مقال / تُحف الذاكرين (3) الحمد لله حمدا حمدا والشكر له شكرا شكرا، والصلاة والسلام على نبيا ...

مقال / تُحف الذاكرين (3)


الحمد لله حمدا حمدا والشكر له شكرا شكرا، والصلاة والسلام على نبيا محمد خير الورى طُرا، وعلى آله وأصحابه الصابرين على الحق حلوا ومرّا، ومَن تبعهم بإحسان إلى يومٍ يُجازى فيه العباد على ما عملوه خيرا وشرا، وبعد.
فهذه تتمة لتُحف الذاكرين التي أعدها الله تعالى لهم، والتي بدأناها فيما سبق:

التحفة الخامسة: الفلاح والفوز، قال الله عز وجل: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة:10]، ولم يرضَ ربُّنا سبحانه وتعالى مِن ذكره إلا بالكثير، قال ابن عباس رضي الله عنهما: "لا يفرض سبحانه على عباده فريضة إلا جعل لها حدًّا معلومًا، ثم عذر أهلها في حال عذر غير الذكر، فإن الله لم يجعل له حدًّا ينتهي إليه، ولم يعذر أحدا في تركه إلا مغلوبا على عقله، قال: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ}، بالليل والنهار في البر والبحر، وفي السفر والحضر، والغنى والفقر، والسقم والصحة، والسر والعلانية، وعلى كل حال" [تفسير الطبري].

فحال المؤمن أنه كثير الذكر لله، ولذلك وصف الله مَن قلّ ذكره له بالنفاق، فقال تعالى: {وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء:142]، وجعل الله مآل الذاكرين الفلاح وهو الفوز بدخول الجنة والنجاة من النار؛ لأن ذكر الله يثقّل الموازين ويقود الإنسان إلى ترك المعاصي وبغضها، بل فيه مغفرة للذنوب وبذلك يُحصّل الإنسان الغاية المطلوبة {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} [آل عمران:185].

والذاكرون يسبقون غيرهم كما قال صلى الله عليه وسلم: (سبق المفَرِّدون قالوا: و ما المفَرِّدون يا رسول الله قال: الذاكرون الله كثيرا والذاكرات)، وفي رواية: (المستهترون لذكر الله عز وجل، يضع الذكر عنهم أثقالهم فيأتون يوم القيامة خفافا) [مسلم] (والمستهترون أي: المولعون بالذكر المداومون عليه)، وهذا فوز عظيم أن توضع عنهم أثقالهم فيأتوا يوم القيامة خفافا، ثم تكون لهم الجنة بعد ذلك، جعلنا الله منهم.

التحفة السادسة: الخروج من الظلمات إلى النور، قال عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} [الأحزاب:41-43]، فبذكر الله كثيرا يُصلي الله على عبده، روى البخاري عن أبي العالية: "صلاة الله: ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء"، وقال الطبري رحمه الله: "إذا أنتم فعلتم ذلك، الذي يرحمكم، ويثني عليكم هو، ويدعو لكم ملائكته. وقيل: إن معنى قوله {يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ}: يشيع عنكم الذكر الجميل في عباد الله. وقوله: {لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} يقول: تدعو ملائكة الله لكم؛ فيخرجكم الله من الضلالة إلى الهدى، ومن الكفر إلى الإيمان. [التفسير]

وأول نور الذكر ما يجده الذاكر من النور في قلبه بمعرفته الحق وأهله وانشراحه للحق ومحبته له، كما قال تعالى: {وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} [الحجرات:7]، بينما تارك الذكر لله مغمور في ظلمة الغفلة قلبه مظلم مشمئز من الذكر، {وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [الزمر:45]، وقال تعالى: {أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّنْ رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِّنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} [الزمر:22]، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب، وإن أبعد الناس من الله القاسي) [الترمذي].

ويُعطى الذاكر نورًا في اتباع الحق بعدما وُفق لمعرفته، بينما قليل الذكر لا يوفق لاتباعه والعمل به!؛ فهو في ظلمة الهوى وظلمة تزيين الباطل وظلمة التعلق بالدنيا، ولم يوفَق الكثير من الناس للنفير والجهاد بسبب تلك الظلمات، ويُعطى الذاكر نورَ الفراسة وتمييز الحق من الباطل حين اشتباه الأمور، فيرى بنور الله ما لا يراه الغافلون ويُدرك مآلات الأحداث ويتفطّن لخطوات الشيطان من أولها.


وهذا النور لمن ذكَر الله بقلبه ولسانه معاً، فكثير يذكرون الله بألسنتهم لا بقلوبهم فلا ينتفعون، أما من تواطأ قلبه ولسانه الذكرَ فإنه يستشعر عظمة الله، فمحال لمثله أن يقول: "سبحان الله" وينزّه الله عما لا يليق به ثم يرضى بمشّرع سوى الله جاعلا نفسه نداً لله، ومحال أن يقول: "الحمد لله" ثم يعزو الفضائل والنعم للطاغوت الكافر بالله المبدل لشرع الله، ومحال أن يقول: "لا إله إلا الله" ويشرك بالله في حكمه ويُقر بمعبود سوى الله، ومحال أن يقول: "الله أكبر" فيخشى سواه أو يترك منهاج الحق نزولا تحت ضغط الواقع وهو يعلم أنه لا أكبر من الله شيء، هذه معاني النور في الذكر يوفَّق إليها من كان صادقًا وأراد هيمنة نور الله في الأرض.

التحفة السابعة: القوة على طاعة الله، قال هود عليه السلام لقومه: {وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ} [هود:52] وقال تعالى حين أرسل موسى عليه السلام إلى فرعون: {اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي} [طه:42] قال ابن كثير: "والمراد أنهما لا يفتران في ذكر الله، بل يذكران الله في حال مواجهة فرعون، ليكون ذكر الله عونا لهما عليه، وقوة لهما وسلطانا كاسرا له، كما جاء في الحديث: "إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو مناجز قِرْنه". [التفسير]، والمعنى: أي أن عبدي الحقيقي، الذي أخلص في العبادة، ولم يغفل عن ذكري، هو من ذكرني في ساحة القتال مع قرنه وخصمه.

فذكر الله قوة للمؤمن على طاعة الله، وتركه ضعف وعجز، وسبب لاقتراف الذنوب والوهن النفسي، والقوة الحقيقية هي قوة الإيمان ولزوم الحق لا قوة الجسد، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: (ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) [البخاري].

وفي المقابل فإن الكسل حقيقته كسل القلب لا كسل البدن؛ لأنه من الشيطان، وقد كان عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله من الكسل، وإن أول مراتب الضعف قلة ذكر الله لذلك قرَن الله بين الكسل وقلة الذكر في كلامه عن المنافقين فقال سبحانه: {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء:142]، ومن أراد علاج ما به من ضعف أو عجز أو كسل، فأول ما عليه أن يكثر من ذكر الله، ليطرد وساوس الشيطان، وسيجد بعد ذلك عزمًا على الطاعة وقوة على النفس في كبح جماحها عن المساوئ أو ترويضها على الشدائد، وعلى من أراد التوفيق للجهاد أن يكثر من الذكر، والمجاهد أيضا إن أراد العون على جهاده فليكثر من ذكر الله، فإنه من أعظم أسباب العون.

هذه بعض تحف الذاكرين وإنها كثيرة لمن تدبّرها وتبحّثها في كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أفرد لها العلماء كتبا وأجزاء حديثية، ومع يُسْر هذه العبادة إلا أنه لا يوفق لها إلا النُدرة الطيّبة من عباد الله، فحرصًا حرصًا على ركوب مطايا الذاكرين، وحذرًا حذرًا من ارتضاء سبيل الغافلين الغاوين.

والمجاهد في سبيل الله بهذه الوصية أخص؛ لأنه المأمور بعدم الفتور عن ذكر الله، فهو الأحوج إليه، والشياطين حوله تنتظر منه غفلة لتتهجّم عليه، فليحذر من الثغْرة ولينتبه من الغِرّة، والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 298
الخميس 26 ذي الحجة 1442 هـ
...المزيد

مقال / تُحف الذاكرين (3) الحمد لله حمدا حمدا والشكر له شكرا شكرا، والصلاة والسلام على نبيا ...

مقال / تُحف الذاكرين (3)


الحمد لله حمدا حمدا والشكر له شكرا شكرا، والصلاة والسلام على نبيا محمد خير الورى طُرا، وعلى آله وأصحابه الصابرين على الحق حلوا ومرّا، ومَن تبعهم بإحسان إلى يومٍ يُجازى فيه العباد على ما عملوه خيرا وشرا، وبعد.
فهذه تتمة لتُحف الذاكرين التي أعدها الله تعالى لهم، والتي بدأناها فيما سبق:

التحفة الخامسة: الفلاح والفوز، قال الله عز وجل: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة:10]، ولم يرضَ ربُّنا سبحانه وتعالى مِن ذكره إلا بالكثير، قال ابن عباس رضي الله عنهما: "لا يفرض سبحانه على عباده فريضة إلا جعل لها حدًّا معلومًا، ثم عذر أهلها في حال عذر غير الذكر، فإن الله لم يجعل له حدًّا ينتهي إليه، ولم يعذر أحدا في تركه إلا مغلوبا على عقله، قال: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ}، بالليل والنهار في البر والبحر، وفي السفر والحضر، والغنى والفقر، والسقم والصحة، والسر والعلانية، وعلى كل حال" [تفسير الطبري].

فحال المؤمن أنه كثير الذكر لله، ولذلك وصف الله مَن قلّ ذكره له بالنفاق، فقال تعالى: {وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء:142]، وجعل الله مآل الذاكرين الفلاح وهو الفوز بدخول الجنة والنجاة من النار؛ لأن ذكر الله يثقّل الموازين ويقود الإنسان إلى ترك المعاصي وبغضها، بل فيه مغفرة للذنوب وبذلك يُحصّل الإنسان الغاية المطلوبة {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} [آل عمران:185].

والذاكرون يسبقون غيرهم كما قال صلى الله عليه وسلم: (سبق المفَرِّدون قالوا: و ما المفَرِّدون يا رسول الله قال: الذاكرون الله كثيرا والذاكرات)، وفي رواية: (المستهترون لذكر الله عز وجل، يضع الذكر عنهم أثقالهم فيأتون يوم القيامة خفافا) [مسلم] (والمستهترون أي: المولعون بالذكر المداومون عليه)، وهذا فوز عظيم أن توضع عنهم أثقالهم فيأتوا يوم القيامة خفافا، ثم تكون لهم الجنة بعد ذلك، جعلنا الله منهم.

التحفة السادسة: الخروج من الظلمات إلى النور، قال عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} [الأحزاب:41-43]، فبذكر الله كثيرا يُصلي الله على عبده، روى البخاري عن أبي العالية: "صلاة الله: ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء"، وقال الطبري رحمه الله: "إذا أنتم فعلتم ذلك، الذي يرحمكم، ويثني عليكم هو، ويدعو لكم ملائكته. وقيل: إن معنى قوله {يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ}: يشيع عنكم الذكر الجميل في عباد الله. وقوله: {لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} يقول: تدعو ملائكة الله لكم؛ فيخرجكم الله من الضلالة إلى الهدى، ومن الكفر إلى الإيمان. [التفسير]

وأول نور الذكر ما يجده الذاكر من النور في قلبه بمعرفته الحق وأهله وانشراحه للحق ومحبته له، كما قال تعالى: {وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} [الحجرات:7]، بينما تارك الذكر لله مغمور في ظلمة الغفلة قلبه مظلم مشمئز من الذكر، {وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [الزمر:45]، وقال تعالى: {أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّنْ رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِّنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} [الزمر:22]، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب، وإن أبعد الناس من الله القاسي) [الترمذي].

ويُعطى الذاكر نورًا في اتباع الحق بعدما وُفق لمعرفته، بينما قليل الذكر لا يوفق لاتباعه والعمل به!؛ فهو في ظلمة الهوى وظلمة تزيين الباطل وظلمة التعلق بالدنيا، ولم يوفَق الكثير من الناس للنفير والجهاد بسبب تلك الظلمات، ويُعطى الذاكر نورَ الفراسة وتمييز الحق من الباطل حين اشتباه الأمور، فيرى بنور الله ما لا يراه الغافلون ويُدرك مآلات الأحداث ويتفطّن لخطوات الشيطان من أولها.


وهذا النور لمن ذكَر الله بقلبه ولسانه معاً، فكثير يذكرون الله بألسنتهم لا بقلوبهم فلا ينتفعون، أما من تواطأ قلبه ولسانه الذكرَ فإنه يستشعر عظمة الله، فمحال لمثله أن يقول: "سبحان الله" وينزّه الله عما لا يليق به ثم يرضى بمشّرع سوى الله جاعلا نفسه نداً لله، ومحال أن يقول: "الحمد لله" ثم يعزو الفضائل والنعم للطاغوت الكافر بالله المبدل لشرع الله، ومحال أن يقول: "لا إله إلا الله" ويشرك بالله في حكمه ويُقر بمعبود سوى الله، ومحال أن يقول: "الله أكبر" فيخشى سواه أو يترك منهاج الحق نزولا تحت ضغط الواقع وهو يعلم أنه لا أكبر من الله شيء، هذه معاني النور في الذكر يوفَّق إليها من كان صادقًا وأراد هيمنة نور الله في الأرض.

التحفة السابعة: القوة على طاعة الله، قال هود عليه السلام لقومه: {وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ} [هود:52] وقال تعالى حين أرسل موسى عليه السلام إلى فرعون: {اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي} [طه:42] قال ابن كثير: "والمراد أنهما لا يفتران في ذكر الله، بل يذكران الله في حال مواجهة فرعون، ليكون ذكر الله عونا لهما عليه، وقوة لهما وسلطانا كاسرا له، كما جاء في الحديث: "إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو مناجز قِرْنه". [التفسير]، والمعنى: أي أن عبدي الحقيقي، الذي أخلص في العبادة، ولم يغفل عن ذكري، هو من ذكرني في ساحة القتال مع قرنه وخصمه.

فذكر الله قوة للمؤمن على طاعة الله، وتركه ضعف وعجز، وسبب لاقتراف الذنوب والوهن النفسي، والقوة الحقيقية هي قوة الإيمان ولزوم الحق لا قوة الجسد، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: (ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) [البخاري].

وفي المقابل فإن الكسل حقيقته كسل القلب لا كسل البدن؛ لأنه من الشيطان، وقد كان عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله من الكسل، وإن أول مراتب الضعف قلة ذكر الله لذلك قرَن الله بين الكسل وقلة الذكر في كلامه عن المنافقين فقال سبحانه: {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء:142]، ومن أراد علاج ما به من ضعف أو عجز أو كسل، فأول ما عليه أن يكثر من ذكر الله، ليطرد وساوس الشيطان، وسيجد بعد ذلك عزمًا على الطاعة وقوة على النفس في كبح جماحها عن المساوئ أو ترويضها على الشدائد، وعلى من أراد التوفيق للجهاد أن يكثر من الذكر، والمجاهد أيضا إن أراد العون على جهاده فليكثر من ذكر الله، فإنه من أعظم أسباب العون.

هذه بعض تحف الذاكرين وإنها كثيرة لمن تدبّرها وتبحّثها في كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أفرد لها العلماء كتبا وأجزاء حديثية، ومع يُسْر هذه العبادة إلا أنه لا يوفق لها إلا النُدرة الطيّبة من عباد الله، فحرصًا حرصًا على ركوب مطايا الذاكرين، وحذرًا حذرًا من ارتضاء سبيل الغافلين الغاوين.

والمجاهد في سبيل الله بهذه الوصية أخص؛ لأنه المأمور بعدم الفتور عن ذكر الله، فهو الأحوج إليه، والشياطين حوله تنتظر منه غفلة لتتهجّم عليه، فليحذر من الثغْرة ولينتبه من الغِرّة، والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 298
الخميس 26 ذي الحجة 1442 هـ
...المزيد

صحيفة النبأ 298 / بل الساعة موعدهم! وعَد اللهُ تعالى عباده المؤمنين القائمين على أمره بالغلبة ...

صحيفة النبأ 298 / بل الساعة موعدهم!


وعَد اللهُ تعالى عباده المؤمنين القائمين على أمره بالغلبة والفوز في الدارين، وفي المقابل توعّد الكافرين على اختلاف طوائفهم وتحالفاتهم بالهزيمة في الدنيا والعذاب في الآخرة، وهذا مِن عدله سبحانه وتعالى بأن فرّق في الجزاء والعاقبة بين مَن آمن به وكفر به، فجعل الجنة عقبى الذين اتقوا، وعقبى الكافرين النار.

ولقد قرنت آيات القرآن الكريم في غير موضع بين هزيمة الكافرين في الدنيا وعذابهم في الآخرة، وأكّدت أنّ عذابهم في الآخرة سيكون أدهى وأشدّ عليهم من هزيمة الدنيا، وأنّ تحالفاتهم وحشودهم ضد المسلمين مهما كثرت وتعددت في الدنيا، فإنّ مصيرها الحشر إلى جهنم وبئس المهاد!، قال تعالى: {قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ}، وقال تعالى: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ * بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ}.

وبناء على ما تقدّم من الوحي، فإنّ على الكافرين ألا ينتظروا هزيمتهم وخسارتهم في الدنيا وحسب، بل عليهم أن ينتظروا -إن لم يتوبوا- خسارتهم الكبرى والدائمة يوم القيامة، يوم يُصيبهم من الحسرة والمذلة والعذاب أضعاف ما يلاقونه اليوم على أيدي المجاهدين في أكبر "معركة استنزاف واستدراج" شهدها التاريخ المعاصر، وتورّطت فيها أكبر وأكثر جيوش الكفر والردة، وسيقت إليها طوعا أو كرها.

لذلك لم يكن "التحالف الإفريقي" الجديد الذي عقده الصليبيون ضد الدولة الإسلامية في وسط إفريقية إلا صورةً أخرى من صور الاستدراج الإلهي للكافرين نحو هاوية الاندحار والهزيمة بإذنه تعالى، وباباً جديداً من أبواب الاستنزاف والمطاولة.

فبعد سنوات من المفاوضات والخصومات قررت دول إفريقية تشكيل "تحالف إقليمي" لمواجهة الدولة الإسلامية في موزمبيق، يشرف على تدريبه ضباط من البرتغال وأمريكا، وشاركت فيه حتى اللحظة كل من: "رواندا، بوتسوانا، زيمبابوي، جنوب إفريقية" وحتى "أنغولا" إضافة إلى دول أخرى ما زالت تشاور نفسها وتندب حظها!

التحالف الإفريقي الذي بالكاد التأم، بدأ منقسماً على نفسه بسبب خلافات من الحقب السابقة لعل أبرزها اعتراض "المعارضة الموزمبيقية" على وصول قوات "رواندا" بطريقة شبّهوها بالصفقات السرية الفاشلة التي أبرمتها حكومتهم مع شركات مرتزقة روسية وجنوب إفريقية لقتال المجاهدين، ما يُهدد بإشعال فتيل النزاع القديم بين الحكومة والمعارضة بعد سنوات من الكمون، إضافة إلى تحديات أخرى ينتظرها هذا التحالف الكفري الذي شكّلته دولٌ ممزقة اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً.

ويحاول الكافرون والمنافقون عبر وسائل إعلامهم، تصوير الحرب والمعارك الدائرة في شمال موزمبيق على أنها "حرب على الغاز"! متعامين عن وجود الغزو الصليبي القديم الجديد للمسلمين وديارهم في تلك المنطقة والتي تعرضت لأبشع الجرائم والمجازر التي ارتكبها النصارى وجيوشهم بحق المسلمين، وهذا التضليل المتعمد إنما هو امتداد لحملة التشويه الممنهجة التي رافقت تمدد الدولة الإسلامية إلى الشام.

إن الدولة الإسلامية تقاتل اليوم الكافرين في وسط إفريقية، جهاداً في سبيل الله تعالى ونصرةً للإسلام وذوداً عن حياضه، وتطبيقاً للغاية التي خلقنا الله تعالى من أجلها، وهي توحيده سبحانه، ولا سبيل إلى تحقيق ذلك إلا بقتال مَن أشرك به وناصب المسلمين العداء، ولأجل هذه الغاية سعّر المجاهدون حروبهم ضد جيوش الصليب في موزمبيق والكونغو، وعندها بان الفرق بين مَن ينتصر للمسلمين وجراحاتهم ويثأر لدينهم وحرماتهم، وبين مَن لا تعدو جراحاتهم بالنسبة إليه سوى "مادة إعلامية" يوظّفها سياسياً في تصفية حساباته مع خصومه السياسيين، كما رأينا مؤخرا في مواقف الطواغيت ودعاتهم تجاه قضايا: الإيغور وتركستان وبورما والشام وغيرها.

وفي الكونغو أيضا تم إرسال قوات من دول: "أوغندا، وكينيا، والصومال" وغيرها، بهدف تشكيل تحالف كفري آخر لمواجهة جنود الخلافة في شرق الكونغو، خصوصاً بعد أن شهد العمل العسكري هناك -بفضل الله تعالى- تطوراً ملحوظاً وتوثيقاً إعلامياً مستمراً لأغلب الهجمات التي تستهدف دوريات الجيش وميليشياته، وتستهدف النصارى وقراهم وقوافلهم على الطرق التجارية الرئيسة، في إطار الحرب الاقتصادية الكبرى التي يشنّها جنود الخلافة، وهي أوسع حرب استنزاف توجّه مِن المسلمين ضد الكافرين، بعد أن كان اتجاه الحروب طيلة العقود الماضية معاكساً يسرق فيه الصليبيون ثروات المسلمين وينهبون خيراتهم ويستنزفون طاقاتهم.

وهذا مما يُحسب للدولة الإسلامية -بفضل الله تعالى- وهي تجابه الباطل برجالٍ فقهوا معنى قوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ}، وأدركوا معنى قتال المشركين كافة، فلم يعد القتال قتالاً وطنياً ولا قطرياً ولا اضطرارياً ولا ارتهاناً لمحاور الداعمين، ولا تماشياً مع الأجندات، ولا خدمةً لثورات البرلمانات! كلا، بل جهاداً شرعياً في سبيل الله تعالى، لا يرى مصلحة أكبر من التوحيد ولا يرى مفسدة أسوأ من الشرك، ينصر الإسلام بالإسلام لا بسواه، وهذا هو سرُّ التوفيق الكبير الذي يلمسه المجاهدون على الأرض، وهو ما يفسّر أيضاً أسباب اجتماع كلّ أحزاب الباطل ضد دولة الإسلام، فقد خالفت أهواءهم وتوقعاتهم جميعاً، فلا عجب أن يشتدوا في طلبها وحربها، فعلى قدر مفارقة معسكر الباطل ومفاصلته تكون الحرب! وقد قبِلها جنود الخلافة وهم على استعداد أن يدفعوا أثمانها مهما علت، فما عند الله خير وأبقى.

وكسائر إخوانهم، نال المجاهدون في الكونغو نصيبهم من حملة التشويه والتضليل المتعمدة، فما زال "الإعلام الحكومي والدولي" في الكونغو يُطلق على جنود الخلافة هناك أسماء محلية غريبة! بعيدة كل البعد عن اسم ورسم دولة الإسلام، وكل ذلك هرباً مِن أن يعترفوا بأنهم يقاتلون اليوم في الكونغو ذات الدولة الإسلامية التي زعموا من قبل القضاء عليها في الباغوز! فسبحان مَن أنفذ بعث الباغوز إلى الكونغو وموزمبيق وأمدّه بمدد مِن عنده، في نصر وتأييدٍ إلهي عرفه مَن عرفه وأنكره مَن أنكره.

أما إخواننا المجاهدين في وسط إفريقية، فنوصيهم بعد التوكل على الله تعالى، أن يُجهّزوا أنفسهم ويشحذوا هممهم ويحدّوا سيوفهم ففرائس الصليبيين تتدافع إلى فخاخهم، فليُحكموا الكمائن ويُطْبقوا الشراك، وليُشعلوا الأدغال والغابات عليهم نارا وليجعلوا خسائرهم بعدد حملاتهم، وليستعينوا بالله تعالى عليهم، ويتذكروا أنّ المعركة لا تنتهي في الأرض بل يوم العرض على الله تعالى، فليطيبوا بذلك نفساً فإنها معركة محسومة لا يخسر فيها المسلم أبداً، فهو يتنقل بين أجرين وخيرين، بين إحدى الحسنيين، أما الكافرون فموعدهم بعد كل هذه الحروب والتحالفات؛ الساعة! والساعة أدهى وأمرّ.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 298
الخميس 26 ذي الحجة 1442 هـ
...المزيد

صحيفة النبأ 298 / بل الساعة موعدهم! وعَد اللهُ تعالى عباده المؤمنين القائمين على أمره بالغلبة ...

صحيفة النبأ 298 / بل الساعة موعدهم!


وعَد اللهُ تعالى عباده المؤمنين القائمين على أمره بالغلبة والفوز في الدارين، وفي المقابل توعّد الكافرين على اختلاف طوائفهم وتحالفاتهم بالهزيمة في الدنيا والعذاب في الآخرة، وهذا مِن عدله سبحانه وتعالى بأن فرّق في الجزاء والعاقبة بين مَن آمن به وكفر به، فجعل الجنة عقبى الذين اتقوا، وعقبى الكافرين النار.

ولقد قرنت آيات القرآن الكريم في غير موضع بين هزيمة الكافرين في الدنيا وعذابهم في الآخرة، وأكّدت أنّ عذابهم في الآخرة سيكون أدهى وأشدّ عليهم من هزيمة الدنيا، وأنّ تحالفاتهم وحشودهم ضد المسلمين مهما كثرت وتعددت في الدنيا، فإنّ مصيرها الحشر إلى جهنم وبئس المهاد!، قال تعالى: {قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ}، وقال تعالى: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ * بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ}.

وبناء على ما تقدّم من الوحي، فإنّ على الكافرين ألا ينتظروا هزيمتهم وخسارتهم في الدنيا وحسب، بل عليهم أن ينتظروا -إن لم يتوبوا- خسارتهم الكبرى والدائمة يوم القيامة، يوم يُصيبهم من الحسرة والمذلة والعذاب أضعاف ما يلاقونه اليوم على أيدي المجاهدين في أكبر "معركة استنزاف واستدراج" شهدها التاريخ المعاصر، وتورّطت فيها أكبر وأكثر جيوش الكفر والردة، وسيقت إليها طوعا أو كرها.

لذلك لم يكن "التحالف الإفريقي" الجديد الذي عقده الصليبيون ضد الدولة الإسلامية في وسط إفريقية إلا صورةً أخرى من صور الاستدراج الإلهي للكافرين نحو هاوية الاندحار والهزيمة بإذنه تعالى، وباباً جديداً من أبواب الاستنزاف والمطاولة.

فبعد سنوات من المفاوضات والخصومات قررت دول إفريقية تشكيل "تحالف إقليمي" لمواجهة الدولة الإسلامية في موزمبيق، يشرف على تدريبه ضباط من البرتغال وأمريكا، وشاركت فيه حتى اللحظة كل من: "رواندا، بوتسوانا، زيمبابوي، جنوب إفريقية" وحتى "أنغولا" إضافة إلى دول أخرى ما زالت تشاور نفسها وتندب حظها!

التحالف الإفريقي الذي بالكاد التأم، بدأ منقسماً على نفسه بسبب خلافات من الحقب السابقة لعل أبرزها اعتراض "المعارضة الموزمبيقية" على وصول قوات "رواندا" بطريقة شبّهوها بالصفقات السرية الفاشلة التي أبرمتها حكومتهم مع شركات مرتزقة روسية وجنوب إفريقية لقتال المجاهدين، ما يُهدد بإشعال فتيل النزاع القديم بين الحكومة والمعارضة بعد سنوات من الكمون، إضافة إلى تحديات أخرى ينتظرها هذا التحالف الكفري الذي شكّلته دولٌ ممزقة اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً.

ويحاول الكافرون والمنافقون عبر وسائل إعلامهم، تصوير الحرب والمعارك الدائرة في شمال موزمبيق على أنها "حرب على الغاز"! متعامين عن وجود الغزو الصليبي القديم الجديد للمسلمين وديارهم في تلك المنطقة والتي تعرضت لأبشع الجرائم والمجازر التي ارتكبها النصارى وجيوشهم بحق المسلمين، وهذا التضليل المتعمد إنما هو امتداد لحملة التشويه الممنهجة التي رافقت تمدد الدولة الإسلامية إلى الشام.

إن الدولة الإسلامية تقاتل اليوم الكافرين في وسط إفريقية، جهاداً في سبيل الله تعالى ونصرةً للإسلام وذوداً عن حياضه، وتطبيقاً للغاية التي خلقنا الله تعالى من أجلها، وهي توحيده سبحانه، ولا سبيل إلى تحقيق ذلك إلا بقتال مَن أشرك به وناصب المسلمين العداء، ولأجل هذه الغاية سعّر المجاهدون حروبهم ضد جيوش الصليب في موزمبيق والكونغو، وعندها بان الفرق بين مَن ينتصر للمسلمين وجراحاتهم ويثأر لدينهم وحرماتهم، وبين مَن لا تعدو جراحاتهم بالنسبة إليه سوى "مادة إعلامية" يوظّفها سياسياً في تصفية حساباته مع خصومه السياسيين، كما رأينا مؤخرا في مواقف الطواغيت ودعاتهم تجاه قضايا: الإيغور وتركستان وبورما والشام وغيرها.

وفي الكونغو أيضا تم إرسال قوات من دول: "أوغندا، وكينيا، والصومال" وغيرها، بهدف تشكيل تحالف كفري آخر لمواجهة جنود الخلافة في شرق الكونغو، خصوصاً بعد أن شهد العمل العسكري هناك -بفضل الله تعالى- تطوراً ملحوظاً وتوثيقاً إعلامياً مستمراً لأغلب الهجمات التي تستهدف دوريات الجيش وميليشياته، وتستهدف النصارى وقراهم وقوافلهم على الطرق التجارية الرئيسة، في إطار الحرب الاقتصادية الكبرى التي يشنّها جنود الخلافة، وهي أوسع حرب استنزاف توجّه مِن المسلمين ضد الكافرين، بعد أن كان اتجاه الحروب طيلة العقود الماضية معاكساً يسرق فيه الصليبيون ثروات المسلمين وينهبون خيراتهم ويستنزفون طاقاتهم.

وهذا مما يُحسب للدولة الإسلامية -بفضل الله تعالى- وهي تجابه الباطل برجالٍ فقهوا معنى قوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ}، وأدركوا معنى قتال المشركين كافة، فلم يعد القتال قتالاً وطنياً ولا قطرياً ولا اضطرارياً ولا ارتهاناً لمحاور الداعمين، ولا تماشياً مع الأجندات، ولا خدمةً لثورات البرلمانات! كلا، بل جهاداً شرعياً في سبيل الله تعالى، لا يرى مصلحة أكبر من التوحيد ولا يرى مفسدة أسوأ من الشرك، ينصر الإسلام بالإسلام لا بسواه، وهذا هو سرُّ التوفيق الكبير الذي يلمسه المجاهدون على الأرض، وهو ما يفسّر أيضاً أسباب اجتماع كلّ أحزاب الباطل ضد دولة الإسلام، فقد خالفت أهواءهم وتوقعاتهم جميعاً، فلا عجب أن يشتدوا في طلبها وحربها، فعلى قدر مفارقة معسكر الباطل ومفاصلته تكون الحرب! وقد قبِلها جنود الخلافة وهم على استعداد أن يدفعوا أثمانها مهما علت، فما عند الله خير وأبقى.

وكسائر إخوانهم، نال المجاهدون في الكونغو نصيبهم من حملة التشويه والتضليل المتعمدة، فما زال "الإعلام الحكومي والدولي" في الكونغو يُطلق على جنود الخلافة هناك أسماء محلية غريبة! بعيدة كل البعد عن اسم ورسم دولة الإسلام، وكل ذلك هرباً مِن أن يعترفوا بأنهم يقاتلون اليوم في الكونغو ذات الدولة الإسلامية التي زعموا من قبل القضاء عليها في الباغوز! فسبحان مَن أنفذ بعث الباغوز إلى الكونغو وموزمبيق وأمدّه بمدد مِن عنده، في نصر وتأييدٍ إلهي عرفه مَن عرفه وأنكره مَن أنكره.

أما إخواننا المجاهدين في وسط إفريقية، فنوصيهم بعد التوكل على الله تعالى، أن يُجهّزوا أنفسهم ويشحذوا هممهم ويحدّوا سيوفهم ففرائس الصليبيين تتدافع إلى فخاخهم، فليُحكموا الكمائن ويُطْبقوا الشراك، وليُشعلوا الأدغال والغابات عليهم نارا وليجعلوا خسائرهم بعدد حملاتهم، وليستعينوا بالله تعالى عليهم، ويتذكروا أنّ المعركة لا تنتهي في الأرض بل يوم العرض على الله تعالى، فليطيبوا بذلك نفساً فإنها معركة محسومة لا يخسر فيها المسلم أبداً، فهو يتنقل بين أجرين وخيرين، بين إحدى الحسنيين، أما الكافرون فموعدهم بعد كل هذه الحروب والتحالفات؛ الساعة! والساعة أدهى وأمرّ.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 298
الخميس 26 ذي الحجة 1442 هـ
...المزيد

محاربة الخلافة مع اتساع الحرب على الدولة الإسلامية طولا وعرضا، انخرطت شريحة واسعة من خصومها في ...

محاربة الخلافة


مع اتساع الحرب على الدولة الإسلامية طولا وعرضا، انخرطت شريحة واسعة من خصومها في مهمة واحدة هي محاربة مشروعها المبارك، ولو سألتَ هؤلاء عن ماهية مشروعهم فلن يجدوا إلى ذلك سبيلا، لأنهم بلا مشروع سوى حربها والتآمر عليها، فهم مخالفون لها مختلفون معها متخلّفون عنها، وما أكثرهم ولو حرصت بمؤمنين.

ورغم اختلاف راياتهم، تقاطعت مصالح أعداء الدولة الإسلامية سواء كانوا كفارا أصليين، أو حكومات وأحزابا مرتدين، أو مرضى قلوب ومنافقين، أو خصوما مناوئين، أو منتكسين متساقطين تعبوا من لأواء الطريق ووعورته، فاختاروا مفارقته وقعدوا على قارعته يصدون عنه، فارتكبوا الجرم مضاعفا، وبنوا بأيديهم حاجزا بينهم وبين الهداية فاستحقوا بذلك دوام الغواية، وحيل بينهم وبين قلوبهم! وغدا يُحال بينهم وبين ما يشتهون.


• مقتبس من صحيفة النبأ – العدد 523
حرب بين مشروعين
...المزيد

محاربة الخلافة مع اتساع الحرب على الدولة الإسلامية طولا وعرضا، انخرطت شريحة واسعة من خصومها في ...

محاربة الخلافة


مع اتساع الحرب على الدولة الإسلامية طولا وعرضا، انخرطت شريحة واسعة من خصومها في مهمة واحدة هي محاربة مشروعها المبارك، ولو سألتَ هؤلاء عن ماهية مشروعهم فلن يجدوا إلى ذلك سبيلا، لأنهم بلا مشروع سوى حربها والتآمر عليها، فهم مخالفون لها مختلفون معها متخلّفون عنها، وما أكثرهم ولو حرصت بمؤمنين.

ورغم اختلاف راياتهم، تقاطعت مصالح أعداء الدولة الإسلامية سواء كانوا كفارا أصليين، أو حكومات وأحزابا مرتدين، أو مرضى قلوب ومنافقين، أو خصوما مناوئين، أو منتكسين متساقطين تعبوا من لأواء الطريق ووعورته، فاختاروا مفارقته وقعدوا على قارعته يصدون عنه، فارتكبوا الجرم مضاعفا، وبنوا بأيديهم حاجزا بينهم وبين الهداية فاستحقوا بذلك دوام الغواية، وحيل بينهم وبين قلوبهم! وغدا يُحال بينهم وبين ما يشتهون.


• مقتبس من صحيفة النبأ – العدد 523
حرب بين مشروعين
...المزيد

المنهج النبوي مع ضرورة التأكيد على أمر قديم جديد، وهو أن الدولة الإسلامية لم تدَّعِ العصمة يوما، ...

المنهج النبوي

مع ضرورة التأكيد على أمر قديم جديد، وهو أن الدولة الإسلامية لم تدَّعِ العصمة يوما، ولم تحتكر الخيرية مطلقا؛ وإنْ تسنّمت ذرى الجهاد وصانته عن أدران الجاهلية، وقادت ركب الثبات وسط أعاصير التيه العاتية، وهي تدرك وتوقن أن توفيقها وتفوّقها محض فضل ربها عليها، بثباتها على منهاج النبوة الذي اتبعته مبكرا يوم كانت في العراق تؤسس وتغرس قواعد صرح المفاصلة العقائدية مع كافة معسكرات الجاهلية، بينما كان غيرها يغرقون في الرمادية المنهجية التي صبغت مواقفهم حتى يومنا هذا، فرأيناهم في كل واد يهيمون.


• مقتبس من صحيفة النبأ – العدد 523
حرب بين مشروعين
...المزيد

المنهج النبوي مع ضرورة التأكيد على أمر قديم جديد، وهو أن الدولة الإسلامية لم تدَّعِ العصمة يوما، ...

المنهج النبوي

مع ضرورة التأكيد على أمر قديم جديد، وهو أن الدولة الإسلامية لم تدَّعِ العصمة يوما، ولم تحتكر الخيرية مطلقا؛ وإنْ تسنّمت ذرى الجهاد وصانته عن أدران الجاهلية، وقادت ركب الثبات وسط أعاصير التيه العاتية، وهي تدرك وتوقن أن توفيقها وتفوّقها محض فضل ربها عليها، بثباتها على منهاج النبوة الذي اتبعته مبكرا يوم كانت في العراق تؤسس وتغرس قواعد صرح المفاصلة العقائدية مع كافة معسكرات الجاهلية، بينما كان غيرها يغرقون في الرمادية المنهجية التي صبغت مواقفهم حتى يومنا هذا، فرأيناهم في كل واد يهيمون.


• مقتبس من صحيفة النبأ – العدد 523
حرب بين مشروعين
...المزيد

من الوطنية الضيقة إلى الجسد الواحد وعند إمعان النظر في اهتمام شعوب المسلمين بقضية ما، نجد أن ...

من الوطنية الضيقة إلى الجسد الواحد


وعند إمعان النظر في اهتمام شعوب المسلمين بقضية ما، نجد أن ذلك الاهتمام نابع من أمرين: الأول أن هذه القضية طغت وطنيتها على سائر ما فيها، فكان اهتمام الناس بها تأثُّرا بوطنيتها لا بإسلاميتها، وإنْ غلّفوها بعباءة دينية أحيانا.

والأمر الثاني نابع من اهتمام الحكام والأنظمة بهذه القضية لارتباطها الوثيق بمصائرهم السياسية ومصالحهم الأمنية، وبالتالي تصبح حركة الشعوب واهتماماتها، رهنا لحركة الحكومات وتوجهاتها السياسية، فمثلا كثيرون لا يهمهم في قضية السودان سوى المناكفة السياسية لطواغيت الإمارات كونها خصما سياسيا للمحور الآخر الذي يمثله طواغيت آخرون، مع أنّ كلا المحورين المتناحرين في الحكم سواء.

في حين أن الإسلام يربّي المسلم على جعل عقيدة التوحيد ورابطتها هي المحرّك الأساسي تجاه قضايا المسلمين، فالمسلم الليبي يهتم لقضية مسلمي السودان تماما كما يهتم المسلم الشيشاني لقضية مسلمي سوريا، والمسلم النيجيري يتألم لجراح أخيه المسلم العراقي تماما كما يتألم المسلم الأفغاني لجراح أخيه المسلم الفلسطيني، هذا هو الإسلام الذي نعرفه، هكذا تذوب الفوارق الجاهلية والحدود الوطنية لمصلحة الرابطة الدينية التي تحقق الوحدة الإسلامية التي ضلّ الناس سبيلها.


• مقتبس من صحيفة النبأ – العدد 519
السودان بين الإسلام والوطنية
...المزيد

من الوطنية الضيقة إلى الجسد الواحد وعند إمعان النظر في اهتمام شعوب المسلمين بقضية ما، نجد أن ...

من الوطنية الضيقة إلى الجسد الواحد


وعند إمعان النظر في اهتمام شعوب المسلمين بقضية ما، نجد أن ذلك الاهتمام نابع من أمرين: الأول أن هذه القضية طغت وطنيتها على سائر ما فيها، فكان اهتمام الناس بها تأثُّرا بوطنيتها لا بإسلاميتها، وإنْ غلّفوها بعباءة دينية أحيانا.

والأمر الثاني نابع من اهتمام الحكام والأنظمة بهذه القضية لارتباطها الوثيق بمصائرهم السياسية ومصالحهم الأمنية، وبالتالي تصبح حركة الشعوب واهتماماتها، رهنا لحركة الحكومات وتوجهاتها السياسية، فمثلا كثيرون لا يهمهم في قضية السودان سوى المناكفة السياسية لطواغيت الإمارات كونها خصما سياسيا للمحور الآخر الذي يمثله طواغيت آخرون، مع أنّ كلا المحورين المتناحرين في الحكم سواء.

في حين أن الإسلام يربّي المسلم على جعل عقيدة التوحيد ورابطتها هي المحرّك الأساسي تجاه قضايا المسلمين، فالمسلم الليبي يهتم لقضية مسلمي السودان تماما كما يهتم المسلم الشيشاني لقضية مسلمي سوريا، والمسلم النيجيري يتألم لجراح أخيه المسلم العراقي تماما كما يتألم المسلم الأفغاني لجراح أخيه المسلم الفلسطيني، هذا هو الإسلام الذي نعرفه، هكذا تذوب الفوارق الجاهلية والحدود الوطنية لمصلحة الرابطة الدينية التي تحقق الوحدة الإسلامية التي ضلّ الناس سبيلها.


• مقتبس من صحيفة النبأ – العدد 519
السودان بين الإسلام والوطنية
...المزيد

قِوامُ الدَّولة ومَنهجُ النُّصرة (تذكير بوصية الشيخ المتحدث في التحذير من الفرقة والاختلاف) يا ...

قِوامُ الدَّولة ومَنهجُ النُّصرة (تذكير بوصية الشيخ المتحدث في التحذير من الفرقة والاختلاف)


يا جنودَ الخلافة.. الجماعةَ. الجماعةَ، والسمعَ والطاعةَ لأمرائكم في المعروف فهو واجبُ كلِ واحدٍ منكم، وهو قِوامُ دولتِكُم قديما وحديثا به تُحفظُ بيضتُها وتدُوم هيبتُها وينتظِمُ أمرُها، وبضِدِها يحصلُ الفشلُ وتذهبُ القوة، قال تعالى: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}.

وإياكم وتلبيسَ إبليسٍ، فإن شياطينَ الإنسِ والجنِ، تُكثرُ التلبيسَ على المسلمين في هذا الباب، فسُدوا على الشيطان بابَه وردُوه على عقِبِه خاسئا حسيرا وغلِّبوا أمرَ ربِكم القائل: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}، وأمرَ نبيِكم -صلى الله عليه وسلم- حيث قال: (مَن خَلَعَ يَدًا مِن طاعَةٍ، لَقِيَ اللَّهَ يَومَ القِيامَةِ لا حُجَّةَ له، وَمَن ماتَ وَليسَ في عُنُقِهِ بَيْعَةٌ، ماتَ مِيتَةً جاهِلِيَّةً)، فهذا مقامُ الاجتماعِ والطاعةِ والبيعةِ في الإسلام، فعَضُوا عليها بالنواجذ ووفُوا ببيعتكم.

ويشملُ هذا الأمرُ إخواننا المناصرين الذين حملوا رايةَ نُصرةِ الدولة الإسلامية في ساحة الإعلام ونسبوا أنفسَهم إليها، وعقدوا البيعةَ لها من سائر العالم فإن السمع والطاعةَ واجبةٌ على كل فردٍ منهم، فاسمعوا وأطيعوا، وتعاونوا وتطاوعوا، واحذروا الفرقة والاختلاف، واجتنبوا عقيمَ الجدالِ فإنه يُوغِرُ الصدرَ ويُذهب الأجر؛ ولديكم أرشيف كبيرٌ من ميراثِ الدولة الإسلامية المرئي والمسموعِ والمقروء، فاجتهدوا في رفعه وترجمتِه وبثِه في جنباتِ الشبكة العنكبوتية التي لا تنشغلُ هي عن محاربتكم، فزاحموا أهلَ الباطل بنشرِ الهدايةِ والرشاد، وادفعوا شُبُهاتِهم بالحقِ لا بسِواه، انصُروا الشريعةَ بالشريعةِ والسنةَ بالسنة، وادعوا إلى سبيل ربكم بالموعظة الحسنة، وخاطبوا الناسَ على قدرِ عقولِهم فإنما أنتم رسلُ البلاغ، وهي وظيفتُكم الأولى في ميدان الإعلامِ المناصِر، فلا تستبدلوها بشيء سِوى النفيرِ إلى ميادين القتال.

وكونوا على قدْرِ هذه الأمانة، إخلاصا واتباعا وهمة وتفانيا. وامتثلوا توجِيهاتِ إخوانِكم التي تصلكم عبر منابرها الرسمية -حفظ اللهُ القائمين عليها-.


الشيخ أبو حذيفة الأنصاري (حفظه الله تعالى)
من كلمة صوتية بعنوان: { واللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هذا الأمْرُ }
...المزيد

ثم توقفت قصة بسعادة خضراء64. وقعت. عل أرضين وجميع مخلوقات سنتابع

ثم توقفت قصة بسعادة خضراء64. وقعت. عل أرضين وجميع مخلوقات
سنتابع
يتم الآن تحديث اوقات الصلاة ...
00:00:00 يتبقى على
30 رجب 1447
الفجر 00:00 الظهر 00:00 العصر 00:00 المغرب 00:00 العشاء 00:00

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً