مقال: جاه الأكارم (4) -حسن الظن- الحمد لله الكبير المتعال ذي الجلال والإنعام، والصلاة والسلام ...

مقال: جاه الأكارم (4) -حسن الظن-


الحمد لله الكبير المتعال ذي الجلال والإنعام، والصلاة والسلام على نبي الملحمة والمرحمة، وعلى آله وصحبه ومن استنّ بسنته إلى يوم الدين، وبعد.

إن ديننا الحنيف قد جاء بكل ما تصلح به القلوب والأبدان، وأي خلل في حياة العبد فسببه البعد عن المنهج القويم والتمسك بالأوامر والنواهي؛ لأن الله تعالى هو خالقنا وهو أعلم بما يُصلحنا، فأنزل في كتابه كل الأدوية الناجعة لأمراض الأنفس والقلوب، وفي هذا المقام نذكر داء يُتعب ويُضعف القلوب السليمة، وإن استرسل معه صاحبه فإن الشيطان يكرّ عليه مرة بعد أخرى حتى يُلحق به الهزيمة والتلف، ألا وهو سوء الظن بالمسلمين، الذي جاء ذمه مرات كثيرة في القرآن الكريم، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَّعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ} [الحجرات:12]؛ "يقول تعالى ناهيا عباده المؤمنين عن كثير من الظن، وهو التهمة والتخون للأهل والأقارب والناس في غير محله؛ لأن بعض ذلك يكون إثما محضا، فليجتنب كثير منه احتياطا، وروينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك المسلم إلا خيرا، وأنت تجد لها في الخير محملا". [تفسير ابن كثير]، كما أن سوء الظن يؤدي إلى تقطيع الصلات وذهاب المودة وتجذّر العداوة في القلوب السليمات، وهو لا يغني من الحق شيئا قال تعالى: {وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [النجم:28] "أي: لا يجدي شيئا، ولا يقوم أبدا مقام الحق، وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث). [تفسير ابن كثير]

وسوء الظن شبيه بسوء القول، فكما يحرم الحديث باللسان عن مساوئ المؤمن عند الغير، فلا يصح أيضا تحديث النفس وإساءة الظن به، وذكر بعضُهم أن سبب تحريمه أن في القلوب أسرارا لا يعلمها إلا الله تعالى، وليس لأحد أن يعتقد في غيره سوءا لم ينكشف له، ولم يشاهده ولم يسمعه، وهو غالبا إنما يلقيه الشيطان، فينبغي تكذيبه فإنه فاسق مفسد يسعى للتفريق بين المسلمين.

ويتأكد سوء الظن إذا كان المُساء فيه، مسلما ظاهر الصلاح والعدالة، وتستقر تهمته في القلب حتى يعامل المسلمُ أخاه بحسبها وكأنها ثابتة!.

فلا بد للمسلم إن أراد أن يسلم له إيمانه ويسعد قلبُه وبدنُه ويصلح ودّه مع أقرانه، أن يحسن الظن بهم ويجاهد نفسه على ذلك، فتصفو حياته ويسلم من الخواطر التي تؤذي نفسه وتتعب جسده.


• مما يُعين على إحسان الظن بالمسلمين

ومما يُعين على إحسان الظن بإخوانك المسلمين، الاستشعار أنه من محاسن الأعمال الصالحة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (حسن الظن من حسن العبادة) [رواه أبو داود وأحمد].

وأن يعلم أن من الحقوق التي للمسلم على أخيه المسلم أن يحسن الظن به، بل ومن الحرم التي لا ينبغي تجاوزها، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة، ويقول: (ما أطيبك وأطيب ريحك، ما أعظمك وأعظم حرمتك، والذي نفس محمد بيده، لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك، ماله، ودمه، وأن نظن به إلا خيرا) [رواه ابن ماجه]. وكان الإمام الشافعي رحمه الله يقول: "من أحب أن يختم له بخير فليحسن الظن بالناس". وقال بشر الحافي: "من سره أن يسلم فليلزم الصمت وحسن الظن بالخلق".

ومن الأسباب المعينة على إحسان الظن أيضا، الدعاء وما أدراك ما الدعاء؟ يُستدفع به سائر البلايا والأدواء، ويأتي به العون من رب الأرض والسماء، فادع الله ربك جل في علاه أن يرزقك قلبا سليما لا يظن بالمسلمين إلا خيرا، فمِن أدعية النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهمَّ أسألُكَ قلبًا سليمًا) [رواه أحمد]، ومتى كان القلب سليما صلحت سائر الجوارح ولم يجد الشيطان حينئذ ثغرة كي يوغر صدر صاحب ذلك القلب على المسلمين.

ومن الأسباب التي يستجلب بها حسن الظن أن يذكر المرء نفسه أنه إن جعل سوء الظن ديدنه وطبيعة لا تفارقه؛ سينفضّ المسلمون عنه، والعبد لا يقدِر على فقْدِ عِشرَة الأقران، والنفوس مجبولة على حب من يلتمس لها الأعذار ولا يأخذ عنها سيئ الأخبار، فبذلك يردع المرء نفسه، قال أبو حاتم بن حبان البستي في روضة العقلاء: "الواجبُ على العاقل لزوم السلامة بترك التجسس عن عيوب الناس، مع الاشتغال بإصلاح عيوب نفسه؛ فإنَّ من اشتغل بعيوبه عن عيوب غيره أراح بدنَه ولم يُتعب قلبَه، فكلَّما اطَّلع على عيب لنفسه هان عليه ما يرى مثله من أخيه، وإنَّ من اشتغل بعيوب الناس عن عيوب نفسه عميَ قلبُه وتعب بدنُه وتعذَّر عليه ترك عيوب نفسه".

وإن رُزق الإنسان بأخٍ صالح يذكّره إن زلّ فتلك نعمة عظيمة، قال سفيان بن حسين: "ذكرت رجلاً بسوء عند إياس بن معاوية، فنظر في وجهي، وقال: أغزوتَ الرومَ؟ قلت: لا، قال: فالسِّند والهند والترك؟ قلت: لا، قال: أفَتسلَم منك الروم والسِّند والهند والترك، ولم يسلَمْ منك أخوك المسلم؟! قال: فلَم أعُد بعدها". [البداية والنهاية]

ولا بد من الاجتهاد على النفس بتدريبها على إحسان الظن وهذا ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلّمه أصحابه، من ذلك عندما جاءه أعرابي أساء الظن بامرأته لما رُزق منها بمولود أسمر، فقال: يا رسول الله إن امرأتي ولدت غلاما أسودَ وإني أنكرته، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: هل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: ما ألوانها؟ قال: حمر، قال: فهل فيها من أورق؟ قال: نعم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأنى هو؟ قال لعله يا رسول الله يكون نزعه عرق له، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: وهذا لعله يكون نزعه عرق له. [متفق عليه]

وقال بكر بن عبد الله المزني: "إيَّاك من الكلام ما إن أصبتَ فيه لَم تُؤجَر، وإن أخطأت فيه أثمت، وهو سوء الظنِّ بأخيك" [تهذيب التهذيب]، وقال ابن سيرين رحمه الله: "إذا بلغك عن أخيك شيء فالتمس له عذرا، فإن لم تجد فقل: لعل له عذرا لا أعرفه"، وها هو الإمام الشافعي رحمه الله حين مرض وأتاه بعض إخوانه يعوده، فقال للشافعي: قوى الله ضعفك، فقال الشافعي: لو قوى ضعفي لقتلني، قال: والله ما أردتُ إلا الخير، فقال الإمام: أعلم أنك لو سببتني ما أردت إلا الخير!.

فهكذا تكون الأخوة بين المسلمين وهكذا تدوم حبال الود بينهم، بقلوب سليمة نقيّة ليس للشيطان عليها سبيل، اللهم ارزقنا قلوبا سليمة ترى الجميل وتحفظ الود وتُحْسِن الظنّ وتبثّ المحاسن، وتستر العيوب، أنت خالقنا لا حول لنا ولا قوة إلا بك والحمد لله رب العالمين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 304
الخميس 9 صفر 1443 هـ
...المزيد

مقال: جاه الأكارم (4) -حسن الظن- الحمد لله الكبير المتعال ذي الجلال والإنعام، والصلاة والسلام ...

مقال: جاه الأكارم (4) -حسن الظن-


الحمد لله الكبير المتعال ذي الجلال والإنعام، والصلاة والسلام على نبي الملحمة والمرحمة، وعلى آله وصحبه ومن استنّ بسنته إلى يوم الدين، وبعد.

إن ديننا الحنيف قد جاء بكل ما تصلح به القلوب والأبدان، وأي خلل في حياة العبد فسببه البعد عن المنهج القويم والتمسك بالأوامر والنواهي؛ لأن الله تعالى هو خالقنا وهو أعلم بما يُصلحنا، فأنزل في كتابه كل الأدوية الناجعة لأمراض الأنفس والقلوب، وفي هذا المقام نذكر داء يُتعب ويُضعف القلوب السليمة، وإن استرسل معه صاحبه فإن الشيطان يكرّ عليه مرة بعد أخرى حتى يُلحق به الهزيمة والتلف، ألا وهو سوء الظن بالمسلمين، الذي جاء ذمه مرات كثيرة في القرآن الكريم، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَّعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ} [الحجرات:12]؛ "يقول تعالى ناهيا عباده المؤمنين عن كثير من الظن، وهو التهمة والتخون للأهل والأقارب والناس في غير محله؛ لأن بعض ذلك يكون إثما محضا، فليجتنب كثير منه احتياطا، وروينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك المسلم إلا خيرا، وأنت تجد لها في الخير محملا". [تفسير ابن كثير]، كما أن سوء الظن يؤدي إلى تقطيع الصلات وذهاب المودة وتجذّر العداوة في القلوب السليمات، وهو لا يغني من الحق شيئا قال تعالى: {وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [النجم:28] "أي: لا يجدي شيئا، ولا يقوم أبدا مقام الحق، وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث). [تفسير ابن كثير]

وسوء الظن شبيه بسوء القول، فكما يحرم الحديث باللسان عن مساوئ المؤمن عند الغير، فلا يصح أيضا تحديث النفس وإساءة الظن به، وذكر بعضُهم أن سبب تحريمه أن في القلوب أسرارا لا يعلمها إلا الله تعالى، وليس لأحد أن يعتقد في غيره سوءا لم ينكشف له، ولم يشاهده ولم يسمعه، وهو غالبا إنما يلقيه الشيطان، فينبغي تكذيبه فإنه فاسق مفسد يسعى للتفريق بين المسلمين.

ويتأكد سوء الظن إذا كان المُساء فيه، مسلما ظاهر الصلاح والعدالة، وتستقر تهمته في القلب حتى يعامل المسلمُ أخاه بحسبها وكأنها ثابتة!.

فلا بد للمسلم إن أراد أن يسلم له إيمانه ويسعد قلبُه وبدنُه ويصلح ودّه مع أقرانه، أن يحسن الظن بهم ويجاهد نفسه على ذلك، فتصفو حياته ويسلم من الخواطر التي تؤذي نفسه وتتعب جسده.


• مما يُعين على إحسان الظن بالمسلمين

ومما يُعين على إحسان الظن بإخوانك المسلمين، الاستشعار أنه من محاسن الأعمال الصالحة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (حسن الظن من حسن العبادة) [رواه أبو داود وأحمد].

وأن يعلم أن من الحقوق التي للمسلم على أخيه المسلم أن يحسن الظن به، بل ومن الحرم التي لا ينبغي تجاوزها، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة، ويقول: (ما أطيبك وأطيب ريحك، ما أعظمك وأعظم حرمتك، والذي نفس محمد بيده، لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك، ماله، ودمه، وأن نظن به إلا خيرا) [رواه ابن ماجه]. وكان الإمام الشافعي رحمه الله يقول: "من أحب أن يختم له بخير فليحسن الظن بالناس". وقال بشر الحافي: "من سره أن يسلم فليلزم الصمت وحسن الظن بالخلق".

ومن الأسباب المعينة على إحسان الظن أيضا، الدعاء وما أدراك ما الدعاء؟ يُستدفع به سائر البلايا والأدواء، ويأتي به العون من رب الأرض والسماء، فادع الله ربك جل في علاه أن يرزقك قلبا سليما لا يظن بالمسلمين إلا خيرا، فمِن أدعية النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهمَّ أسألُكَ قلبًا سليمًا) [رواه أحمد]، ومتى كان القلب سليما صلحت سائر الجوارح ولم يجد الشيطان حينئذ ثغرة كي يوغر صدر صاحب ذلك القلب على المسلمين.

ومن الأسباب التي يستجلب بها حسن الظن أن يذكر المرء نفسه أنه إن جعل سوء الظن ديدنه وطبيعة لا تفارقه؛ سينفضّ المسلمون عنه، والعبد لا يقدِر على فقْدِ عِشرَة الأقران، والنفوس مجبولة على حب من يلتمس لها الأعذار ولا يأخذ عنها سيئ الأخبار، فبذلك يردع المرء نفسه، قال أبو حاتم بن حبان البستي في روضة العقلاء: "الواجبُ على العاقل لزوم السلامة بترك التجسس عن عيوب الناس، مع الاشتغال بإصلاح عيوب نفسه؛ فإنَّ من اشتغل بعيوبه عن عيوب غيره أراح بدنَه ولم يُتعب قلبَه، فكلَّما اطَّلع على عيب لنفسه هان عليه ما يرى مثله من أخيه، وإنَّ من اشتغل بعيوب الناس عن عيوب نفسه عميَ قلبُه وتعب بدنُه وتعذَّر عليه ترك عيوب نفسه".

وإن رُزق الإنسان بأخٍ صالح يذكّره إن زلّ فتلك نعمة عظيمة، قال سفيان بن حسين: "ذكرت رجلاً بسوء عند إياس بن معاوية، فنظر في وجهي، وقال: أغزوتَ الرومَ؟ قلت: لا، قال: فالسِّند والهند والترك؟ قلت: لا، قال: أفَتسلَم منك الروم والسِّند والهند والترك، ولم يسلَمْ منك أخوك المسلم؟! قال: فلَم أعُد بعدها". [البداية والنهاية]

ولا بد من الاجتهاد على النفس بتدريبها على إحسان الظن وهذا ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلّمه أصحابه، من ذلك عندما جاءه أعرابي أساء الظن بامرأته لما رُزق منها بمولود أسمر، فقال: يا رسول الله إن امرأتي ولدت غلاما أسودَ وإني أنكرته، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: هل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: ما ألوانها؟ قال: حمر، قال: فهل فيها من أورق؟ قال: نعم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأنى هو؟ قال لعله يا رسول الله يكون نزعه عرق له، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: وهذا لعله يكون نزعه عرق له. [متفق عليه]

وقال بكر بن عبد الله المزني: "إيَّاك من الكلام ما إن أصبتَ فيه لَم تُؤجَر، وإن أخطأت فيه أثمت، وهو سوء الظنِّ بأخيك" [تهذيب التهذيب]، وقال ابن سيرين رحمه الله: "إذا بلغك عن أخيك شيء فالتمس له عذرا، فإن لم تجد فقل: لعل له عذرا لا أعرفه"، وها هو الإمام الشافعي رحمه الله حين مرض وأتاه بعض إخوانه يعوده، فقال للشافعي: قوى الله ضعفك، فقال الشافعي: لو قوى ضعفي لقتلني، قال: والله ما أردتُ إلا الخير، فقال الإمام: أعلم أنك لو سببتني ما أردت إلا الخير!.

فهكذا تكون الأخوة بين المسلمين وهكذا تدوم حبال الود بينهم، بقلوب سليمة نقيّة ليس للشيطان عليها سبيل، اللهم ارزقنا قلوبا سليمة ترى الجميل وتحفظ الود وتُحْسِن الظنّ وتبثّ المحاسن، وتستر العيوب، أنت خالقنا لا حول لنا ولا قوة إلا بك والحمد لله رب العالمين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 304
الخميس 9 صفر 1443 هـ
...المزيد

الدولة الإسلامية - صحيفة النبأ - قصة شهيد أبو عمر الخليفاوي -تقبله الله- الأمير العسكري ...

الدولة الإسلامية - صحيفة النبأ - قصة شهيد


أبو عمر الخليفاوي -تقبله الله-
الأمير العسكري لولاية الفلوجة

أنزل الله لأمة الإسلام كتابا هاديا، وكتب لمن اتبعه وعمل به الرفعة والعزة، قرآنا يصنع الرجال جيلا بعد جيل، ومِن سنة الله أن يُهيئ رجالا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، لا تندرس آثارهم، ولا تُنسى تضحياتهم، لا يغيبون حيث أمرهم ربهم، يستعملهم حين يستبدل بهم غيرهم ويرفعهم حين يضع سواهم، ويصنعهم على عينه ليكونوا للجهاد رُوّادا وللملاحم قُوّادا، وكان من هؤلاء الصناديد الأبطال أخو الرجولة والصبر والشجاعة كما نحسبه والله حسيبه الأخ (أبو عمر الخليفاوي) -تقبله الله تعالى- من السابقين الأولين إلى الجهاد، وممن شهد المغازي في العراق والشام.


• التحق مبكرا بصفوف المجاهدين

وُلد أبو عمر تقبله الله في أسرة طيبة محافِظة عام 1405 هـ، في منطقة (أم نجم) في (التاجي) شمال بغداد، وعاش في كنف والدين صالحين قاما بتعليمه أمر دينه مُنذ نعومة أظفاره، ما جعله ينشأ منذ شبابه نشأة إيمانية على طاعة الله تعالى، متّبعا طريق الهداية والنجاة، دفاعا عن دينه وعرضه، طالبا رضا مولاه، وراجيا جنات الخلود.

ففي عام 1425 هـ التحق أبو عمر في صفوف المجاهدين إبّان الغزو الصليبي لأرض الرافدين، فحمل سلاحه مجاهدا مقاتلا ضد القوات الأمريكية في مناطق شمال بغداد، حيث كان قائدا لإحدى المفارز التي كانت تنشط فيها آنذاك، فبرز معدنه منذ البداية، ثم كان من أوائل المجاهدين المسارعين إلى مبايعة الشيخ أبي مصعب الزرقاوي تقبّله الله والانضواء تحت لوائه، واستمر مجاهدا منكّلا بالصليبيين يذيقهم الويلات ويسعّر عليهم المعمعات في مناطق شمال بغداد، والكرمة، والفلوجة وغيرها من المناطق.

ومضى أبو عمر على هذا الدرب حتى منّ الله على المجاهدين بإعلان دولة العراق الإسلامية، فسارع إلى مبايعة أميرها الشيخ أبي عمر البغدادي تقبله الله، وقد تم تعيينه قائدا لإحدى المفارز العاملة في منطقة (الشيخ عامر)، فكان عارفا بالحروب بصيرا بدروبها، وقد أذاق الله تعالى على يديه الجيش الرافضي والقوات الصليبية كؤوس الحتوف، خاصة بعد أن أعمل فيهم سلاح العبوات فقطّع أوصالهم ودمّر آلياتهم.


• قائدا لإحدى كتائب شمال بغداد

وعندما ظهرت صحوات الردة والخيانة في العراق تعرّض أبو عمر للملاحقة والمتابعة من قِبلهم، فأنجاه الله تعالى منهم حتى قرر الخروج من منطقته التي كان فيها، فواصل المسير ولم يساوم على دينه بل تكيّف مع تلك المرحلة فأخذ يطاولهم بعملياته الأمنية، حتى قدّر الله تعالى أن يؤسر في عام 1429 هـ خلال عملية إنزال جوي للقوات الأمريكية على بيته، فلبث في سجن (بوكا) ثلاث سنوات ونصف، اشتدّ فيها ساعدُه وقويَ عزمه، إلى أن يسّر الله له الخروج من السجن في عام 1432 هـ، ليواصل طريقه وجهاده، وقد أسرع مجدد بالاتصال والالتحاق بإخوانه المجاهدين في الدولة الإسلامية وبقي معهم حتى مرحلة إعلان الخلافة الإسلامية، حيث كلّفه إخوانه بقيادة إحدى الكتائب في ولاية شمال بغداد، فظلّ قائدا رائدا للمجاهدين طيلة فترة التمكين، حتى قدّر الله أن تستهدفه طائرة قاصفة بصاروخ، فأصيب في إحدى يديه، و قرر الأطباء بترها لكنه رفض، وبقي يعالج يده حتى منّ الله عليه بالشفاء.


• في ملاحم ولاية الفلوجة

وبعد الانحياز من ولاية شمال بغداد، توجه أبو عمر مع كتيبته إلى ولاية الفلوجة ليستلموا إحدى ثغورها، فقام مع إخوانه بالمهمة على أتمّ وجه، وكان إخوانه معجبين بحسن فعاله وشجاعته، وبقي في الفلوجة حتى قام الرافضة والمرتدون بحصار المدينة، فقطعوا عنها طرق الإمداد وكثفوا القصف العشوائي بالمدافع والطائرات، واشتد الحال على المسلمين في الفلوجة قرابة سنة كاملة، صبر فيها المسلمون على الجوع والقصف العنيف محتسبين ما يصيبهم عند ربهم، ثم بدأ العدو يتقدم نحو مناطق الفلوجة، وراح المجاهدون يتصدون لهم بكل بسالة موقعين في صفوفهم خسائر كبيرة.

وأثناء إحدى المواجهات التي كان يخوضها برفقة إخوانه في مناطق (الزغاريد) و (البوعزيز) و (الشيحة)، قدّر الله تعالى أن يُصاب أبو عمر مرة أخرى بقذيفة هاون، فقدَ بسببها بصره مدة خمسة أشهر، حتى أعاد الله له إحدى عينيه.

• أبو عمر مجاهدا في الباغوز

وفي هذه الفترة، انحاز أبو عمر مع إخوانه المجاهدين من الفلوجة إلى ولاية الفرات ليواصلوا جهادهم ويرصوا صفوفهم من جديد، ولمّا شفاه الله تعالى انتقل إلى العمل في مجال الإدارة، واستمر فيه سبعة أشهر صان خلالها مصالح المسلمين وحقوقهم.

لكنّ الشوق ظلّ يحدوه إلى ميادين القتال والرباط وصحبة الفرسان، تلك المواطن التي اعتادها فلم يعد يُطيق فراقها، وبعد إلحاح شديد وافق إخوانه على نقله إلى مواقع الرباط، وكُلف بقيادة إحدى الكتائب في ثغور ولاية الفرات وتحديدا في البوكمال، وعلى إثر اشتداد القصف الهمجي، قرر المجاهدون الانحياز من مدينة البوكمال إلى منطقة الباغوز، وهناك كُلف أبو عمر بقيادة ثغور الباغوز، حتى أثخن في الجيش والميليشيات النصيرية والرافضية أيّما إثخان، وكان مما وفقه الله إليه إعمال سلاح القنص في العمليات، فقام بنشر القناصين على طول نهر الفرات من جهة البوكمال لاصطياد المرتدين، فكان لا يمر يوم إلا ويسقط فيه ثلاثة أو أربعة قتلى من عناصر الميليشيات الإيرانية والرافضية.


• العودة إلى العراق سيرا على الأقدام!

ولاحقا، قرر قادة المجاهدين أن يعود أبو عمر تقبله الله إلى ولاية العراق، حيث تم تكليفه بأن يكون نائبا للأمير العسكري لولاية الفلوجة، فيسّر الله له الدخول إلى (جزيرة الكرمة) في عام 1439 هـ، بعد مسيرة شهر سيرا على الأقدام!، كان يرافقه فيها مجاهد واحد فقط، لكن الواحد من أمثال هؤلاء الأبطال بألف رجل، فقد فتح الله عليهم ونجحوا في المهمة التي كُلفوا بها، وهي إعادة تأسيس العمل العسكري في قاطع (جزيرة الكرمة)، ومع غربتهم عن تلك المنطقة إلا أن الله كتب على أيديهم الخير الكثير، فكان لهما -بعد الله تعالى- الفضل الأكبر في إعادة نشاط ولاية الفلوجة، وصار أبو عمر تقبله الله حجر الأساس فيها.


• أميرا عسكريا على ولاية الفلوجة

ثم صار أبو عمر وإخوانه يصولون ويجولون خلف خطوط المرتدين غُزاة منكّلين، ومن ضمن الغزوات التي غزاها أبو عمر، غزوة (الضابطية) التي هزت عروش الرافضة والمرتدين وأدخلت الرعب في صدورهم، حتى ترك المرتدون ديارهم خشية أن تصلهم أسياف المجاهدين وامتلأت قلوبهم غيظا ورعبا، فجنّدوا ضده الكثير من الجواسيس واستهدفوه أكثر من مرة، فحفظه الله من مكرهم وكيدهم، وفتح الله عليه فراح يستطلع القواطع وينشر فيها المجاهدين حتى وصل إلى مناطق جنوبي بغداد مثل (زوبع، والعناز، والمعامير) وغيرها، ثم كُلف أميرا عسكريا عاما لولاية الفلوجة لجودة فعاله وحسن قيادته، فكان أبا حنونا وأخا نصوحا شفوقا، كالظل لا يفارقهم.


• آخر روحة له في سبيل الله

وكغيره من قيادة دولة الإسلام يتقدمون الصفوف، انطلق أبو عمر في أحد الأيام برفقة مفرزة من إخوانه لشن هجوم على إحدى ثكنات الجيش الرافضي في منطقة (العناز)، حيث تمكنوا من إسقاطها وقتل من فيها، وفي طريق عودتهم كانت تلك آخر رَوحة له في سبيل الله، فقد ترجّل البطل الهمام إثر كمين نصبه لهم المرتدون في الطريق، ليُقتل تقبّله الله تعالى، تاركا خلفه جيشا من المؤمنين ربّاهم على الصبر والثبات والإقدام.

إن مثَل أبي عمر الخليفاوي ليعيد إلى هذه الأمة ذكرى الفاتحين الأوائل كخالد والقعقاع رضي الله عنهما، الذين تنقّلوا بين ساحات وثغور العراق والشام ذهابا وإيابا، جهادا في سبيل الله تعالى، وكرّا على أعداءه، نصرة للإسلام الذي لا ينتصر بغير الجهاد.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 304
الخميس 9 صفر 1443 هـ
...المزيد

الدولة الإسلامية - صحيفة النبأ - قصة شهيد أبو عمر الخليفاوي -تقبله الله- الأمير العسكري ...

الدولة الإسلامية - صحيفة النبأ - قصة شهيد


أبو عمر الخليفاوي -تقبله الله-
الأمير العسكري لولاية الفلوجة

أنزل الله لأمة الإسلام كتابا هاديا، وكتب لمن اتبعه وعمل به الرفعة والعزة، قرآنا يصنع الرجال جيلا بعد جيل، ومِن سنة الله أن يُهيئ رجالا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، لا تندرس آثارهم، ولا تُنسى تضحياتهم، لا يغيبون حيث أمرهم ربهم، يستعملهم حين يستبدل بهم غيرهم ويرفعهم حين يضع سواهم، ويصنعهم على عينه ليكونوا للجهاد رُوّادا وللملاحم قُوّادا، وكان من هؤلاء الصناديد الأبطال أخو الرجولة والصبر والشجاعة كما نحسبه والله حسيبه الأخ (أبو عمر الخليفاوي) -تقبله الله تعالى- من السابقين الأولين إلى الجهاد، وممن شهد المغازي في العراق والشام.


• التحق مبكرا بصفوف المجاهدين

وُلد أبو عمر تقبله الله في أسرة طيبة محافِظة عام 1405 هـ، في منطقة (أم نجم) في (التاجي) شمال بغداد، وعاش في كنف والدين صالحين قاما بتعليمه أمر دينه مُنذ نعومة أظفاره، ما جعله ينشأ منذ شبابه نشأة إيمانية على طاعة الله تعالى، متّبعا طريق الهداية والنجاة، دفاعا عن دينه وعرضه، طالبا رضا مولاه، وراجيا جنات الخلود.

ففي عام 1425 هـ التحق أبو عمر في صفوف المجاهدين إبّان الغزو الصليبي لأرض الرافدين، فحمل سلاحه مجاهدا مقاتلا ضد القوات الأمريكية في مناطق شمال بغداد، حيث كان قائدا لإحدى المفارز التي كانت تنشط فيها آنذاك، فبرز معدنه منذ البداية، ثم كان من أوائل المجاهدين المسارعين إلى مبايعة الشيخ أبي مصعب الزرقاوي تقبّله الله والانضواء تحت لوائه، واستمر مجاهدا منكّلا بالصليبيين يذيقهم الويلات ويسعّر عليهم المعمعات في مناطق شمال بغداد، والكرمة، والفلوجة وغيرها من المناطق.

ومضى أبو عمر على هذا الدرب حتى منّ الله على المجاهدين بإعلان دولة العراق الإسلامية، فسارع إلى مبايعة أميرها الشيخ أبي عمر البغدادي تقبله الله، وقد تم تعيينه قائدا لإحدى المفارز العاملة في منطقة (الشيخ عامر)، فكان عارفا بالحروب بصيرا بدروبها، وقد أذاق الله تعالى على يديه الجيش الرافضي والقوات الصليبية كؤوس الحتوف، خاصة بعد أن أعمل فيهم سلاح العبوات فقطّع أوصالهم ودمّر آلياتهم.


• قائدا لإحدى كتائب شمال بغداد

وعندما ظهرت صحوات الردة والخيانة في العراق تعرّض أبو عمر للملاحقة والمتابعة من قِبلهم، فأنجاه الله تعالى منهم حتى قرر الخروج من منطقته التي كان فيها، فواصل المسير ولم يساوم على دينه بل تكيّف مع تلك المرحلة فأخذ يطاولهم بعملياته الأمنية، حتى قدّر الله تعالى أن يؤسر في عام 1429 هـ خلال عملية إنزال جوي للقوات الأمريكية على بيته، فلبث في سجن (بوكا) ثلاث سنوات ونصف، اشتدّ فيها ساعدُه وقويَ عزمه، إلى أن يسّر الله له الخروج من السجن في عام 1432 هـ، ليواصل طريقه وجهاده، وقد أسرع مجدد بالاتصال والالتحاق بإخوانه المجاهدين في الدولة الإسلامية وبقي معهم حتى مرحلة إعلان الخلافة الإسلامية، حيث كلّفه إخوانه بقيادة إحدى الكتائب في ولاية شمال بغداد، فظلّ قائدا رائدا للمجاهدين طيلة فترة التمكين، حتى قدّر الله أن تستهدفه طائرة قاصفة بصاروخ، فأصيب في إحدى يديه، و قرر الأطباء بترها لكنه رفض، وبقي يعالج يده حتى منّ الله عليه بالشفاء.


• في ملاحم ولاية الفلوجة

وبعد الانحياز من ولاية شمال بغداد، توجه أبو عمر مع كتيبته إلى ولاية الفلوجة ليستلموا إحدى ثغورها، فقام مع إخوانه بالمهمة على أتمّ وجه، وكان إخوانه معجبين بحسن فعاله وشجاعته، وبقي في الفلوجة حتى قام الرافضة والمرتدون بحصار المدينة، فقطعوا عنها طرق الإمداد وكثفوا القصف العشوائي بالمدافع والطائرات، واشتد الحال على المسلمين في الفلوجة قرابة سنة كاملة، صبر فيها المسلمون على الجوع والقصف العنيف محتسبين ما يصيبهم عند ربهم، ثم بدأ العدو يتقدم نحو مناطق الفلوجة، وراح المجاهدون يتصدون لهم بكل بسالة موقعين في صفوفهم خسائر كبيرة.

وأثناء إحدى المواجهات التي كان يخوضها برفقة إخوانه في مناطق (الزغاريد) و (البوعزيز) و (الشيحة)، قدّر الله تعالى أن يُصاب أبو عمر مرة أخرى بقذيفة هاون، فقدَ بسببها بصره مدة خمسة أشهر، حتى أعاد الله له إحدى عينيه.

• أبو عمر مجاهدا في الباغوز

وفي هذه الفترة، انحاز أبو عمر مع إخوانه المجاهدين من الفلوجة إلى ولاية الفرات ليواصلوا جهادهم ويرصوا صفوفهم من جديد، ولمّا شفاه الله تعالى انتقل إلى العمل في مجال الإدارة، واستمر فيه سبعة أشهر صان خلالها مصالح المسلمين وحقوقهم.

لكنّ الشوق ظلّ يحدوه إلى ميادين القتال والرباط وصحبة الفرسان، تلك المواطن التي اعتادها فلم يعد يُطيق فراقها، وبعد إلحاح شديد وافق إخوانه على نقله إلى مواقع الرباط، وكُلف بقيادة إحدى الكتائب في ثغور ولاية الفرات وتحديدا في البوكمال، وعلى إثر اشتداد القصف الهمجي، قرر المجاهدون الانحياز من مدينة البوكمال إلى منطقة الباغوز، وهناك كُلف أبو عمر بقيادة ثغور الباغوز، حتى أثخن في الجيش والميليشيات النصيرية والرافضية أيّما إثخان، وكان مما وفقه الله إليه إعمال سلاح القنص في العمليات، فقام بنشر القناصين على طول نهر الفرات من جهة البوكمال لاصطياد المرتدين، فكان لا يمر يوم إلا ويسقط فيه ثلاثة أو أربعة قتلى من عناصر الميليشيات الإيرانية والرافضية.


• العودة إلى العراق سيرا على الأقدام!

ولاحقا، قرر قادة المجاهدين أن يعود أبو عمر تقبله الله إلى ولاية العراق، حيث تم تكليفه بأن يكون نائبا للأمير العسكري لولاية الفلوجة، فيسّر الله له الدخول إلى (جزيرة الكرمة) في عام 1439 هـ، بعد مسيرة شهر سيرا على الأقدام!، كان يرافقه فيها مجاهد واحد فقط، لكن الواحد من أمثال هؤلاء الأبطال بألف رجل، فقد فتح الله عليهم ونجحوا في المهمة التي كُلفوا بها، وهي إعادة تأسيس العمل العسكري في قاطع (جزيرة الكرمة)، ومع غربتهم عن تلك المنطقة إلا أن الله كتب على أيديهم الخير الكثير، فكان لهما -بعد الله تعالى- الفضل الأكبر في إعادة نشاط ولاية الفلوجة، وصار أبو عمر تقبله الله حجر الأساس فيها.


• أميرا عسكريا على ولاية الفلوجة

ثم صار أبو عمر وإخوانه يصولون ويجولون خلف خطوط المرتدين غُزاة منكّلين، ومن ضمن الغزوات التي غزاها أبو عمر، غزوة (الضابطية) التي هزت عروش الرافضة والمرتدين وأدخلت الرعب في صدورهم، حتى ترك المرتدون ديارهم خشية أن تصلهم أسياف المجاهدين وامتلأت قلوبهم غيظا ورعبا، فجنّدوا ضده الكثير من الجواسيس واستهدفوه أكثر من مرة، فحفظه الله من مكرهم وكيدهم، وفتح الله عليه فراح يستطلع القواطع وينشر فيها المجاهدين حتى وصل إلى مناطق جنوبي بغداد مثل (زوبع، والعناز، والمعامير) وغيرها، ثم كُلف أميرا عسكريا عاما لولاية الفلوجة لجودة فعاله وحسن قيادته، فكان أبا حنونا وأخا نصوحا شفوقا، كالظل لا يفارقهم.


• آخر روحة له في سبيل الله

وكغيره من قيادة دولة الإسلام يتقدمون الصفوف، انطلق أبو عمر في أحد الأيام برفقة مفرزة من إخوانه لشن هجوم على إحدى ثكنات الجيش الرافضي في منطقة (العناز)، حيث تمكنوا من إسقاطها وقتل من فيها، وفي طريق عودتهم كانت تلك آخر رَوحة له في سبيل الله، فقد ترجّل البطل الهمام إثر كمين نصبه لهم المرتدون في الطريق، ليُقتل تقبّله الله تعالى، تاركا خلفه جيشا من المؤمنين ربّاهم على الصبر والثبات والإقدام.

إن مثَل أبي عمر الخليفاوي ليعيد إلى هذه الأمة ذكرى الفاتحين الأوائل كخالد والقعقاع رضي الله عنهما، الذين تنقّلوا بين ساحات وثغور العراق والشام ذهابا وإيابا، جهادا في سبيل الله تعالى، وكرّا على أعداءه، نصرة للإسلام الذي لا ينتصر بغير الجهاد.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 304
الخميس 9 صفر 1443 هـ
...المزيد

مقال: إلا بما صلح أولها إن سبيل الله تعالى هو الحقُّ الذي لا يتعدد، وأوضح صفات هذا السبيل ...

مقال: إلا بما صلح أولها



إن سبيل الله تعالى هو الحقُّ الذي لا يتعدد، وأوضح صفات هذا السبيل أنه لا يقبل الانحراف والزيغ، فمن زاغ عنه أزاغ اللهُ قلبه، قال تعالى: {وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ}، فمن لزمه واستقام عليه أصاب النجاة والفوز بإذن الله تعالى، ومن أبى ولم يصبر عليه، أو استحبّ غيره واتبع هواه فهو في دركات الخسران يتردى، والحق طريق يُغني عن كل طريق، ولا يُغني سواه عنه، إذْ ليس بعد الحق إلا الضلال.

ولأنه يُغني بنفسه فهو كامل ضمّن الله فيه كلَّ ما يحتاجه العباد، وأمر سبحانه بالدخول فيه كافة دون انتقاء، فالانتقاء منفيٌ عنه حتى لا يُظنّ الباطلُ فيما لم يُنتقَ، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً}، ولأن الانحراف عنه لا يكون فجأة قال: {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ}، ولأنه العدو المحتجِب خلف مجنّديه، ولربما جاء بثوب الناصح، قال محذرا منه: {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}، ثم هدد سبحانه من عدل عنه إلى غيره بالانتقام فقال: {فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِّنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة:208-209]، فاشتملت الآيتان على اسم الطريق ورسمه وكيفية سلوكه، واشتملت أيضا على لافتات تنبيه لسالكه، وتحذيرات وتهديدات لتاركه، فما أرشدها من آيات!.

فكثيرا ما نسمع: "لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها" وهي كلمة حق، ولكن من أحق بها؟

قال النبي صلى الله عليه وسلم: (… وإن أمتي ستفترق على ثلاث وسبعين ملة، كلها في النار إلا ملة واحدة قيل: من هي يا رسول الله؟ قال عليه الصلاة والسلام: ما أنا عليه اليوم وأصحابي)، فمقياس الصلاح هو (ما أنا عليه اليوم وأصحابي)، فما الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه؟ وما الذي تميّز به ذلك الجيل حتى صار مقياس الرشاد والسداد للأجيال مِن بعده؟

لقد اختص ذلك الجيل بخصائص، وهي محل استطاعة العباد، فمنها: ارتباطهم الوثيق بالقرآن وانقيادهم له والعمل به مباشرة، فهم الذين "كانوا لا يتجاوزون العشر آيات، حتى يعلموا ما فيها من العلم والعمل"، فأخْذهم للقرآن أخْذ عمل، تنزل الآية فيعملون بها، مع استشعار أحدهم أنه المُخَاطب بها أولا، فحينها يتغيّرون ويرتقون؛ {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَٰذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ}، ولمّا نزل قوله تعالى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}، قال أبو طلحة الأنصاري رضي الله عنه: "يا رسول الله، إن الله يقول: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}، وإنّ أحبّ أموالي إليَّ بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله تعالى، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله تعالى..." الحديث، قرعت الآية قلبه فقام فتصدق بأنفس أمواله، فلم يكن القرآن بالنسبة إليهم مجرد آيات وتراتيل تفتتح بها المجالس والاحتفالات، ولكنه كان هاديا يهديهم، وقائدا تنقاد له نفوسهم وجوارحهم.

ومن خصائصهم: شدة ولائهم وبرائهم، فما إن يدخل الواحد منهم هذا الدين ويستقر في قلبه، إلا تحوّل مواليا للمؤمنين محبا لهم، متبرئا من الكافرين -كلّ الكافرين- مبغضا لهم، يُبدي لهم أن سبيله غير سبيلهم، بل البغضاء شعاره لهم حتى يُؤمنوا بالله وحده، والنماذج في هذا كثيرة؛ كقصة عمر وسعد بن أبي وقاص وأبي ذر وحمزة وسعد بن معاذ وغيرهم رضي الله عنهم، وهذا برهان تحقيق التوحيد وفقهه، وبه كتب الله لهم الإيمان.

ومنها: التزامهم الشرع في سائر أمورهم، وعدم تحكيمهم الأهواء، ونبذ صنيع أهل الجاهلية وعاداتها، سواء في أحكامهم وسياساتهم، أو أموالهم وعقودهم وفسوخهم، أو أخلاقهم، فلا يأخذون شيئا من الدين وشيئا من الجاهلية!، بل كلٌ من عند الله.

ومنها: الصدق فيما عاهدوا الله عليه، فإنّ مجتمعا غلب عليه الصدق لهو أشد صلابة من الجبال، وإن مجتمعا غلب عليه الكذب لهو أهون من بيت العنكبوت، فشيمتهم الصدق والبر في العهد، والصدق في القول، والصدق في الراية، فهذا ربعي بن عامر رضي الله عنه يقول لرستم الفارسي حين سأله: ما جاء بكم؟ قال: "الله جاء بنا لنخرج من شاء، من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فمن قبل ذلك قبلنا منه، ومن أبى قاتلناه حتى نفضي إلى موعود الله". فتلك الغاية وهذا الهدف يُقال لقائد جيش الفرس، ببيان واضح وحجة جليّة.

ومنها: الثبات في الملمات وعدم الانتكاسة والضعف، كحالهم في غزوة الخندق وشدتها، وحنيْن وضيقتها، ويوم الردة ودهشتها، فما فُجعت الجزيرة بالردة، حتى رُدت دار إسلام في أدنى مُدة، بسيوف مصلتة وهِمم مُجِدّة.

ومنها: الجماعة ونبذ الفرقة، فلم يطيقوا تأخير الجماعة والعيش ولو يوما واحدا بلا إمام وخليفة، فما إنْ تأكدوا من وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى اجتمعوا وأعطوا البيعة في السقيفة؛ لأن في انفراط الجماعة انفراط لعقد الإسلام وضياع الدماء والأعراض والأموال.

فهذه بعض خصائص جيل الصحابة، فمن عمل بها في كل زمان، خرج بهذه الأمة من وحل الظلمات إلى شاطئ النور، فذاك قطز وهناك ابن تاشفين وهذا محمد بن عبد الوهاب؛ وقد سار المجاهدون اليوم على دربهم حتى أقاموا دولة الإسلام وأرسوا دعائم الخلافة من جديد في عهد الشيخ أبي بكر البغدادي تقبله الله في الصالحين.

فطريق السِّلم واحدة، أول داخليها الأنبياء من لدن آدم إلى محمد عليهم الصلاة والسلام ثم من بعدهم، وآيات القرآن هي هي منذ نزولها في عهد النبوة، فمن رسا على الطريق بلغ الغاية الأسمى.

وكل ما سبق من خصائص جيل الصحابة هي من الواجبات المتحتمات على أمّة ترجو فتوحات الصحابة وأمجادهم وانتصاراتهم، وإنّ أمة لا تؤدي فرائض ربها، لن تستطيع مجابهة عدوها.

وفي المقابل، فإن الضعف والتردي يكون بهجر سبيل القرآن علما وعملا وحُكما، وتمييع الولاء والبراء، وعدم التزام شرع الله كليا أو جزئيا، والكذب في الراية والبيان، بالتلبيس على الناس وادّعاء شعارات لا عمل بها، والنكوص والتخاذل حين الابتلاء والتمحيص، وتأخير الجماعة ومحاربة مشروع الخلافة.

وإنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتى يُغيّروا ما بأنفسهم، ولن يأتي النصر بالتمني، ولا السيادة بالرقاد، وقد وعد الله ووعده الصدق، فقال: {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}.

ولن يعجز الله أن يهلك كل الكافرين، ولكنه كتب الابتلاء على عباده؛ ليبلوهم، ولم يكلفهم ما لا طاقة لهم به، ولكن كلفهم ما تكرهه نفوسهم؛ ليختبرهم، وقد أبلى أوائل هذه الأمة خيرا، وسيُبلي آخرها بلاء حسنا إن شاء الله، والحمد لله رب العالمين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 304
الخميس 9 صفر 1443 هـ
...المزيد

مقال: إلا بما صلح أولها إن سبيل الله تعالى هو الحقُّ الذي لا يتعدد، وأوضح صفات هذا السبيل ...

مقال: إلا بما صلح أولها



إن سبيل الله تعالى هو الحقُّ الذي لا يتعدد، وأوضح صفات هذا السبيل أنه لا يقبل الانحراف والزيغ، فمن زاغ عنه أزاغ اللهُ قلبه، قال تعالى: {وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ}، فمن لزمه واستقام عليه أصاب النجاة والفوز بإذن الله تعالى، ومن أبى ولم يصبر عليه، أو استحبّ غيره واتبع هواه فهو في دركات الخسران يتردى، والحق طريق يُغني عن كل طريق، ولا يُغني سواه عنه، إذْ ليس بعد الحق إلا الضلال.

ولأنه يُغني بنفسه فهو كامل ضمّن الله فيه كلَّ ما يحتاجه العباد، وأمر سبحانه بالدخول فيه كافة دون انتقاء، فالانتقاء منفيٌ عنه حتى لا يُظنّ الباطلُ فيما لم يُنتقَ، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً}، ولأن الانحراف عنه لا يكون فجأة قال: {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ}، ولأنه العدو المحتجِب خلف مجنّديه، ولربما جاء بثوب الناصح، قال محذرا منه: {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}، ثم هدد سبحانه من عدل عنه إلى غيره بالانتقام فقال: {فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِّنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة:208-209]، فاشتملت الآيتان على اسم الطريق ورسمه وكيفية سلوكه، واشتملت أيضا على لافتات تنبيه لسالكه، وتحذيرات وتهديدات لتاركه، فما أرشدها من آيات!.

فكثيرا ما نسمع: "لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها" وهي كلمة حق، ولكن من أحق بها؟

قال النبي صلى الله عليه وسلم: (… وإن أمتي ستفترق على ثلاث وسبعين ملة، كلها في النار إلا ملة واحدة قيل: من هي يا رسول الله؟ قال عليه الصلاة والسلام: ما أنا عليه اليوم وأصحابي)، فمقياس الصلاح هو (ما أنا عليه اليوم وأصحابي)، فما الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه؟ وما الذي تميّز به ذلك الجيل حتى صار مقياس الرشاد والسداد للأجيال مِن بعده؟

لقد اختص ذلك الجيل بخصائص، وهي محل استطاعة العباد، فمنها: ارتباطهم الوثيق بالقرآن وانقيادهم له والعمل به مباشرة، فهم الذين "كانوا لا يتجاوزون العشر آيات، حتى يعلموا ما فيها من العلم والعمل"، فأخْذهم للقرآن أخْذ عمل، تنزل الآية فيعملون بها، مع استشعار أحدهم أنه المُخَاطب بها أولا، فحينها يتغيّرون ويرتقون؛ {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَٰذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ}، ولمّا نزل قوله تعالى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}، قال أبو طلحة الأنصاري رضي الله عنه: "يا رسول الله، إن الله يقول: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}، وإنّ أحبّ أموالي إليَّ بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله تعالى، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله تعالى..." الحديث، قرعت الآية قلبه فقام فتصدق بأنفس أمواله، فلم يكن القرآن بالنسبة إليهم مجرد آيات وتراتيل تفتتح بها المجالس والاحتفالات، ولكنه كان هاديا يهديهم، وقائدا تنقاد له نفوسهم وجوارحهم.

ومن خصائصهم: شدة ولائهم وبرائهم، فما إن يدخل الواحد منهم هذا الدين ويستقر في قلبه، إلا تحوّل مواليا للمؤمنين محبا لهم، متبرئا من الكافرين -كلّ الكافرين- مبغضا لهم، يُبدي لهم أن سبيله غير سبيلهم، بل البغضاء شعاره لهم حتى يُؤمنوا بالله وحده، والنماذج في هذا كثيرة؛ كقصة عمر وسعد بن أبي وقاص وأبي ذر وحمزة وسعد بن معاذ وغيرهم رضي الله عنهم، وهذا برهان تحقيق التوحيد وفقهه، وبه كتب الله لهم الإيمان.

ومنها: التزامهم الشرع في سائر أمورهم، وعدم تحكيمهم الأهواء، ونبذ صنيع أهل الجاهلية وعاداتها، سواء في أحكامهم وسياساتهم، أو أموالهم وعقودهم وفسوخهم، أو أخلاقهم، فلا يأخذون شيئا من الدين وشيئا من الجاهلية!، بل كلٌ من عند الله.

ومنها: الصدق فيما عاهدوا الله عليه، فإنّ مجتمعا غلب عليه الصدق لهو أشد صلابة من الجبال، وإن مجتمعا غلب عليه الكذب لهو أهون من بيت العنكبوت، فشيمتهم الصدق والبر في العهد، والصدق في القول، والصدق في الراية، فهذا ربعي بن عامر رضي الله عنه يقول لرستم الفارسي حين سأله: ما جاء بكم؟ قال: "الله جاء بنا لنخرج من شاء، من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فمن قبل ذلك قبلنا منه، ومن أبى قاتلناه حتى نفضي إلى موعود الله". فتلك الغاية وهذا الهدف يُقال لقائد جيش الفرس، ببيان واضح وحجة جليّة.

ومنها: الثبات في الملمات وعدم الانتكاسة والضعف، كحالهم في غزوة الخندق وشدتها، وحنيْن وضيقتها، ويوم الردة ودهشتها، فما فُجعت الجزيرة بالردة، حتى رُدت دار إسلام في أدنى مُدة، بسيوف مصلتة وهِمم مُجِدّة.

ومنها: الجماعة ونبذ الفرقة، فلم يطيقوا تأخير الجماعة والعيش ولو يوما واحدا بلا إمام وخليفة، فما إنْ تأكدوا من وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى اجتمعوا وأعطوا البيعة في السقيفة؛ لأن في انفراط الجماعة انفراط لعقد الإسلام وضياع الدماء والأعراض والأموال.

فهذه بعض خصائص جيل الصحابة، فمن عمل بها في كل زمان، خرج بهذه الأمة من وحل الظلمات إلى شاطئ النور، فذاك قطز وهناك ابن تاشفين وهذا محمد بن عبد الوهاب؛ وقد سار المجاهدون اليوم على دربهم حتى أقاموا دولة الإسلام وأرسوا دعائم الخلافة من جديد في عهد الشيخ أبي بكر البغدادي تقبله الله في الصالحين.

فطريق السِّلم واحدة، أول داخليها الأنبياء من لدن آدم إلى محمد عليهم الصلاة والسلام ثم من بعدهم، وآيات القرآن هي هي منذ نزولها في عهد النبوة، فمن رسا على الطريق بلغ الغاية الأسمى.

وكل ما سبق من خصائص جيل الصحابة هي من الواجبات المتحتمات على أمّة ترجو فتوحات الصحابة وأمجادهم وانتصاراتهم، وإنّ أمة لا تؤدي فرائض ربها، لن تستطيع مجابهة عدوها.

وفي المقابل، فإن الضعف والتردي يكون بهجر سبيل القرآن علما وعملا وحُكما، وتمييع الولاء والبراء، وعدم التزام شرع الله كليا أو جزئيا، والكذب في الراية والبيان، بالتلبيس على الناس وادّعاء شعارات لا عمل بها، والنكوص والتخاذل حين الابتلاء والتمحيص، وتأخير الجماعة ومحاربة مشروع الخلافة.

وإنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتى يُغيّروا ما بأنفسهم، ولن يأتي النصر بالتمني، ولا السيادة بالرقاد، وقد وعد الله ووعده الصدق، فقال: {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}.

ولن يعجز الله أن يهلك كل الكافرين، ولكنه كتب الابتلاء على عباده؛ ليبلوهم، ولم يكلفهم ما لا طاقة لهم به، ولكن كلفهم ما تكرهه نفوسهم؛ ليختبرهم، وقد أبلى أوائل هذه الأمة خيرا، وسيُبلي آخرها بلاء حسنا إن شاء الله، والحمد لله رب العالمين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 304
الخميس 9 صفر 1443 هـ
...المزيد

مؤسسة الفرقان / فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ مقتطفات من الكلمة الصوتية (فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) ...

مؤسسة الفرقان / فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ

مقتطفات من الكلمة الصوتية (فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ)
للشيخ أبي الحسن المهاجر -تقبله الله تعالى-


ففي حومة الوغى، ورجع صدى آمال أهل الكفر بالقضاء على دولة الإسلام، يستمد حَمَلة الراية وحراس العقيدة قوَّتهم من خالقهم جل وعلا، فاعتمادهم وتوكلهم عليه لأن الأمر بيديه، ادَّرعوا بالإيمان وصالح الأعمال، فلم يفتَّ في عضدهم انهزام المرجفين والخوَّارين والمبطلين، فكانوا بحق سادةً نجباءَ، أعزة كرماءَ، قرأوا قول الله: {إِلَّا تَنْفِرُوا} [التوبة:39] فوثبوا، وأصغت آذانهم لنداء: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ} [التوبة:40] فضحوا وبذلوا، خفافا وثقالا، كهولا وشبانا، لم يخلدوا إلى الدعة والنعيم، ولم يركنوا إلى حطام الدنيا الزائل، تجرَّدوا للحق فلزموا غرزه، فأنبت وأينع طيب الثمر وأنماه، وضرب الجهاد بجِرانه في الأرض فاتسعت رقعته لتلفح بلهيبها أمم الصليب وحكومات الردة والعمالة، في جهاد لأعداء الله عز شأنه، وملاحمِ صدق سطَّرها الصابرون الموقنون بموعود الله لهم، قرأوا قول ربهم: {مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} [آل عمران:179]، فأدركوا فداحة الموقف مع تقادم الأيام، وأنَّ التمييز والتمحيص والابتلاء، آتٍ لا محالة، سنة الله الماضية، {وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} [الأحزاب:62]، فمع كل حدث ونازلة، يفيئون ويرتوون من معين الهدى الذي لا ينضب، فما خالط بشاشة قلوبهم الريب، وما أثقلت كواهلهم اللأواء ولا كثرة الأعداء.

غطارفةٌ مثل الجبال حُلومُهُم
تكونُ لهم شم الجبال هضابا
إذا غضبوا للَّه أرضاك فتكهم
وأَفتكُ ما تلقى الأُسودُ غضابا
وإِن جَزموا الأعمارَ في الحرب صَيّروا
عوامِلَهُم في الدّارِعينَ حرابا
وتَحسَبُهُم تحت السوابغ والقنا
ضراغمَ شقّتْ في العَرينِ سَرابا

أذهلوا أمم الكفر وأرعبوها، وسلبوها الراحة والأمان وشتتوها، فأصبحت تتمنى صفو العيش فلا تجده ولا تدري من أي باب ستؤتى، وغدا الموحد المجاهد المستضعف في الأرض، يرى -بفضل الله ومنِّه- العلج الصليبي الأوروبي والأمريكي، يُدهس ويُطعن ويُقتل في طرقات باريس ولندن ومنهاتن، مثلاً بمثلٍ وسواءً بسواءٍ جزاءً وفاقاً، فكما يَقتلون يُقتلون، وكما يَقصفون يُنسفون، وإلى جهنم سيحشرون.

قتلناهُمُ قَتلَ الكلاب فلم نَدَع
لهم في جميع الناس يا صاحِ من فَخرِ

فلم يتعظ الأغرار دهاقنة الكفر بعد ولم يعتبروا، ولا زال سفهاؤهم يمنُّونهم ويغرونهم فيتمادون في إجرامهم، دون اعتبار بما ستبدي لهم الأيام، جرَّاء حمقهم وعسفهم بالمسلمين دون رحمة أو شفقة، فعلام نعجب؟! فهذا ديدنهم ودأبهم، كما أخبرنا العليم الخبير إذ قال في كتابه العزيز: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة:217].

فربنا الحكيم العليم قد جلَّى لنا في كتابه حقيقة هؤلاء الكفرة المجرمين، وأمرنا بقتلهم وقتالهم حتى يكون الدين كلُّه لله، فإما أن يسلموا أو يستسلموا لأمر الله وحكمه أذلةً صاغرين، فأوجب علينا أن نطهر الأرض من زهم شرك هؤلاء، من جاهلية هؤلاء، من عبث هؤلاء، من تجبُّرهم وطغيانهم في الأرض، وأمرنا ربنا -تبارك وتعالى- أن نقاتل المشركين كافة كما يقاتلوننا كافة، فلا فرق بين قتالنا الطاغوت المرتد سلمان وابنه السفيه وقتالنا السيسي وجيشه، ولا فرق بين قتالنا الصفوي الرافضي خامنئي وقتالنا عباس العلماني وحماس، لا فرق بين قتالنا لهؤلاء وبين قتالنا أولياءهم الصليبيين الأمريكان والروس والأوروبيين غير أن أولئك من أبناء يعرب أشد على الإسلام وأنكى وفي الدركات أهوى، قال ربنا: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [التوبة:36]، وقال: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ} [البقرة:193]، وحذَّرنا فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِّنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة:51].

فقتال الكفرة المشركين دين نتعبد الله به، ونتقرب به إليه -سبحانه- ليرضى عنا، قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة:216]، وقال مذكرا ومرغبا عباده في عظيم أجر من جاهد في سبيله لقتال أعدائه: {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [التوبة:120]، وقال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ} [الصف: 4]، وإنَّ القتال في سبيل الله لهو التجارة الرابحة التي دلَّ عباده عليها، فقال جلَّ من قائل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الصف:10-11]، فجعل الثواب والجزاء عظيما جليلا بيَّنه في قوله: {يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [الصف:12-13].

قال ابن القيم في مدارجه: "فإن عبودية الجهاد من أحب أنواع العبودية إليه سبحانه، ولو كان الناس كلهم مؤمنين لتعطلت هذه العبودية وتوابعها، من الموالاة فيه سبحانه، والمعاداة فيه، والحب فيه والبغض فيه، وبذل النفس له في محاربة عدوه"، إلى أن قال: "ومنها عبوديةُ مخالفةِ عدوِّه، ومراغمته في الله، وإغاظته فيه، وهي من أحب أنواع العبودية إليه، فإنه -سبحانه- يحب من وليِّه أن يغيظ عدوه ويراغمه ويسوءه، وهذه عبودية لا يتفطَّن لها إلا الأكياس" انتهى كلامه رحمه الله.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 303
الخميس 2 صفر 1443 هـ
...المزيد

مؤسسة الفرقان / فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ مقتطفات من الكلمة الصوتية (فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) ...

مؤسسة الفرقان / فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ

مقتطفات من الكلمة الصوتية (فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ)
للشيخ أبي الحسن المهاجر -تقبله الله تعالى-


ففي حومة الوغى، ورجع صدى آمال أهل الكفر بالقضاء على دولة الإسلام، يستمد حَمَلة الراية وحراس العقيدة قوَّتهم من خالقهم جل وعلا، فاعتمادهم وتوكلهم عليه لأن الأمر بيديه، ادَّرعوا بالإيمان وصالح الأعمال، فلم يفتَّ في عضدهم انهزام المرجفين والخوَّارين والمبطلين، فكانوا بحق سادةً نجباءَ، أعزة كرماءَ، قرأوا قول الله: {إِلَّا تَنْفِرُوا} [التوبة:39] فوثبوا، وأصغت آذانهم لنداء: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ} [التوبة:40] فضحوا وبذلوا، خفافا وثقالا، كهولا وشبانا، لم يخلدوا إلى الدعة والنعيم، ولم يركنوا إلى حطام الدنيا الزائل، تجرَّدوا للحق فلزموا غرزه، فأنبت وأينع طيب الثمر وأنماه، وضرب الجهاد بجِرانه في الأرض فاتسعت رقعته لتلفح بلهيبها أمم الصليب وحكومات الردة والعمالة، في جهاد لأعداء الله عز شأنه، وملاحمِ صدق سطَّرها الصابرون الموقنون بموعود الله لهم، قرأوا قول ربهم: {مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} [آل عمران:179]، فأدركوا فداحة الموقف مع تقادم الأيام، وأنَّ التمييز والتمحيص والابتلاء، آتٍ لا محالة، سنة الله الماضية، {وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} [الأحزاب:62]، فمع كل حدث ونازلة، يفيئون ويرتوون من معين الهدى الذي لا ينضب، فما خالط بشاشة قلوبهم الريب، وما أثقلت كواهلهم اللأواء ولا كثرة الأعداء.

غطارفةٌ مثل الجبال حُلومُهُم
تكونُ لهم شم الجبال هضابا
إذا غضبوا للَّه أرضاك فتكهم
وأَفتكُ ما تلقى الأُسودُ غضابا
وإِن جَزموا الأعمارَ في الحرب صَيّروا
عوامِلَهُم في الدّارِعينَ حرابا
وتَحسَبُهُم تحت السوابغ والقنا
ضراغمَ شقّتْ في العَرينِ سَرابا

أذهلوا أمم الكفر وأرعبوها، وسلبوها الراحة والأمان وشتتوها، فأصبحت تتمنى صفو العيش فلا تجده ولا تدري من أي باب ستؤتى، وغدا الموحد المجاهد المستضعف في الأرض، يرى -بفضل الله ومنِّه- العلج الصليبي الأوروبي والأمريكي، يُدهس ويُطعن ويُقتل في طرقات باريس ولندن ومنهاتن، مثلاً بمثلٍ وسواءً بسواءٍ جزاءً وفاقاً، فكما يَقتلون يُقتلون، وكما يَقصفون يُنسفون، وإلى جهنم سيحشرون.

قتلناهُمُ قَتلَ الكلاب فلم نَدَع
لهم في جميع الناس يا صاحِ من فَخرِ

فلم يتعظ الأغرار دهاقنة الكفر بعد ولم يعتبروا، ولا زال سفهاؤهم يمنُّونهم ويغرونهم فيتمادون في إجرامهم، دون اعتبار بما ستبدي لهم الأيام، جرَّاء حمقهم وعسفهم بالمسلمين دون رحمة أو شفقة، فعلام نعجب؟! فهذا ديدنهم ودأبهم، كما أخبرنا العليم الخبير إذ قال في كتابه العزيز: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة:217].

فربنا الحكيم العليم قد جلَّى لنا في كتابه حقيقة هؤلاء الكفرة المجرمين، وأمرنا بقتلهم وقتالهم حتى يكون الدين كلُّه لله، فإما أن يسلموا أو يستسلموا لأمر الله وحكمه أذلةً صاغرين، فأوجب علينا أن نطهر الأرض من زهم شرك هؤلاء، من جاهلية هؤلاء، من عبث هؤلاء، من تجبُّرهم وطغيانهم في الأرض، وأمرنا ربنا -تبارك وتعالى- أن نقاتل المشركين كافة كما يقاتلوننا كافة، فلا فرق بين قتالنا الطاغوت المرتد سلمان وابنه السفيه وقتالنا السيسي وجيشه، ولا فرق بين قتالنا الصفوي الرافضي خامنئي وقتالنا عباس العلماني وحماس، لا فرق بين قتالنا لهؤلاء وبين قتالنا أولياءهم الصليبيين الأمريكان والروس والأوروبيين غير أن أولئك من أبناء يعرب أشد على الإسلام وأنكى وفي الدركات أهوى، قال ربنا: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [التوبة:36]، وقال: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ} [البقرة:193]، وحذَّرنا فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِّنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة:51].

فقتال الكفرة المشركين دين نتعبد الله به، ونتقرب به إليه -سبحانه- ليرضى عنا، قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة:216]، وقال مذكرا ومرغبا عباده في عظيم أجر من جاهد في سبيله لقتال أعدائه: {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [التوبة:120]، وقال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ} [الصف: 4]، وإنَّ القتال في سبيل الله لهو التجارة الرابحة التي دلَّ عباده عليها، فقال جلَّ من قائل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الصف:10-11]، فجعل الثواب والجزاء عظيما جليلا بيَّنه في قوله: {يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [الصف:12-13].

قال ابن القيم في مدارجه: "فإن عبودية الجهاد من أحب أنواع العبودية إليه سبحانه، ولو كان الناس كلهم مؤمنين لتعطلت هذه العبودية وتوابعها، من الموالاة فيه سبحانه، والمعاداة فيه، والحب فيه والبغض فيه، وبذل النفس له في محاربة عدوه"، إلى أن قال: "ومنها عبوديةُ مخالفةِ عدوِّه، ومراغمته في الله، وإغاظته فيه، وهي من أحب أنواع العبودية إليه، فإنه -سبحانه- يحب من وليِّه أن يغيظ عدوه ويراغمه ويسوءه، وهذه عبودية لا يتفطَّن لها إلا الأكياس" انتهى كلامه رحمه الله.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 303
الخميس 2 صفر 1443 هـ
...المزيد

مقال: جاه الأكارم (3) -الكلمة الطيبة- الحمد لله الكبير المتعال ذي الجلال والإكرام، هادي عباده ...

مقال: جاه الأكارم (3) -الكلمة الطيبة-


الحمد لله الكبير المتعال ذي الجلال والإكرام، هادي عباده المؤمنين لأطايب الكلام، والصلاة والسلام على نبي الهدي خير الأنام، وعلى آله وصحبه أولي النهى ودعاة الإسلام، وبعد.

الكلام فضل من الرحمن منّ به على بني الإنسان؛ ليفصحوا عما بداخلهم ويعبروا عما يجول في خواطرهم لأقرانهم، من مكنونات المحبة وتغيرات الأحوال وخلجات المشاعر، ومن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أتباعه أن لا يجعلوا مشاعر المحبة في صدورهم بل يفصحوا عنها؛ لما في ذلك من ترابط المحبة في الله، فعن أنس رضي الله عنه قال: "مرّ بالنبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال رجل: إني لأحبه في الله عز وجل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أأعلمته؟) قال: لا، قال: (فأعلِمه)، قال: فلقيت الرجل فأعلمته فقال: أحبك الله الذي أحببتني له" [الحاكم في المستدرك]، فإن كان الصمت يُحمد في حال، فالكلام الطيب يُحمد في كثير من الأحوال.

ولقد هدى الله تعالى عباده هداية من أجمل الهداية، فقال تعالى: {وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ} [الحج:٢٤]، فنعمت الهداية في القول الطيب، وطوبى لمن رزقه الله إياها ونال تلك المنزلة.

وإن الكلام الليّن يغسل الضغائن المستكنّة في النفوس، ويحوّل العدو اللدود إلى حميم ودود؛ لما في الكلام من أثر بالغ في تطييب الخواطر ومد جسور الود والمحبة، يقول وهب بن منبه رحمه الله: "ثلاث من كُنّ فيه أصاب البر: سخاوة النفس، والصبر على الأذى، وطيب الكلام".


• يقولوا التي هي أحسن

وكما في كل حال من الأحوال، يتربص العدو اللدود ببني آدم حتى عند المنطق وخروج الكلام، فقد أمرنا ربنا جل في علاه أن لا يخرج من أفواهنا سوی أحسن الكلام؛ تفاديا لحصول الضغائن، والنزغات التي يمشي بها الشيطان بين العباد، قال تعالى: {وَقُلْ لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا} [الإسراء:٥٣]، قال الإمام الطبري رحمه الله: "وقوله {وَقُلْ لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}: يقول تعالى ذكره لنبيّه محمد صلى الله عليه وسلم: وقل يا محمد لعبادي، يقل بعضهم لبعض التي هي أحسن من المحاورة والمخاطبة، كما حدثنا خلاد بن أسلم، قال: حدثنا النضر، قال: أخبرنا المبارك، عن الحسن في هذه الآية، قال: "التي هي أحسن، لا يقول له مثل قوله، يقول له: يرحمك الله يغفر الله لك". وقوله {إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ} يقول: إن الشيطان يسوء محاورة بعضهم بعضا ينزغ بينهم، يقول: يفسد بينهم، يهيج بينهم الشر، {إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا} يقول: إن الشيطان كان لآدم وذرّيته عدوّا، قد أبان لهم عداوته بما أظهر لآدم من الحسد، وغروره إياه حتى أخرجه من الجنة". [تفسير الطبري]


• الكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة

ولقد بين لنا ربنا جل في علاه في كتابه العزيز أهمية الكلمة الطيبة وعظيم أثرها واستمرار خيرها، كما بين لنا خطورة الكلمة الخبيثة وجسيم ضررها، يقول الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ} [ابراهيم:٢٤-٢٦]

وقيل في معنى الكلمة الطيبة هنا معانٍ عديدة منها: "لا إله إلا الله"، ومنها "المؤمن نفسه"، ومنها "العمل الصالح"، وقيل غيرها، وعلى كلٍ فالكلمة الطيبة تؤتي ثمرتها وفائدتها من محبة وتوقير وذكرٍ حسنٍ في كل وقت، سواء في حال وجود صاحبها أو غيابه، وكل من سمعها ناله شيء من حسنها، بخلاف الكلمة الخبيثة التي تؤذي قائلها ومن قيلت له ومَن سمعها، وتظل تطارد صاحبها أينما حل، وهي منبوذة لا قرار لها ولا قبول.

وقد يتعدى أثر الكلمة الطيبة لسائر العمل، قال تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر:۱۰] قال البغوي في تفسيره: "يرفع العمل الصالح الكلم الطيب"، وقيل: "الكلم الطيب يرفع العمل الصالح"، فهذا تلازم بين قبول العمل والكلام الطيب، فقد يعمل المرء، ولا يجد لهذا العمل قبولًا عند الله؛ لخبث منطقه وسوء ملكته.

وللكلمة الطيبة أسرار في الدعوة إلى الله تعالى وأثر بالغ في قبول الحق، قال تعالى: {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل:۱۲۰] ولقد أوصى الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن لا يكون فظاً ولا غليظ القلب؛ لأن طباع البشر لا تقبل ذلك فكان عليه الصلاة والسلام ألين الناس قلبا للصغير والكبير والشريف والوضيع بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران:١٥٩]، وهذه الآية بين آيات الجهاد وكأنها تشير لعلاقة المجاهدين بعضهم ببعض باللين والعفو والدعاء بالمغفرة والمشاورة، فكلها عوامل تشد المجاهدين بعضهم ببعض وتزيد المحبة بينهم.


• من فضائل الكلمة الطيبة

وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن فضل الكلمة الطيبة وجعلها من سمات المؤمنين ومن صدقات الأبدان، قال صلى الله عليه وسلم: (الكلمة الطيبة صدقة) [البخاري]، وإن الإيمان في قلب المؤمن هو المحرك الأول لقيادة الجوارح كلها لتنقاد إلى ما يرضي الله تعالى، وهذا حال المؤمنين المخلصين إذ لن يستقيم للمرء حال حتى يستقيم قلبه، ولن يستقيم القلب إلا بالإيمان، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت) [متفق عليه]

وقال عروة ابن الزبير رحمه الله تعالى: "مكتوب في الحكمة: لتكن كلمتك طيبة وليكن وجهك بسطا تكن أحب إلى الناس ممن يعطيهم العطاء". [حلية الأولياء]

ومما يحصّله العبد بالكلمة الطيبة أن يقي نفسه عذاب النار، فما أهون العمل وما أعظم الجزاء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: (اتّقوا النار ولو بشق تمرة فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة).

وبالكلمة الطيبة يحظى المؤمن بالمغفرة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (إن من موجبات المغفرة بذل السلام وحسن الكلام) [رواه الطبراني]، وهي سبب من أسباب دخول الجنان فعن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن في الجنة غرفة يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدها الله لمن ألان الكلام، وأطعم الطعام، وتابع الصيام، وصلى بالليل والناس نيام) [سنن البيهقي]

ومِن أدقّ آداب الكلم الطيب في القرآن، ما حثه سبحانه عباده على القول المعروف بعد العطاء فقال: {فَارْزُقُوهُمْ مِّنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا} [النساء:٨] وشتان بين من يعطي العطية وهو صامت أو يقول: خذ، وبين من يتبعها بكلمة طيبة كقوله: هذه هدية محب لأخيه أو: مقامك رفيع وإنا لمثلك مقصرون، أو: بارك الله لك فيها، ونحو هذا الكلام، فلربما تكون تلك الكلمة أحسن عند الشخص من العطية ذاتها.

وثمار الكلام الطيب كثيرة يجنيها المرء الذي يحتسب أجرها في الدنيا قبل الآخرة، فالناس تميل لمن اتصف بلين وجمال الكلام، وتنفر ممن أغلظ وكان فظا على الدوام، والمرء بطبعه يحب اقتراب الناس منه وحسن معاشرتهم له، ولكنه قد لا يتنبه أحيانا لكلمة يلقيها فتجرح أو تفضح ويخسر الكثير، أُثر عن لقمان الحكيم رحمه الله أنه قال: "إن من الكلام ما هو أشد من الحجر، وأنفذ من وخز الإبر، وأمرّ من الصبر، وأحرّ من الجمر، وإن من القلوب مزارع، فازرع فيها الكلمة الطيبة، فإن لم تنبت كلها ينبت بعضها".


• لطيفة

ومما لا بد أن يشار إليه، ما سخّره الله تعالى للخلق في هذا الزمان من أسباب التواصل التي تقرّب البعيد وتُدني المسافة، فالكتابة ميسورة والرسائل سريعة، فلا بد أن يراعي في هذا انتقاء الكلمات الطيبات وبعناية، بخلاف ما إذا كان المرء يقابل أخاه؛ لأن الابتسامة غائبة وتعابير الوجوه -وإن قلّدوها- غیر حاضرة، فالعوض بحسن السوق للكلام وانتقاء ألفاظه والتأني فيه، لئلا يُفهم على خلاف مقصده.

نسأل الله تعالى أن يهدينا لأحسن الأقوال والأعمال، وأن يصلح لنا دنيانا وآخرتنا، وأن يهب لنا من لدنه رحمة، والحمد لله أولا وآخرا.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 303
الخميس 2 صفر 1443 هـ
...المزيد

مقال: جاه الأكارم (3) -الكلمة الطيبة- الحمد لله الكبير المتعال ذي الجلال والإكرام، هادي عباده ...

مقال: جاه الأكارم (3) -الكلمة الطيبة-


الحمد لله الكبير المتعال ذي الجلال والإكرام، هادي عباده المؤمنين لأطايب الكلام، والصلاة والسلام على نبي الهدي خير الأنام، وعلى آله وصحبه أولي النهى ودعاة الإسلام، وبعد.

الكلام فضل من الرحمن منّ به على بني الإنسان؛ ليفصحوا عما بداخلهم ويعبروا عما يجول في خواطرهم لأقرانهم، من مكنونات المحبة وتغيرات الأحوال وخلجات المشاعر، ومن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أتباعه أن لا يجعلوا مشاعر المحبة في صدورهم بل يفصحوا عنها؛ لما في ذلك من ترابط المحبة في الله، فعن أنس رضي الله عنه قال: "مرّ بالنبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال رجل: إني لأحبه في الله عز وجل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أأعلمته؟) قال: لا، قال: (فأعلِمه)، قال: فلقيت الرجل فأعلمته فقال: أحبك الله الذي أحببتني له" [الحاكم في المستدرك]، فإن كان الصمت يُحمد في حال، فالكلام الطيب يُحمد في كثير من الأحوال.

ولقد هدى الله تعالى عباده هداية من أجمل الهداية، فقال تعالى: {وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ} [الحج:٢٤]، فنعمت الهداية في القول الطيب، وطوبى لمن رزقه الله إياها ونال تلك المنزلة.

وإن الكلام الليّن يغسل الضغائن المستكنّة في النفوس، ويحوّل العدو اللدود إلى حميم ودود؛ لما في الكلام من أثر بالغ في تطييب الخواطر ومد جسور الود والمحبة، يقول وهب بن منبه رحمه الله: "ثلاث من كُنّ فيه أصاب البر: سخاوة النفس، والصبر على الأذى، وطيب الكلام".


• يقولوا التي هي أحسن

وكما في كل حال من الأحوال، يتربص العدو اللدود ببني آدم حتى عند المنطق وخروج الكلام، فقد أمرنا ربنا جل في علاه أن لا يخرج من أفواهنا سوی أحسن الكلام؛ تفاديا لحصول الضغائن، والنزغات التي يمشي بها الشيطان بين العباد، قال تعالى: {وَقُلْ لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا} [الإسراء:٥٣]، قال الإمام الطبري رحمه الله: "وقوله {وَقُلْ لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}: يقول تعالى ذكره لنبيّه محمد صلى الله عليه وسلم: وقل يا محمد لعبادي، يقل بعضهم لبعض التي هي أحسن من المحاورة والمخاطبة، كما حدثنا خلاد بن أسلم، قال: حدثنا النضر، قال: أخبرنا المبارك، عن الحسن في هذه الآية، قال: "التي هي أحسن، لا يقول له مثل قوله، يقول له: يرحمك الله يغفر الله لك". وقوله {إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ} يقول: إن الشيطان يسوء محاورة بعضهم بعضا ينزغ بينهم، يقول: يفسد بينهم، يهيج بينهم الشر، {إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا} يقول: إن الشيطان كان لآدم وذرّيته عدوّا، قد أبان لهم عداوته بما أظهر لآدم من الحسد، وغروره إياه حتى أخرجه من الجنة". [تفسير الطبري]


• الكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة

ولقد بين لنا ربنا جل في علاه في كتابه العزيز أهمية الكلمة الطيبة وعظيم أثرها واستمرار خيرها، كما بين لنا خطورة الكلمة الخبيثة وجسيم ضررها، يقول الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ} [ابراهيم:٢٤-٢٦]

وقيل في معنى الكلمة الطيبة هنا معانٍ عديدة منها: "لا إله إلا الله"، ومنها "المؤمن نفسه"، ومنها "العمل الصالح"، وقيل غيرها، وعلى كلٍ فالكلمة الطيبة تؤتي ثمرتها وفائدتها من محبة وتوقير وذكرٍ حسنٍ في كل وقت، سواء في حال وجود صاحبها أو غيابه، وكل من سمعها ناله شيء من حسنها، بخلاف الكلمة الخبيثة التي تؤذي قائلها ومن قيلت له ومَن سمعها، وتظل تطارد صاحبها أينما حل، وهي منبوذة لا قرار لها ولا قبول.

وقد يتعدى أثر الكلمة الطيبة لسائر العمل، قال تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر:۱۰] قال البغوي في تفسيره: "يرفع العمل الصالح الكلم الطيب"، وقيل: "الكلم الطيب يرفع العمل الصالح"، فهذا تلازم بين قبول العمل والكلام الطيب، فقد يعمل المرء، ولا يجد لهذا العمل قبولًا عند الله؛ لخبث منطقه وسوء ملكته.

وللكلمة الطيبة أسرار في الدعوة إلى الله تعالى وأثر بالغ في قبول الحق، قال تعالى: {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل:۱۲۰] ولقد أوصى الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن لا يكون فظاً ولا غليظ القلب؛ لأن طباع البشر لا تقبل ذلك فكان عليه الصلاة والسلام ألين الناس قلبا للصغير والكبير والشريف والوضيع بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران:١٥٩]، وهذه الآية بين آيات الجهاد وكأنها تشير لعلاقة المجاهدين بعضهم ببعض باللين والعفو والدعاء بالمغفرة والمشاورة، فكلها عوامل تشد المجاهدين بعضهم ببعض وتزيد المحبة بينهم.


• من فضائل الكلمة الطيبة

وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن فضل الكلمة الطيبة وجعلها من سمات المؤمنين ومن صدقات الأبدان، قال صلى الله عليه وسلم: (الكلمة الطيبة صدقة) [البخاري]، وإن الإيمان في قلب المؤمن هو المحرك الأول لقيادة الجوارح كلها لتنقاد إلى ما يرضي الله تعالى، وهذا حال المؤمنين المخلصين إذ لن يستقيم للمرء حال حتى يستقيم قلبه، ولن يستقيم القلب إلا بالإيمان، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت) [متفق عليه]

وقال عروة ابن الزبير رحمه الله تعالى: "مكتوب في الحكمة: لتكن كلمتك طيبة وليكن وجهك بسطا تكن أحب إلى الناس ممن يعطيهم العطاء". [حلية الأولياء]

ومما يحصّله العبد بالكلمة الطيبة أن يقي نفسه عذاب النار، فما أهون العمل وما أعظم الجزاء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: (اتّقوا النار ولو بشق تمرة فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة).

وبالكلمة الطيبة يحظى المؤمن بالمغفرة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (إن من موجبات المغفرة بذل السلام وحسن الكلام) [رواه الطبراني]، وهي سبب من أسباب دخول الجنان فعن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن في الجنة غرفة يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدها الله لمن ألان الكلام، وأطعم الطعام، وتابع الصيام، وصلى بالليل والناس نيام) [سنن البيهقي]

ومِن أدقّ آداب الكلم الطيب في القرآن، ما حثه سبحانه عباده على القول المعروف بعد العطاء فقال: {فَارْزُقُوهُمْ مِّنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا} [النساء:٨] وشتان بين من يعطي العطية وهو صامت أو يقول: خذ، وبين من يتبعها بكلمة طيبة كقوله: هذه هدية محب لأخيه أو: مقامك رفيع وإنا لمثلك مقصرون، أو: بارك الله لك فيها، ونحو هذا الكلام، فلربما تكون تلك الكلمة أحسن عند الشخص من العطية ذاتها.

وثمار الكلام الطيب كثيرة يجنيها المرء الذي يحتسب أجرها في الدنيا قبل الآخرة، فالناس تميل لمن اتصف بلين وجمال الكلام، وتنفر ممن أغلظ وكان فظا على الدوام، والمرء بطبعه يحب اقتراب الناس منه وحسن معاشرتهم له، ولكنه قد لا يتنبه أحيانا لكلمة يلقيها فتجرح أو تفضح ويخسر الكثير، أُثر عن لقمان الحكيم رحمه الله أنه قال: "إن من الكلام ما هو أشد من الحجر، وأنفذ من وخز الإبر، وأمرّ من الصبر، وأحرّ من الجمر، وإن من القلوب مزارع، فازرع فيها الكلمة الطيبة، فإن لم تنبت كلها ينبت بعضها".


• لطيفة

ومما لا بد أن يشار إليه، ما سخّره الله تعالى للخلق في هذا الزمان من أسباب التواصل التي تقرّب البعيد وتُدني المسافة، فالكتابة ميسورة والرسائل سريعة، فلا بد أن يراعي في هذا انتقاء الكلمات الطيبات وبعناية، بخلاف ما إذا كان المرء يقابل أخاه؛ لأن الابتسامة غائبة وتعابير الوجوه -وإن قلّدوها- غیر حاضرة، فالعوض بحسن السوق للكلام وانتقاء ألفاظه والتأني فيه، لئلا يُفهم على خلاف مقصده.

نسأل الله تعالى أن يهدينا لأحسن الأقوال والأعمال، وأن يصلح لنا دنيانا وآخرتنا، وأن يهب لنا من لدنه رحمة، والحمد لله أولا وآخرا.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 303
الخميس 2 صفر 1443 هـ
...المزيد

مرئي بعنوان / انتقم مؤسسة الدرع السني.. تقدم الإصدار المرئي: [ انتقم ] فيا عبد الله ...

مرئي بعنوان / انتقم



مؤسسة الدرع السني..
تقدم الإصدار المرئي: [ انتقم ]


فيا عبد الله الموحد المجاهد إن طريقك قد قلَّ فيه السالكون في كل زمان وكثر المتساقطون، فانظر لمن سبقك من إخوانك الذين مضوا شهداء عند ربهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، تنعم أرواحهم في جوف طير النعيم والكرامة، حتى تقوم القيامة وهو آمن من الفزع يأكل من ثمار الجنة، فامض ولا تلتفت فإنك متى التفت وسمعت فإن ذلك قد يؤخرك عن مرادك وسيرك إلى غايتك، فلا تصحب من يعيقك عن جهادك المبارك من مخذل أو مرجف، واستعن بالله وكن أُمة وحدك، ولو ذهبت أرضك وازدحمت سماؤك بطائرات عدوك، فإن نصر الله يلوح بعد هذه المحن، ما دام قلبك ملازما للحق وما دمت مقاتلا دونه، فعندما جاء ابن أبي داود إلى الإمام أحمد متشمتاً يقول مقولة أهل النفاق: ألم تر كيف ظهر الباطل على الحق يا أحمد؟ فقال الإمام أحمد، رحمه الله: "إن الباطل لم يظهر على الحق، إن ظهور الباطل على الحق هو انتقال قلوب الناس من الحق إلى الباطل، وقلوبنا بعد لازمة للحق". وما علينا بعد ملازمة الحق والقتال إلا قطف الثمار، فإما الشهادة التي يحبها الله ويرضى بها عنا، أو أن نجوس الديار ونتبر ما علا طواغيت العالم تتبيرا، والله -تعالى- لا يتخلف وعده في نصر دينه وهو -سبحانه- قادر وغالب على أمره ولكن المنافقين لا يعلمون، والحمد لله رب العالمين.



لمشاهدة الإصدار تواصل معنا على منصة التيليجرام:
@WMC11AR
...المزيد

مقال: أنّ الله يحول بين المرء وقلبه إنّ القرآن الكريم دليلُ المسلم في طريقه إلى ربه، وإنما ضلّ ...

مقال: أنّ الله يحول بين المرء وقلبه

إنّ القرآن الكريم دليلُ المسلم في طريقه إلى ربه، وإنما ضلّ أكثر الناس اليوم وتفرقوا بسبب بعدهم عن اقتفاء طريق القرآن وامتثال ما فيه من أوامر ونواه، تضْمن وصول المسلم إلى برِّ الأمان في الدنيا ويوم يقوم الحساب، ومن ذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}[الأنفال:24]

ذكر ابن كثير -رحمه الله- خمسة أقوال في تفسير قوله: {لِمَا يُحْيِيكُمْ}: الأول: هو الإيمان. الثاني: هو القرآن فيه الحياة وبه النجاة والعصمة في الدارين. الثالث: هو الحق. الرابع: هو الجهاد أعزكم الله به بعد الذل. الخامس: الشهادة، قال الله تعالى في الشهداء: {بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}. ولا تعارض بين هذه الأقوال، فإن جميعها مترابطات متداخلات، فالحق هو الإيمان، ولا إيمان بغير قرآن، والجهاد يحمي الحق ويحرسه، والشهادة خاتمة وغاية يتمناها كل مجاهد آمن وسلك طريق الحق.

ونقل الطبري -رحمه الله- أربعة أقوال في تفسير قوله تعالى: {أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ}: "الأول: أنه يحول بين الكافر والإيمان، وبين المؤمن والكفر. الثاني: أنه يحول بين المرء وعقله، فلا يدري ما يَعمل. الثالث: أنه يحول بين المرء وقلبه، فلا يقدر على إيمان أو كفر إلا بإذنه. الرابع: أنه قريب من قلبه، لا يخفى عليه شيء أظهره أو أسره"، وجمع الطبري بين هذه الأقوال الأربعة بقوله: "إن ذلك خبرٌ من الله عز وجل، أنه أملك لقلوب عباده منهم، وأنه يحول بينهم وبينها إذا شاء، حتى لا يقدر ذو قلب أن يُدرك به شيئًا من إيمان أو كفر، أو أن يَعِي به شيئًا، أو أن يفهم، إلا بإذنه ومشيئته".

ومن ذلك أيضا قوله تعالى: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}، قال أهل التفاسير حول ذلك: "إياكم أن تردوا أمر اللّه أول ما يأتيكم، فيُحال بينكم وبينه إذا أردتموه بعد ذلك، وتختلف قلوبكم، فإن اللّه يحول بين المرء وقلبه، يقلب القلوب حيث شاء ويصرفها أنى شاء، فليكثر العبد من قول: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، يا مصرف القلوب، اصرف قلبي إلى طاعتك ".

وقد علّق المفسّرون على ذلك تعليقا لطيفا فقالوا: "إنهم الذين جنوا على أنفسهم، فتح لهم الباب فلم يدخلوا، وبيّن لهم الطريق فلم يسلكوا، فبعد ذلك إذا حرموا التوفيق كان مناسبا لأحوالهم".

وقال عطاء -رحمه الله- في تفسير قوله: {وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}، أي: "نخذلهم وندعهم في ضلالتهم يتمادون"، وقال الطبري: "يتردَّدون، لا يهتدون لحق، ولا يبصرون صوابًا قد غلب عليهم الخِذْلان، واستحوذ عليهم الشيطانُ". وما ذلك إلا بتخلفهم عن الهدى وإعراضهم عنه حال معرفتهم إياه وقربهم منه.

ونحو ذلك ما قاله ابن كثير في تفسير قوله: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم}: "أي: فلما عدلوا عن اتباع الحق مع علمهم به، أزاغ الله قلوبهم عن الهدى، وأسكنها الشك والحيرة والخذلان". فتراهم في غيهم وضلالهم يتخبطون.

لكن هنا وجب التنبيه إلى أنّ ما سبق ليس معناه أن الله تعالى يمنع عباده من الإيمان، بل هو يدعوهم إليه ويأمرهم به ويحثهم عليه، وإنما يحول الله تعالى بين العبد وبين التوفيق إلى الهداية، بجريرته وعمله وإعراضه، فكان ذلك عدلا من الله تعالى وعقابا لمن قصّر في استجلاب أسباب الهداية وزَهد فيها، وغرق في بحار الشهوات والغفلة عامدا مختارا مقدِّما دنياه وهواه على دينه وآخرته.

فإن الله تعالى يوفق عباده إلى الإيمان به ويثبّتهم عليه، -بفضله تعالى- جزاء لهم على ما حققوه من الأسباب والأعمال التي تستوجب وتستجلب هداية الله تعالى، ومِن أهم هذه الأسباب المبادرة والإسراع إلى الحق حال معرفته، فمن تلكأ وتباطأ، يوشك أن يصرف الله قلبه عن الهدى، ويوكله إلى نفسه فيحول بينه وبين الحق فيخسر أيّما خسران.

فمن تثاقل عن الاستجابة لداعي الإيمان والجهاد وأبطأ فلم يُسرع إليه، مع علمه بأنه الحق وأنه أحقّ بالاتباع، فلا يأمن على نفسه أن يحول الله تعالى بينه وبين قلبه غدا، فلا يتمكن من الاستجابة للحق، عقوبةً له على تثاقله وتأخره حال مقدرته على ذلك وعلمه به، ولا يظلم ربك أحدا.

والقصص عن أمثال مَن هذا حاله كثيرة، ممَّن طرق الحقُّ بابه فلم يفتح له! وأشاح بوجهه عنه! حبا في الدنيا وكراهية للموت أو الأسر، أو تسويفا ومماطلة، فلما شاء أن يلتحق بركب الحق لم يُوفّق إلى ذلك وفاته قطاره!، لأنّ الله تعالى عاقَبه بأن حال بينه وبين قلبه.


وكم مِن قاعد أتيحت له أسباب الهجرة والجهاد فأبى وأخلد إلى الأرض ولم يُلبّ النداء، فلما رام ذلك لاحقا حُرم التوفيق إليه! وكم مِن عاص أبى أن يتوب ولم يسارع إلى المغفرة، فلما أراد أن يفعل حُرم ولم يُوفّق إلى التوبة، فظلّ رهنا للذنوب والشهوات تأكل قلبه وجسده والجزاء من جنس العمل، والكلام حول ذلك يطول، والأمثلة في واقعنا المُعاش أكثر من أن تُحصر في مقال، والغاية أن نعتبر ونحذر.

ولذلك قالوا: "إذا هبت رياحك فاغتنمها"، وفي حديث مسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَنا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ…)، يعني بادروا وسارعوا إلى الأعمال الصالحة قبل مجيء الفتن والصوارف التي تحول بينكم وبين ذلك.

وآيُ القرآن مليئة بهذه الزواجر المرعبة التي تفْرَق لها قلوب الذين آمنوا كقوله تعالى: {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ}، وقوله: {ثُمَّ انصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُم}، وقوله: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ}، وغيرها من الآيات التي تتحدث عن عقاب الله تعالى بالحيلولة بين العبد وقلبه، وإزاغته عن الحق وحرمانه الهداية بما جناه على نفسه من الزيغ والانصراف عن طريق الحق والإعراض عنه، والزهد في الاستجابة لنداء الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.

ومعلوم أنه لا نداء في هذا العصر يُحيي المسلمين كنداء داعي الجهاد في سبيل الله تعالى، فالجهاد هو فرض الساعة الذي تُحفظ به الملة وتُصان به الحرمات والأعراض، ويحيا به المسلمون حياة الإيمان والهداية، فأسرِعوا أيها المسلمون إلى ثغوركم قبل أن تُصرفوا عنها، ويحول بينكم وبين التوفيق إليها الحوائل، ولينصرن الله من ينصره.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 303
الخميس 2 صفر 1443 هـ
...المزيد
يتم الآن تحديث اوقات الصلاة ...
00:00:00 يتبقى على
24 رجب 1447
الفجر 00:00 الظهر 00:00 العصر 00:00 المغرب 00:00 العشاء 00:00

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً