، أن دماءهم لن تكون دماء، ودماء المجاهدين الموحدين وأهليهم هباء.

و يا عشائر أهل السنة في العراق، أما آن لكم أن تعوا المكر الكبار الذي يراد بكم، وماذا جنى الخونة المرتدون من الساسة العملاء طوال عقد من الزمان، سوى النفي والملاحقة بمذكرات الاعتقال وتهم الإرهاب والفساد، فلم يسلم لهم دين ولا دنيا، ولم تشفع لهم ردتهم عند أسيادهم شيئا، لقد أبيتم أن تسلكوا طريق الرشاد، وتدركوا حنق الرافضة وحقدهم، الذين ما انفكوا يهينونكم ويذيقونكم من الذل ألوانا، وإن ما تخشونه من عاقبة التفافكم وبذلكم وتضحيتكم لنصرة هذا الدين وعدم القبول بغير شرع الله وحكمه، ما هو إلا قطرة في بحر ما ستدفعونه من ضريبة الدماء والأعراض والأملاك، إن وهنتم لما أصابكم واستكنتم وخضعتم وخنعتم ورضيتم بالذلة وخفتم خوض المعركة، فها هي الموصل وغيرها من المناطق والبلدات التي باتت رهن تسلط المليشيات الصفوية الرافضية، يعبث بمقدراتها، وتسلب خيراتها ويساق أبناؤها إلى مشانق الموت بتهم ملفقة ودعاوى كاذبة، وها هي مخيمات النزوح في العراء، ملئا بنساء وأبناء أهل السنة، يلاقون فيها العناء بحجة الانتساب للدولة أو صلة القرابة بجنودها، وأن هؤلاء الأطفال يشكلون تهديدا وخطرا بحملهم الثأر والانتقام، وما هذا إلا إمعان في القهر والإذلال لأهل السنة، فالقضية ليست معلقة بمن انتسب، ولكن بمن لحب الصحابة وخير القرون نسب، فقولوا بربكم، كيف سيؤول الحال إن عامل المجاهدون هؤلاء المعتدين بالمثل جزاء وفاقا.

فحدث فقد يهتدى بالحديث
وخبر فقد يؤتسى بالخبر

يا أهل السنة في العراق، إن الدولة الإسلامية ما هي إلا سفينة نجاتكم وقلعتكم الحصينة في وجه المد الصفوي الإيراني، فبادروا بالتوبة قبل أن تبادروا، والسعيد من وعظ بغيره، وإن الدولة عائدة بإذن الله إلى المناطق التي انحازت منها طال الزمان أو قصر، وأنتم اليوم ترون جنود الخلافة، كيف تحفهم رعاية المولى لهم، رغم أسراب الحشود والطائرات، فلا زالوا ظاهرين على عدوهم، يحكمون له الكمائن ويغيرون على أوباشه ويفتكون بتجمعاته، وقد قطعوا على أنفسهم عهدا وموثقا أن يعيدوها خضراء جذعة، ولتعلم الرافضة أن دار الخلافة بغداد، لن تكون طهران أو قم ثانية، وأن بيننا وبينهم وقائع تشيب لهولها الولدان.
فيا جنود الخلافة في العراق والشام وخرسان واليمن، وشرق آسيا وغرب إفريقية وليبيا وسيناء والصومال وكل مكان، خذو للحرب أهبتها وشمروا عن ساعد الجد لها، وانتهزوا الفرصة والتمسوا الغرة، وسيروا الطلائع والكتائب وبثوا العيون، وتحفظوا من البيات، وأطيلوا أمد المعركة فما لعدوكم بذلك من طاقة، ولا يهولنكم ضجيج أحلاف الكفر ودعواها القضاء على الخلافة بحسر نفوذها، فقد أبقى الله لها باجتماعكم واعتصامكم بحبله المتين، ما يسوؤها وينكد عيشها أضعاف أضعاف ما رأته وسمعت به، فما هذا إلا أول المطاف وأولى درجات النهوض، وإيذانا بالفتح الأعظم إن شاء الله تحقيقا لا تعليقا، فما وضعت الحرب أوزارها، وإنا أمة لا نموت إلا قتلا، وما أنتم إلا بناة تسعون وتجدون في الطلب، فإن كان وإلا فما من الموت بد، فلا تقوم الدعوات على من يعتنقونها لأنها غالبة ومن يعتنقونها ليقودوا بها الأتباع ومن يعتنقونها ليحققوا بها الأطماع، وليتجروا بها في سوق الدعوات تشترى منهم وتباع! إنما تقوم بالقلوب الحية التي تتجه إلى الله خالصة له من كل شائبة، لا تبغي جاها ولا متاعا ولا انتفاعا، إنما تبتغي وجهه وترجو رضاه، فليخش كل امرئ منكم على نفسه، وليسأل المولى الثبات على دينه وحسن الختام، فهذا طريق مكلل بالمشاق وطول الغربة ومفارقة الأهل والأصحاب، فوطنوا النفوس على احتمال الأذى من أسر وكسر وبتر واستعيذوا بالله من ذلك، ويوصيكم أمير المؤمنين أبو بكر الحسيني القرشي البغدادي حفظه الله، بتقوى الله في السر والعلن، وأن يكون لسان أحدكم رطبا بذكر الله قريبا من خالقه ومولاه، كما ويوصيكم أن تتركوا أمرا لطالما دعيتم لتجنبه والحذر منه، وهو ذو دور محوري في المعركة، ألا وهو أجهزة الاتصال، فقد تعدى ضررها وعمت البلوى من ورائها، فلا يجعلن أحدكم من نفسه وإخوانه غرضا لعدوه وهدفا رخوا، فلا ضير من أن ينجز العمل من دونه في أسبوع إن كان ينجز به في يومين، فنوم المجاهد ونبهه ولهوه بأسهمه وفي شأنه كله، عبادة يجري عليه أجرها، وهو في رباط إن صدق النية وأحسن العمل، فجدوا في أخذ الحيطة والحذر، واحتسبوا الأجر في السمع والطاعة لأمرائكم وإغاظة أعداء الله ومراغمتهم، فالله الله في دينكم وإخوانكم فلا يؤتين الإسلام من أحدكم.
وأما أنتم أيها الأسرى من الرجال والنساء والولدان في كل مكان اثبتوا على الحق، واعلموا أن أمر المؤمن كله له خير، وما ذاك إلا للمؤمن، وأن الله إذا أحب عبدا ابتلاه، فيصيبه من البلاء ما يمحو به الخطايا ويرفع الدرجات، مما قد لا يدركه المرء بسعيه ورجاه، وحسبكم أنه طريق مطروق وسنة جارية، فتلك سمية رضي الله عنها أول شهيدة في الإسلام، تحبس فتعذب فتقتل، وذلك خبيب يقتل صبرا، فما رد النكال الذي لحق بهما أحدا منهما عن دينه، ولكم إن شاء الله على إخوانكم حق سيقضى وعهد سيوفى، بأن تشفى صدوركم وتأنس قلوبكم بمرأى جزاريكم من محققين وقضاة وقد جزت رقابهم وكتمت أنفاسهم، فطيبوا نفسا واعمروا أوقاتكم بالذكر وتلاوة القرآن فهما وتدبرا وحفظا والدعاء الدعاء لإخوانكم بالفتح والتمكين، فلن يدخروا جهدا بإذن الله لاستنقاذكم فلا يقصرن أحدكم في سيره ومبتغاه، والله معكم ولن يتركم أعمالكم، فلا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين.

{رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23]
{رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 147]
{رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 286]
{وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِہِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف: 21].



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 174
الخميس 14 رجب 1440 هـ
...المزيد

ومالكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين جاهل من يحسب كلّ الّذين أرعدوا وأزبدوا بعد حادثة ...

ومالكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين


جاهل من يحسب كلّ الّذين أرعدوا وأزبدوا بعد حادثة مقتل المصلّين في مساجد نيوزيلاندا يريدون ردّا دامياً على النصارى المحاربين، فأكثر الّذين ثارت حميّتهم للدّين وأهله لمّا رأوا صليبياً حاقداً يدنّس مساجد المسلمين، ويقتل أهلها، لا تعدوا آثار هذه الحميّة عندهم أن يمارسوا هوايتهم في اللطم والبكاء على مصائب المسلمين، ويكثروا الشّكوى والتظلّم من فعائل المشركين.

وأسوء من حال هؤلاء من ملأ وقته في إحصاء بيانات التّنديد والاستنكار والشّجب، وتحليل مضامين هذه البيانات التّافهة لتصنيف النّاس بناءً على الألفاظ الّتي استخدموها فيها.

وأسوء منهم جميعاً من جعل همّه أن يلقي على هذا الهجوم الصليبي وصف "الإرهاب" لا لشيء إلّا ليطلب من المشركين إدانة له ثمناً لإداناته المستمرّة لهجمات المجاهدين على المشركين، في كنائسهم ومعابدهم أثناء قيامهم بشعائر كفرهم بالله العظيم.

وبعض من يستحي من إدانة هذا يخشى أن يبادر جنود الخلافة بأي هجوم على النّصارى المحاربين هذه الأيّام، أكثر من خشيتهم هم من ذلك، وذلك أنّ هؤلاء الّذين صدّروا أنفسهم لقيادة المسلمين، وروّجوا لتنظيماتهم وأحزابهم أنّها حامية لهم، لم تختلف ردود أفعالهم على هجوم نيوزيلاندا عن ردود الطّواغيت والمشركين في مشارق الأرض ومغاربها بإعلانهم الشّجب والتّنديد، ومطالبتهم "الأمم المتّحدة" والدّول الصّليبيّة بتأمين الحماية للمسلمين، فهم يخشون أن تنصرف قلوب أتباعهم عنهم إذا شفى صدرهم من النّصارى المحاربين وأذهب غيظ قلوبهم عليهم هجوم مبارك جديد لجنود الخلافة في عقر دار النّصارى المحاربين.

وكثير ممن استوطن بلدان المشركين ورضي بسلطانهم، وللأسف يسعون لطمأنة حكومات تلك الدّول بأفعالهم أحياناً وبأقوالهم أحياناً أخرى لنيل الرّضى عنهم وخوفاً من أن يتأثّر معاشهم أو لجلب مصالح دنيويّة لهم، ولكن بالرّغم من الجاهليّة الّتي يعيشونها يخرج من بينهم من يثأر للمسلمين بإراقة دماء الكافرين.

وجاهل من يظن أنّ الدّولة الإسلاميّة تنتظر مثل هذا الهجوم على مساجد المسلمين لتحرّض جنودها على قتل المشركين والإثخان فيهم، فجهاد المشركين وقتالهم واجب ولو كانوا أذلّة لا يستطيعون أذيّة المسلمين، ما داموا مفتقدين الإيمان والأمان، فكيف بهم وهم يمعنون في المسلمين قتلاً وتنكيلاً، فإنّ هذا زيادة في إثمهم، وتغليظ في جريمتهم، يوجبان زيادة في الأمر بقتالهم، حتّى يتوبوا من شركهم، أو يعاهدوا المسلمين على الخضوع لحكمهم، أو كف أذاهم عنهم حتّى حين.

وحرب الدّول الصّليبيّة على المسلمين لم تبدأ بمهاجمة أحد رعاياهم للمساجد يوم الجمعة الماضي، ولكنّها مستمرّة لم تنقطع ولم تتوقّف، وما جرائم الأحلاف العسكريّة الصّليبيّة الّتي تشارك فيها نيوزيلاندا وأستراليا بحقّ المسلمين في العراق والشّام وخراسان وشرق آسيا عنّا ببعيد.

فقد دمّروا مدنا بأكملها، وأبادوا سكّانها، وخرّبوا مئات المساجد ومنعوا أن يذكر فيها اسم الله تعالى، وهم مستمرّون في مهمّتهم هذه بلا انقطاع، ولن يتوقّفوا عن حرب الإسلام والمسلمين حتّى يقاتل آخرهم تحت راية الدّجال في آخر الزّمان.

وإنّ القتال لكفّ بأس المشركين عن المسلمين، في ديار الإسلام وخارجها، والسّعي في شفاء صدور المسلمين ممن أجرم بحقّهم، مقصدان شرعيّان من مقاصد الجهاد في سبيل الله تعالى، يحرص على تحقيقهما المجاهدون في كلّ وقت، قال تعالى: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا} [النساء: 84]، وقال سبحانه: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ} [التوبة: 14].

وكما أنّ عمليات المجاهدين في البلدان الصّليبيّة من أهدافها ردع جيوشهم عن إيذاء المسلمين في ديار الإسلام، فإنّ من أهدافها أيضاً إجبار حكوماتهم على ردع المجرمين من رعاياهم أن يتطاولوا لإيذاء المسلمين الموجودين في ديار الكفر، والاعتداء على مساجدهم، أو إتلاف أموالهم، وذلك إن تيقّنوا أن فسح المجال أمام تكرار هذه الاعتداءات سيدفع المزيد من القاعدين إلى القيام بواجبهم تجاه دينهم وأنفسهم وإخوانهم، فيجاهدوا المشركين في ديارهم، ويقصدوهم بالقتل والإيذاء، وأموالهم بالغنيمة والإتلاف، قال تعالى: {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا} [النساء: 75].


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 174
الخميس 14 رجب 1440 هـ
...المزيد

ومالكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين جاهل من يحسب كلّ الّذين أرعدوا وأزبدوا بعد حادثة ...

ومالكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين


جاهل من يحسب كلّ الّذين أرعدوا وأزبدوا بعد حادثة مقتل المصلّين في مساجد نيوزيلاندا يريدون ردّا دامياً على النصارى المحاربين، فأكثر الّذين ثارت حميّتهم للدّين وأهله لمّا رأوا صليبياً حاقداً يدنّس مساجد المسلمين، ويقتل أهلها، لا تعدوا آثار هذه الحميّة عندهم أن يمارسوا هوايتهم في اللطم والبكاء على مصائب المسلمين، ويكثروا الشّكوى والتظلّم من فعائل المشركين.

وأسوء من حال هؤلاء من ملأ وقته في إحصاء بيانات التّنديد والاستنكار والشّجب، وتحليل مضامين هذه البيانات التّافهة لتصنيف النّاس بناءً على الألفاظ الّتي استخدموها فيها.

وأسوء منهم جميعاً من جعل همّه أن يلقي على هذا الهجوم الصليبي وصف "الإرهاب" لا لشيء إلّا ليطلب من المشركين إدانة له ثمناً لإداناته المستمرّة لهجمات المجاهدين على المشركين، في كنائسهم ومعابدهم أثناء قيامهم بشعائر كفرهم بالله العظيم.

وبعض من يستحي من إدانة هذا يخشى أن يبادر جنود الخلافة بأي هجوم على النّصارى المحاربين هذه الأيّام، أكثر من خشيتهم هم من ذلك، وذلك أنّ هؤلاء الّذين صدّروا أنفسهم لقيادة المسلمين، وروّجوا لتنظيماتهم وأحزابهم أنّها حامية لهم، لم تختلف ردود أفعالهم على هجوم نيوزيلاندا عن ردود الطّواغيت والمشركين في مشارق الأرض ومغاربها بإعلانهم الشّجب والتّنديد، ومطالبتهم "الأمم المتّحدة" والدّول الصّليبيّة بتأمين الحماية للمسلمين، فهم يخشون أن تنصرف قلوب أتباعهم عنهم إذا شفى صدرهم من النّصارى المحاربين وأذهب غيظ قلوبهم عليهم هجوم مبارك جديد لجنود الخلافة في عقر دار النّصارى المحاربين.

وكثير ممن استوطن بلدان المشركين ورضي بسلطانهم، وللأسف يسعون لطمأنة حكومات تلك الدّول بأفعالهم أحياناً وبأقوالهم أحياناً أخرى لنيل الرّضى عنهم وخوفاً من أن يتأثّر معاشهم أو لجلب مصالح دنيويّة لهم، ولكن بالرّغم من الجاهليّة الّتي يعيشونها يخرج من بينهم من يثأر للمسلمين بإراقة دماء الكافرين.

وجاهل من يظن أنّ الدّولة الإسلاميّة تنتظر مثل هذا الهجوم على مساجد المسلمين لتحرّض جنودها على قتل المشركين والإثخان فيهم، فجهاد المشركين وقتالهم واجب ولو كانوا أذلّة لا يستطيعون أذيّة المسلمين، ما داموا مفتقدين الإيمان والأمان، فكيف بهم وهم يمعنون في المسلمين قتلاً وتنكيلاً، فإنّ هذا زيادة في إثمهم، وتغليظ في جريمتهم، يوجبان زيادة في الأمر بقتالهم، حتّى يتوبوا من شركهم، أو يعاهدوا المسلمين على الخضوع لحكمهم، أو كف أذاهم عنهم حتّى حين.

وحرب الدّول الصّليبيّة على المسلمين لم تبدأ بمهاجمة أحد رعاياهم للمساجد يوم الجمعة الماضي، ولكنّها مستمرّة لم تنقطع ولم تتوقّف، وما جرائم الأحلاف العسكريّة الصّليبيّة الّتي تشارك فيها نيوزيلاندا وأستراليا بحقّ المسلمين في العراق والشّام وخراسان وشرق آسيا عنّا ببعيد.

فقد دمّروا مدنا بأكملها، وأبادوا سكّانها، وخرّبوا مئات المساجد ومنعوا أن يذكر فيها اسم الله تعالى، وهم مستمرّون في مهمّتهم هذه بلا انقطاع، ولن يتوقّفوا عن حرب الإسلام والمسلمين حتّى يقاتل آخرهم تحت راية الدّجال في آخر الزّمان.

وإنّ القتال لكفّ بأس المشركين عن المسلمين، في ديار الإسلام وخارجها، والسّعي في شفاء صدور المسلمين ممن أجرم بحقّهم، مقصدان شرعيّان من مقاصد الجهاد في سبيل الله تعالى، يحرص على تحقيقهما المجاهدون في كلّ وقت، قال تعالى: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا} [النساء: 84]، وقال سبحانه: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ} [التوبة: 14].

وكما أنّ عمليات المجاهدين في البلدان الصّليبيّة من أهدافها ردع جيوشهم عن إيذاء المسلمين في ديار الإسلام، فإنّ من أهدافها أيضاً إجبار حكوماتهم على ردع المجرمين من رعاياهم أن يتطاولوا لإيذاء المسلمين الموجودين في ديار الكفر، والاعتداء على مساجدهم، أو إتلاف أموالهم، وذلك إن تيقّنوا أن فسح المجال أمام تكرار هذه الاعتداءات سيدفع المزيد من القاعدين إلى القيام بواجبهم تجاه دينهم وأنفسهم وإخوانهم، فيجاهدوا المشركين في ديارهم، ويقصدوهم بالقتل والإيذاء، وأموالهم بالغنيمة والإتلاف، قال تعالى: {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا} [النساء: 75].


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 174
الخميس 14 رجب 1440 هـ
...المزيد

الدولة الإسلامية - قصة شهيد: • أبو أنس الفرنسي ترك الدعوة إلى عبادة الصلبان وطلب القتل في ...

الدولة الإسلامية - قصة شهيد:

• أبو أنس الفرنسي

ترك الدعوة إلى عبادة الصلبان
وطلب القتل في سبيل الله تعالى

ولد أبو أنس الفرنسي تقبله الله تعالى في أسرة متمسّكة بدين النصرانيّة، وفتح عينيه على الدّنيا وهو يرى أمّه تدعو إلى هذا الدّين المحرّف، وتملأ منزلهم بصلبان النّصارى وأوثانهم، وتعلّمهم الدّعاء لغير الله تعالى، وعبادته على غير ما يريد سبحانه.

ومنذ أيّام مراهقته صار أبو أنس داعيا إلى هذا الدّين، يجادل أصدقاءه الملحدين ليعيدهم إلى دين آباءهم وأجدادهم، ويردّ على العلمانيين سخريتهم من هذا الدّين، ويعادي أهل الإسلام لمخالفتهم دينه، ولما كان يرى في بعض المنتسبين إليه من سوء أخلاق وتفلّت من كلّ دين.

وفي ظلّ تعمّقه أكثر في دراسة الدّين النّصراني على أيدي القساوسة الّذين يشرحون له بعض نصوص كتابهم المقدّس، بدأ يطّلع على نصوص من هذا الكتاب تخالف بوضوح ما تعلّمه في الكنيسة من شعائر الدّين الكاثوليكي.

فكان من أوّل ما صدمه قضية الوثنيّة في هذا الدّين، الّتي تناقض بوضوح ما ورد في كتابهم من نهي عن اتخاذ الصّور وتعظيمها، ومن تحذير صريح من هذا الشّرك العظيم، وقاده هذا إلى إخراج كلّ ما في منزله من صور وتماثيل، فلم يترك إلّا الصّليب معلّقا فيه، لينظر إليه ويدعو عنده الأنبياء والأولياء من دون الله تعالى، ليقوده تفكيره إلى التّخلي عنه أيضا بعد حين عندما تأكّد أنّ نبيّ الله عيسى عليه السّلام وحوارييه، لم يكونوا يحملون صلبانا على أبدانهم ولا يعلقونها في مساكنهم.

وعندما نظر إلى حاله وقومه وجد ما هم عليه من عبادات ومعاش مختلفان عمّا ورد في كتابهم المقدّس من عبادات ومعاش الأنبياء والمرسلين، ووجدوا أنّ الأحبار والرّهبان قد أحلّوا لهم ما حرّم الله تعالى، وحرّموا عليهم ما أحل سبحانه، فالخلاف كبير بين دين الكاثوليكيّة الّذي كان عليه وبين الدّين الّذي يقرأ عنه في كتابهم الّذي يفترض أن يكون أصلا للدين يُعمل به، ولا يخالف بكلام أحد من البشر، فقرّر أن يترك هذا الدّين ويبحث عن الحقّ ويتخذ لنفسه دينا آخر يعتمد على ما يقرأه في كتابهم فقط دون أخذ بكلام القساوسة والكنيسة، وأراد أن يحيا حياة الأنبياء في تمسّكهم بكلام الله تعالى ودعوتهم إليه وجهادهم في سبيله سبحانه.

يروي أبو أنس تقبله الله تعالى في قصّة إسلامه: "أنا وأختي لم نترك قراءة الكتاب المقدّس، حتّى وجدتها يوما تقرأ فيه، فقالت: تعال وانظر! فستُفاجأ ممّا قرأت في الكتاب: (والخنزير، فإنه مشقوق الحافر، ولكنه لا يجتر، فهو نجس لكم، لا تأكلوا شيئا من لحمها، ولا تمسّوا جيفها، فإنها نجسة لكم)، فأعدت القراءة مرات كثيرة، وقرأت ما قبلها وما بعدها حتّى أفهم، وكنت أحبّ الحقّ، ولا أريد أن أفارقه، عندها أصبحت غاضبا على القسّيسين لأنّهم لم يخبرونا بهذا التّحريم، وتركونا نناقش المسلمين في موضوع الخنزير، وكنت أسفّه عقولهم وحجّتهم، لكنني تفاجأت كثيرا..

فذهبنا إلى القسّيس نسأله عن هذا النّص الوارد، واستغربت كثيرا من إجابته حين قال: هذا التّحريم غير موجود، فقلت في نفسي: إمّا أنّه جاهل أو كذّاب، فأتيته بالنّص، فقرأه، وكأنّه نسي أنّه قال سابقا: أن هذا الكلام غير موجود!، كنت أحترم هذا الشيخ الوقور كثيرا، فقد كان عمره بين الستين والسبعين، رأيت في إجابته غير الحقّ، إذ كان يعرفه، ويمنعه استكباره من قبوله، ويكذّب على النّاس، ويخفي الحقيقة عنهم، فسقط من نظري.

بعدها رجعنا من الدّرس، فاتفقت مع أختي ونحن في الطريق، بأن لا نأكل لحم الخنزير أبدا بعد اليوم، وسنكون "مسيحيين" حقيقيين.

لمّا وصلنا إلى البيت أخبرنا أمّنا بما هو موجود في "الكتاب المقدّس"، فقالت: أنا أيضا لن آكله أبدا، فاتفقت العائلة كلها على عدم أكله، وأخرجنا كل ما هو موجود في الثلاجة، وكان هذا أوّل ما تخالف فيه عائلتنا كلّها محيطنا من النّصارى الكاثوليك.

بعد ذلك صرت أقرأ "الكتاب المقدّس" لأعمل به، لأني فقدت الثّقة في القسّيسين، وبدأت تطرق بالي بين آونة وأخرى أفكار حول مصداقيتي تجاه نفسي، فلقد كنت من قبل متجرّدا للحقّ، فلماذا عندما تبيّن الحقّ عند المسلمين في مسألة حرمة لحم الخنزير لا أصارحهم وأقول بأنّهم على حقّ..." انتهى كلامه رحمه الله تعالى.


• المسلمون أولى النّاس باتباع الأنبياء

وهكذا وجد كثيرا مما يقرأه في كتابهم المقدّس على ألسنة الأنبياء والمرسلين يعمل به المسلمون في عباداتهم ومعاشهم، حتّى بات يشعر بنفسه أقرب إلى المسلمين من أتباع دينه الّذي يؤمن به ويدعو إليه.

ولكن كان هناك عائق كبير أمامه، يتمثّل بأنّ إقراره بدين الإسلام يلزم منه إنكار لدينه ودين آبائه وأصحابه، والحكم على هؤلاء جميعهم أنّهم على كفر وضلال وأنّهم خالدون مخلّدون في النّار، وكان يحبّ أن تشاركه أسرته كلّها في قراره، فيسلموا جميعا لله ربّ العالمين.

وقد أنعم الله عليهم بعد حين، وهداهم للإسلام فدخل هو وأختا له فيه معا، ثم أسلمت أسرته إلّا أمّهم الّتي كانوا يدعون الله تعالى أن يهديها إلى الدّين الحقّ بعد أن تأخّرت عنهم لما كانت تجده في نفسها من مشقّة ترك دين كانت تدعو النّاس إليه وتدخل النّاس فيه لمدة 30 عاما، وتقرّ بأنّ أبويها الّذين كانت تحبّهما غاية الحبّ وتدعوا لهما بالرّحمة والمغفرة كانوا كفّارا مشركين وأنّهم ماتوا على ذلك فتتوقّف عن الاستغفار لهما.

وبعد إسلامهم وجدت النّساء مشقّة في الالتزام بالحجاب في منطقتهم (آلنصو) الّتي يسكنون، فلم يتأخّروا أن يقرّروا انتقالهم إلى منطقة أخرى في فرنسا، وهي (تولوز) حيث يكثر المسلمون، وتنتّشر المساجد، ولا يعد التزام المرأة بالحجاب مشهدا غريبا هناك، بالإضافة إلى أنّهم أرادوا الخروج من المنطقة الّتي تذكّرهم بتاريخهم القديم بما فيه من إشراك بالله تعالى والدعوة إليه.


• بحثٌ عن الحقّ ودعوة إليه

ولمّا أسلم أبو أنس أنعم الله الكريم عليه بأن يستعمله في الدّعوة إليه سبحانه، مثلما كان سابقا داعيا إلى الشّرك، فانطلق بهمّة كبيرة يدعو كلّ من يعرفه أو يصادفه للدّخول في دين الإسلام، ولا يترك فرصة لبيان حقيقة أو ردّ شبهة أو ترك أثر طيب عند إنسان يحبّب إليه الدّين وأهله إلّا اغتنمها، فنفع الله تعالى به عددا كبير من النّاس أسلموا لله ونبذوا ما كانوا عليه من شرك وجاهلية، أعانه على ذلك خلق رفيع، وأدب جم في مخاطبة النّاس، ومعرفة كبيرة في دين من يخاطبهم ويدعوهم إلى تركه.

ولم يتوقّف سعي أبي أنس للسير على خطى الأنبياء والمرسلين -سلام الله عليهم- بالدّخول في دينهم الّذي كانوا عليه، والانتساب إلى المسلمين، بل رأى في ذلك خطوة أولى نحو الارتقاء في هذا الدّين بالعلم والعمل، فكان تقبله الله تعالى يطوف على المنتسبين إلى الدّين ويسأل كلّ من يراه على علم به، ويجاور من يرى فيه معرفة به، ويعاون من يحسبهم من العاملين به والدّاعين إليه، فطاف في فترة إسلامه الأولى على كثير من الأحزاب والجماعات البدعيّة الّتي يزعم كلّ منها أنّهم وحدهم أهل الإسلام الّذين يفهمونه حقّ الفهم ويعملون به كما أنزل.

فكان يرى في كل طائفة من هذه الطوائف المبتدعة ما يذكّره بدينه القديم من عمل بغير ما هو مكتوب في القرآن واتّباع لغير ما هو مأثور عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ويرى في دعاتهم وزعمائهم ما يذكره بالقساوسة والأحبار والرّهبان من تحريف لكتاب الله تعالى، وتبديل لأحكام دينه وشريعته، فهداه الله تعالى إلى هجر التبليغيين والإخوان المرتدّين والتحريريين والمرجئة المدخليين، بعد أن عرف ما هم عليه من ضلال، وهيأ له من يدلّه على التّوحيد وأهله، ويحبّب إليه الهجرة والجهاد في سبيل الله تعالى.

وقرّر أن يهاجر إلى اليمن فلم يتيسر له الأمر، فسافر إلى مصر ليتعلّم العربيّة والقرآن، ومكث فيها سنتين، ولمّا عاد إلى فرنسا وجد السجن بانتظاره، إذ هاجر بعض إخوانه إلى العراق للجهاد في سبيل الله تعالى، وقدّر سبحانه اعتقال بعضهم على يد النّظام النصيري وسلّموا إلى فرنسا الّتي بدأت باعتقال كلّ من يعرفهم أو يرتبط بهم بعلاقة من الشّباب المسلمين المناصرين للجهاد والمجاهدين.

في السجن استمرّ بالدّعوة إلى الله تعالى، ومجادلة دعاة النّصرانيّة النّاشطين بين السّجناء، وهدى الله تعالى على يديه بعضهم إلى نطق الشّهادتين، وترك ملّة النّصرانيّة، وبقي على هذا طيلة فترة مكوثه في السّجن والّتي استمرت 5 سنين.


• الهجرة إلى دار الإسلام

وبعد خروجه من السّجن استمرّ أبو أنس في دعوته إلى الله تعالى، كما التحق بكلّيّة جامعيّة أملا في توسيع معارفه في علوم الشّريعة من خلالها.

ولمّا أعلنت الدّولة الإسلاميّة في الشّام، سبقه شقيقه أبو عثمان تقبّله الله تعالى بالهجرة إليها هو وأسرته، فقرّر أبو أنس أن يوقف كلّ نشاطه في فرنسا ويهاجر في سبيل الله رافقه بعض من إخوانه الّذين أعانوه -بعد الله تعالى- في تأمين مستلزمات الرّحلة، وتشجيعه على المخاطرة لكونه ممنوع من الخروج من أوروبا من قبل السّلطات الفرنسيّة الصليبيّة.

ويروي أبو أنس رحمه الله عن أهمّ أحداث تلك المرحلة من حياته:

"في هذا الوقت كان أخي قد انضمّ للدّولة الإسلاميّة، فبدأت أحاورُه من هناك، وأسأله عن كلّ ما يُثار حول ذلك من الجدل في الإنترنت، وفي وسائل الإعلام، لكونه أصبحَ على أرض الواقع، فكان يجيبني أجوبة مقنعة، في الوقت الّذي كانت تتهاوى أمام نظري صورة هاني السّباعيّ وغيره من الّذين كنت أحسبُهم يوما من أهل العلم العاملين به، إذ بي أراه يتكلّم بكلام، ليس في مقامه، كلام بذيء يهاجمُ به مجاهدي الدّولة الإسلاميّة وعلماءها.
في هذه الأثناء، وبينما أطالع عن كثب كلّ ما يحدث، جاءتني أمّي لتقول لي:

يا بنيّ متى نهاجر إلى الدّولة الإسلاميّة، فلا أريد الموت في أرض الكفر.

لقد فاجأتني رغبتها، فامرأة مثلها كبيرة في السّنّ، ومريضة تتوقُ نفسُها لكي تعيش ما بقي من عمرها في دار الإسلام، متحمّلة في سبيل تلك الغاية كلّ مخاطر الهجرة، بينما يهربُ شبابُ المسلمين من أرض الإسلام ليقدّموا أنفسَهم طعاماً للأسماك في أعماق البحار قبل أن يصلوا إلى بلادِ الكفّار...

قلتُ في نفسي: كيف يحدث هذا؟ فأمّي هذه المرأة، عاشت أكثر عمرها نصرانيّة تدعو إليها بعصبيّة، وتكره الإسلام وأهله، وما إِن أسلمت حتّى صار العيش بين المسلمين تحتَ ظلّ شريعةِ الإسلامِ أسمى غايتها.

لقد كانَ لها من العمر "63" سنة، وهي مصابة بمرض تشمّع الكبد، وكانت تشعرُ بالألم في رجليها، ومع أنّها كانت تسمعُ أنّ طريقَ الهجرةِ يتطلّب مشياً على الأقدام لمسافات طويلة، لم يُرهبها هذا، بل كانت تدعو الله تعالى، وتكثرُ البكاء، كلّ ذلكَ خوفا من أن يحول بينها وبينَ الهجرةِ إلى الدّولة الإسلاميّة حائل، فما إن سمعت بأنّ دولة قامت في العراق والشّام حتّى ما عاد يهدأ لها جفن من بكاء، حتّى صعب عليّ حال هذه المرأة المسكينة، فليسَ لها سؤال إلاَّ عن طريقِ الهجرة، فإن سمعت أنّ الطّريق أغلق بكَت، وإن سمعت أنّ الطّريق ميسّر استبشرت" انتهى كلامه رحمه الله تعالى.

وهاجر تقبله الله هو وجميع أفراد أسرته، بما فيهم أمّه المريضة، الّتي كانت تتمنّى أن تختم حياتها في ديار الإسلام، وهو ما كان لها رحمها الله تعالى فيما بعد، وبعد صعوبات ومشاق كثيرة في الرّحلة مكّنه الله تعالى من دخول دار الإسلام والالتحاق بجنود الدّولة الإسلاميّة والجهاد في صفوفهم.

عمل أبو أنس تقبله الله تعالى أكثر فترة جهاده في إذاعة البيان مسؤولا عن تسجيل الدّروس والمحاضرات العلميّة، والعناية بالهندسة الصوتيّة، كما كان يقدّم النّصح والمساعدة لشقيقه أبي عثمان تقبله الله تعالى أحد كوادر مؤسسة أجناد، وعلى يديهما أنتجت الكثير من الأناشيد والمقاطع الصوتيّة التحريضيّة والدّعوية، مستفيدين من خبرتهما السّابقة في المجال والّتي استقياها من عملهما السّابق في مجال الموسيقى والمؤثّرات الصوتيّة، حيث كان أبو أنس مغنيا يرى نفسه يدعو من خلال أغانيه إلى الحقّ والعدالة، ويساعده أبو عثمان العامل معه في فرقته الموسيقيّة.

وخاض مع إخوانه الكثير من الغزوات دفاعاً عن ديار المسلمين وأصيب فيها مرّتين، كما فقد تقبله الله تعالى أفراداً من أسرته -نحسبهم من الشهداء والله تعالى حسيبهم- كان آخرهم في حياته ابنته الكبرى، الّتي قتلت في الباغوز، ولم يعش بعدها حياتاً طويلة إذ استهدفته طائرة صليبيّة فقتل تقبله الله تعالى، ولحق به شقيقه أبو عثمان بعد أيّام قليلة بنفس الطريقة، نسأل الله الكريم أن يتقبّل هجرتهم وجهادهم في سبيله سبحانه، وأن يرزقهم الفردوس الأعلى من الجنّة.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 173
الخميس 7 رجب 1440 هـ
...المزيد
يتم الآن تحديث اوقات الصلاة ...
00:00:00 يتبقى على
18 شعبان 1447
الفجر 00:00 الظهر 00:00 العصر 00:00 المغرب 00:00 العشاء 00:00

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً