تحويل المصيبة إلى حزن ومأتم يزيدها مصائب، وتخلق مصائب عديدة: {وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا}.
#تأملات
مساعدة
الإبلاغ عن المادة
تعديل تدوينة
صراع الطواغيت في السودان مَكْمَنُ الفساد في الأرض باستبدال الذي هو أدنى من "الأحكام والقوانين ...
صراع الطواغيت في السودان
مَكْمَنُ الفساد في الأرض باستبدال الذي هو أدنى من "الأحكام والقوانين البشرية" بالذي هو خير "شرع الله المنزل"، واتخاذ آلهة دون الله في العبادة والحكم والتشريع، قال الله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} قال ابن جرير رحمه الله: "لو كان في السماوات والأرض آلهة تصلح لهم العبادة سوى الله الذي هو خالق الأشياء، وله العبادة والألوهية التي لا تصلح إلا له (لَفَسَدَتا) يقول: لفسد أهل السماوات والأرض".
وهذا الفساد كفيل بأن يتجرعه كل من ذاق تسلّط الطواغيت الذين جعلوا أنفسهم آلهة من دون الله بتشريع أحكام مخالفة للشرع أو بتحليل الحرام أو تحريم الحلال أو عزل الدين بالكلية عن الحكم وسياسة الناس.
ومن عادة الطواغيت أن كل طاغوت منهم لا يرضى بحكم طاغوت غيره، بل يرى نفسه أقدر وأجدر وأحق أن يُعبد، وهكذا يتيه الناس في الفساد العريض ولا يقوم لهم نظام في دينهم ولا دنياهم، وتكثر فيهم الاضطرابات والانقلابات، فانقلاب على المنقلِب، ثم انقلاب المنقلِب الجديد على مَن انقلَب معه، وهذا ما جرى في السودان؛ فقد جاء الطاغوت "البشير" بانقلاب على حكومة الطاغوت "الصادق المهدي" التي لم تحكم بشرع الله، ثم انقلب "البشير" نفسه على الهالك "حسن الترابي" الذي سانده في الانقلاب وأقصاه حتى لا ينقلب عليه، وأثناء حكم "البشير" حاول "الترابي" الانقلاب عليه فلم يفلح، فجعل يدعم كل مناوئِي حكم "البشير" من الحركات، ورغم وعود الطاغوت "البشير" بالحكم بالشريعة طوال فترة حكمه التي امتدت إلى 30 عاما، إلا أن حكومته لم تحكم بشرع الله تعالى، وهذا دأب حكومات الإخوان المرتدين الذين يمتنعون عن إقامة الشريعة، بل ويستبدلون بها المجالس الشركية، كما فعلوا في تركيا ومصر وفلسطين وتونس وليبيا واليمن.
وبعد سنين من حكم الإخوان المرتدين في السودان بغير شرع الله، يتجرع "البشير" كأس الانقلاب والإطاحة به على يد ضباط جيشه، فألقي في السجن ذليلا ليلقى نفس مصير نظيره الطاغوت الهالك "مرسي" وبنفس الطريقة، مع محاكمته على انقلابه السابق، نعوذ بالله من الخسران.
وما إنْ تسلط "المنقلبون الجدد" على الحكم في السودان تحت دعاوى الإصلاح، حتى أظهروا العداء لدين الله صراحة وتباهوا بذلك ليرضى عنهم اليهود والنصارى، فنادوا بفصل الدين عن الدولة، وموالاة اليهود والاعتراف بدويلتهم بلا خجل، ولم تتوقف موجة الانقلابات في السودان عند هذا الحد، فقد سلّط الله المرتدين بعضهم على بعض فانقلب أحد رأسيْ الانقلاب على الآخر! ما تسبب بزيادة الشرخ والتشرذم ليس في السودان وحسب بل حتى بين الدول التي دعمت الانقلاب.
وقد تدخّل الصليبيون واليهود وحلفاؤهم بشكل لافت في مجرى الانقلاب، وأبدى الطاغوت الأمريكي "بايدن" انتقاده لما جرى، ودعت بريطانيا إلى عقد "جلسة خاصة لمجلس حقوق الإنسان" للنظر في شأن السودان، وأرسل اليهود وفودهم الاستخبارية لعقد مباحثات غامضة في الخرطوم… هذا وغيره الكثير من الخطوات التي ظهرت أو لم تظهر بعد، فما سرّ اهتمام هؤلاء بأزمة السودان؟ هل يقلقهم مصير الأطفال والنساء والشيوخ؟! أم تُحزنهم أنّات الأرامل والثكالى والمساكين؟!إن القضية قضية حرب صليبية يهودية وغزو غير مباشر لبلاد المسلمين، فمتى كانت أمريكا وبريطانيا واليهود يهمّهم أمر المسلمين؟ ولو عدنا للوراء قليلا لرأينا أن بريطانيا كانت قد غزت السودان خلال القرن الماضي ثم خرجت وأوعزت للمرتدين بإدارة البلاد فهي ترى أن لها أولويات في شؤون السودان، إضافة إلى أطماع اليهود في ثروات السودان، وسعيهم الحثيث لإتمام مشروعهم -المبدد إن شاء الله- "من النيل إلى الفرات"! وتنفيذا لما أطلقوا عليه مشروع "السلام الإبراهيمي" بعد ضمانتهم دويلة "جنوب السودان" التي خططوا وشاركوا بقوة في انفصالها، كل هذا الحرص حتى لا تتفلّت الأوراق من أيديهم، لذلك لم يُؤثروا الانزواء عن هذه الأحداث، وفي النهاية أعادوا الطاغوت المرتد "حمدوك" باتفاق شراكة جديد حظي بترحيب من بريطانيا و"الاتحاد الأوروبي" الصليبي، ونال أيضا قَبولا من "المجتمع الدولي"، وهذا فصل من فصول استمرار الفساد بالحكم بغير شرع الله وإشغال الناس بخصومات الشركاء المتشاكسين وصرفهم عن حقيقة ما يراد، وبأي وصف كان المتسلط "عسكريا" أو "مدنيا" فهو ضامن لهم ألا يحكم بشرع الله! وأن يوالي اليهود والصليبيين ويدعم مخططاتهم وينفّذ أجندتهم ويحمي مصالحهم.
وإنّ الحل لكل هذه المؤامرات التي تُحاك لأهل الإسلام في السودان؛ أن يعتصموا بحبل الله جميعا ويوجهوا طاقاتهم للجهاد في سبيل الله، فلن يدرك الناس سلامة دينهم وسعادة دنياهم إلا بشرع الله وإقامته، قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ مِّنْ رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِم} [المائدة: 66].
ولم يجعل الله من طريق ليعلو به شرعه الديار ويحكم إلا طريقا واحدا هو الجهاد في سبيل الله، قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال: 39]، فلن تزول الفتنة إلا بالقتال، والفتنة الشرك وتحكيم قوانين الكفر، ولو قُتل الناس في سبيل إزالة الفتنة وجهاد جنود الطاغوت والدستور وأعوانهم ما كان ذلك كبيرا، قال تعالى: {وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة: 217]، فإن من قُتل في سبيل الله تعالى وإقامة شرعه في الأرض فهو الشهيد بإذن الله تعالى ولن يضيع دمه، قال تعالى: {وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ} [محمد: 4- 6].
وقد حذّرت الدولة الإسلامية على لسان قادتها وأمرائها من تضييع الجهود في الهتافات والمظاهرات، فإنها لم تأتِ لأصحابها إلا بطواغيت جدد أشدّ جُرما وفتكًا بالمسلمين، يحكمونهم بغير شرع الله ويحاربون كل من يسعى إلى ذلك.
فيا أهل السودان كفاكم ضياعا تحت حكم الطواغيت، وكفاكم خسارة في سبيل السلمية المقيت، اغضبوا لدين الله تعالى وشرعه المعطّل، وجاهدوا في سبيله حقّ جهاده، قاتلوا الطواغيت وجنودهم وأولياءهم، واجعلوا التوحيد غايتكم والجهاد سبيلكم، فبه وحسب نجاتكم مما أنتم فيه، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 315
الخميس 27 ربيع الثاني 1443 هـ ...المزيد
مَكْمَنُ الفساد في الأرض باستبدال الذي هو أدنى من "الأحكام والقوانين البشرية" بالذي هو خير "شرع الله المنزل"، واتخاذ آلهة دون الله في العبادة والحكم والتشريع، قال الله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} قال ابن جرير رحمه الله: "لو كان في السماوات والأرض آلهة تصلح لهم العبادة سوى الله الذي هو خالق الأشياء، وله العبادة والألوهية التي لا تصلح إلا له (لَفَسَدَتا) يقول: لفسد أهل السماوات والأرض".
وهذا الفساد كفيل بأن يتجرعه كل من ذاق تسلّط الطواغيت الذين جعلوا أنفسهم آلهة من دون الله بتشريع أحكام مخالفة للشرع أو بتحليل الحرام أو تحريم الحلال أو عزل الدين بالكلية عن الحكم وسياسة الناس.
ومن عادة الطواغيت أن كل طاغوت منهم لا يرضى بحكم طاغوت غيره، بل يرى نفسه أقدر وأجدر وأحق أن يُعبد، وهكذا يتيه الناس في الفساد العريض ولا يقوم لهم نظام في دينهم ولا دنياهم، وتكثر فيهم الاضطرابات والانقلابات، فانقلاب على المنقلِب، ثم انقلاب المنقلِب الجديد على مَن انقلَب معه، وهذا ما جرى في السودان؛ فقد جاء الطاغوت "البشير" بانقلاب على حكومة الطاغوت "الصادق المهدي" التي لم تحكم بشرع الله، ثم انقلب "البشير" نفسه على الهالك "حسن الترابي" الذي سانده في الانقلاب وأقصاه حتى لا ينقلب عليه، وأثناء حكم "البشير" حاول "الترابي" الانقلاب عليه فلم يفلح، فجعل يدعم كل مناوئِي حكم "البشير" من الحركات، ورغم وعود الطاغوت "البشير" بالحكم بالشريعة طوال فترة حكمه التي امتدت إلى 30 عاما، إلا أن حكومته لم تحكم بشرع الله تعالى، وهذا دأب حكومات الإخوان المرتدين الذين يمتنعون عن إقامة الشريعة، بل ويستبدلون بها المجالس الشركية، كما فعلوا في تركيا ومصر وفلسطين وتونس وليبيا واليمن.
وبعد سنين من حكم الإخوان المرتدين في السودان بغير شرع الله، يتجرع "البشير" كأس الانقلاب والإطاحة به على يد ضباط جيشه، فألقي في السجن ذليلا ليلقى نفس مصير نظيره الطاغوت الهالك "مرسي" وبنفس الطريقة، مع محاكمته على انقلابه السابق، نعوذ بالله من الخسران.
وما إنْ تسلط "المنقلبون الجدد" على الحكم في السودان تحت دعاوى الإصلاح، حتى أظهروا العداء لدين الله صراحة وتباهوا بذلك ليرضى عنهم اليهود والنصارى، فنادوا بفصل الدين عن الدولة، وموالاة اليهود والاعتراف بدويلتهم بلا خجل، ولم تتوقف موجة الانقلابات في السودان عند هذا الحد، فقد سلّط الله المرتدين بعضهم على بعض فانقلب أحد رأسيْ الانقلاب على الآخر! ما تسبب بزيادة الشرخ والتشرذم ليس في السودان وحسب بل حتى بين الدول التي دعمت الانقلاب.
وقد تدخّل الصليبيون واليهود وحلفاؤهم بشكل لافت في مجرى الانقلاب، وأبدى الطاغوت الأمريكي "بايدن" انتقاده لما جرى، ودعت بريطانيا إلى عقد "جلسة خاصة لمجلس حقوق الإنسان" للنظر في شأن السودان، وأرسل اليهود وفودهم الاستخبارية لعقد مباحثات غامضة في الخرطوم… هذا وغيره الكثير من الخطوات التي ظهرت أو لم تظهر بعد، فما سرّ اهتمام هؤلاء بأزمة السودان؟ هل يقلقهم مصير الأطفال والنساء والشيوخ؟! أم تُحزنهم أنّات الأرامل والثكالى والمساكين؟!إن القضية قضية حرب صليبية يهودية وغزو غير مباشر لبلاد المسلمين، فمتى كانت أمريكا وبريطانيا واليهود يهمّهم أمر المسلمين؟ ولو عدنا للوراء قليلا لرأينا أن بريطانيا كانت قد غزت السودان خلال القرن الماضي ثم خرجت وأوعزت للمرتدين بإدارة البلاد فهي ترى أن لها أولويات في شؤون السودان، إضافة إلى أطماع اليهود في ثروات السودان، وسعيهم الحثيث لإتمام مشروعهم -المبدد إن شاء الله- "من النيل إلى الفرات"! وتنفيذا لما أطلقوا عليه مشروع "السلام الإبراهيمي" بعد ضمانتهم دويلة "جنوب السودان" التي خططوا وشاركوا بقوة في انفصالها، كل هذا الحرص حتى لا تتفلّت الأوراق من أيديهم، لذلك لم يُؤثروا الانزواء عن هذه الأحداث، وفي النهاية أعادوا الطاغوت المرتد "حمدوك" باتفاق شراكة جديد حظي بترحيب من بريطانيا و"الاتحاد الأوروبي" الصليبي، ونال أيضا قَبولا من "المجتمع الدولي"، وهذا فصل من فصول استمرار الفساد بالحكم بغير شرع الله وإشغال الناس بخصومات الشركاء المتشاكسين وصرفهم عن حقيقة ما يراد، وبأي وصف كان المتسلط "عسكريا" أو "مدنيا" فهو ضامن لهم ألا يحكم بشرع الله! وأن يوالي اليهود والصليبيين ويدعم مخططاتهم وينفّذ أجندتهم ويحمي مصالحهم.
وإنّ الحل لكل هذه المؤامرات التي تُحاك لأهل الإسلام في السودان؛ أن يعتصموا بحبل الله جميعا ويوجهوا طاقاتهم للجهاد في سبيل الله، فلن يدرك الناس سلامة دينهم وسعادة دنياهم إلا بشرع الله وإقامته، قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ مِّنْ رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِم} [المائدة: 66].
ولم يجعل الله من طريق ليعلو به شرعه الديار ويحكم إلا طريقا واحدا هو الجهاد في سبيل الله، قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال: 39]، فلن تزول الفتنة إلا بالقتال، والفتنة الشرك وتحكيم قوانين الكفر، ولو قُتل الناس في سبيل إزالة الفتنة وجهاد جنود الطاغوت والدستور وأعوانهم ما كان ذلك كبيرا، قال تعالى: {وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة: 217]، فإن من قُتل في سبيل الله تعالى وإقامة شرعه في الأرض فهو الشهيد بإذن الله تعالى ولن يضيع دمه، قال تعالى: {وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ} [محمد: 4- 6].
وقد حذّرت الدولة الإسلامية على لسان قادتها وأمرائها من تضييع الجهود في الهتافات والمظاهرات، فإنها لم تأتِ لأصحابها إلا بطواغيت جدد أشدّ جُرما وفتكًا بالمسلمين، يحكمونهم بغير شرع الله ويحاربون كل من يسعى إلى ذلك.
فيا أهل السودان كفاكم ضياعا تحت حكم الطواغيت، وكفاكم خسارة في سبيل السلمية المقيت، اغضبوا لدين الله تعالى وشرعه المعطّل، وجاهدوا في سبيله حقّ جهاده، قاتلوا الطواغيت وجنودهم وأولياءهم، واجعلوا التوحيد غايتكم والجهاد سبيلكم، فبه وحسب نجاتكم مما أنتم فيه، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 315
الخميس 27 ربيع الثاني 1443 هـ ...المزيد
مقال: جاه الأكارم (9) - الصدق - الحمد لله ولي المتقين، وهادي المؤمنين، لسبل الهداية ومنازل ...
مقال: جاه الأكارم (9) - الصدق -
الحمد لله ولي المتقين، وهادي المؤمنين، لسبل الهداية ومنازل الصادقين، والصلاة والسلام على نبينا محمد الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه ومن استن بسنته إلى يوم الدين، وبعد.
فقوة كل شيء أكثره وضوحا للعدو والصديق، وبتطابق الأقوال والأفعال والسرائر والبواطن في الأخلاق تتأصّل الفضيلة، وهذه المطابقة تسمى صدقا، والصدق هو حلية المؤمن في منطقه، وهو علامة له تميزه عن غيره، وهو في الأعمال سبب للقبول، وفي الأخلاق واجب حميد، ويزيد وضاءة القلوب والوجوه، ويغرس المحبة في قلوب العباد، ويُعلي الله به ذكر صاحبه بين العالمين من غير تكلّف منه لذلك، والصادق يؤخذ ما يصدر عنه محمل الجد فقوله مفعول، ووعده نافذ وتهديده أكيد، فيحظى بهذا مكانة عند المُحب وحذرا من العدو.
والصدق هو الخصلة التي توصل المؤمنين إلى البر، الذي يوصل لرضى الكريم المنان سبحانه فيدخلهم أعالي الجنان، فعن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا) [متفق عليه].
• صدق العزيمة والفعل
والصّدق له عدة أبواب أجلّها الصدق مع الله جل جلاله، والعبد الصدوق ينال خير الدنيا والآخرة بصدقه مع ربه، قال ابن القيم رحمه الله: "ليس للعبد شيء أنفع من صدقه ربَّه في جميع أموره، مع صدق العزيمة، فيصدقه في عزمه، وفي فعله، قال تعالى: {فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ} فسعادته في صدق العزيمة، وصدق الفعل، فصدق العزيمة: جمعها، وجزمها، وعدم التردد فيها، بل تكون عزيمة، لا يشوبها تردد، ولا تلوُّم، فإذا صدقت عزيمته بقي عليه صدق الفعل، وهو استفراغ الوسع، وبذل الجهد فيه، وأن لا يتخلف عنه بشيء من ظاهره، وباطنه، فعزيمة القصد تمنعه من ضعف الإرادة والهمة، وصدق الفعل يمنعه من الكسل، والفتور، ومَن صدَق الله في جميع أموره؛ صنع الله له فوق ما يصنع لغيره، وهذا الصدق معنى يلتئم من صحة الإخلاص، وصدق التوكل، فأصدَقُ الناس: مَن صح إخلاصُه وتوكله". [الفوائد]
وهذا الصدق هو ما رفع أبا بكر رضي الله عنه فسمي "صدّيقا" وصار خير الناس بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فهو صادِق في إيمانه بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم، إذ لم يكن يشك طرفة عين في أخبار النبي صلى الله عليه وسلم ولا فيما يذكره من أمور الغيب، وهذا أكسبه تلك العزيمة التي ترجمتها أفعاله رضي الله عنه.
• الصدق في الأعمال
ومن الصدق في الأعمال، ما ذكره الله سبحانه وتعالى عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: {مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [الأحزاب :٢٣]، فعن أنس رضي الله عنه قال: غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر، فقال: يا رسول الله غبت عن أول قتال قاتلت المشركين، لئن أشهدني الله قتال المشركين ليرين الله ما أصنع، فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء -يعني أصحابه- وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء -يعني المشركين- ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ، فقال: يا سعد بن معاذ الجنة ورب النضر إني أجد ريحها من دون أحد، قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع، قال أنس فوجدنا به بضعا وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم، ووجدناه قد قتل وقد مثل به المشركون، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه، قال أنس: كنا نظن أو نرى أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: {مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ}. [البخاري]
وهذا الصدق هو الواجب حين اشتداد الأمور فلن ينجي إلا هو، قال تعالى: {وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَىٰ لَهُمْ * طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ} [محمد:٢٠-٢١]
ومن الصدق في الأفعال، صدق الباطن وعزمه على الامتثال لأمر الله مهما كلف الثمن، وهو ما ذكره الله عن أصحاب بيعة الرضوان رضي الله عنهم، فقال: {لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح:١٨]ومن أعظم ما جاء في الصدق في الأفعال قصة الأعرابي الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فآمن به واتبعه، ثم قال: أهاجر معك، فأوصى به النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه، فلما كانت غزوة (خيبر) غنم النبي صلى الله عليه وسلم سبيا، فقسم وقسم له، فأعطى أصحابه ما قسم له، وكان يرعى ظهرهم، فلما جاء دفعوه إليه، فقال: ما هذا؟، قالوا: قسم قسمه لك النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذه فجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ما هذا؟ قال: قسمته لك، قال: ما على هذا اتبعتك، ولكني اتبعتك على أن أرمى إلى هاهنا، وأشار إلى حلقه بسهم، فأموت فأدخل الجنة فقال: إن تصدق الله يصدقك، فلبثوا قليلا ثم نهضوا في قتال العدو، فأتي به النبي صلى الله عليه وسلم يحمل قد أصابه سهم حيث أشار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أهو هو؟ قالوا: نعم، قال: صدق الله فصدقه. [رواه النسائي]
• الصدق في الأقوال
أما صدق الأقوال، فهي خصلة ممدوحة بالفطرة وقبل الإسلام، وقد بلغ النبي صلى الله عليه وسلم من الصدق قبل النبوة ما جعل قومه يلقبونه بـ"الصادق الأمين"، لما كان يعرفه أهل الجاهلية للصادقين، وقد امتنع أبو سفيان رضي الله عنه عندما كان مشركا من الكذب أمام هرقل؛ حتى لا يُعيّر به عند قومه فقال: "فوالله لولا الحياء من أن يأثروا علي كذبا لكذبت عنه".
ومنه الصدق مع الجليس، فلا يقول إلا حقا وإن كان مازحا، وإن التمادي في الكذب مُزاحا يفضي للكذب في غيره ثم يكون الهلاك في الدين وذهاب الإيمان.
وفي قصة الصحابة الذين صدقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبب تخلّفهم عنه يوم تبوك أكبر عبرة ودليلا على عِظَمِ الصدق مع الله تعالى ومع الخلق، فعند البخاري ومسلم أن الصحابي الجليل كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم من تبوك فصدق في تبيين سبب تخلّفه ولم يكذب؛ خوفا من الله تعالى ورجاء عفوه، فقد قال له النبي صلى الله عليه وسلم: "ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟" فقال: يا رسول الله إني والله لو جلست إلى غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أُعطيت جدلا -أي فصاحة وقوة في الإقناع- ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك عليّ، ولئن حدثتك حديث صدق تجد عليّ فيه -تغضب عليّ بسببه- إني لأرجو فيه عفو الله، والله ما كان لي عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر في حين تخلفت عنك. قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "أما هذا فقد صدق". فأنزل الله توبته بعد مدة، قال تعالى: {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}، ثم أعقبها بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ} إذ فيه أمر للمؤمنين أن يصدقوا في أقوالهم ويكونوا مع أهل الصدق.
والصدق منجاة في الدنيا والآخرة ولا نجاة يوم القيامة إلا للصادقين في إيمانهم وأعمالهم مع ربهم عز وجل، وهم الذين أعد الله لهم أعظم الأجر والجزاء، قال سبحانه: {هَٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [سورة المائدة:١١٩]
اللهم زيّن أعمالنا وأقوالنا بالصدق واجعلنا من الصادقين وبلغنا منازلهم، أنت ولينا لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين، والحمد لله رب العالمين.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 314
الخميس 20 ربيع الثاني 1443 هـ ...المزيد
الحمد لله ولي المتقين، وهادي المؤمنين، لسبل الهداية ومنازل الصادقين، والصلاة والسلام على نبينا محمد الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه ومن استن بسنته إلى يوم الدين، وبعد.
فقوة كل شيء أكثره وضوحا للعدو والصديق، وبتطابق الأقوال والأفعال والسرائر والبواطن في الأخلاق تتأصّل الفضيلة، وهذه المطابقة تسمى صدقا، والصدق هو حلية المؤمن في منطقه، وهو علامة له تميزه عن غيره، وهو في الأعمال سبب للقبول، وفي الأخلاق واجب حميد، ويزيد وضاءة القلوب والوجوه، ويغرس المحبة في قلوب العباد، ويُعلي الله به ذكر صاحبه بين العالمين من غير تكلّف منه لذلك، والصادق يؤخذ ما يصدر عنه محمل الجد فقوله مفعول، ووعده نافذ وتهديده أكيد، فيحظى بهذا مكانة عند المُحب وحذرا من العدو.
والصدق هو الخصلة التي توصل المؤمنين إلى البر، الذي يوصل لرضى الكريم المنان سبحانه فيدخلهم أعالي الجنان، فعن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا) [متفق عليه].
• صدق العزيمة والفعل
والصّدق له عدة أبواب أجلّها الصدق مع الله جل جلاله، والعبد الصدوق ينال خير الدنيا والآخرة بصدقه مع ربه، قال ابن القيم رحمه الله: "ليس للعبد شيء أنفع من صدقه ربَّه في جميع أموره، مع صدق العزيمة، فيصدقه في عزمه، وفي فعله، قال تعالى: {فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ} فسعادته في صدق العزيمة، وصدق الفعل، فصدق العزيمة: جمعها، وجزمها، وعدم التردد فيها، بل تكون عزيمة، لا يشوبها تردد، ولا تلوُّم، فإذا صدقت عزيمته بقي عليه صدق الفعل، وهو استفراغ الوسع، وبذل الجهد فيه، وأن لا يتخلف عنه بشيء من ظاهره، وباطنه، فعزيمة القصد تمنعه من ضعف الإرادة والهمة، وصدق الفعل يمنعه من الكسل، والفتور، ومَن صدَق الله في جميع أموره؛ صنع الله له فوق ما يصنع لغيره، وهذا الصدق معنى يلتئم من صحة الإخلاص، وصدق التوكل، فأصدَقُ الناس: مَن صح إخلاصُه وتوكله". [الفوائد]
وهذا الصدق هو ما رفع أبا بكر رضي الله عنه فسمي "صدّيقا" وصار خير الناس بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فهو صادِق في إيمانه بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم، إذ لم يكن يشك طرفة عين في أخبار النبي صلى الله عليه وسلم ولا فيما يذكره من أمور الغيب، وهذا أكسبه تلك العزيمة التي ترجمتها أفعاله رضي الله عنه.
• الصدق في الأعمال
ومن الصدق في الأعمال، ما ذكره الله سبحانه وتعالى عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: {مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [الأحزاب :٢٣]، فعن أنس رضي الله عنه قال: غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر، فقال: يا رسول الله غبت عن أول قتال قاتلت المشركين، لئن أشهدني الله قتال المشركين ليرين الله ما أصنع، فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء -يعني أصحابه- وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء -يعني المشركين- ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ، فقال: يا سعد بن معاذ الجنة ورب النضر إني أجد ريحها من دون أحد، قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع، قال أنس فوجدنا به بضعا وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم، ووجدناه قد قتل وقد مثل به المشركون، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه، قال أنس: كنا نظن أو نرى أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: {مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ}. [البخاري]
وهذا الصدق هو الواجب حين اشتداد الأمور فلن ينجي إلا هو، قال تعالى: {وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَىٰ لَهُمْ * طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ} [محمد:٢٠-٢١]
ومن الصدق في الأفعال، صدق الباطن وعزمه على الامتثال لأمر الله مهما كلف الثمن، وهو ما ذكره الله عن أصحاب بيعة الرضوان رضي الله عنهم، فقال: {لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح:١٨]ومن أعظم ما جاء في الصدق في الأفعال قصة الأعرابي الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فآمن به واتبعه، ثم قال: أهاجر معك، فأوصى به النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه، فلما كانت غزوة (خيبر) غنم النبي صلى الله عليه وسلم سبيا، فقسم وقسم له، فأعطى أصحابه ما قسم له، وكان يرعى ظهرهم، فلما جاء دفعوه إليه، فقال: ما هذا؟، قالوا: قسم قسمه لك النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذه فجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ما هذا؟ قال: قسمته لك، قال: ما على هذا اتبعتك، ولكني اتبعتك على أن أرمى إلى هاهنا، وأشار إلى حلقه بسهم، فأموت فأدخل الجنة فقال: إن تصدق الله يصدقك، فلبثوا قليلا ثم نهضوا في قتال العدو، فأتي به النبي صلى الله عليه وسلم يحمل قد أصابه سهم حيث أشار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أهو هو؟ قالوا: نعم، قال: صدق الله فصدقه. [رواه النسائي]
• الصدق في الأقوال
أما صدق الأقوال، فهي خصلة ممدوحة بالفطرة وقبل الإسلام، وقد بلغ النبي صلى الله عليه وسلم من الصدق قبل النبوة ما جعل قومه يلقبونه بـ"الصادق الأمين"، لما كان يعرفه أهل الجاهلية للصادقين، وقد امتنع أبو سفيان رضي الله عنه عندما كان مشركا من الكذب أمام هرقل؛ حتى لا يُعيّر به عند قومه فقال: "فوالله لولا الحياء من أن يأثروا علي كذبا لكذبت عنه".
ومنه الصدق مع الجليس، فلا يقول إلا حقا وإن كان مازحا، وإن التمادي في الكذب مُزاحا يفضي للكذب في غيره ثم يكون الهلاك في الدين وذهاب الإيمان.
وفي قصة الصحابة الذين صدقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبب تخلّفهم عنه يوم تبوك أكبر عبرة ودليلا على عِظَمِ الصدق مع الله تعالى ومع الخلق، فعند البخاري ومسلم أن الصحابي الجليل كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم من تبوك فصدق في تبيين سبب تخلّفه ولم يكذب؛ خوفا من الله تعالى ورجاء عفوه، فقد قال له النبي صلى الله عليه وسلم: "ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟" فقال: يا رسول الله إني والله لو جلست إلى غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أُعطيت جدلا -أي فصاحة وقوة في الإقناع- ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك عليّ، ولئن حدثتك حديث صدق تجد عليّ فيه -تغضب عليّ بسببه- إني لأرجو فيه عفو الله، والله ما كان لي عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر في حين تخلفت عنك. قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "أما هذا فقد صدق". فأنزل الله توبته بعد مدة، قال تعالى: {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}، ثم أعقبها بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ} إذ فيه أمر للمؤمنين أن يصدقوا في أقوالهم ويكونوا مع أهل الصدق.
والصدق منجاة في الدنيا والآخرة ولا نجاة يوم القيامة إلا للصادقين في إيمانهم وأعمالهم مع ربهم عز وجل، وهم الذين أعد الله لهم أعظم الأجر والجزاء، قال سبحانه: {هَٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [سورة المائدة:١١٩]
اللهم زيّن أعمالنا وأقوالنا بالصدق واجعلنا من الصادقين وبلغنا منازلهم، أنت ولينا لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين، والحمد لله رب العالمين.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 314
الخميس 20 ربيع الثاني 1443 هـ ...المزيد
مقتطفات وفوائد من كتاب (الفوائد) -للإمام ابن القيم رحمه الله- قال رحمه الله: "إذا أصبح ...
مقتطفات وفوائد من كتاب (الفوائد)
-للإمام ابن القيم رحمه الله-
قال رحمه الله: "إذا أصبح العبد وأمسى وليس همه إلا الله وحده، تحمّل الله سبحانه حوائجه كلها، وحمل عنه كل ما أهمّه، وفرّغ قلبه لمحبته، ولسانه لذكره، وجوارحه لطاعته، وإنْ أصبح وأمسى والدنيا همّه حمّله الله همومها وغمومها وأنكادها! ووكله إلى نفسه، فشغل قلبه عن محبته بمحبة الخلق! ولسانه عن ذكره بذكرهم! وجوارحه عن طاعته بخدمتهم وأشغالهم!، فهو يكدح كدح الوحش في خدمة غيره، كالكير ينفخ بطنه ويعصر أضلاعه في نفع غيره، فكل مَن أعرض عن عبودية الله وطاعته ومحبته بُلي بعبودية المخلوق ومحبته وخدمته، قال تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} [الزخرف: 36]. قال سفيان بن عيينة: "لا تأتون بمثل مشهور للعرب إلا جئتكم به من القرآن. فقال له قائل: فأين في القرآن "أعط أخاك تمرة فإن لم يقبل فأعطه جمرة؟" فقال في قوله: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا}".
• التوفيق إلى الدعاء
أساس كل خير أن تعلم أن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فتتيقن حينئذ أن الحسنات مِن نعمه فتشكره عليها، وتتضرّع إليه أن لا يقطعها عنك، وأن السيئات مِن خذلانه وعقوبته، فتبتهل إليه أن يحول بينك وبينها، ولا يكلك في فعل الحسنات وترك السيئات إلى نفسك، وقد أجمع العارفون على أنّ كل خير فأصله بتوفيق الله للعبد، وكل شر فأصله خذلانه لعبده، وأجمَعوا أنّ التوفيق أن لا يكلك الله إلى نفسك، وأن الخذلان هو أن يخلي بينك وبين نفسك!، فإذا كان كل خير فأصله التوفيق، وهو بيد الله لا بيد العبد؛ فمفتاحه الدعاء والافتقار وصدق اللجأ والرغبة والرهبة إليه، فمتى أعطى العبد هذا المفتاح فقد أراد أن يُفتح له، ومتى أضلّه عن المفتاح بقي باب الخير مرتجا دونه.
قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إني لا أحمل هم الإجابة، ولكن هم الدعاء، فإذا ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه.
وعلى قدر نية العبد وهمته ومراده ورغبته في ذلك، يكون توفيقه سبحانه وإعانته، فالمعونة من الله تنزل على العباد على قدر هممهم وثباتهم ورغبتهم ورهبتهم، والخذلان ينزل عليهم على حسب ذلك، فالله سبحانه أحكم الحاكمين وأعلم العالمين، يضع التوفيق في مواضعه اللائقة به، والخذلان في مواضعه اللائقة به، وهو العليم الحكيم، وما أُتيَ مَن أُتيَ إلا مِن قِبل إضاعة الشكر وإهمال الافتقار والدعاء، ولا ظفر مَن ظفر بمشيئة الله وعونه إلا بقيامه بالشكر وصدق الافتقار والدعاء، وملاك ذلك الصبر، فإنه من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا قطع الرأس فلا بقاء للجسد.
• قسوة القلب
ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب والبعد عن الله، خلقت النار لإذابة القلوب القاسية، أبعد القلوب من الله القلب القاسي، إذا قسا القلب قحطت العين.
قسوة القلب من أربعة أشياء إذا جاوزت قدر الحاجة: الأكل والنوم والكلام والمخالطة.
كما أن البدن إذا مرض لم ينفع فيه الطعام والشراب، فكذلك القلب إذا مرض بالشهوات لم تنجع فيه المواعظ. من أراد صفاء قلبه فليؤثر الله على شهوته، القلوب المتعلقة بالشهوات محجوبة عن الله بقدر تعلقها بها، القلوب آنية الله في أرضه، فأحبها إليه أرقها وأصلبها وأصفاها.
• مواعظ متفرقة
شغلوا قلوبهم بالدنيا، ولو شغلوها بالله والدار الآخرة لجالت في معاني كلامه وآياته المشهودة، ورجعت إلى أصحابها بغرائب الحكم وطرف الفوائد.
إذا غُذي القلب بالتذكر، وسُقي بالتفكّر، ونُقّي من الدغل، رأى العجائب وأُلهم الحكمة.
ليس كل من تحلى بالمعرفة والحكمة وانتحلها كان من أهلها، بل أهل المعرفة والحكمة الذين أحيوا قلوبهم بقتل الهوى، وأما من قتل قلبه فأحيى الهوى، فالمعرفة والحكمة عارية على لسانه.
خراب القلب من الأمن والغفلة، وعمارته من الخشية والذكر.
إذا زهدت القلوب في موائد الدنيا، قعدت على موائد الآخرة بين أهل تلك الدعوة، وإذا رضيت بموائد الدنيا فاتتها تلك الموائد.
الشوق إلى الله ولقائه نسيم يهب على القلب يروح عنه وهج الدنيا.
من وطّن قلبه عند ربه، سكن واستراح، ومن أرسله في الناس اضطرب واشتد به القلق.
لا تدخل محبة الله في قلب فيه حب الدنيا إلا كما يدخل الجمل في سم الإبرة.
إذا أحب الله عبدا اصطنعه لنفسه واجتباه لمحبته، واستخلصه لعبادته، فشغل همه به، ولسانه بذكره، وجوارحه بخدمته.
القلب يمرض كما يمرض البدن، وشفاؤه في التوبة والحمية، ويصدأ كما تصدأ المرآة وجلاؤه بالذكر، ويعرى كما يعرى الجسم، وزينته التقوى، ويجوع ويظمأ كما يجوع البدن، وطعامه وشرابه المعرفة والمحبة والتوكل والإنابة والخدمة.
إياك والغفلة عمن جعل لحياتك أجلا، ولأيامك وأنفاسك أمدا، ومن كل سواه بد ولا بد لك منه.• حسن التوكل على الله
من ترك الاختيار والتدبير في طلب زيادة دنيا أو جاه أو في خوف نقصان أو في التخلص من عدو؛ توكلا على الله وثقة بتدبيره له وحسن اختياره له، فألقى كنفه بين يديه وسلّم الأمر إليه، ورضي بما يقضيه له؛ استراح من الهموم والغموم والأحزان، ومن أبى إلا تدبيره لنفسه، وقع في النكد والنصب وسوء الحال والتعب، فلا عيش يصفو، ولا قلب يفرح، ولا عمل يزكو، ولا أمل يقوم، ولا راحة تدوم، والله سبحانه سهّل لخلقه السبيل إليه وحجبهم عنه بالتدبير، فمن رضي بتدبير الله له، وسكن إلى اختياره، وسلّم لحكمه، أزال ذلك الحجاب، فأفضى القلب إلى ربه، واطمأن إليه وسكن.
المتوكل لا يسأل غير الله ولا يرد على الله ولا يدخر مع الله.
من شغل بنفسه شغل عن غيره، ومن شغل بربه شغل عن نفسه.
الإخلاص هو ما لا يعلمه ملك فيكتبه، ولا عدو فيفسده، ولا يعجب به صاحبه فيبطله. الرضا سكون القلب تحت مجاري الأحكام.
الناس في الدنيا معذّبون على قدر هممهم بها.
• ستة مواطن للقلب
للقلب ستة مواطن يجول فيها لا سابع لها: ثلاثة سافلة، وثلاثة عالية، فالسافلة: دنيا تتزين له، ونفس تحدثه، وعدو يوسوس له، فهذه مواطن الأرواح السافلة التي لا تزال تجول فيها. والثلاثة العالية: علم يتبين له، وعقل يرشده، وإله يعبده، والقلوب جوّالة في هذه المواطن.
إتباع الهوى وطول الأمل مادة كل فساد، فإن اتّباع الهوى يعمي عن الحق معرفة وقصدا، وطول الأمل ينسي الآخرة، ويصد عن الاستعداد لها.
لا يشم عبد رائحة الصدق ويداهن نفسه، أو يداهن غيره!!
إذا أراد الله بعبد خيرا جعله معترفا بذنبه، ممسكا عن ذنب غيره، جوادا بما عنده، زاهدا فيما عند غيره، محتملا لأذى غيره، وإن أراد به شرا عكس ذلك عليه.
• الهمة العليّة
الهمّة العليّة لا تزال حائمة حول ثلاثة أشياء: تعرّف لصفة من الصفات العليا تزداد بمعرفتها محبة وإرادة، وملاحظة لمنةٍ تزداد بملاحظتها شكرا أو طاعة، وتذكر بذنب تزداد بتذكره توبة وخشية، فإذا تعلّقت الهمّة بسوى هذه الثلاثة جالت في أودية الوساوس والخطرات.
من عشق الدنيا نظرت إلى قدرها عنده، فصيّرته مِن خدمها وعبيدها وأذلّته، ومن أعرض عنها نظرت إلى كبر قدره فخدمته وذلّت له.
إنما يقطع السفر ويصل المسافر بلزوم الجادّة وسير الليل، فإذا حاد المسافر عن الطريق، ونام الليل كله، فمتى يصل إلى مقصده؟" ا.هـ
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 314
الخميس 20 ربيع الثاني 1443 هـ ...المزيد
-للإمام ابن القيم رحمه الله-
قال رحمه الله: "إذا أصبح العبد وأمسى وليس همه إلا الله وحده، تحمّل الله سبحانه حوائجه كلها، وحمل عنه كل ما أهمّه، وفرّغ قلبه لمحبته، ولسانه لذكره، وجوارحه لطاعته، وإنْ أصبح وأمسى والدنيا همّه حمّله الله همومها وغمومها وأنكادها! ووكله إلى نفسه، فشغل قلبه عن محبته بمحبة الخلق! ولسانه عن ذكره بذكرهم! وجوارحه عن طاعته بخدمتهم وأشغالهم!، فهو يكدح كدح الوحش في خدمة غيره، كالكير ينفخ بطنه ويعصر أضلاعه في نفع غيره، فكل مَن أعرض عن عبودية الله وطاعته ومحبته بُلي بعبودية المخلوق ومحبته وخدمته، قال تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} [الزخرف: 36]. قال سفيان بن عيينة: "لا تأتون بمثل مشهور للعرب إلا جئتكم به من القرآن. فقال له قائل: فأين في القرآن "أعط أخاك تمرة فإن لم يقبل فأعطه جمرة؟" فقال في قوله: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا}".
• التوفيق إلى الدعاء
أساس كل خير أن تعلم أن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فتتيقن حينئذ أن الحسنات مِن نعمه فتشكره عليها، وتتضرّع إليه أن لا يقطعها عنك، وأن السيئات مِن خذلانه وعقوبته، فتبتهل إليه أن يحول بينك وبينها، ولا يكلك في فعل الحسنات وترك السيئات إلى نفسك، وقد أجمع العارفون على أنّ كل خير فأصله بتوفيق الله للعبد، وكل شر فأصله خذلانه لعبده، وأجمَعوا أنّ التوفيق أن لا يكلك الله إلى نفسك، وأن الخذلان هو أن يخلي بينك وبين نفسك!، فإذا كان كل خير فأصله التوفيق، وهو بيد الله لا بيد العبد؛ فمفتاحه الدعاء والافتقار وصدق اللجأ والرغبة والرهبة إليه، فمتى أعطى العبد هذا المفتاح فقد أراد أن يُفتح له، ومتى أضلّه عن المفتاح بقي باب الخير مرتجا دونه.
قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إني لا أحمل هم الإجابة، ولكن هم الدعاء، فإذا ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه.
وعلى قدر نية العبد وهمته ومراده ورغبته في ذلك، يكون توفيقه سبحانه وإعانته، فالمعونة من الله تنزل على العباد على قدر هممهم وثباتهم ورغبتهم ورهبتهم، والخذلان ينزل عليهم على حسب ذلك، فالله سبحانه أحكم الحاكمين وأعلم العالمين، يضع التوفيق في مواضعه اللائقة به، والخذلان في مواضعه اللائقة به، وهو العليم الحكيم، وما أُتيَ مَن أُتيَ إلا مِن قِبل إضاعة الشكر وإهمال الافتقار والدعاء، ولا ظفر مَن ظفر بمشيئة الله وعونه إلا بقيامه بالشكر وصدق الافتقار والدعاء، وملاك ذلك الصبر، فإنه من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا قطع الرأس فلا بقاء للجسد.
• قسوة القلب
ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب والبعد عن الله، خلقت النار لإذابة القلوب القاسية، أبعد القلوب من الله القلب القاسي، إذا قسا القلب قحطت العين.
قسوة القلب من أربعة أشياء إذا جاوزت قدر الحاجة: الأكل والنوم والكلام والمخالطة.
كما أن البدن إذا مرض لم ينفع فيه الطعام والشراب، فكذلك القلب إذا مرض بالشهوات لم تنجع فيه المواعظ. من أراد صفاء قلبه فليؤثر الله على شهوته، القلوب المتعلقة بالشهوات محجوبة عن الله بقدر تعلقها بها، القلوب آنية الله في أرضه، فأحبها إليه أرقها وأصلبها وأصفاها.
• مواعظ متفرقة
شغلوا قلوبهم بالدنيا، ولو شغلوها بالله والدار الآخرة لجالت في معاني كلامه وآياته المشهودة، ورجعت إلى أصحابها بغرائب الحكم وطرف الفوائد.
إذا غُذي القلب بالتذكر، وسُقي بالتفكّر، ونُقّي من الدغل، رأى العجائب وأُلهم الحكمة.
ليس كل من تحلى بالمعرفة والحكمة وانتحلها كان من أهلها، بل أهل المعرفة والحكمة الذين أحيوا قلوبهم بقتل الهوى، وأما من قتل قلبه فأحيى الهوى، فالمعرفة والحكمة عارية على لسانه.
خراب القلب من الأمن والغفلة، وعمارته من الخشية والذكر.
إذا زهدت القلوب في موائد الدنيا، قعدت على موائد الآخرة بين أهل تلك الدعوة، وإذا رضيت بموائد الدنيا فاتتها تلك الموائد.
الشوق إلى الله ولقائه نسيم يهب على القلب يروح عنه وهج الدنيا.
من وطّن قلبه عند ربه، سكن واستراح، ومن أرسله في الناس اضطرب واشتد به القلق.
لا تدخل محبة الله في قلب فيه حب الدنيا إلا كما يدخل الجمل في سم الإبرة.
إذا أحب الله عبدا اصطنعه لنفسه واجتباه لمحبته، واستخلصه لعبادته، فشغل همه به، ولسانه بذكره، وجوارحه بخدمته.
القلب يمرض كما يمرض البدن، وشفاؤه في التوبة والحمية، ويصدأ كما تصدأ المرآة وجلاؤه بالذكر، ويعرى كما يعرى الجسم، وزينته التقوى، ويجوع ويظمأ كما يجوع البدن، وطعامه وشرابه المعرفة والمحبة والتوكل والإنابة والخدمة.
إياك والغفلة عمن جعل لحياتك أجلا، ولأيامك وأنفاسك أمدا، ومن كل سواه بد ولا بد لك منه.• حسن التوكل على الله
من ترك الاختيار والتدبير في طلب زيادة دنيا أو جاه أو في خوف نقصان أو في التخلص من عدو؛ توكلا على الله وثقة بتدبيره له وحسن اختياره له، فألقى كنفه بين يديه وسلّم الأمر إليه، ورضي بما يقضيه له؛ استراح من الهموم والغموم والأحزان، ومن أبى إلا تدبيره لنفسه، وقع في النكد والنصب وسوء الحال والتعب، فلا عيش يصفو، ولا قلب يفرح، ولا عمل يزكو، ولا أمل يقوم، ولا راحة تدوم، والله سبحانه سهّل لخلقه السبيل إليه وحجبهم عنه بالتدبير، فمن رضي بتدبير الله له، وسكن إلى اختياره، وسلّم لحكمه، أزال ذلك الحجاب، فأفضى القلب إلى ربه، واطمأن إليه وسكن.
المتوكل لا يسأل غير الله ولا يرد على الله ولا يدخر مع الله.
من شغل بنفسه شغل عن غيره، ومن شغل بربه شغل عن نفسه.
الإخلاص هو ما لا يعلمه ملك فيكتبه، ولا عدو فيفسده، ولا يعجب به صاحبه فيبطله. الرضا سكون القلب تحت مجاري الأحكام.
الناس في الدنيا معذّبون على قدر هممهم بها.
• ستة مواطن للقلب
للقلب ستة مواطن يجول فيها لا سابع لها: ثلاثة سافلة، وثلاثة عالية، فالسافلة: دنيا تتزين له، ونفس تحدثه، وعدو يوسوس له، فهذه مواطن الأرواح السافلة التي لا تزال تجول فيها. والثلاثة العالية: علم يتبين له، وعقل يرشده، وإله يعبده، والقلوب جوّالة في هذه المواطن.
إتباع الهوى وطول الأمل مادة كل فساد، فإن اتّباع الهوى يعمي عن الحق معرفة وقصدا، وطول الأمل ينسي الآخرة، ويصد عن الاستعداد لها.
لا يشم عبد رائحة الصدق ويداهن نفسه، أو يداهن غيره!!
إذا أراد الله بعبد خيرا جعله معترفا بذنبه، ممسكا عن ذنب غيره، جوادا بما عنده، زاهدا فيما عند غيره، محتملا لأذى غيره، وإن أراد به شرا عكس ذلك عليه.
• الهمة العليّة
الهمّة العليّة لا تزال حائمة حول ثلاثة أشياء: تعرّف لصفة من الصفات العليا تزداد بمعرفتها محبة وإرادة، وملاحظة لمنةٍ تزداد بملاحظتها شكرا أو طاعة، وتذكر بذنب تزداد بتذكره توبة وخشية، فإذا تعلّقت الهمّة بسوى هذه الثلاثة جالت في أودية الوساوس والخطرات.
من عشق الدنيا نظرت إلى قدرها عنده، فصيّرته مِن خدمها وعبيدها وأذلّته، ومن أعرض عنها نظرت إلى كبر قدره فخدمته وذلّت له.
إنما يقطع السفر ويصل المسافر بلزوم الجادّة وسير الليل، فإذا حاد المسافر عن الطريق، ونام الليل كله، فمتى يصل إلى مقصده؟" ا.هـ
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 314
الخميس 20 ربيع الثاني 1443 هـ ...المزيد
والذين كفروا بعضهم أولياء بعض ما تزال الأحداث والوقائع تتزاحم في ساحة الشام لتثبت يوما بعد ...
والذين كفروا بعضهم أولياء بعض
ما تزال الأحداث والوقائع تتزاحم في ساحة الشام لتثبت يوما بعد يوم صحة الطريق الذي سلكته الدولة الإسلامية -مبكّرا- في مفاصلتها لمحاور المشركين كافة، وتبعًا لذلك صحة الموقف الشرعي والحكم الذي اتخذته تجاه هذه المحاور والأنظمة المختلفة المرتبطة بقضية الشام، والذي استقته -قطعا- من منهاج النبوة الأصيل الذي ما زالت توالي وتعادي عليه بفضل الله تعالى.
فمنذ بداية القتال في الشام، انفردت الدولة الإسلامية بموقفها الواضح البيّن من جميع الحكومات المرتدة التي تورطت في الساحة السورية، ووضعتها في خانة واحدة وأسقطت عليها حُكمًا واحدًا ولم تفرّق بين طاغوت وآخر، فرأت -بنور الله تعالى وهدايته- أبعد بكثير ممّا رآه الذين تنكّبوا طريق الأنبياء ولو تسمّوا بأسمائهم.
نستذكر هذا الكلام اليوم، ونحن نرى بداية تهافت طواغيت العرب نحو "إعادة العلاقات إلى طبيعتها" مع النظام النصيري المرتد، والذي انقسموا نحوه سابقًا إلى فريقين؛ فريق تحالف معه، وآخر ادّعى بأنه مُعارِض له "صديق للشعب السوري"، ليتضح لاحقا أن كلا الفريقين واحد تحكمه مصالحه وحسب، في حين أمضت فصائل صحوات الردة في الشام سنوات طويلة تعزف على أنغام هذا "الوهم" متوكلةً على هذه الأنظمة والمحاور، مستعينةً بها في صراعها مع النظام النصيري، متهمين الدولة الإسلامية بـ"التهور والجنون وعدم الحنكة والسياسة"!
إنّ ما جرى في الآونة الأخيرة مِن زيارات واتصالات بين بعض الدول العربية مع النظام النصيري ما هو إلا مناورة تولّت كبرها هذه الأنظمة المرتدة تمهيدًا وإفساحًا للطريق أمام أخواتها لمدّ جسور العلاقة مع النظام النصيري مجددًا، لإعادته إلى "الحضن العربي"!.
ما جرى قد لا يكون سوى البداية وما خفي منه أعظم، لكن كل ذلك سرعان ما سيطفو على السطح قريبا، ويصبح "أمرا واقعا" تنقاد له الحكومات المرتدة، وتنقاد تبعًا لها أيضا فصائل وصحوات الردة التي عقدت الولاء لكثير من هذه الحكومات في الخفاء.
في أروقة السياسة والسياسيين لن تجد سوى تفسير واحد لذلك وهو "المصلحة الاقتصادية" و"التقلبات السياسية" التي استجدت على الساحة بعد بقاء النظام النصيري على رأس الحكم بفضل الدعم الروسي والإيراني، وخيانة الصحوات.
لكن أحدا لن يفسّر ذلك تفسيرا شرعيا عقديا ويقول إن ما جرى باختصار هو نموذج حيٌّ عمليٌّ على أن "ملة الكفر واحدة"، كما قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}[الأنفال: 73]، قال أبو جعفر -رحمه الله- مفسّرا الآية: "إنّ بعضهم -أي الكافرين- أنصار بعض دون المؤمنين". فالكافرون في هذا الزمان وكل زمان بعضهم أولياء وحلفاء وأنصار بعض في حربهم ضد المسلمين.
ولقد أوضح الخليفة أبو بكر البغدادي -رحمه الله- حقيقة هذه الأنظمة والحكومات المرتدة، سواء منها الموالية للنظام أو تلك التي تدعي محاربته فقال الشيخ: "أما أنتم يا أهلنا في الشام: فلكم الله لكم الله، الجميع يتاجر بكم، والكل ينهش فيكم، متسابقًا للصعود على أكتافكم، بل أشلائكم!، فحسبكم الله، حسبكم الله؛ النصيرية تسفك دماءكم وتنتهك أعراضكم وتهدّم بيوتكم، بزعم قتال الإرهاب لحمايتكم!، اليهود والصليبيون يتآمرون على الإسلام، ويكيدون للمجاهدين ويحاربونهم، متباكين عليكم، متاجرين بدمائكم وقضيتكم، الطواغيت من حكام بلاد المسلمين: يشترون الذمم، ويجنّدون الأذناب، ويصنعون الأتباع، بزعم إغاثتكم!، اللصوص والسّرّاق وقطاع الطرق: ينهبون أموالكم وخيراتكم، ويمصون دماءكم، باسمكم وزعم نصرتكم والدفاع عنكم وحمايتكم".
واليوم يرى العالم بأسره هذه الحقيقة ممثلة بجهود طواغيت العرب الرامية لإعادة النظام النصيري إلى ما يسمّونها "جامعة الدول العربية" ولتذهب دماء أطفال الشام أدراج الرياح!
ومن الأمثلة الأخرى على تولّي الكافرين لبعضهم وأنهم ملة واحدة، زيارة الطاغوت "بن زايد" للطاغوت "أردوغان" والتي فسّرها "السياسيون" أيضًا بلغة "المصالح والأزمات الاقتصادية" بينما أتعب المرقّعون للطاغوت "أردوغان" أنفسهم في محاولة تبرير هذه الزيارة والتقارب بين محور "الموالاة" لليهود مع محور "المقاومة" زعموا!، وليس من قبيل الصدفة أن يكون طواغيت دويلة الإمارات هم أول المبادرين إلى زيارة الطاغوت بشار وتهيئة الأجواء لعودة العلاقات معه، فما الفرق بينهم إذا؟!
إن الدولة الاسلامية لم تفرّق بين جميع هذه "المحاور" ولم تنخدع بها يوما، ولم تُسلسل "السلاسل" وتدشّن "الحلقات" في التحذير من طاغوت والإمساك عن آخر!، وتقسيم الطواغيت الكافرين وتصنيفهم إلى تصنيفات ما أنزل الله بها من سلطان، كما يفعل قادة ومخرِّفوا الجماعات والتنظيمات التي غرقت في الوحل!لقد تحالف "أصدقاء الثورة" و"أصدقاء النظام" وكل هذه المحاور في حلف واحد ضد الدولة الإسلامية، وشاركوا بكل ما يستطيعون وحشدوا أحباشهم وأوباشهم لإسقاط حكم الشريعة الذي أقامته الدولة الإسلامية بعد سنوات من تعطيل الشريعة وغيابها عن واقع المسلمين وأذهانهم، بينما ينشغل البعض بمحاولة التفريق بين هذه المحاور!
أما جنود الدولة الإسلامية وكماتها الأبطال في الشام فقد شغلوا أنفسهم بما فيه صلاح دينهم وآخرتهم فأضرموا نار الغارات وأداروا رحى المعمعات ضد النصيرية جيشا وميليشيات، ولم يشغلوا أنفسهم بالسراب الذي تحسبه ظمأى الصحوات ماء! وكيف يجد الماء من ترك معين الكتاب والسنة الذي لا ينضب وانكب على وجهه لاهثا خلف وعود الأنظمة والمخابرات، تائها في لعبة المحاور والاصطفافات، التي تتساوى فيها الأحزاب والحكومات وتتشابه فيها المصائر والنهايات!
إن جنود الخلافة في بوادي الشام فعلوا ما أمرهم به الله تعالى في الآية التي تقدّم تفسيرها، فكفاهم الله هذه "الفتنة" ووقاهم هذا "الفساد الكبير" الذي اجتاح الفصائل والجماعات، فساد في الاعتقاد والمنهج والتطبيق، قال تعالى: {إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ}، قال الطبري: "إلا تفعلوا ما أمرتكم به من التعاون والنصرة على الدين، تكن فتنة في الأرض". وهل هناك أعظم فتنة من الشرك؟! وهل هناك واجب أعظم وآكد من التعاون والنصرة على الدين، على الولاء والبراء على المفاصلة التامة بين معسكر التوحيد ومعسكر الشرك والتنديد؟
وفي الختام نذكر المسلمين في الشام أن يتعظوا ويعتبروا مِن كلِّ هذه التجارب، وأن لا يُكرِّروا الوقوع في نفس الحُفر، وأن يعرفوا صديقهم مِن عدوهم، فيكونوا عونًا للمجاهدين، وليبْشروا فإنّ جنود الخلافة عازمون بإذن الله تعالى على إذكاء جذوة الجهاد في شام الإيمان والتمحيص حتى ينزل الروم بدابق، ويقضي الله أمرا كان مفعولا، والله لا يخلف الميعاد.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 314
الخميس 20 ربيع الثاني 1443 هـ ...المزيد
ما تزال الأحداث والوقائع تتزاحم في ساحة الشام لتثبت يوما بعد يوم صحة الطريق الذي سلكته الدولة الإسلامية -مبكّرا- في مفاصلتها لمحاور المشركين كافة، وتبعًا لذلك صحة الموقف الشرعي والحكم الذي اتخذته تجاه هذه المحاور والأنظمة المختلفة المرتبطة بقضية الشام، والذي استقته -قطعا- من منهاج النبوة الأصيل الذي ما زالت توالي وتعادي عليه بفضل الله تعالى.
فمنذ بداية القتال في الشام، انفردت الدولة الإسلامية بموقفها الواضح البيّن من جميع الحكومات المرتدة التي تورطت في الساحة السورية، ووضعتها في خانة واحدة وأسقطت عليها حُكمًا واحدًا ولم تفرّق بين طاغوت وآخر، فرأت -بنور الله تعالى وهدايته- أبعد بكثير ممّا رآه الذين تنكّبوا طريق الأنبياء ولو تسمّوا بأسمائهم.
نستذكر هذا الكلام اليوم، ونحن نرى بداية تهافت طواغيت العرب نحو "إعادة العلاقات إلى طبيعتها" مع النظام النصيري المرتد، والذي انقسموا نحوه سابقًا إلى فريقين؛ فريق تحالف معه، وآخر ادّعى بأنه مُعارِض له "صديق للشعب السوري"، ليتضح لاحقا أن كلا الفريقين واحد تحكمه مصالحه وحسب، في حين أمضت فصائل صحوات الردة في الشام سنوات طويلة تعزف على أنغام هذا "الوهم" متوكلةً على هذه الأنظمة والمحاور، مستعينةً بها في صراعها مع النظام النصيري، متهمين الدولة الإسلامية بـ"التهور والجنون وعدم الحنكة والسياسة"!
إنّ ما جرى في الآونة الأخيرة مِن زيارات واتصالات بين بعض الدول العربية مع النظام النصيري ما هو إلا مناورة تولّت كبرها هذه الأنظمة المرتدة تمهيدًا وإفساحًا للطريق أمام أخواتها لمدّ جسور العلاقة مع النظام النصيري مجددًا، لإعادته إلى "الحضن العربي"!.
ما جرى قد لا يكون سوى البداية وما خفي منه أعظم، لكن كل ذلك سرعان ما سيطفو على السطح قريبا، ويصبح "أمرا واقعا" تنقاد له الحكومات المرتدة، وتنقاد تبعًا لها أيضا فصائل وصحوات الردة التي عقدت الولاء لكثير من هذه الحكومات في الخفاء.
في أروقة السياسة والسياسيين لن تجد سوى تفسير واحد لذلك وهو "المصلحة الاقتصادية" و"التقلبات السياسية" التي استجدت على الساحة بعد بقاء النظام النصيري على رأس الحكم بفضل الدعم الروسي والإيراني، وخيانة الصحوات.
لكن أحدا لن يفسّر ذلك تفسيرا شرعيا عقديا ويقول إن ما جرى باختصار هو نموذج حيٌّ عمليٌّ على أن "ملة الكفر واحدة"، كما قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}[الأنفال: 73]، قال أبو جعفر -رحمه الله- مفسّرا الآية: "إنّ بعضهم -أي الكافرين- أنصار بعض دون المؤمنين". فالكافرون في هذا الزمان وكل زمان بعضهم أولياء وحلفاء وأنصار بعض في حربهم ضد المسلمين.
ولقد أوضح الخليفة أبو بكر البغدادي -رحمه الله- حقيقة هذه الأنظمة والحكومات المرتدة، سواء منها الموالية للنظام أو تلك التي تدعي محاربته فقال الشيخ: "أما أنتم يا أهلنا في الشام: فلكم الله لكم الله، الجميع يتاجر بكم، والكل ينهش فيكم، متسابقًا للصعود على أكتافكم، بل أشلائكم!، فحسبكم الله، حسبكم الله؛ النصيرية تسفك دماءكم وتنتهك أعراضكم وتهدّم بيوتكم، بزعم قتال الإرهاب لحمايتكم!، اليهود والصليبيون يتآمرون على الإسلام، ويكيدون للمجاهدين ويحاربونهم، متباكين عليكم، متاجرين بدمائكم وقضيتكم، الطواغيت من حكام بلاد المسلمين: يشترون الذمم، ويجنّدون الأذناب، ويصنعون الأتباع، بزعم إغاثتكم!، اللصوص والسّرّاق وقطاع الطرق: ينهبون أموالكم وخيراتكم، ويمصون دماءكم، باسمكم وزعم نصرتكم والدفاع عنكم وحمايتكم".
واليوم يرى العالم بأسره هذه الحقيقة ممثلة بجهود طواغيت العرب الرامية لإعادة النظام النصيري إلى ما يسمّونها "جامعة الدول العربية" ولتذهب دماء أطفال الشام أدراج الرياح!
ومن الأمثلة الأخرى على تولّي الكافرين لبعضهم وأنهم ملة واحدة، زيارة الطاغوت "بن زايد" للطاغوت "أردوغان" والتي فسّرها "السياسيون" أيضًا بلغة "المصالح والأزمات الاقتصادية" بينما أتعب المرقّعون للطاغوت "أردوغان" أنفسهم في محاولة تبرير هذه الزيارة والتقارب بين محور "الموالاة" لليهود مع محور "المقاومة" زعموا!، وليس من قبيل الصدفة أن يكون طواغيت دويلة الإمارات هم أول المبادرين إلى زيارة الطاغوت بشار وتهيئة الأجواء لعودة العلاقات معه، فما الفرق بينهم إذا؟!
إن الدولة الاسلامية لم تفرّق بين جميع هذه "المحاور" ولم تنخدع بها يوما، ولم تُسلسل "السلاسل" وتدشّن "الحلقات" في التحذير من طاغوت والإمساك عن آخر!، وتقسيم الطواغيت الكافرين وتصنيفهم إلى تصنيفات ما أنزل الله بها من سلطان، كما يفعل قادة ومخرِّفوا الجماعات والتنظيمات التي غرقت في الوحل!لقد تحالف "أصدقاء الثورة" و"أصدقاء النظام" وكل هذه المحاور في حلف واحد ضد الدولة الإسلامية، وشاركوا بكل ما يستطيعون وحشدوا أحباشهم وأوباشهم لإسقاط حكم الشريعة الذي أقامته الدولة الإسلامية بعد سنوات من تعطيل الشريعة وغيابها عن واقع المسلمين وأذهانهم، بينما ينشغل البعض بمحاولة التفريق بين هذه المحاور!
أما جنود الدولة الإسلامية وكماتها الأبطال في الشام فقد شغلوا أنفسهم بما فيه صلاح دينهم وآخرتهم فأضرموا نار الغارات وأداروا رحى المعمعات ضد النصيرية جيشا وميليشيات، ولم يشغلوا أنفسهم بالسراب الذي تحسبه ظمأى الصحوات ماء! وكيف يجد الماء من ترك معين الكتاب والسنة الذي لا ينضب وانكب على وجهه لاهثا خلف وعود الأنظمة والمخابرات، تائها في لعبة المحاور والاصطفافات، التي تتساوى فيها الأحزاب والحكومات وتتشابه فيها المصائر والنهايات!
إن جنود الخلافة في بوادي الشام فعلوا ما أمرهم به الله تعالى في الآية التي تقدّم تفسيرها، فكفاهم الله هذه "الفتنة" ووقاهم هذا "الفساد الكبير" الذي اجتاح الفصائل والجماعات، فساد في الاعتقاد والمنهج والتطبيق، قال تعالى: {إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ}، قال الطبري: "إلا تفعلوا ما أمرتكم به من التعاون والنصرة على الدين، تكن فتنة في الأرض". وهل هناك أعظم فتنة من الشرك؟! وهل هناك واجب أعظم وآكد من التعاون والنصرة على الدين، على الولاء والبراء على المفاصلة التامة بين معسكر التوحيد ومعسكر الشرك والتنديد؟
وفي الختام نذكر المسلمين في الشام أن يتعظوا ويعتبروا مِن كلِّ هذه التجارب، وأن لا يُكرِّروا الوقوع في نفس الحُفر، وأن يعرفوا صديقهم مِن عدوهم، فيكونوا عونًا للمجاهدين، وليبْشروا فإنّ جنود الخلافة عازمون بإذن الله تعالى على إذكاء جذوة الجهاد في شام الإيمان والتمحيص حتى ينزل الروم بدابق، ويقضي الله أمرا كان مفعولا، والله لا يخلف الميعاد.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 314
الخميس 20 ربيع الثاني 1443 هـ ...المزيد
مقال: سلوى الحزين الحمد لله رب العالمين المنعِم المتفضِّل على عباده المؤمنين، والصلاة والسلام ...
مقال: سلوى الحزين
الحمد لله رب العالمين المنعِم المتفضِّل على عباده المؤمنين، والصلاة والسلام على من بُعث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.
فالإنسان له مواطن ضعف ومواطن قوة، وكلما رأى الشيطانُ من الإنسان ضعفا سعى لانتهاز الفرصة؛ لأنه عدوٌ لدود له، قال تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} [فاطر: 6]، فهو يسعى لإشغال المؤمنين عن عبادة الله بكل حيلة، فإن رآه حريصا على إتمام عباداته وعمله بالمستحبات فإنه يسعى ليصرفه عن ذلك كله، فيبدأ بصرفه عن المستحبات ثم ما يليها من كمال المفروضات من الخشوع والتدبر ثم التمادي حتى يسلبه الإيمان، فهو عدو لا يكل ولا يملُّ في حربه على عباد الله بكل وسائله وطرقه المتعددة، ومن مظاهر عداوته استغلاله بعض حالات الضعف للإنسان ليزيده ضعفا، ومن ذلك حرصه على إدخال الهموم والأحزان على العباد، قال العلامة ابن القيم رحمه الله: "ولا شيء أحب إلى الشيطان من حزن المؤمن، قال تعالى: {إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا} [المجادلة: 10]، فالحزن مرض من أمراض القلب يمنعه من نهوضه وسيره وتشميره". [طريق الهجرتين]
• القرآن ينهى عن الحزن
والحزن يكون على ما مضى، والهم على الحاضر والمستقبل، وقد جاء النهي صريحا عن الحزن في القرآن، قال تعالى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139]، وقال تعالى: {وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ} [النحل: 127].
بل إن من نعيم الجنة ألا حزن فيها فأهل الجنة يحمدون الله الذي أذهب عنهم الحزن، قال تعالى: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ} [فاطر: 34].
وقد كان من دعائه صلى الله عليه وسلم: (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحَزَن) [متفق عليه]، فالحزن لا فائدة منه فهو لا يقدم ولا يؤخر شيئا، بل هو مشتِّت للقلب، مُشغل عن العمل، لا تستقيم معه الحال، ولا يهدأ لصاحبه بال، وهو يُضعف القلب، ويوهن العزم، ويضر الإرادة، وهو مدخل من مداخل الشيطان ليقعد بالمرء عن عمل الصالحات.
والقَدَر الذي نتج عنه ما تكرهه النفس هو مكتوب سابقا وهو حاصل لا محالة، فما أصاب المرء لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وكل مصيبة قدرها الله فلا رادّ لها، قال تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [التغابن: 11].
وللحزن أسباب كثيرة وأعظم ما يدفعها إدراكُ القلب أن الله تعالى لن يقدّر على عبده إلا خيرا وهو أعلم بما يصلح لعباده، وعلمُه أن ليس كل محابّ المرء صالحة وخيرا محضا لقلبه ونفسه، وليس كل ما تكرهه النفس شرا محضا قال تعالى: {فَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19]، فالخير كل الخير فيما قدّره رب العزة جل ثناؤه وتقدست أسماؤه، فهنا تطيب النفس راضية بما قدره الله عليها وتستقبل المحن وكأنها منح.
ولنا في النبي صلى الله عليه وسلم قدوة وأسوة حسنة، فعندما توفي ابنه قال: (إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون). [البخاري] فالمؤمن وإن أصابه الحزن لمصيبة ألمّت به فإنه يسلّم لله ويرضى، وهو ما يسمى بـ"الصبر الجميل" قال النبي يعقوب عليه السلام: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} [يوسف: 83] وهو الذي لا سخط فيه ولا جزع، بتسليم وإذعان ورضى.
ولا يكونن المرء أسيرا للأحزان فيدفعه ذلك للتسخط والاعتراض على أقدار الله والجزع، وسَعِد من بثّ شكايته إلى الله وأكثر من الدعاء الصادق الخالص، فإن له في ذلك أسوة وقدوة بنبي الله يعقوب عليه الصلاة والسلام حيث قال: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} [يوسف: 86]. وينبغي للمسلم ألا يجعل لليأس طريقا إلى قلبه؛ فذلك حال الغافلين البُعداء عن الله، المعرضين عن أبوابه، ولذا حذّر يعقوب عليه السلام أبناءه من ذلك وهو الذي امتلأ حزنا وأسى على فراق ابنيْه، فقال: {يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87 ].• محبة الله دواء الأحزان
والمُسَلَّم من ذلك هو المُسْلم العارف بالله تعالى، فمن عرف ربه أحبه ومن أحبه هان عليه كل شيء، ولن يجد الشيطان حينئذ مدخلا لقلب مُلئ حُبا لله، قال ابن الجوزي رحمه الله: "ليس في الدنيا ولا في الآخرة أطيب عيشا من العارفين بالله عز وجل؛ فإن العارف بربه مستأنس به في خلوته، فإن عمّت نعمه، علم من أهداها، وإن مَرَّ مُرٌّ حلا مذاقه في فيه، لمعرفته بالمبتلي، وإن سأل ربه فتعوق مقصوده، صار مراده ما جرى به الأقدار، بعد يقينه بحكمة الله، وثقته بحسن تدبيره، وصفة العارف بالله قلبه مراقبٌ لمعروفه، وقائمٌ بين يدي الله، ناظرٌ بعين اليقين إليه، فقد سرى من بركة معرفته إلى الجوارح ما هذَّبها...، فهذا الذي لا همَّ عليه في الدنيا، ولا غمَّ عنده وقت الرحيل عنها، ولا وحشة له في القلب، ولا خوف عليه يوم المحشر". [صيد الخاطر]
وبهذه المعرفة تحقق للنبي المعصوم صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبي بكر رضى الله عنه الحفظ والرعاية عندما كانا في الغار وجاءهم جمع المشركين يبحثون عنهما فقال أبو بكر يا رسول الله: لو نظر أحدهم إلى موضع قدميه لأبصرنا، فجاءه الجواب اليقيني: {لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة: 40]، قال العلامة ابن القيم رحمه الله: "من أحب الله انكشفت عن قلبه الهموم والغموم والأحزان، وعمر قلبه بالسرور والأفراح، وأقبلت إليه وفود التهاني والبشائر من كلِّ جانب، فإنه لا حزن مع الله أبداً، ولهذا أخبر الله تعالى عن نبيه أنه قال لصاحبه: {لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة: 40] فدل على أنه لا حزن مع الله، وأن من كان الله معه فما له وللحزن". [طريق الهجرتين]
وقال رحمه الله: "القلب خُلق لمعرفة فاطره، ومحبته، وتوحيده، والسرور به، والابتهاج بحبه، والرضى عنه، والتوكل عليه، والحب فيه، والبغض فيه، والموالاة فيه، والمعاداة فيه، ودوام ذكره، وأن يكون أحبَّ إليه من كل ما سواه، وأرجى عنده من كل ما سواه، وأجلّ في قلبه من كل ما سواه، ولا نعيم، ولا سرور، ولا لذة، بل ولا حياة إلا بذلك، وهذا له بمنزلة الغذاء والصحة والحياة، فإذا فقده فقد غذاءه وصحته وحياته، فالهموم والغموم والأحزان، مسارعة من كل صوبٍ إليه، ورهن مقيم عليه"، وقال: "الإنابة إلى الله سبحانه وتعالى، ومحبته بكل القلب، والإقبال عليه، والتنعم بعبادته، فلا شيء أشرحُ لصدر العبد من ذلك... وللمحبة تأثير عجيب في انشراح الصدر، وطيب النفس، ونعيم القلب، لا يعرفه إلا من له حسّ به، وكلما كانت المحبة أقوى وأشدَّ، كان الصدر أفسح وأشرح". [زاد المعاد]
• الحزن منه المذموم والمحمود
والحزن لم يُذّم كله، قال ابن الصباغ الشافعي رحمه الله: "الحزن يكون على ثلاثة أضرب: واحد منها مذموم، ولا يقرب إلى الله تعالى، ولا يكفر السيئات، وهو الحزن على ما لم ينله من الدنيا وزينتها، قال الله تعالى: {لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ}. والضرب الثاني: ما يلحق العبد من الحزن بطروق مصيبة تلحقه في أهله وماله، فذاك مما طبعه الله تعالى عليه، ولا يحصل بقصده واختياره، بخلاف الأول؛ لأنه يحصل بمحبة الدنيا واختياره لها، فهذا الضرب يكون كفارة له، وهو مندوب إلى صرفه عن نفسه، بتذكر فناء الدنيا وفنائه فيها. والضرب الثالث: هو قربة وطاعة، وهو حزنه على ما مضى من ذنوبه، وعلى ما فاته من طاعة ربه، وعلى تخلّفه عن السابقين بالدرجات في الطاعات". [الطريق السالم إلى الله]
اللهم إنا نعوذ بك من الهم والحزن ومن العجز والكسل ومن الجبن والبخل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 313
الخميس 13 ربيع الثاني 1443 هـ ...المزيد
الحمد لله رب العالمين المنعِم المتفضِّل على عباده المؤمنين، والصلاة والسلام على من بُعث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.
فالإنسان له مواطن ضعف ومواطن قوة، وكلما رأى الشيطانُ من الإنسان ضعفا سعى لانتهاز الفرصة؛ لأنه عدوٌ لدود له، قال تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} [فاطر: 6]، فهو يسعى لإشغال المؤمنين عن عبادة الله بكل حيلة، فإن رآه حريصا على إتمام عباداته وعمله بالمستحبات فإنه يسعى ليصرفه عن ذلك كله، فيبدأ بصرفه عن المستحبات ثم ما يليها من كمال المفروضات من الخشوع والتدبر ثم التمادي حتى يسلبه الإيمان، فهو عدو لا يكل ولا يملُّ في حربه على عباد الله بكل وسائله وطرقه المتعددة، ومن مظاهر عداوته استغلاله بعض حالات الضعف للإنسان ليزيده ضعفا، ومن ذلك حرصه على إدخال الهموم والأحزان على العباد، قال العلامة ابن القيم رحمه الله: "ولا شيء أحب إلى الشيطان من حزن المؤمن، قال تعالى: {إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا} [المجادلة: 10]، فالحزن مرض من أمراض القلب يمنعه من نهوضه وسيره وتشميره". [طريق الهجرتين]
• القرآن ينهى عن الحزن
والحزن يكون على ما مضى، والهم على الحاضر والمستقبل، وقد جاء النهي صريحا عن الحزن في القرآن، قال تعالى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139]، وقال تعالى: {وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ} [النحل: 127].
بل إن من نعيم الجنة ألا حزن فيها فأهل الجنة يحمدون الله الذي أذهب عنهم الحزن، قال تعالى: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ} [فاطر: 34].
وقد كان من دعائه صلى الله عليه وسلم: (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحَزَن) [متفق عليه]، فالحزن لا فائدة منه فهو لا يقدم ولا يؤخر شيئا، بل هو مشتِّت للقلب، مُشغل عن العمل، لا تستقيم معه الحال، ولا يهدأ لصاحبه بال، وهو يُضعف القلب، ويوهن العزم، ويضر الإرادة، وهو مدخل من مداخل الشيطان ليقعد بالمرء عن عمل الصالحات.
والقَدَر الذي نتج عنه ما تكرهه النفس هو مكتوب سابقا وهو حاصل لا محالة، فما أصاب المرء لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وكل مصيبة قدرها الله فلا رادّ لها، قال تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [التغابن: 11].
وللحزن أسباب كثيرة وأعظم ما يدفعها إدراكُ القلب أن الله تعالى لن يقدّر على عبده إلا خيرا وهو أعلم بما يصلح لعباده، وعلمُه أن ليس كل محابّ المرء صالحة وخيرا محضا لقلبه ونفسه، وليس كل ما تكرهه النفس شرا محضا قال تعالى: {فَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19]، فالخير كل الخير فيما قدّره رب العزة جل ثناؤه وتقدست أسماؤه، فهنا تطيب النفس راضية بما قدره الله عليها وتستقبل المحن وكأنها منح.
ولنا في النبي صلى الله عليه وسلم قدوة وأسوة حسنة، فعندما توفي ابنه قال: (إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون). [البخاري] فالمؤمن وإن أصابه الحزن لمصيبة ألمّت به فإنه يسلّم لله ويرضى، وهو ما يسمى بـ"الصبر الجميل" قال النبي يعقوب عليه السلام: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} [يوسف: 83] وهو الذي لا سخط فيه ولا جزع، بتسليم وإذعان ورضى.
ولا يكونن المرء أسيرا للأحزان فيدفعه ذلك للتسخط والاعتراض على أقدار الله والجزع، وسَعِد من بثّ شكايته إلى الله وأكثر من الدعاء الصادق الخالص، فإن له في ذلك أسوة وقدوة بنبي الله يعقوب عليه الصلاة والسلام حيث قال: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} [يوسف: 86]. وينبغي للمسلم ألا يجعل لليأس طريقا إلى قلبه؛ فذلك حال الغافلين البُعداء عن الله، المعرضين عن أبوابه، ولذا حذّر يعقوب عليه السلام أبناءه من ذلك وهو الذي امتلأ حزنا وأسى على فراق ابنيْه، فقال: {يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87 ].• محبة الله دواء الأحزان
والمُسَلَّم من ذلك هو المُسْلم العارف بالله تعالى، فمن عرف ربه أحبه ومن أحبه هان عليه كل شيء، ولن يجد الشيطان حينئذ مدخلا لقلب مُلئ حُبا لله، قال ابن الجوزي رحمه الله: "ليس في الدنيا ولا في الآخرة أطيب عيشا من العارفين بالله عز وجل؛ فإن العارف بربه مستأنس به في خلوته، فإن عمّت نعمه، علم من أهداها، وإن مَرَّ مُرٌّ حلا مذاقه في فيه، لمعرفته بالمبتلي، وإن سأل ربه فتعوق مقصوده، صار مراده ما جرى به الأقدار، بعد يقينه بحكمة الله، وثقته بحسن تدبيره، وصفة العارف بالله قلبه مراقبٌ لمعروفه، وقائمٌ بين يدي الله، ناظرٌ بعين اليقين إليه، فقد سرى من بركة معرفته إلى الجوارح ما هذَّبها...، فهذا الذي لا همَّ عليه في الدنيا، ولا غمَّ عنده وقت الرحيل عنها، ولا وحشة له في القلب، ولا خوف عليه يوم المحشر". [صيد الخاطر]
وبهذه المعرفة تحقق للنبي المعصوم صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبي بكر رضى الله عنه الحفظ والرعاية عندما كانا في الغار وجاءهم جمع المشركين يبحثون عنهما فقال أبو بكر يا رسول الله: لو نظر أحدهم إلى موضع قدميه لأبصرنا، فجاءه الجواب اليقيني: {لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة: 40]، قال العلامة ابن القيم رحمه الله: "من أحب الله انكشفت عن قلبه الهموم والغموم والأحزان، وعمر قلبه بالسرور والأفراح، وأقبلت إليه وفود التهاني والبشائر من كلِّ جانب، فإنه لا حزن مع الله أبداً، ولهذا أخبر الله تعالى عن نبيه أنه قال لصاحبه: {لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة: 40] فدل على أنه لا حزن مع الله، وأن من كان الله معه فما له وللحزن". [طريق الهجرتين]
وقال رحمه الله: "القلب خُلق لمعرفة فاطره، ومحبته، وتوحيده، والسرور به، والابتهاج بحبه، والرضى عنه، والتوكل عليه، والحب فيه، والبغض فيه، والموالاة فيه، والمعاداة فيه، ودوام ذكره، وأن يكون أحبَّ إليه من كل ما سواه، وأرجى عنده من كل ما سواه، وأجلّ في قلبه من كل ما سواه، ولا نعيم، ولا سرور، ولا لذة، بل ولا حياة إلا بذلك، وهذا له بمنزلة الغذاء والصحة والحياة، فإذا فقده فقد غذاءه وصحته وحياته، فالهموم والغموم والأحزان، مسارعة من كل صوبٍ إليه، ورهن مقيم عليه"، وقال: "الإنابة إلى الله سبحانه وتعالى، ومحبته بكل القلب، والإقبال عليه، والتنعم بعبادته، فلا شيء أشرحُ لصدر العبد من ذلك... وللمحبة تأثير عجيب في انشراح الصدر، وطيب النفس، ونعيم القلب، لا يعرفه إلا من له حسّ به، وكلما كانت المحبة أقوى وأشدَّ، كان الصدر أفسح وأشرح". [زاد المعاد]
• الحزن منه المذموم والمحمود
والحزن لم يُذّم كله، قال ابن الصباغ الشافعي رحمه الله: "الحزن يكون على ثلاثة أضرب: واحد منها مذموم، ولا يقرب إلى الله تعالى، ولا يكفر السيئات، وهو الحزن على ما لم ينله من الدنيا وزينتها، قال الله تعالى: {لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ}. والضرب الثاني: ما يلحق العبد من الحزن بطروق مصيبة تلحقه في أهله وماله، فذاك مما طبعه الله تعالى عليه، ولا يحصل بقصده واختياره، بخلاف الأول؛ لأنه يحصل بمحبة الدنيا واختياره لها، فهذا الضرب يكون كفارة له، وهو مندوب إلى صرفه عن نفسه، بتذكر فناء الدنيا وفنائه فيها. والضرب الثالث: هو قربة وطاعة، وهو حزنه على ما مضى من ذنوبه، وعلى ما فاته من طاعة ربه، وعلى تخلّفه عن السابقين بالدرجات في الطاعات". [الطريق السالم إلى الله]
اللهم إنا نعوذ بك من الهم والحزن ومن العجز والكسل ومن الجبن والبخل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 313
الخميس 13 ربيع الثاني 1443 هـ ...المزيد
فاصبر لحكم ربك بينما يسير المؤمن في طريق الجنة الذي تحفّه المكاره يحتاج فيه إلى من يُذكّره، ...
فاصبر لحكم ربك
بينما يسير المؤمن في طريق الجنة الذي تحفّه المكاره يحتاج فيه إلى من يُذكّره، لأنه يجد أعداء كُثر وناقمين أكثر وعوائق لا تنتهي في هذا الطريق، وأقواما لا يحتملون الحقّ فضلا عن اتباعه، وقد كان نبيُّنا محمد عليه الصلاة والسلام يجد شدّة في قيامه بأمر هذا الدين، فكان ذو العزة والجلال سبحانه ينزّل عليه القرآن ويأمره بالصبر والتصبر، لذا تكرّر في القرآن ورود قوله تعالى: {فَاصْبِرْ}.
غير أن هنالك مواضع ثلاثة في القرآن خصَّصت ذلك بالصبر لحكم الله تعالى، والمعنيُّ به الحكم القدَري الكوني والحكم الشرعي الواجب على الناس أخذه والقيام به، وتلك وصايا يحتاجها كل مسلم سلّم لحكم الله وانقاد له وعمل على تنفيذه ونذرَ نفسه له.
أما الموضع الأول فقوله تعالى: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا * وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الإنسان: 24 - 25]، قال الإمام ابن جرير رحمه الله: "يقول: اصبر لما امتحنك به ربُّك من فرائضه، وتبليغ رسالاته، والقيام بما ألزمك القيام به في تنزيله الذي أوحاه إليك، {وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا} أي: ولا تطع في معصية الله من مشركي قومك، آثما يريد بركوبه معاصيه، أو كفورا: يعنى جحودا لنعمه عنده وآلائه قِبَلَه، فهو يكفر به، ويعبد غيره".
وقد جاء هذا الأمر بالصبر على أحكام الدين وعدم طاعة الكافرين؛ لأنهم يحاولون إغواء المؤمن بالترغيب أو الترهيب، فيسعون لثنيه عن دينه ابتداء بالترغيب في الدنيا وتزيينها وإغراءه بالمناصب فيها ومسالمته؛ ليدع ما هو عليه من الحق، وقد عرضوا على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم المُلك والأموال والجاه مقابل أن يتنازل عن دينه، فأنزل الله عليه: {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا * وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا} فلمّا لم يجدوا فائدة من ذلك أقبلوا على الترهيب، فهددوه وتوعدوه وعزموا على قتله أو طرده، قال تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ}.
وفي كلا نوعي الضغط -الترغيب والترهيب- أمرَه الله تعالى بعدم طاعتهم، بل يصبر لهذا الدين ويصدع به ولا يطمع في ترغيبهم ولا يجزع من ترهيبهم، وهذا "الضغط" هو ما أسقط جماعات كثيرة في زماننا، فتركوا شرع الله والحكم به وآثروا مسالمة الطواغيت ورضخوا للترغيب والترهيب معًا والعياذ بالله.
وأما الموضع الثاني قوله تعالى: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ} [القلم: 48]، قال الإمام الطبري في تفسير هذه الآية: "يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فاصبر يا محمد لقضاء ربك وحكمه فيك، وفي هؤلاء المشركين بما أتيتهم به من هذا القرآن، وهذا الدين، وامضِ لما أمرك به ربك، ولا يثنيك عن تبليغ ما أُمرت بتبليغه تكذيبهم إياك وأذاهم لك، وقوله: {وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ} الذي حبسه في بطنه، وهو يونس بن مَتَّى صلى الله عليه وسلم فيعاقبك ربك على تركك تبليغ ذلك، كما عاقبه فحبسه في بطنه: {إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ} يقول: إذ نادى وهو مغموم، قد أثقله الغمّ وكظمه".
فتبليغ الدين ونقله إلى أرض الواقع يحتاج إلى صبر وتكاليف باهظة، واستمرار وعزيمة قوية، وإن غلب في الناس الإعراض فليس ذلك بعذر لترك دين الله والقيام به، فإنّ عاقبة الأمر نصر لأولياء الرحمن وسحق لأولياء الشيطان.
أما الموضع الثالث فهو قوله تعالى: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ} [الطور: 48]، قال ابن كثير رحمه الله: "أي: اصبر على أذاهم ولا تبالهم، فإنك بمرأى منا وتحت كلاءتنا، والله يعصمك من الناس". وهذه بشرى قرآنية لمن صبر على أمر الله وحكمه، وثبت على هدفه بتحكيم شرع الله وأطْر الخلق عليه، فإنه مُحاط بعناية الله وكلاءته، وهو يسير في دربه على مرأى ربه واطّلاعه عليه في كل شيء يصيبه، وكل عمل يقوم به، وكل شدة يلقاها وجهد يَجهده في إعداده أو رباطه أو غزوه أو شغله بسلاحه أو تربصه بعدوه، وهذا يُكسبه طمأنينة وأمانا وشعورا بعدم الوحدة والخذلان، فالله تعالى هو وليّه ومؤيّده وناصره.أما أحزاب وفصائل الردة فإنّ أول ما تبحث عنه هو الحليف الشرقي أو الغربي، فمنه يستمدون أسباب بقائهم ووجودهم! وفي المقابل يسارعون إلى اتهام جنود الخلافة بالعمالة للدول والحكومات المختلفة!، لأنهم لا يستوعبون كيانا يقوم بلا حليف ولا داعم، ونسوا أو تناسوا أن الله تعالى هو خير ناصر ومعين لعباده المؤمنين، فإن الله قد أمرهم بالجهاد وتكفل لهم بالولاية والنصرة فقال سبحانه: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ}.
فتذكّر أيها المجاهد أنّ الله يراك وليس بغافل عنك أينما كنت وأنه لن يضيّعك، ومتى أدرك المسلم ذلك تطلّع للمعالي ليُرضي ربه وينال ولايته ونصرته، والمجاهد يزداد بذلك قوة في جهاده وتنكيلا في أعدائه، وإنا لنحسب أن أجناد الخلافة اليوم لم يعوّلوا على أحد يطمع أن يثنيهم عن جهادهم؛ لعلمهم أن الله تعالى يراهم وهو مطلع عليهم، وقد عقدوا العزم ألا يُرضوا الناس بسخط الله، وهذا من أعظم أبواب التوحيد التي دخلها من استحقها، وحُجب عنها من خان وغيّر وبدّل.
ومِن أكثر ما يعين المجاهد على الثبات في معركة الصبر لحكم الله؛ هو التزوّد بذكره سبحانه وتعالى، ألم تر أن الله أتبع الأمر بالصبر، الحثّ على ذكره وعبادته، ففي الموضع الأول في سورة الإنسان قال: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا}، وقال في الموضع الثاني في سورة القلم: {لَّوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ} فتداركته نعمة ربه حينما كان من المسبحين، وفي الموضع الثالث في آية الطور قال: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ}، فمن أكثَرَ من ذكر الله تعالى مع ما يشمله الذكر من معاني وعبادات أوسع؛ صبّره الله على هذا الأمر العظيم وأعانه عليه، ورزقه الثبات والمضيّ والعناية والتأييد، والحمد لله رب العالمين.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 313
الخميس 13 ربيع الثاني 1443 هـ ...المزيد
بينما يسير المؤمن في طريق الجنة الذي تحفّه المكاره يحتاج فيه إلى من يُذكّره، لأنه يجد أعداء كُثر وناقمين أكثر وعوائق لا تنتهي في هذا الطريق، وأقواما لا يحتملون الحقّ فضلا عن اتباعه، وقد كان نبيُّنا محمد عليه الصلاة والسلام يجد شدّة في قيامه بأمر هذا الدين، فكان ذو العزة والجلال سبحانه ينزّل عليه القرآن ويأمره بالصبر والتصبر، لذا تكرّر في القرآن ورود قوله تعالى: {فَاصْبِرْ}.
غير أن هنالك مواضع ثلاثة في القرآن خصَّصت ذلك بالصبر لحكم الله تعالى، والمعنيُّ به الحكم القدَري الكوني والحكم الشرعي الواجب على الناس أخذه والقيام به، وتلك وصايا يحتاجها كل مسلم سلّم لحكم الله وانقاد له وعمل على تنفيذه ونذرَ نفسه له.
أما الموضع الأول فقوله تعالى: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا * وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الإنسان: 24 - 25]، قال الإمام ابن جرير رحمه الله: "يقول: اصبر لما امتحنك به ربُّك من فرائضه، وتبليغ رسالاته، والقيام بما ألزمك القيام به في تنزيله الذي أوحاه إليك، {وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا} أي: ولا تطع في معصية الله من مشركي قومك، آثما يريد بركوبه معاصيه، أو كفورا: يعنى جحودا لنعمه عنده وآلائه قِبَلَه، فهو يكفر به، ويعبد غيره".
وقد جاء هذا الأمر بالصبر على أحكام الدين وعدم طاعة الكافرين؛ لأنهم يحاولون إغواء المؤمن بالترغيب أو الترهيب، فيسعون لثنيه عن دينه ابتداء بالترغيب في الدنيا وتزيينها وإغراءه بالمناصب فيها ومسالمته؛ ليدع ما هو عليه من الحق، وقد عرضوا على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم المُلك والأموال والجاه مقابل أن يتنازل عن دينه، فأنزل الله عليه: {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا * وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا} فلمّا لم يجدوا فائدة من ذلك أقبلوا على الترهيب، فهددوه وتوعدوه وعزموا على قتله أو طرده، قال تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ}.
وفي كلا نوعي الضغط -الترغيب والترهيب- أمرَه الله تعالى بعدم طاعتهم، بل يصبر لهذا الدين ويصدع به ولا يطمع في ترغيبهم ولا يجزع من ترهيبهم، وهذا "الضغط" هو ما أسقط جماعات كثيرة في زماننا، فتركوا شرع الله والحكم به وآثروا مسالمة الطواغيت ورضخوا للترغيب والترهيب معًا والعياذ بالله.
وأما الموضع الثاني قوله تعالى: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ} [القلم: 48]، قال الإمام الطبري في تفسير هذه الآية: "يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فاصبر يا محمد لقضاء ربك وحكمه فيك، وفي هؤلاء المشركين بما أتيتهم به من هذا القرآن، وهذا الدين، وامضِ لما أمرك به ربك، ولا يثنيك عن تبليغ ما أُمرت بتبليغه تكذيبهم إياك وأذاهم لك، وقوله: {وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ} الذي حبسه في بطنه، وهو يونس بن مَتَّى صلى الله عليه وسلم فيعاقبك ربك على تركك تبليغ ذلك، كما عاقبه فحبسه في بطنه: {إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ} يقول: إذ نادى وهو مغموم، قد أثقله الغمّ وكظمه".
فتبليغ الدين ونقله إلى أرض الواقع يحتاج إلى صبر وتكاليف باهظة، واستمرار وعزيمة قوية، وإن غلب في الناس الإعراض فليس ذلك بعذر لترك دين الله والقيام به، فإنّ عاقبة الأمر نصر لأولياء الرحمن وسحق لأولياء الشيطان.
أما الموضع الثالث فهو قوله تعالى: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ} [الطور: 48]، قال ابن كثير رحمه الله: "أي: اصبر على أذاهم ولا تبالهم، فإنك بمرأى منا وتحت كلاءتنا، والله يعصمك من الناس". وهذه بشرى قرآنية لمن صبر على أمر الله وحكمه، وثبت على هدفه بتحكيم شرع الله وأطْر الخلق عليه، فإنه مُحاط بعناية الله وكلاءته، وهو يسير في دربه على مرأى ربه واطّلاعه عليه في كل شيء يصيبه، وكل عمل يقوم به، وكل شدة يلقاها وجهد يَجهده في إعداده أو رباطه أو غزوه أو شغله بسلاحه أو تربصه بعدوه، وهذا يُكسبه طمأنينة وأمانا وشعورا بعدم الوحدة والخذلان، فالله تعالى هو وليّه ومؤيّده وناصره.أما أحزاب وفصائل الردة فإنّ أول ما تبحث عنه هو الحليف الشرقي أو الغربي، فمنه يستمدون أسباب بقائهم ووجودهم! وفي المقابل يسارعون إلى اتهام جنود الخلافة بالعمالة للدول والحكومات المختلفة!، لأنهم لا يستوعبون كيانا يقوم بلا حليف ولا داعم، ونسوا أو تناسوا أن الله تعالى هو خير ناصر ومعين لعباده المؤمنين، فإن الله قد أمرهم بالجهاد وتكفل لهم بالولاية والنصرة فقال سبحانه: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ}.
فتذكّر أيها المجاهد أنّ الله يراك وليس بغافل عنك أينما كنت وأنه لن يضيّعك، ومتى أدرك المسلم ذلك تطلّع للمعالي ليُرضي ربه وينال ولايته ونصرته، والمجاهد يزداد بذلك قوة في جهاده وتنكيلا في أعدائه، وإنا لنحسب أن أجناد الخلافة اليوم لم يعوّلوا على أحد يطمع أن يثنيهم عن جهادهم؛ لعلمهم أن الله تعالى يراهم وهو مطلع عليهم، وقد عقدوا العزم ألا يُرضوا الناس بسخط الله، وهذا من أعظم أبواب التوحيد التي دخلها من استحقها، وحُجب عنها من خان وغيّر وبدّل.
ومِن أكثر ما يعين المجاهد على الثبات في معركة الصبر لحكم الله؛ هو التزوّد بذكره سبحانه وتعالى، ألم تر أن الله أتبع الأمر بالصبر، الحثّ على ذكره وعبادته، ففي الموضع الأول في سورة الإنسان قال: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا}، وقال في الموضع الثاني في سورة القلم: {لَّوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ} فتداركته نعمة ربه حينما كان من المسبحين، وفي الموضع الثالث في آية الطور قال: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ}، فمن أكثَرَ من ذكر الله تعالى مع ما يشمله الذكر من معاني وعبادات أوسع؛ صبّره الله على هذا الأمر العظيم وأعانه عليه، ورزقه الثبات والمضيّ والعناية والتأييد، والحمد لله رب العالمين.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 313
الخميس 13 ربيع الثاني 1443 هـ ...المزيد
مقال: جاه الأكارم (8) - الصمت - الحمد لله هادي عباده لطرق الرشاد، الذي أنزل القرآن دليلا لما ...
مقال: جاه الأكارم (8) - الصمت -
الحمد لله هادي عباده لطرق الرشاد، الذي أنزل القرآن دليلا لما فيه صلاح العباد، والصلاة والسلام على نبينا محمد مَن عمَّ خيره الورى في كل سهل وواد، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثرهم إلى يوم التناد، وبعد.
فالخطايا يركب بعضها بعضا، ومن رام اجتناب أعلاها فعليه دفع أدناها وسدّ بابها الأول، وقد جاء عن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه أوصى أحد عماله وولاته وهو الأحنف بن قيس فقال له: "مَن كثر ضحكه قلت هيبته، ومَن كثر مزاحه استخف به، ومَن أكثر من شيء عُرف به، ومَن كثر كلامه كثر سقطه، ومَن كثر سقطه قلّ حياؤه، ومَن قلّ حياؤه قلّ ورعه، ومَن قلّ ورعه مات قلبه" [شعب الإيمان]
ومِن طرق سدّ الشر الأخذ بخلق الصمت الذي يعتبر علاجا للكثير من مصائب الكلام وسقطات اللسان، وهو سمة أهل النهى والألباب، ومنقبة للأبرار الأخيار، كما أن تركه وإكثار الكلام مذمّة ودليل جهل وخفة عقل، وباب استدراج لمعاصي الأقوال وسوءِ الأعمال، وسبب من أسباب قسوة القلب، وهو مما يكرهه الله لعباده، قال عليه الصلاة والسلام: (إن الله كره لكم قيل وقال...) [رواه أحمد]
ونال الصمت نصيبا من التوصية به من قِبَل أخيار هذه الأمة من سلفها الصالح ومن بعدهم حتى ألّف بعضهم فيه المصنفات والأجزاء الحديثية، ترغيبا فيه وتذكيرا بفضائله؛ لما له من حضور بيّن في مقام الآداب.
أما معنى الصمت لغةً فقيل إنه مأخوذ من: "صَمَتَ يَصْمُتُ صَمْتًا وصُموتًا وصُماتًا: سَكَتَ، وأَصْمَتَ مثله، والتصْميتُ: التسكيتُ، ويُقال لغير الناطق: صامت ولا يقال ساكت، وَيُقَال: أَخذه الصُّمات، إِذا سكت فلم يتكلم". [المعجم الوسيط]، أما في الاصطلاح فقيل إنه: "إمساك عن قوله الباطل دون الحق".
قال النيسابوري: "ترك الكلام له أربعة أسماء:
1- الصمت، وهو أعمّها حتى إنه يستعمل فيما ليس يقوى على النطق كقولهم: (مال ناطق أو صامت).
2- والسكوت، وهو ترك الكلام ممن يقدر على الكلام.
3- والإنصات، هو السكوت مع استماع قال تعالى: {فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} [الأعراف: 204].
4- والإصاخة، وهو الاستماع إلى ما يصعب إدراكه، كالسرِّ والصوت من المكان البعيد" [غرائب القرآن ورغائب الفرقان]
والقدوة في هذا الخلق هم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فنبينا محمد صلى الله عليه وسلم كان طويل الصمت، قليل الضحك، وكان يوصي أصحابه بذلك، فقد أوصى أبا ذر فقال له: (عليك بطول الصمت فإنه مطردة للشيطان عنك، وعون لك على أمر دينك، وإياك والضحك فإنه يميت القلوب ويذهب نور الوجه). [شعب الإيمان]
وهذا أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- كان ممن عرف مكانة الصمت وخطر اللسان، فأخذ بطرف لسانه وقال: "هذا الذي أوردني الموارد" [رواه النسائي].
وكثرة الصمت تورث الهيبة، فعن علي رضي الله عنه قال: "بكثرة الصمت تكون الهيبة".
والصمت من السمت الحسن للمرء الذي ينبغي تعلمه والحرص عليه، عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: "تعلموا الصمت كما تتعلمون الكلام، فإن الصمت حكم عظيم، وكن إلى أن تسمع أحرص منك إلى أن تتكلم، ولا تتكلم في شيء لا يعنيك، ولا تكن مضحاكا من غير عجب، ولا مشاء إلى غير أرب" -يعني إلى غير حاجة-. [رواه الخرائطي في مكارم الأخلاق]، وقال عبد الله بن أبي زكريا: "عالجت الصمت ثنتي عشرة سنةً، فما بلغت منه ما كنت أرجو، وتخوفت منه فتكلمت". [الصمت لابن أبي الدنيا]
والصمت أعظم الحكمة فعن وهيب بن الورد رحمه الله، قال: كان يقال: "الحكمة عشرة أجزاء: فتسعة منها في الصمت، والعاشرة عزلة الناس". [الصمت لابن أبي الدنيا]
وقال: أبو عمر الضرير: "سمعت رياحًا القيسي، يقول: قال لي عتبة: يا رياح إن كنت كلما دعتني نفسي إلى الكلام تكلمت فبئس الناظر أنا، يا رياح، إنَّ لها موقفًا تغتبط فيه بطول الصمت عن الفضول". [حلية الأولياء]
وأكثر ما يحمل الإنسان على كثرة الكلام جهله بأن كلامه من عمله، قال عمر بن عبد العزيز: "من لم يعد كلامه من عمله كثرت خطاياه، ومن عمل بغير علم، كان ما يفسد أكثر مما يصلح" [رواه البيهقي]والصمت وقاية من آفات اللسان، وإنْ كثر لغط العبد كثرت هفوات لسانه بكلام لا يجني منه سوى الآثام، ولقد جاء القرآن الكريم مبينا أن الكلام محسوب على العباد؛ لأن الله تعالى جعل لهم ملائكة كتبة حافظين، قال تعالى: {مَّا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18]
قال ابن كثير: "{مَّا يَلْفِظُ} أي: ابن آدم {مِنْ قَوْلٍ} أي: ما يتكلم بكلمة {إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} أي: إلا ولها من يراقبها معتد لذلك يكتبها، لا يترك كلمة ولا حركة، كما قال تعالى: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} [الانفطار: 10 - 12] [التفسير] وقال الشوكاني: أي: "ما يتكلم من كلام، فيلفظه ويرميه من فيه إلا لديه، أي: على ذلك اللافظ رقيب، أي: ملك يرقب قوله ويكتبه، والرقيب: الحافظ المتتبع لأمور الإنسان الذي يكتب ما يقوله من خير وشر، فكاتب الخير هو ملك اليمين، وكاتب الشر ملك الشمال، والعتيد: الحاضر المهيأ". [فتح القدير]
وقال السمعاني: "أي: رقيب حاضر، قال الحسن: يكتب الملكان كل شيء، حتى قوله لجاريته: اسقيني الماء، وناوليني نعلي، أو أعطيني ردائي، ويقال: يكتب كل شيء حتى صفيره بشرب الماء". [تفسير القرآن]
ومن استحضر سمع الله لكلامه وعلم أنه موقوف ومسؤول يوم القيامة عما يقول كثر صمته، فعن أبي هريرة -رضي اللّه عنه- عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت) [رواه البخاري] قال ابن عبد البر: "وفي هذا الحديث آداب وسنن، منها التأكيد في لزوم الصمت، وقول الخير أفضل من الصمت؛ لأن قول الخير غنيمة، والسكوت سلامة، والغنيمة أفضل من السلامة" [التمهيد]
وقال النووي: "وأما قوله صلى الله عليه وسلم: (فليقل خيرًا أو ليصمت) فمعناه: أنه إذا أراد أن يتكلم؛ فإن كان ما يتكلم به خيرًا محققًا يثاب عليه واجبًا أو مندوبًا فليتكلم، وإن لم يظهر له أنه خير يثاب عليه فليمسك عن الكلام، سواء ظهر له أنه حرام أو مكروه أو مباح مستوي الطرفين؛ فعلى هذا يكون الكلام المباح مأمورًا بتركه، مندوبًا إلى الإمساك عنه؛ مخافةً من انجراره إلى المحرم أو المكروه، وهذا يقع في العادة كثيرًا أو غالبًا" [شرح صحيح مسلم]
وعن سهل بن سعد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة) [رواه البخاري]
قال ابن عبد البر: "في هذا الحديث دليل على أن أكبر الكبائر إنما هي من الفم والفرج، وما بين اللحيين الفم، وما بين الرجلين الفرج، ومن الفم ما يتولد من اللسان وهو كلمة الكفر، وقذف المحصنات، وأخذ أعراض المسلمين، ومن الفم أيضا شرب الخمر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم ظلمًا، ومن الفرج الزنى واللواط" [الاستذكار]، وقال ابن حجر في شرح هذا الحديث: "فالمعنى من أدى الحق الذي على لسانه من النطق بما يجب عليه، أو الصمت عما لا يعنيه ضمن له الرسول صلى الله عليه وسلم الجنة... فإن النطق باللسان أصل في حصول كل مطلوب، فإذا لم ينطق به إلا في خير سلم، وقال ابن بطال: دل الحديث على أن أعظم البلاء على المرء في الدنيا لسانه وفرجه، فمن وقي شرهما وقي أعظم الشر" [فتح الباري]
ومن ملك لسانه فقد ملك خيرا كثيرا، وكفى نفسه شرا كثيرا، ونجّى نفسه من حُفَرٍ عديدة ومزالق شتى، قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه: (ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسانه، قال: كف عليك هذا، قلت: يا نبي الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك، وهل يكب الناس في النار على وجوههم، أو قال على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم) [رواه الترمذي]، وعن عبد الله بن عمرو-رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صمت نجا). [رواه الترمذي]
ربنا وفقنا لما تحب وترضى وارحم ضعفنا وقنا شر نفوسنا، أنت ولينا وأنت حسبنا ونعم الوكيل، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
•المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 312
الخميس 6 ربيع الثاني 1443 هـ ...المزيد
الحمد لله هادي عباده لطرق الرشاد، الذي أنزل القرآن دليلا لما فيه صلاح العباد، والصلاة والسلام على نبينا محمد مَن عمَّ خيره الورى في كل سهل وواد، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثرهم إلى يوم التناد، وبعد.
فالخطايا يركب بعضها بعضا، ومن رام اجتناب أعلاها فعليه دفع أدناها وسدّ بابها الأول، وقد جاء عن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه أوصى أحد عماله وولاته وهو الأحنف بن قيس فقال له: "مَن كثر ضحكه قلت هيبته، ومَن كثر مزاحه استخف به، ومَن أكثر من شيء عُرف به، ومَن كثر كلامه كثر سقطه، ومَن كثر سقطه قلّ حياؤه، ومَن قلّ حياؤه قلّ ورعه، ومَن قلّ ورعه مات قلبه" [شعب الإيمان]
ومِن طرق سدّ الشر الأخذ بخلق الصمت الذي يعتبر علاجا للكثير من مصائب الكلام وسقطات اللسان، وهو سمة أهل النهى والألباب، ومنقبة للأبرار الأخيار، كما أن تركه وإكثار الكلام مذمّة ودليل جهل وخفة عقل، وباب استدراج لمعاصي الأقوال وسوءِ الأعمال، وسبب من أسباب قسوة القلب، وهو مما يكرهه الله لعباده، قال عليه الصلاة والسلام: (إن الله كره لكم قيل وقال...) [رواه أحمد]
ونال الصمت نصيبا من التوصية به من قِبَل أخيار هذه الأمة من سلفها الصالح ومن بعدهم حتى ألّف بعضهم فيه المصنفات والأجزاء الحديثية، ترغيبا فيه وتذكيرا بفضائله؛ لما له من حضور بيّن في مقام الآداب.
أما معنى الصمت لغةً فقيل إنه مأخوذ من: "صَمَتَ يَصْمُتُ صَمْتًا وصُموتًا وصُماتًا: سَكَتَ، وأَصْمَتَ مثله، والتصْميتُ: التسكيتُ، ويُقال لغير الناطق: صامت ولا يقال ساكت، وَيُقَال: أَخذه الصُّمات، إِذا سكت فلم يتكلم". [المعجم الوسيط]، أما في الاصطلاح فقيل إنه: "إمساك عن قوله الباطل دون الحق".
قال النيسابوري: "ترك الكلام له أربعة أسماء:
1- الصمت، وهو أعمّها حتى إنه يستعمل فيما ليس يقوى على النطق كقولهم: (مال ناطق أو صامت).
2- والسكوت، وهو ترك الكلام ممن يقدر على الكلام.
3- والإنصات، هو السكوت مع استماع قال تعالى: {فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} [الأعراف: 204].
4- والإصاخة، وهو الاستماع إلى ما يصعب إدراكه، كالسرِّ والصوت من المكان البعيد" [غرائب القرآن ورغائب الفرقان]
والقدوة في هذا الخلق هم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فنبينا محمد صلى الله عليه وسلم كان طويل الصمت، قليل الضحك، وكان يوصي أصحابه بذلك، فقد أوصى أبا ذر فقال له: (عليك بطول الصمت فإنه مطردة للشيطان عنك، وعون لك على أمر دينك، وإياك والضحك فإنه يميت القلوب ويذهب نور الوجه). [شعب الإيمان]
وهذا أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- كان ممن عرف مكانة الصمت وخطر اللسان، فأخذ بطرف لسانه وقال: "هذا الذي أوردني الموارد" [رواه النسائي].
وكثرة الصمت تورث الهيبة، فعن علي رضي الله عنه قال: "بكثرة الصمت تكون الهيبة".
والصمت من السمت الحسن للمرء الذي ينبغي تعلمه والحرص عليه، عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: "تعلموا الصمت كما تتعلمون الكلام، فإن الصمت حكم عظيم، وكن إلى أن تسمع أحرص منك إلى أن تتكلم، ولا تتكلم في شيء لا يعنيك، ولا تكن مضحاكا من غير عجب، ولا مشاء إلى غير أرب" -يعني إلى غير حاجة-. [رواه الخرائطي في مكارم الأخلاق]، وقال عبد الله بن أبي زكريا: "عالجت الصمت ثنتي عشرة سنةً، فما بلغت منه ما كنت أرجو، وتخوفت منه فتكلمت". [الصمت لابن أبي الدنيا]
والصمت أعظم الحكمة فعن وهيب بن الورد رحمه الله، قال: كان يقال: "الحكمة عشرة أجزاء: فتسعة منها في الصمت، والعاشرة عزلة الناس". [الصمت لابن أبي الدنيا]
وقال: أبو عمر الضرير: "سمعت رياحًا القيسي، يقول: قال لي عتبة: يا رياح إن كنت كلما دعتني نفسي إلى الكلام تكلمت فبئس الناظر أنا، يا رياح، إنَّ لها موقفًا تغتبط فيه بطول الصمت عن الفضول". [حلية الأولياء]
وأكثر ما يحمل الإنسان على كثرة الكلام جهله بأن كلامه من عمله، قال عمر بن عبد العزيز: "من لم يعد كلامه من عمله كثرت خطاياه، ومن عمل بغير علم، كان ما يفسد أكثر مما يصلح" [رواه البيهقي]والصمت وقاية من آفات اللسان، وإنْ كثر لغط العبد كثرت هفوات لسانه بكلام لا يجني منه سوى الآثام، ولقد جاء القرآن الكريم مبينا أن الكلام محسوب على العباد؛ لأن الله تعالى جعل لهم ملائكة كتبة حافظين، قال تعالى: {مَّا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18]
قال ابن كثير: "{مَّا يَلْفِظُ} أي: ابن آدم {مِنْ قَوْلٍ} أي: ما يتكلم بكلمة {إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} أي: إلا ولها من يراقبها معتد لذلك يكتبها، لا يترك كلمة ولا حركة، كما قال تعالى: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} [الانفطار: 10 - 12] [التفسير] وقال الشوكاني: أي: "ما يتكلم من كلام، فيلفظه ويرميه من فيه إلا لديه، أي: على ذلك اللافظ رقيب، أي: ملك يرقب قوله ويكتبه، والرقيب: الحافظ المتتبع لأمور الإنسان الذي يكتب ما يقوله من خير وشر، فكاتب الخير هو ملك اليمين، وكاتب الشر ملك الشمال، والعتيد: الحاضر المهيأ". [فتح القدير]
وقال السمعاني: "أي: رقيب حاضر، قال الحسن: يكتب الملكان كل شيء، حتى قوله لجاريته: اسقيني الماء، وناوليني نعلي، أو أعطيني ردائي، ويقال: يكتب كل شيء حتى صفيره بشرب الماء". [تفسير القرآن]
ومن استحضر سمع الله لكلامه وعلم أنه موقوف ومسؤول يوم القيامة عما يقول كثر صمته، فعن أبي هريرة -رضي اللّه عنه- عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت) [رواه البخاري] قال ابن عبد البر: "وفي هذا الحديث آداب وسنن، منها التأكيد في لزوم الصمت، وقول الخير أفضل من الصمت؛ لأن قول الخير غنيمة، والسكوت سلامة، والغنيمة أفضل من السلامة" [التمهيد]
وقال النووي: "وأما قوله صلى الله عليه وسلم: (فليقل خيرًا أو ليصمت) فمعناه: أنه إذا أراد أن يتكلم؛ فإن كان ما يتكلم به خيرًا محققًا يثاب عليه واجبًا أو مندوبًا فليتكلم، وإن لم يظهر له أنه خير يثاب عليه فليمسك عن الكلام، سواء ظهر له أنه حرام أو مكروه أو مباح مستوي الطرفين؛ فعلى هذا يكون الكلام المباح مأمورًا بتركه، مندوبًا إلى الإمساك عنه؛ مخافةً من انجراره إلى المحرم أو المكروه، وهذا يقع في العادة كثيرًا أو غالبًا" [شرح صحيح مسلم]
وعن سهل بن سعد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة) [رواه البخاري]
قال ابن عبد البر: "في هذا الحديث دليل على أن أكبر الكبائر إنما هي من الفم والفرج، وما بين اللحيين الفم، وما بين الرجلين الفرج، ومن الفم ما يتولد من اللسان وهو كلمة الكفر، وقذف المحصنات، وأخذ أعراض المسلمين، ومن الفم أيضا شرب الخمر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم ظلمًا، ومن الفرج الزنى واللواط" [الاستذكار]، وقال ابن حجر في شرح هذا الحديث: "فالمعنى من أدى الحق الذي على لسانه من النطق بما يجب عليه، أو الصمت عما لا يعنيه ضمن له الرسول صلى الله عليه وسلم الجنة... فإن النطق باللسان أصل في حصول كل مطلوب، فإذا لم ينطق به إلا في خير سلم، وقال ابن بطال: دل الحديث على أن أعظم البلاء على المرء في الدنيا لسانه وفرجه، فمن وقي شرهما وقي أعظم الشر" [فتح الباري]
ومن ملك لسانه فقد ملك خيرا كثيرا، وكفى نفسه شرا كثيرا، ونجّى نفسه من حُفَرٍ عديدة ومزالق شتى، قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه: (ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسانه، قال: كف عليك هذا، قلت: يا نبي الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك، وهل يكب الناس في النار على وجوههم، أو قال على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم) [رواه الترمذي]، وعن عبد الله بن عمرو-رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صمت نجا). [رواه الترمذي]
ربنا وفقنا لما تحب وترضى وارحم ضعفنا وقنا شر نفوسنا، أنت ولينا وأنت حسبنا ونعم الوكيل، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
•المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 312
الخميس 6 ربيع الثاني 1443 هـ ...المزيد
عقوبات المعرضين عن ذكر رب العالمين -2- الحمد لله إله الأولين والآخرين والصلاة والسلام على ...
عقوبات المعرضين عن ذكر رب العالمين -2-
الحمد لله إله الأولين والآخرين والصلاة والسلام على نبينا محمد سيد المستغفرين وعلى آله وصحبه الأباة الميامين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد.
فمن طرق التنفير عن أمر مشين؛ تذكّر عاقبته وعقوبته فذاك أمر يصرِف العاقل عن السوء، وقد ابتدأنا في العدد الماضي الحديثَ عن العقوبات التي أُعدت للمعرضين عن ذكر الله تعالى، وسنكمل ما بقي منها في هذا العدد إن شاء الله:
• العقوبة الخامسة: الإعراض عنه ووروده جهنم
قال تعالى: {وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضًا * الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا} [الكهف:100-101]، فمن حجز عينيه عن النظر إلى كتاب الله متعاميا معرضا عن أوامره مخالفا لها فهو متوعّد بالنار، وقوله {وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا} أي لا يريدون اتباع الحق كقوله تعالى في سورة هود عليه السلام: {يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ} [هود:20] فالمراد بنفي الاستطاعة هنا الإعراض وليس عدم القدرة، فلما أعرضوا ابتداءً منعهم الله ذلك جزاءً فجعل على أبصارهم غشاوة، وهذا نحو قوله تعالى: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الأنعام:110]، ومثله ما جاء في السنة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس في المسجد والناس معه إذ أقبل ثلاثة نفر فأقبل اثنان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذهب واحد، قال فوقفا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر فجلس خلفهم، وأما الثالث فأدبر ذاهبا، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألا أخبركم عن النفر الثلاثة أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه" [البخاري]
وكثير من الناس يقع في المعاصي والكفر من هذا الباب ويحسب أنه على هدى وما يدري أنه في غاية العمى كما قال الله: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف:103-104]، وما ربك بظلام للعبيد فمن أقبل على الله أقبل الله عليه، ومن صدق في طلبه للحق دلَّه الله عليه ولو كان في أقصى الأرض، وقد رأينا من هداهم الله وأخرجهم الله من بيئات في غاية البُعد عن الإسلام فهداهم حين علم صدقهم وعزيمتهم في إرادتهم الإيمان.
هذا وإن القرب من كتاب الله تعالى وطول النظر فيه -مع اتباع أوامره- باب هداية حقيقي، يمن الله به على من يشاء، وقد قال بعض العلماء: "كان النظر في المصاحف خلقا في الأولين"، وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يقضي يومه في بيته بين المصحف والصلاة.
وقد امتدح الله من يقبل على آيات الله إذا ذُكّر بها ولم يتعامَ عنها قال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا} [الفرقان:73]، قال ابن جرير رحمه الله: " يقول تعالى ذكره: والذين إذا ذكَّرهم مذكِّر بحجج الله، لم يكونوا صما لا يسمعون، وعميا لا يبصرونها ولكنهم يِقَاظُ القلوب، فُهَمَاءُ العقول، يفهمون عن الله ما يذَّكرهم به، ويفهمون عنه ما ينبههم عليه، فيوعون مواعظه آذانا سمعته، وقلوبا وعته" [التفسير]، وقال ابن كثير رحمه الله: "فقوله: {لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا} أي: بخلاف الكافر الذي ذكر بآيات ربه، فاستمر على حاله، كأن لم يسمعها أصم أعمى، قال مجاهد: قوله: {لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا} لم يسمعوا ولم يبصروا، ولم يفقهوا شيئا، وقال الحسن البصري: كم من رجل يقرؤها ويخر عليها أصم أعمى". [التفسير] ولذلك كان السلف رحمهم الله إذا ذُكر أحدهم بآيات الله توقّف عندها واتّهم نفسه ولم يكونوا مجادلين عن أنفسهم ببحث التبريرات والأعذار لما يخُالف الشرع.• العقوبة السادسة: أن يكون أمره فُرُطا لا بركة فيه
قال الله تعالى: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف:28]، قال ابن جرير رحمه الله: "فقال بعضهم: معناه: وكان أمره ضياعا". [التفسير]
وهذا ملاحظ فقليل الذكر تجده ضائعا قليل البركة ضعيف الهمة نادر الإتقان متشتتا كسولا، وليس من سبب لذلك سوى حضور الشياطين عنده وإفسادها لأموره، ويشهد لهذا قوله تعالى: {وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأنعام:129] بينما يكون صاحب الذكر مجتمعا قلبه كثيرا إتقانه قويا في عزيمته.
وتشتيت المؤمن في أمره هو من سبل الشيطان فإنه إن لم يستطع إيقاع العبد في المعاصي وصده عن العمل الصالح أتاه من باب فعل المفضول وترك الفاضل الأولى والأهم، قال ابن القيم رحمه الله: "العقبة السادسة: وهي عقبة الأعمال المرجوحة المفضولة من الطاعات، فأمره بها، وحسنها في عينه، وزينها له، وأراه ما فيها من الفضل والربح، ليشغله بها عما هو أفضل منها، وأعظم كسبا وربحا، لأنه لما عجز عن تخسيره أصل الثواب، طمع في تخسيره كماله وفضله، ودرجاته العالية، فشغله بالمفضول عن الفاضل، وبالمرجوح عن الراجح، وبالمحبوب لله عن الأحب إليه، وبالمرضي عن الأرضى له" [مدارج السالكين]
• العقوبة السابعة: العذاب الشاق
قال تعالى: {وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا} [الجن:17]، قال الإمام الطبري رحمه الله: "قوله عزّ وجلّ: {وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ} الذي ذكره به، وهو هذا القرآن؛ ومعناه: ومن يعرض عن استماع القرآن واستعماله، يسلكه الله عذابا صعدا: يقول: يسلكه الله عذابا شديدا شاقا... عن ابن عباس {عَذَابًا صَعَدًا} قال: جبل في جهنم، وعن قتادة: عذابا لا راحة فيه." [التفسير]، فهذا وعيد لمن أعرض عن القرآن لا يلقي له بالا ولا يعمل به ولا يخاف من عذاب الله الأليم.
فمن أعرض عن آيات الله في عبادة الله وحده وتحكيم شرعه والتحاكم إليه أو آيات الولاء للمؤمنين والبراء من الكافرين أو آيات الجهاد في سبيل الله أو آيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ صار مستحقا للعقوبة من الله في الدنيا والآخرة، وما نراه اليوم من فساد في الناس في معايشهم وما أصابهم من أوبئة وأمراض واقتتالهم على الدنيا وجرائم شتى؛ كل ذلك سببه الإعراض عن كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
• إياك أن تتخذه جليسا!
وكل مَن كان مِن أهل الإعراض عن ذكر الله فإياك أن تتخذه صاحبا أو جليسا أو تصغي إليه فإنه قاطع طريقك إلى الله وإنك لو فحصته لوجدته مغمورا في الغفلة، مفتونا بالدنيا كثيرَ الذكر لها، منشرحا صدره حين الحديث عنها، وإن ذكر الله اشمأز قلبه وضاق، حاله كما قال الله: {وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [الزمر:45]
وقد أمر الله النبي صلى الله عليه وسلم بمجانبة هؤلاء المعرضين عن ذكر الله والابتعاد عنهم مع ما يحمله صلى الله عليه وسلم في صدره من القرآن والعلم، فقال تعالى: {فَأَعْرِضْ عَنْ مَّنْ تَوَلَّىٰ عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} [النجم:29]، ومن وصايا لقمان لابنه أنه قال: "يا بني إذا رأيت قوما يذكرون الله فاجلس معهم، فإنك إن تك عالما ينفعك علمك، وإن تك جاهلا علموك، ولعل الله تعالى يطلع عليهم برحمته، فتصيبك معهم، وإذا رأيت قوما لا يذكرون الله تعالى، فلا تجلس معهم، فإنك إن تك عالما لا ينفعك علمك، وإن تك جاهلا يزدك غيا، ولعل الله يطلع عليهم بسخطه فيصيبك معهم ". [تنبيه الغافلين]
اللهم جنّبنا سبل الغواية، واجعلنا من أهل الهداية، أنت مقلب القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك، وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 317
الخميس 12 جمادى الأولى 1443 هـ ...المزيد
الحمد لله إله الأولين والآخرين والصلاة والسلام على نبينا محمد سيد المستغفرين وعلى آله وصحبه الأباة الميامين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد.
فمن طرق التنفير عن أمر مشين؛ تذكّر عاقبته وعقوبته فذاك أمر يصرِف العاقل عن السوء، وقد ابتدأنا في العدد الماضي الحديثَ عن العقوبات التي أُعدت للمعرضين عن ذكر الله تعالى، وسنكمل ما بقي منها في هذا العدد إن شاء الله:
• العقوبة الخامسة: الإعراض عنه ووروده جهنم
قال تعالى: {وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضًا * الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا} [الكهف:100-101]، فمن حجز عينيه عن النظر إلى كتاب الله متعاميا معرضا عن أوامره مخالفا لها فهو متوعّد بالنار، وقوله {وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا} أي لا يريدون اتباع الحق كقوله تعالى في سورة هود عليه السلام: {يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ} [هود:20] فالمراد بنفي الاستطاعة هنا الإعراض وليس عدم القدرة، فلما أعرضوا ابتداءً منعهم الله ذلك جزاءً فجعل على أبصارهم غشاوة، وهذا نحو قوله تعالى: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الأنعام:110]، ومثله ما جاء في السنة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس في المسجد والناس معه إذ أقبل ثلاثة نفر فأقبل اثنان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذهب واحد، قال فوقفا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر فجلس خلفهم، وأما الثالث فأدبر ذاهبا، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألا أخبركم عن النفر الثلاثة أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه" [البخاري]
وكثير من الناس يقع في المعاصي والكفر من هذا الباب ويحسب أنه على هدى وما يدري أنه في غاية العمى كما قال الله: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف:103-104]، وما ربك بظلام للعبيد فمن أقبل على الله أقبل الله عليه، ومن صدق في طلبه للحق دلَّه الله عليه ولو كان في أقصى الأرض، وقد رأينا من هداهم الله وأخرجهم الله من بيئات في غاية البُعد عن الإسلام فهداهم حين علم صدقهم وعزيمتهم في إرادتهم الإيمان.
هذا وإن القرب من كتاب الله تعالى وطول النظر فيه -مع اتباع أوامره- باب هداية حقيقي، يمن الله به على من يشاء، وقد قال بعض العلماء: "كان النظر في المصاحف خلقا في الأولين"، وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يقضي يومه في بيته بين المصحف والصلاة.
وقد امتدح الله من يقبل على آيات الله إذا ذُكّر بها ولم يتعامَ عنها قال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا} [الفرقان:73]، قال ابن جرير رحمه الله: " يقول تعالى ذكره: والذين إذا ذكَّرهم مذكِّر بحجج الله، لم يكونوا صما لا يسمعون، وعميا لا يبصرونها ولكنهم يِقَاظُ القلوب، فُهَمَاءُ العقول، يفهمون عن الله ما يذَّكرهم به، ويفهمون عنه ما ينبههم عليه، فيوعون مواعظه آذانا سمعته، وقلوبا وعته" [التفسير]، وقال ابن كثير رحمه الله: "فقوله: {لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا} أي: بخلاف الكافر الذي ذكر بآيات ربه، فاستمر على حاله، كأن لم يسمعها أصم أعمى، قال مجاهد: قوله: {لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا} لم يسمعوا ولم يبصروا، ولم يفقهوا شيئا، وقال الحسن البصري: كم من رجل يقرؤها ويخر عليها أصم أعمى". [التفسير] ولذلك كان السلف رحمهم الله إذا ذُكر أحدهم بآيات الله توقّف عندها واتّهم نفسه ولم يكونوا مجادلين عن أنفسهم ببحث التبريرات والأعذار لما يخُالف الشرع.• العقوبة السادسة: أن يكون أمره فُرُطا لا بركة فيه
قال الله تعالى: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف:28]، قال ابن جرير رحمه الله: "فقال بعضهم: معناه: وكان أمره ضياعا". [التفسير]
وهذا ملاحظ فقليل الذكر تجده ضائعا قليل البركة ضعيف الهمة نادر الإتقان متشتتا كسولا، وليس من سبب لذلك سوى حضور الشياطين عنده وإفسادها لأموره، ويشهد لهذا قوله تعالى: {وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأنعام:129] بينما يكون صاحب الذكر مجتمعا قلبه كثيرا إتقانه قويا في عزيمته.
وتشتيت المؤمن في أمره هو من سبل الشيطان فإنه إن لم يستطع إيقاع العبد في المعاصي وصده عن العمل الصالح أتاه من باب فعل المفضول وترك الفاضل الأولى والأهم، قال ابن القيم رحمه الله: "العقبة السادسة: وهي عقبة الأعمال المرجوحة المفضولة من الطاعات، فأمره بها، وحسنها في عينه، وزينها له، وأراه ما فيها من الفضل والربح، ليشغله بها عما هو أفضل منها، وأعظم كسبا وربحا، لأنه لما عجز عن تخسيره أصل الثواب، طمع في تخسيره كماله وفضله، ودرجاته العالية، فشغله بالمفضول عن الفاضل، وبالمرجوح عن الراجح، وبالمحبوب لله عن الأحب إليه، وبالمرضي عن الأرضى له" [مدارج السالكين]
• العقوبة السابعة: العذاب الشاق
قال تعالى: {وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا} [الجن:17]، قال الإمام الطبري رحمه الله: "قوله عزّ وجلّ: {وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ} الذي ذكره به، وهو هذا القرآن؛ ومعناه: ومن يعرض عن استماع القرآن واستعماله، يسلكه الله عذابا صعدا: يقول: يسلكه الله عذابا شديدا شاقا... عن ابن عباس {عَذَابًا صَعَدًا} قال: جبل في جهنم، وعن قتادة: عذابا لا راحة فيه." [التفسير]، فهذا وعيد لمن أعرض عن القرآن لا يلقي له بالا ولا يعمل به ولا يخاف من عذاب الله الأليم.
فمن أعرض عن آيات الله في عبادة الله وحده وتحكيم شرعه والتحاكم إليه أو آيات الولاء للمؤمنين والبراء من الكافرين أو آيات الجهاد في سبيل الله أو آيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ صار مستحقا للعقوبة من الله في الدنيا والآخرة، وما نراه اليوم من فساد في الناس في معايشهم وما أصابهم من أوبئة وأمراض واقتتالهم على الدنيا وجرائم شتى؛ كل ذلك سببه الإعراض عن كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
• إياك أن تتخذه جليسا!
وكل مَن كان مِن أهل الإعراض عن ذكر الله فإياك أن تتخذه صاحبا أو جليسا أو تصغي إليه فإنه قاطع طريقك إلى الله وإنك لو فحصته لوجدته مغمورا في الغفلة، مفتونا بالدنيا كثيرَ الذكر لها، منشرحا صدره حين الحديث عنها، وإن ذكر الله اشمأز قلبه وضاق، حاله كما قال الله: {وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [الزمر:45]
وقد أمر الله النبي صلى الله عليه وسلم بمجانبة هؤلاء المعرضين عن ذكر الله والابتعاد عنهم مع ما يحمله صلى الله عليه وسلم في صدره من القرآن والعلم، فقال تعالى: {فَأَعْرِضْ عَنْ مَّنْ تَوَلَّىٰ عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} [النجم:29]، ومن وصايا لقمان لابنه أنه قال: "يا بني إذا رأيت قوما يذكرون الله فاجلس معهم، فإنك إن تك عالما ينفعك علمك، وإن تك جاهلا علموك، ولعل الله تعالى يطلع عليهم برحمته، فتصيبك معهم، وإذا رأيت قوما لا يذكرون الله تعالى، فلا تجلس معهم، فإنك إن تك عالما لا ينفعك علمك، وإن تك جاهلا يزدك غيا، ولعل الله يطلع عليهم بسخطه فيصيبك معهم ". [تنبيه الغافلين]
اللهم جنّبنا سبل الغواية، واجعلنا من أهل الهداية، أنت مقلب القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك، وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 317
الخميس 12 جمادى الأولى 1443 هـ ...المزيد
الترغيب في الورع بسم الله الكبير المتعال مالك الملك ذي الجلال والإكرام، وعلى نبي الهدى ...
الترغيب في الورع
بسم الله الكبير المتعال مالك الملك ذي الجلال والإكرام، وعلى نبي الهدى والرحمة أفضل الصلاة والسلام، وعلى آله وصحبه ومن استن بسنته إلى يوم الدين، وبعد.
فدِينُ المرء أغلى ما عنده؛ لأنه مقبل على الآخرة بلا شك، ولا ينفع في الآخرة إلا دين الإنسان وعمله، ومن أراد المحافظة على دينه فلابد له من سياج يجعله كالحِمى حتى لا ينخرم دينه فيعجز عن ترقيعه أو تداركه.
ولم يكن السلف من هذه الأمة عظماء في أفعالهم إلا برسوخ دينهم وتقواهم واهتمامهم بأمر الورع الذي يحفظ لهم دينهم، وما مررتَ بسيرة أحدهم إلا وجدتَهم يقولون عنه: "زاهدا وَرِعا"؛ وذلك لأنه خير الدين فكانوا متّصفين به مرغّبين فيه، فعن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفضل الدين الورع، وأفضل العبادة الفقه). [معجم الطبراني]
وقد كانوا رحمهم الله يتعلمون الورع ويتلقّونه من أشياخهم، قال الضحاك بن مزاحم: "كان أولوكم يتعلمون الورع، ويأتي عليكم زمان يتعلم فيه الكلام". [الزهد لابن المبارك]
وهذا الورع هو ثمرة الإيمان كما قال طاوس رحمه الله: "مثل الإيمان كشجرة، فأصلها الشهادة، وساقها وورقها كذا، وثمرها الورع، ولا خير في شجرة لا ثمر لها، ولا خير في إنسان لا ورع له" [السنة للخلال]
وهو أرفع منازل الزهد المانع لصاحبه من الولوج في تخوم المعاصي، والذنوب المهلكات، فالورع "هو اجتناب الشبهات؛ خوفًا من الوقوع في المحرمات" [التعريفات للجرجاني]، وما أحسن قول القرافي في الورع أنه "ترك ما لا بأس به؛ حذرًا مما به البأس" [الفروق]، أما الكفوي فقال: "الورع: الاجتناب عن الشبهات سواء كان تحصيلًا أو غير تحصيل، إذْ قد يفعل المرء فعلًا تورّعًا، وقد يتركه تورّعًا أيضًا، ويستعمل بمعنى التقوى، وهو الكفُّ عن المحرمات القطعية" [الكليات]
وقد يشتبه الورع والزهد ولكن ثمت فرق بينها، قال ابن القيم رحمه الله: "والفرق بينه وبين الورع: أنَّ الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع ترك ما يخشى ضرره في الآخرة" [الفوائد] وهذا أجود ما ذُكر في تبيين الفرق بين الورع والزهد.
فإن علم المرء ذلك، فلا بد له من ترك الشبهات والابتعاد عنها، ويجاهد نفسه على ذلك فهذا دأب المحسنين، عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما: قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الحلال بيِّن، والحرام بيِّن، وبينهما مشبَّهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتَّقى المشبَّهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات كراع يرعى حول الحِمَى يوشك أن يُواقعه، ألا وإنَّ لكلِّ ملك حمى، ألا إنَّ حمى الله في أرضه محارمه، ألا وإنَّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلُّه، و إذا فسدت فسد الجسد كلُّه، ألا وهي القلب) [متفق عليه] قال ابن رجب رحمه الله: "هذا الحديث حديث عظيم؛ وهو أحد الأحاديث التي مدار الدين عليها، وقد قيل: إنَّه ثلث العلم أو ربعه" [فتح الباري]، وقال المناوي: "الوَرِع دائم المراقبة للحقِّ، مستديم الحذر أن يمزج باطلًا بحقٍّ، كما قال الحبر: كان عمر كالطير الحذر، والمراقبة توزن بالمشاهدة، ودوام الحذر يعقب النجاة والظفر" [فيض القدير]
وقال بعضهم: "ويقال: أصل الورع أن يتعاهد المرء قلبه لكي لا يتفكر فيما لا يعنيه، فكلما ذهب قلبه إلى ما لا يعنيه، عالجه حتى يرده إلى ما يعنيه" [تنبيه الغافلين]، وقال سفيان بن عيينة: "لا يصيب عبد حقيقة الإيمان؛ حتى يجعل بينه وبين الحرام حاجزًا من الحلال، وحتى يدع الإثم وما تشابه منه" [فتح الباري]، وقال بعض الصحابة: "كنا ندع سبعين بابًا من الحلال؛ مخافة أن نقع في بابٍ من الحرام" [مدارج السالكين]، وقال الهروي: "الورع توَقٍّ مستقصًى على حذر، وتحرُّجٌ على تعظيم" [مدارج السالكين]، وقال ابن مسكويه: "وأما الورع فهو لزوم الأعمال الجميلة التي فيها كمال النفس". [تهذيب الأخلاق]، وقال سفيان: "عليك بالورع يخفف الله حسابك، ودع ما يريبك إلى ما لا يريبك، وادفع الشك باليقين يسلم لك دينك". [الورع لابن أبي الدنيا]• نماذج من ورع السابقين
وقد ضرب لنا الصديق رضي الله عنه مثلا في الورع فيما يُدخله الإنسان لجوفه من الطعام، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان لأبي بكر غلام يخرج له الخراج وكان أبو بكر يأكل من خراجه فجاء يوما بشيء فأكل منه أبو بكر فقال له الغلام: أتدري ما هذا؟ فقال أبو بكر: وما هو؟ قال: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية وما أحسن الكهانة إلا أني خدعته فلقيني فأعطاني بذلك فهذا الذي أكلت منه، فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه" [البخاري]، فلم يرضَ أبو بكر رضي الله عنه أن يكون في جوفه شيء حرام حتى أخرجه، مع ما في إخراجه من الكُلْفة، ولكنه ورع الصديقين!
أما الورع في الدماء فقد كان السيد فيه عثمان رضي الله عنه، فقد ضرب أعظم الأمثلة في الورع، فحينما اجتمع عليه الغوغاء عرض عليه الصحابة قتالهم، وكانوا حريصين على الدفاع عن عثمان إلا أنه أمرهم بأن يكفوا أيديهم، وقد كان الخليفة المطاع، حتى أرسل علي رضي الله عنه إليه: إن معي خمسمائة دارع -أي مقاتل- فأذن لي فأمنعك من القوم، فقال: "جزيت خيرا، ما أحب أن يهراق دم بسببي". قال: وأرسل إليه الزبير بن العوام رضي الله عنه بمثلها. فقال: "ما أحب أن يهراق دم في سببي". [تاريخ المدينة]
• الورع في الفتيا!
أما الورع في الفتيا فهي سيمة الصحابة رضي الله عنهم، فقد كانت تعرض عليهم المسائل فيتدافعونها، خوفا من القول على الله بلا علم، قال ابن أبي ليلى: "أدركت في هذا المسجد مائة وعشرين من الصحابة، ما سُئل أحدهم عن حديث ولا استفتي في فتيا إلا ودّ أن صاحبه قد كفاه ذلك، وقال مرة: أدركت ثلاثمائة يسأل أحدهم عن الفتيا أو الحديث فيرد ذلك إلى الآخر ويحيل الآخر على صاحبه وكانوا يتدافعون الفتيا ما بينهم". [قوت القلوب]، بينما يسرع أناس اليوم في الفتيا في مسائل لم يحيطوا بها علما ولا بحثا وما سئلوا عنها، وأمور لو عرضت على عمر لجمع لها أهل بدر.
وعن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإنَّ الصدق طمأنينة، وإنَّ الكذب ريبة) [رواه الترمذي]، قال ابن حجر: "قوله: (يريبك) بفتح أوله ويجوز الضمُّ، يقال: رابه يريبه بالفتح، وأرابه يريبه بالضمِّ ريبة، وهي الشكُّ والتردد، والمعنى إذا شككت في شيء فدعه، وترْك ما يُشَكُّ فيه أصل عظيم في الورع"... قال الخطابي: "كلُّ ما شككت فيه، فالورع اجتنابه" [فتح الباري]
قال أبو الدرداء: "تمام التقوى أن يتقي اللهَ العبدُ، حتى يتقيه من مثقال ذرة، وحتى يترك بعض ما يرى أنه حلال، خشية أن يكون حرامًا، حجابًا بينه وبين الحرام". [الزهد لابن المبارك]
ويمنع الورع التساهل في الفضول كفضول الكلام والأكل والنوم والخلطة، قال سهل بن عبد الله: "من ظن ظن السوء حرم اليقين، ومن تكلم فيما لا يعنيه حرم الصدق، ومن اشتغل بالفضول حرم الورع". [حلية الأولياء]
نسأل الله تعالى أن يعيننا على تقواه في السر والعلن وأن يعيذنا من أنفسنا والهوى والشيطان، فهو ولي ذلك والقادر عليه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 317
الخميس 12 جمادى الأولى 1443 هـ ...المزيد
بسم الله الكبير المتعال مالك الملك ذي الجلال والإكرام، وعلى نبي الهدى والرحمة أفضل الصلاة والسلام، وعلى آله وصحبه ومن استن بسنته إلى يوم الدين، وبعد.
فدِينُ المرء أغلى ما عنده؛ لأنه مقبل على الآخرة بلا شك، ولا ينفع في الآخرة إلا دين الإنسان وعمله، ومن أراد المحافظة على دينه فلابد له من سياج يجعله كالحِمى حتى لا ينخرم دينه فيعجز عن ترقيعه أو تداركه.
ولم يكن السلف من هذه الأمة عظماء في أفعالهم إلا برسوخ دينهم وتقواهم واهتمامهم بأمر الورع الذي يحفظ لهم دينهم، وما مررتَ بسيرة أحدهم إلا وجدتَهم يقولون عنه: "زاهدا وَرِعا"؛ وذلك لأنه خير الدين فكانوا متّصفين به مرغّبين فيه، فعن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفضل الدين الورع، وأفضل العبادة الفقه). [معجم الطبراني]
وقد كانوا رحمهم الله يتعلمون الورع ويتلقّونه من أشياخهم، قال الضحاك بن مزاحم: "كان أولوكم يتعلمون الورع، ويأتي عليكم زمان يتعلم فيه الكلام". [الزهد لابن المبارك]
وهذا الورع هو ثمرة الإيمان كما قال طاوس رحمه الله: "مثل الإيمان كشجرة، فأصلها الشهادة، وساقها وورقها كذا، وثمرها الورع، ولا خير في شجرة لا ثمر لها، ولا خير في إنسان لا ورع له" [السنة للخلال]
وهو أرفع منازل الزهد المانع لصاحبه من الولوج في تخوم المعاصي، والذنوب المهلكات، فالورع "هو اجتناب الشبهات؛ خوفًا من الوقوع في المحرمات" [التعريفات للجرجاني]، وما أحسن قول القرافي في الورع أنه "ترك ما لا بأس به؛ حذرًا مما به البأس" [الفروق]، أما الكفوي فقال: "الورع: الاجتناب عن الشبهات سواء كان تحصيلًا أو غير تحصيل، إذْ قد يفعل المرء فعلًا تورّعًا، وقد يتركه تورّعًا أيضًا، ويستعمل بمعنى التقوى، وهو الكفُّ عن المحرمات القطعية" [الكليات]
وقد يشتبه الورع والزهد ولكن ثمت فرق بينها، قال ابن القيم رحمه الله: "والفرق بينه وبين الورع: أنَّ الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع ترك ما يخشى ضرره في الآخرة" [الفوائد] وهذا أجود ما ذُكر في تبيين الفرق بين الورع والزهد.
فإن علم المرء ذلك، فلا بد له من ترك الشبهات والابتعاد عنها، ويجاهد نفسه على ذلك فهذا دأب المحسنين، عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما: قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الحلال بيِّن، والحرام بيِّن، وبينهما مشبَّهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتَّقى المشبَّهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات كراع يرعى حول الحِمَى يوشك أن يُواقعه، ألا وإنَّ لكلِّ ملك حمى، ألا إنَّ حمى الله في أرضه محارمه، ألا وإنَّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلُّه، و إذا فسدت فسد الجسد كلُّه، ألا وهي القلب) [متفق عليه] قال ابن رجب رحمه الله: "هذا الحديث حديث عظيم؛ وهو أحد الأحاديث التي مدار الدين عليها، وقد قيل: إنَّه ثلث العلم أو ربعه" [فتح الباري]، وقال المناوي: "الوَرِع دائم المراقبة للحقِّ، مستديم الحذر أن يمزج باطلًا بحقٍّ، كما قال الحبر: كان عمر كالطير الحذر، والمراقبة توزن بالمشاهدة، ودوام الحذر يعقب النجاة والظفر" [فيض القدير]
وقال بعضهم: "ويقال: أصل الورع أن يتعاهد المرء قلبه لكي لا يتفكر فيما لا يعنيه، فكلما ذهب قلبه إلى ما لا يعنيه، عالجه حتى يرده إلى ما يعنيه" [تنبيه الغافلين]، وقال سفيان بن عيينة: "لا يصيب عبد حقيقة الإيمان؛ حتى يجعل بينه وبين الحرام حاجزًا من الحلال، وحتى يدع الإثم وما تشابه منه" [فتح الباري]، وقال بعض الصحابة: "كنا ندع سبعين بابًا من الحلال؛ مخافة أن نقع في بابٍ من الحرام" [مدارج السالكين]، وقال الهروي: "الورع توَقٍّ مستقصًى على حذر، وتحرُّجٌ على تعظيم" [مدارج السالكين]، وقال ابن مسكويه: "وأما الورع فهو لزوم الأعمال الجميلة التي فيها كمال النفس". [تهذيب الأخلاق]، وقال سفيان: "عليك بالورع يخفف الله حسابك، ودع ما يريبك إلى ما لا يريبك، وادفع الشك باليقين يسلم لك دينك". [الورع لابن أبي الدنيا]• نماذج من ورع السابقين
وقد ضرب لنا الصديق رضي الله عنه مثلا في الورع فيما يُدخله الإنسان لجوفه من الطعام، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان لأبي بكر غلام يخرج له الخراج وكان أبو بكر يأكل من خراجه فجاء يوما بشيء فأكل منه أبو بكر فقال له الغلام: أتدري ما هذا؟ فقال أبو بكر: وما هو؟ قال: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية وما أحسن الكهانة إلا أني خدعته فلقيني فأعطاني بذلك فهذا الذي أكلت منه، فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه" [البخاري]، فلم يرضَ أبو بكر رضي الله عنه أن يكون في جوفه شيء حرام حتى أخرجه، مع ما في إخراجه من الكُلْفة، ولكنه ورع الصديقين!
أما الورع في الدماء فقد كان السيد فيه عثمان رضي الله عنه، فقد ضرب أعظم الأمثلة في الورع، فحينما اجتمع عليه الغوغاء عرض عليه الصحابة قتالهم، وكانوا حريصين على الدفاع عن عثمان إلا أنه أمرهم بأن يكفوا أيديهم، وقد كان الخليفة المطاع، حتى أرسل علي رضي الله عنه إليه: إن معي خمسمائة دارع -أي مقاتل- فأذن لي فأمنعك من القوم، فقال: "جزيت خيرا، ما أحب أن يهراق دم بسببي". قال: وأرسل إليه الزبير بن العوام رضي الله عنه بمثلها. فقال: "ما أحب أن يهراق دم في سببي". [تاريخ المدينة]
• الورع في الفتيا!
أما الورع في الفتيا فهي سيمة الصحابة رضي الله عنهم، فقد كانت تعرض عليهم المسائل فيتدافعونها، خوفا من القول على الله بلا علم، قال ابن أبي ليلى: "أدركت في هذا المسجد مائة وعشرين من الصحابة، ما سُئل أحدهم عن حديث ولا استفتي في فتيا إلا ودّ أن صاحبه قد كفاه ذلك، وقال مرة: أدركت ثلاثمائة يسأل أحدهم عن الفتيا أو الحديث فيرد ذلك إلى الآخر ويحيل الآخر على صاحبه وكانوا يتدافعون الفتيا ما بينهم". [قوت القلوب]، بينما يسرع أناس اليوم في الفتيا في مسائل لم يحيطوا بها علما ولا بحثا وما سئلوا عنها، وأمور لو عرضت على عمر لجمع لها أهل بدر.
وعن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإنَّ الصدق طمأنينة، وإنَّ الكذب ريبة) [رواه الترمذي]، قال ابن حجر: "قوله: (يريبك) بفتح أوله ويجوز الضمُّ، يقال: رابه يريبه بالفتح، وأرابه يريبه بالضمِّ ريبة، وهي الشكُّ والتردد، والمعنى إذا شككت في شيء فدعه، وترْك ما يُشَكُّ فيه أصل عظيم في الورع"... قال الخطابي: "كلُّ ما شككت فيه، فالورع اجتنابه" [فتح الباري]
قال أبو الدرداء: "تمام التقوى أن يتقي اللهَ العبدُ، حتى يتقيه من مثقال ذرة، وحتى يترك بعض ما يرى أنه حلال، خشية أن يكون حرامًا، حجابًا بينه وبين الحرام". [الزهد لابن المبارك]
ويمنع الورع التساهل في الفضول كفضول الكلام والأكل والنوم والخلطة، قال سهل بن عبد الله: "من ظن ظن السوء حرم اليقين، ومن تكلم فيما لا يعنيه حرم الصدق، ومن اشتغل بالفضول حرم الورع". [حلية الأولياء]
نسأل الله تعالى أن يعيننا على تقواه في السر والعلن وأن يعيذنا من أنفسنا والهوى والشيطان، فهو ولي ذلك والقادر عليه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 317
الخميس 12 جمادى الأولى 1443 هـ ...المزيد
(إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ) ها هي السنة الرابعة تطلّ برأسها علينا منذ أن أعلن التحالف الصليبي ...
(إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ)
ها هي السنة الرابعة تطلّ برأسها علينا منذ أن أعلن التحالف الصليبي زاعمًا متوهّمًا القضاء على الدولة الإسلامية، ورقصَ أذنابُه ومسوخُه فرحًا بهذا النصر المكذوب، ورأينا كيف جاهر أهل الردة والضلالة بأنهم لم ينقموا من الدولة الإسلامية وجنودها سوى إيمانهم بالله العزيز الحميد وحده وتحكيمهم لشريعته بينهم، وظهر ذلك جليًا في أقوالهم وأفعالهم واحتفالاتهم التي عكفت وسائل الإعلام على بثّها لأيام وأسابيع متواصلة عقب انحياز المؤمنين، قال تعالى: {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ}[البروج:8].
وبان لكل منصف عاقل أنّ حنَق أكثر هؤلاء وحقدهم على الدولة الإسلامية كان بسبب أنها فرضت عليهم أحكام الإسلام وتعاليمه السمحة التي تأمرهم بالمعروف وتنهاهم عن المنكر فتمنعهم من ممارسة شهواتهم واتباع أهوائهم، وهذا ما يلاحظه الناظر اليوم في حال المناطق التي انحاز منها المجاهدون وكيف تسلّطت عليها طوائف متناحرة مختلفة الأهداف والمصالح والولاءات، فمِن الروافض وميليشياتهم في العراق، إلى النصيرية وميليشياتهم في الشام، ومِن ملاحدة الأكراد في شرق الشام إلى فصائل وأحزاب الصحوات في غربها، فكيف حال هذه المناطق اليوم؟! لقد فقدت أمنها بعد أن فرّطت بإيمانها! وبات الناس الذين سرّهم دخول جيوش الكفر إلى مناطقهم بعد انحياز المجاهدين عنها، باتوا اليوم يندبون حظهم ويترحمون على أيام حكم الدولة الإسلامية.
حتى ليعلم الناس أنه لا سبيل للنجاة والسعادة في هذه الدنيا إلا باتباع طريق الحق الذي سار عليه مجاهدو الدولة الإسلامية منذ عقدين من الزمان، طريق التوحيد لله تعالى والجهاد في سبيله، فهو السبيل الوحيد الذي تكون فيه كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى، وهو السبيل الوحيد الذي يحفظ حرمات المسلمين وأعراضهم وكرامتهم ويضمن لهم عيشًا كريمًا في ظلال الشريعة، في حين أنّ العيش في ظل المشاريع والرايات الجاهلية والعمية التي ترفعها الحكومات والفصائل المرتدة، لن يجلب للناس سوى فساد الدين والدنيا.
وبذلك يتضح الفرق بين مشروع الدولة الإسلامية الذي استقته من الوحيين -الكتاب والسنة- وبين المشاريع الأخرى التي قاتلت المجاهدين وحاربت حكمهم؛ تارة بزعم "التحرير"! وتارة بذريعة "قتال الخوارج"! وتارة تحت مسمى "القضاء على الإرهاب"... وغيرها من الشعارات التي رفعها المرتدون على اختلاف مسمياتهم وتوجّهاتهم في حربهم ضد دولة الخلافة أعزها الله تعالى.
فماذا فعلت حكومات وفصائل الردة التي استولت على المناطق في العراق والشام وغيرها من ديار الإسلام؟! وماذا قدّمت للناس سوى الفساد العريض والفشل الكبير في كل مجالات الحياة كبيرها وصغيرها؟! وكيف لهؤلاء الدمى والوكلاء الذين دخلوا المناطق تحت غطاء الطيران الصليبي أن يُحسنوا صنعا أو يُصلحوا للناس شأنا؟! بل كيف لمن لا يملك قرار نفسه وجعل أمره بيد غيره أنْ يحكم الناس ويسوسهم؟! والأدهى من ذلك كله أن ينتظر الناس اليوم عيشا آمنا في ظل حكم هؤلاء المشركين بعيدا عن حكم الإسلام، والله تعالى قد قرر في كتابه أنه لا أمن في الدنيا ولا في الآخرة بغير التوحيد والإيمان، فقال جلّ جلاله: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} [الأنعام:82].
فماذا جنى الناس بعد أربع سنوات من غياب حكم الشريعة الإسلامية غير الهوان والضياع، فها هم الرافضة في العراق تحرّكهم إيران المجوسية وتصول وتجول في أروقتهم العسكرية والسياسية للمكر بأهل السنة، والنصيرية في الشام توجهوا إلى روسيا حتى تخرجهم من المأزق فقدّموا لها كل المقدرات والخيرات التي تمتلئ بها بلاد الشام حتى يبقى أحمقهم "رئيسا" وباتت روسيا الصليبية هي الآمر الناهي في مناطقهم تقرّ ما تقرّه وتلغي ما تلغيه، وأما ملاحدة الأكراد فلقد وجد فيهم الصليبيون ضالتهم، وهل هناك أفضل من حزب تستخدمه متى تشاء وتتركه متى تشاء! وتعود له متى تشاء وهو لك شاكر؟!
وأما صحوات الشام من الجيش الوثني ومَن لف لفهم مِن فصائل وهيئات ومجالس وتشكيلات، فهؤلاء ما يزالون يبحثون عن أبٍ ينتسبون إليه، والكل يتبرأ منهم ويأنف أن ينسبهم إليه، ولقد حاولوا بشتى الوسائل أن يُلصقوا أنفسهم بالكثير من الدول والجهات، وقدموا لهم كافة التنازلات واستغنوا عن مسمى الإسلام حتى في الشعارات إرضاءً للداعمين والحكومات، فإذا دعمهم طواغيت قطر وتركيا كانوا "إخوانا حُلقاء"! وإذا دعمهم طواغيت آل سلول أصبحوا "سلفية عوراء" وإذا دعمهم البنتاغون أصبحوا "ديموقراطيين حدثاء" وإذا شاء داعمهم صيّرهم عبدة أصنام وأوثان!ماذا جنى الناس في تلك المناطق التي كانت تُحكم بشرع الله وتم استبدالها بالقوانين الكفرية والدساتير الوثنية التي تتشارك فيها كل الحكومات والهيئات، رافضة كانوا أو ملاحدة أو صحوات؟ ماذا جنى سكان تلك المناطق بعد أن فقدوا نعيم الشريعة وحكمها العدْل الأتمّ الأكمل الذي فيه صلاح دينهم ودنياهم، ماذا جنوا مِن نأيهم عن نصرة الدين وخذلانهم للمجاهدين؟ ماذا جنوا من إيثارهم السلامة وحبهم الدنيا وتقديمهم حفظ النفس على حفظ الدين؛ غير الذلة والهوان فلا هم أصابوا دنيا ولا دينا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
أما جنود الخلافة الذين غمروا وعمروا تلك المناطق والأمصار طوال فترة حكمهم بطاعة ربهم فأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، وأقاموا شرعه؛ فما جنوا إلا كل خير بإذن الله تعالى ومصداقه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عَجَباً لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأحَدٍ إِلَّا للْمُؤْمِن: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خيْراً لَه) [رواه مسلم] بل إن جنود الخلافة ما زالوا -بفضل ربهم- يعمرون مجتمعاتهم الصغيرة بين الحضر والبوادي بالشريعة والطاعة والإيمان؛ إعدادًا وجهادًا في سبيل الله، استعدادًا بإذنه تعالى لإعادة النور إلى تلك المجتمعات الجاهلية الكبيرة التي ما زالت جيوشها ترتعب وتستنفر أيامها ولياليها إنْ لاح طيفُ الأباة القانتين عبر شاشات المراقبة!، فيا قومنا: {اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}، فالأرض لله تعالى وسيورثها عباده المؤمنين، وسيهيّئ الله تعالى لعباده من الأسباب ما يعينهم على ذلك، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 317
الخميس 12 جمادى الأولى 1443 هـ ...المزيد
ها هي السنة الرابعة تطلّ برأسها علينا منذ أن أعلن التحالف الصليبي زاعمًا متوهّمًا القضاء على الدولة الإسلامية، ورقصَ أذنابُه ومسوخُه فرحًا بهذا النصر المكذوب، ورأينا كيف جاهر أهل الردة والضلالة بأنهم لم ينقموا من الدولة الإسلامية وجنودها سوى إيمانهم بالله العزيز الحميد وحده وتحكيمهم لشريعته بينهم، وظهر ذلك جليًا في أقوالهم وأفعالهم واحتفالاتهم التي عكفت وسائل الإعلام على بثّها لأيام وأسابيع متواصلة عقب انحياز المؤمنين، قال تعالى: {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ}[البروج:8].
وبان لكل منصف عاقل أنّ حنَق أكثر هؤلاء وحقدهم على الدولة الإسلامية كان بسبب أنها فرضت عليهم أحكام الإسلام وتعاليمه السمحة التي تأمرهم بالمعروف وتنهاهم عن المنكر فتمنعهم من ممارسة شهواتهم واتباع أهوائهم، وهذا ما يلاحظه الناظر اليوم في حال المناطق التي انحاز منها المجاهدون وكيف تسلّطت عليها طوائف متناحرة مختلفة الأهداف والمصالح والولاءات، فمِن الروافض وميليشياتهم في العراق، إلى النصيرية وميليشياتهم في الشام، ومِن ملاحدة الأكراد في شرق الشام إلى فصائل وأحزاب الصحوات في غربها، فكيف حال هذه المناطق اليوم؟! لقد فقدت أمنها بعد أن فرّطت بإيمانها! وبات الناس الذين سرّهم دخول جيوش الكفر إلى مناطقهم بعد انحياز المجاهدين عنها، باتوا اليوم يندبون حظهم ويترحمون على أيام حكم الدولة الإسلامية.
حتى ليعلم الناس أنه لا سبيل للنجاة والسعادة في هذه الدنيا إلا باتباع طريق الحق الذي سار عليه مجاهدو الدولة الإسلامية منذ عقدين من الزمان، طريق التوحيد لله تعالى والجهاد في سبيله، فهو السبيل الوحيد الذي تكون فيه كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى، وهو السبيل الوحيد الذي يحفظ حرمات المسلمين وأعراضهم وكرامتهم ويضمن لهم عيشًا كريمًا في ظلال الشريعة، في حين أنّ العيش في ظل المشاريع والرايات الجاهلية والعمية التي ترفعها الحكومات والفصائل المرتدة، لن يجلب للناس سوى فساد الدين والدنيا.
وبذلك يتضح الفرق بين مشروع الدولة الإسلامية الذي استقته من الوحيين -الكتاب والسنة- وبين المشاريع الأخرى التي قاتلت المجاهدين وحاربت حكمهم؛ تارة بزعم "التحرير"! وتارة بذريعة "قتال الخوارج"! وتارة تحت مسمى "القضاء على الإرهاب"... وغيرها من الشعارات التي رفعها المرتدون على اختلاف مسمياتهم وتوجّهاتهم في حربهم ضد دولة الخلافة أعزها الله تعالى.
فماذا فعلت حكومات وفصائل الردة التي استولت على المناطق في العراق والشام وغيرها من ديار الإسلام؟! وماذا قدّمت للناس سوى الفساد العريض والفشل الكبير في كل مجالات الحياة كبيرها وصغيرها؟! وكيف لهؤلاء الدمى والوكلاء الذين دخلوا المناطق تحت غطاء الطيران الصليبي أن يُحسنوا صنعا أو يُصلحوا للناس شأنا؟! بل كيف لمن لا يملك قرار نفسه وجعل أمره بيد غيره أنْ يحكم الناس ويسوسهم؟! والأدهى من ذلك كله أن ينتظر الناس اليوم عيشا آمنا في ظل حكم هؤلاء المشركين بعيدا عن حكم الإسلام، والله تعالى قد قرر في كتابه أنه لا أمن في الدنيا ولا في الآخرة بغير التوحيد والإيمان، فقال جلّ جلاله: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} [الأنعام:82].
فماذا جنى الناس بعد أربع سنوات من غياب حكم الشريعة الإسلامية غير الهوان والضياع، فها هم الرافضة في العراق تحرّكهم إيران المجوسية وتصول وتجول في أروقتهم العسكرية والسياسية للمكر بأهل السنة، والنصيرية في الشام توجهوا إلى روسيا حتى تخرجهم من المأزق فقدّموا لها كل المقدرات والخيرات التي تمتلئ بها بلاد الشام حتى يبقى أحمقهم "رئيسا" وباتت روسيا الصليبية هي الآمر الناهي في مناطقهم تقرّ ما تقرّه وتلغي ما تلغيه، وأما ملاحدة الأكراد فلقد وجد فيهم الصليبيون ضالتهم، وهل هناك أفضل من حزب تستخدمه متى تشاء وتتركه متى تشاء! وتعود له متى تشاء وهو لك شاكر؟!
وأما صحوات الشام من الجيش الوثني ومَن لف لفهم مِن فصائل وهيئات ومجالس وتشكيلات، فهؤلاء ما يزالون يبحثون عن أبٍ ينتسبون إليه، والكل يتبرأ منهم ويأنف أن ينسبهم إليه، ولقد حاولوا بشتى الوسائل أن يُلصقوا أنفسهم بالكثير من الدول والجهات، وقدموا لهم كافة التنازلات واستغنوا عن مسمى الإسلام حتى في الشعارات إرضاءً للداعمين والحكومات، فإذا دعمهم طواغيت قطر وتركيا كانوا "إخوانا حُلقاء"! وإذا دعمهم طواغيت آل سلول أصبحوا "سلفية عوراء" وإذا دعمهم البنتاغون أصبحوا "ديموقراطيين حدثاء" وإذا شاء داعمهم صيّرهم عبدة أصنام وأوثان!ماذا جنى الناس في تلك المناطق التي كانت تُحكم بشرع الله وتم استبدالها بالقوانين الكفرية والدساتير الوثنية التي تتشارك فيها كل الحكومات والهيئات، رافضة كانوا أو ملاحدة أو صحوات؟ ماذا جنى سكان تلك المناطق بعد أن فقدوا نعيم الشريعة وحكمها العدْل الأتمّ الأكمل الذي فيه صلاح دينهم ودنياهم، ماذا جنوا مِن نأيهم عن نصرة الدين وخذلانهم للمجاهدين؟ ماذا جنوا من إيثارهم السلامة وحبهم الدنيا وتقديمهم حفظ النفس على حفظ الدين؛ غير الذلة والهوان فلا هم أصابوا دنيا ولا دينا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
أما جنود الخلافة الذين غمروا وعمروا تلك المناطق والأمصار طوال فترة حكمهم بطاعة ربهم فأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، وأقاموا شرعه؛ فما جنوا إلا كل خير بإذن الله تعالى ومصداقه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عَجَباً لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأحَدٍ إِلَّا للْمُؤْمِن: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خيْراً لَه) [رواه مسلم] بل إن جنود الخلافة ما زالوا -بفضل ربهم- يعمرون مجتمعاتهم الصغيرة بين الحضر والبوادي بالشريعة والطاعة والإيمان؛ إعدادًا وجهادًا في سبيل الله، استعدادًا بإذنه تعالى لإعادة النور إلى تلك المجتمعات الجاهلية الكبيرة التي ما زالت جيوشها ترتعب وتستنفر أيامها ولياليها إنْ لاح طيفُ الأباة القانتين عبر شاشات المراقبة!، فيا قومنا: {اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}، فالأرض لله تعالى وسيورثها عباده المؤمنين، وسيهيّئ الله تعالى لعباده من الأسباب ما يعينهم على ذلك، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 317
الخميس 12 جمادى الأولى 1443 هـ ...المزيد
عقوبات المعرضين عن ذكر رب العالمين الحمد لله منْزل الذكر المبين والصلاة والسلام على نبينا ...
عقوبات المعرضين عن ذكر رب العالمين
الحمد لله منْزل الذكر المبين والصلاة والسلام على نبينا محمد إمام المرسلين وقدوة الذاكرين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.
فكما أن ذكر الله مجزيٌ به الإنسان أحسن الجزاء وصاحبه محاطٌ بحفظ الله وعنايته وتوفيقه؛ فإن المعرض عن الذكر مُتَوَعَّدٌ بما يسوؤه مِن حال في الدنيا ومآل في الآخرة؛ لِكبيرِ ما اقترفه مِن عملٍ إذْ أنه ينسى الله الذي خلقه وسوّاه وأعطاه، ويُعرض عن أمره ونهيه وكلامه وذكره وشكره، فجوزي بجنس عمله؛ أنْ ينساه ربُّه ولا يبالي به في أي واد هلك؛ {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} [التوبة: 67]، ومَن نسيه الله حرمه خشيتَه والقرب منه سبحانه الله وغيرها من المقامات السامية، غير أن مِن القلوب من لا تعي ذلك لموتها "وما لجرح بميت إيام"، وليس أحد يعصي الله عز وجل إلا ناله من العقوبة بحسب معصيته.
وقد خصَّ اللهُ أهل الإعراض عن ذكره بعقوبات عديدة هي بمثابة الوخز للغافلين فينتبهوا، وبمقام السياط للمعرضين لينزجروا، وأشد التهديد ما كان مِن ملك الملوك وقاهرها ومذلّها ومميتها سبحانه، فتهديده -عزَّ شأنه- صدْق ووعيده حتْم، إلا أن يعفوَ فإنه عفوٌ حميد.
وحتى تحذر أخي المسلم من الانجرار إلى طريق المعرضين أو التشبّه بهم أو السقوط في هاويتهم، فيندقّ عنق قلبك فتموت وأنت حيٌ!؛ إليك بعض ما ذَكَرَه الله عزّ وجل من عقوبات أولئك المعرضين عن الذكر:
العقوبة الأولى
الانتقام، قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ} [السجدة: 22]، فذكر سبحانه وتعالى أنّ من أعرض عن ذكر الله وآياته -بعد أن يُذكّر بها- أنه أشد الناس ظلما؛ لأنه لم يضع لقلبه ما يصلح له وهو ذكر الله والانتفاع به، ثم سمّاه الله مجرما فقال: {إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ}، ثم توعده بالانتقام بقوله: {مُنْتَقِمُونَ}، قال الإمام ابن كثير رحمه الله: "أي: لا أظلم ممن ذكّره الله بآياته وبيّنها له ووضّحها، ثم بعد ذلك تركها وجحدها وأعرض عنها وتناساها، كأنه لا يعرفها. قال قتادة رحمه الله: إياكم والإعراض عن ذكر الله، فإن من أعرض عن ذكره فقد اغتر أكبر الغرة، وأعوز أشد العوَز، وعظم من أعظم الذنوب. ولهذا قال تعالى متهددا لمن فعل ذلك: {إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ} أي: سأنتقم ممن فعل ذلك أشد الانتقام" [التفسير].
وإن هذا وعيد شديد لو تأمله العاقل، فإن ضعفاء المخلوقين لو انتقموا مِن خصمهم لفتكوا به، فكيف إذًا يكون انتقام القوي العزيز ذي البطش الشديد الفعال لما يريد!، قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} [إبراهيم: 47]، وما أفلتَ مَن انتقم الله منه، وأولى الناس دخولا في هذا الوعيد من دُعي لتحكيم الذكر الحكيم "القرآن" فأعرض وحكم في الناس بما لم يأذن به الله من خزعبلات الكافرين وأهواء الغاوين فأولئكم سينتقم الله منهم في الدنيا والآخرة.
العقوبة الثانية
الوزر، وهو الإثم والذنب العظيم يناله المعرض عن ذكر الله قال تعالى: {وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَّدُنَّا ذِكْرًا * مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا} [طه: 99 - 100]، قال ابن كثير: "وهذا عام في كل من بلغه القرآن من العرب والعجم، أهل الكتاب وغيرهم، كما قال تعالى: {لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ}، فكل من بلغه القرآن فهو نذير له وداع، فمن اتبعه هدي، ومن خالفه وأعرض عنه ضل وشقي في الدنيا، والنار موعده يوم القيامة؛ ولهذا قال: {مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا * خَالِدِينَ فِيهِ} أي: لا محيد لهم عنه ولا انفكاك {وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا} أي: بئس الحمل حملهم" [التفسير].
العقوبة الثالثة
الشقاء، شقاء الحال والمآل، قال تعالى: {مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ} [طه: 2]، فالقرآن نزل بالسعادة في الدارين ومن أخذ به ولزم طريقه لن يشقى، كما قال قتادة: "لا والله ما جعله شقاء، ولكن جعله رحمة ونورا، ودليلا إلى الجنة". [تفسير ابن كثير]، ومفهوم ذلك أنّ مَن أعرض عنه وكان منه بعيدا فهو في شقاء دائم.
ومن الشقاء ضيق العيش والضنك والنكد، قال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} [طه: 124]، "عن ابن عباس رضي الله عنهما، قوله: {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} يقول: الشقاء، وقال مجاهد وقتادة: ضيّقة" [تفسير الطبري].فهذا وعيد للمعرض عن ذكر الله بسوء الحال في العيش وهذا يصيبه وإن كان يعيش بكل أدوات الترف! ولو كان أشد الناس زهوا؛ وذلك أن السعادة والشقاوة في القلب لا في الجسد والمظاهر، وهذا العقاب بيّن لكل من ترك ذكر الله والقرآن فلن يكون مطمئنَّ القلب -وإن وجد ذلك مدة-، وما أكثر ما يُسمع من بعض الناس قولهم: "أنا ضائق"، "أنا غير مرتاح" ونحو هذا، ولو فتّش هو عن نفسه لوجد عنده هجرا للقرآن أو بُعدا عن الذكر أو إعراضا عن ذلك كله واسترسالا في المعاصي.
ثم في الآخرة يُحشر المُعرِض أعمى، جزاءَ عماه عن الحق في الدنيا وعدم اكتراثه به، وذلك إمعانا في إبعاده يوم القيامة، قال تعالى: {وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَىٰ} [طه: 124 - 126]
العقوبة الرابعة
تسليط الشياطين عليه، قال تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} [الزخرف: 36]، قال ابن جرير: "ومن يعرض عن ذكر الله فلم يَخَفْ سطوته، ولم يخشَ عقابه {نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} يقول: نجعل له شيطانا يغويه فهو له قرين: يقول: فهو للشيطان قرين، أي يصير كذلك" [التفسير]، فمن أعرض عن ذكر الله سلّط اللهُ عليه الشياطين فأضلته وزادته ضلالا إلى ضلاله، وزيّنت له أنه على خير، وإسلام الله عبدَه للشيطان هو من العقوبات الشديدة التي يُعاقَب بها العبد؛ لأن الشيطان عدوّه كما قال سبحانه: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ} [فاطر: 6]، وليس شيء أشد على العاقل مِن أن يُسلّم لعدوه الذي يريد إيذاءه، بل حتى غير العاقل من المخلوقات فهي أكره ما تراه وأخوف شيء عندها هو عدوها الذي يفترسها وينهشها ويأكلها، وابن آدم كذلك إن تسلّط عليه عدوه "الشيطان" سيهلكه، وهذا من فقه أبي الأنبياء إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين قال لأبيه: {يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا} [مريم: 45]، فإبراهيم عليه السلام يحذّر أباه من غضب الله فيعاقبه فيجعله وليا للشيطان وتابعا له؛ لأن ولاية الشيطان له نقمة تقوده إلى عذاب أشد وخسارة فادحة يوم القيامة، فمن كان الشيطان وليه فهو الخاسر، قال تعالى: {أُولَٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [المجادلة: 19]، ومثل هذا قوله تعالى: {وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} [فصلت: 25]، فالقرناء من الشياطين تزين الباطل فيهلك المرء في معاصي الله، ثم تتبرأ منه، ومن هنا يُعلم أن مِن ثواب الله للعبد أن يرزقه الصحبة الصالحة التي تدله على الخير وتحثّه عليه، ومِن عقاب الله للعبد أن يحرمه الصحبة الصالحة فتتلقفه شياطين الإنس والجن.
نسأل الله أن يجنّبنا الإعراض عن ذكره وشكره، ويحفظ لنا ديننا ويجعلنا من أهل طاعته، والحمد لله رب العالمين.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 316
الخميس 5 جمادى الأولى 1443 هـ ...المزيد
الحمد لله منْزل الذكر المبين والصلاة والسلام على نبينا محمد إمام المرسلين وقدوة الذاكرين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.
فكما أن ذكر الله مجزيٌ به الإنسان أحسن الجزاء وصاحبه محاطٌ بحفظ الله وعنايته وتوفيقه؛ فإن المعرض عن الذكر مُتَوَعَّدٌ بما يسوؤه مِن حال في الدنيا ومآل في الآخرة؛ لِكبيرِ ما اقترفه مِن عملٍ إذْ أنه ينسى الله الذي خلقه وسوّاه وأعطاه، ويُعرض عن أمره ونهيه وكلامه وذكره وشكره، فجوزي بجنس عمله؛ أنْ ينساه ربُّه ولا يبالي به في أي واد هلك؛ {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} [التوبة: 67]، ومَن نسيه الله حرمه خشيتَه والقرب منه سبحانه الله وغيرها من المقامات السامية، غير أن مِن القلوب من لا تعي ذلك لموتها "وما لجرح بميت إيام"، وليس أحد يعصي الله عز وجل إلا ناله من العقوبة بحسب معصيته.
وقد خصَّ اللهُ أهل الإعراض عن ذكره بعقوبات عديدة هي بمثابة الوخز للغافلين فينتبهوا، وبمقام السياط للمعرضين لينزجروا، وأشد التهديد ما كان مِن ملك الملوك وقاهرها ومذلّها ومميتها سبحانه، فتهديده -عزَّ شأنه- صدْق ووعيده حتْم، إلا أن يعفوَ فإنه عفوٌ حميد.
وحتى تحذر أخي المسلم من الانجرار إلى طريق المعرضين أو التشبّه بهم أو السقوط في هاويتهم، فيندقّ عنق قلبك فتموت وأنت حيٌ!؛ إليك بعض ما ذَكَرَه الله عزّ وجل من عقوبات أولئك المعرضين عن الذكر:
العقوبة الأولى
الانتقام، قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ} [السجدة: 22]، فذكر سبحانه وتعالى أنّ من أعرض عن ذكر الله وآياته -بعد أن يُذكّر بها- أنه أشد الناس ظلما؛ لأنه لم يضع لقلبه ما يصلح له وهو ذكر الله والانتفاع به، ثم سمّاه الله مجرما فقال: {إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ}، ثم توعده بالانتقام بقوله: {مُنْتَقِمُونَ}، قال الإمام ابن كثير رحمه الله: "أي: لا أظلم ممن ذكّره الله بآياته وبيّنها له ووضّحها، ثم بعد ذلك تركها وجحدها وأعرض عنها وتناساها، كأنه لا يعرفها. قال قتادة رحمه الله: إياكم والإعراض عن ذكر الله، فإن من أعرض عن ذكره فقد اغتر أكبر الغرة، وأعوز أشد العوَز، وعظم من أعظم الذنوب. ولهذا قال تعالى متهددا لمن فعل ذلك: {إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ} أي: سأنتقم ممن فعل ذلك أشد الانتقام" [التفسير].
وإن هذا وعيد شديد لو تأمله العاقل، فإن ضعفاء المخلوقين لو انتقموا مِن خصمهم لفتكوا به، فكيف إذًا يكون انتقام القوي العزيز ذي البطش الشديد الفعال لما يريد!، قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} [إبراهيم: 47]، وما أفلتَ مَن انتقم الله منه، وأولى الناس دخولا في هذا الوعيد من دُعي لتحكيم الذكر الحكيم "القرآن" فأعرض وحكم في الناس بما لم يأذن به الله من خزعبلات الكافرين وأهواء الغاوين فأولئكم سينتقم الله منهم في الدنيا والآخرة.
العقوبة الثانية
الوزر، وهو الإثم والذنب العظيم يناله المعرض عن ذكر الله قال تعالى: {وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَّدُنَّا ذِكْرًا * مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا} [طه: 99 - 100]، قال ابن كثير: "وهذا عام في كل من بلغه القرآن من العرب والعجم، أهل الكتاب وغيرهم، كما قال تعالى: {لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ}، فكل من بلغه القرآن فهو نذير له وداع، فمن اتبعه هدي، ومن خالفه وأعرض عنه ضل وشقي في الدنيا، والنار موعده يوم القيامة؛ ولهذا قال: {مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا * خَالِدِينَ فِيهِ} أي: لا محيد لهم عنه ولا انفكاك {وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا} أي: بئس الحمل حملهم" [التفسير].
العقوبة الثالثة
الشقاء، شقاء الحال والمآل، قال تعالى: {مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ} [طه: 2]، فالقرآن نزل بالسعادة في الدارين ومن أخذ به ولزم طريقه لن يشقى، كما قال قتادة: "لا والله ما جعله شقاء، ولكن جعله رحمة ونورا، ودليلا إلى الجنة". [تفسير ابن كثير]، ومفهوم ذلك أنّ مَن أعرض عنه وكان منه بعيدا فهو في شقاء دائم.
ومن الشقاء ضيق العيش والضنك والنكد، قال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} [طه: 124]، "عن ابن عباس رضي الله عنهما، قوله: {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} يقول: الشقاء، وقال مجاهد وقتادة: ضيّقة" [تفسير الطبري].فهذا وعيد للمعرض عن ذكر الله بسوء الحال في العيش وهذا يصيبه وإن كان يعيش بكل أدوات الترف! ولو كان أشد الناس زهوا؛ وذلك أن السعادة والشقاوة في القلب لا في الجسد والمظاهر، وهذا العقاب بيّن لكل من ترك ذكر الله والقرآن فلن يكون مطمئنَّ القلب -وإن وجد ذلك مدة-، وما أكثر ما يُسمع من بعض الناس قولهم: "أنا ضائق"، "أنا غير مرتاح" ونحو هذا، ولو فتّش هو عن نفسه لوجد عنده هجرا للقرآن أو بُعدا عن الذكر أو إعراضا عن ذلك كله واسترسالا في المعاصي.
ثم في الآخرة يُحشر المُعرِض أعمى، جزاءَ عماه عن الحق في الدنيا وعدم اكتراثه به، وذلك إمعانا في إبعاده يوم القيامة، قال تعالى: {وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَىٰ} [طه: 124 - 126]
العقوبة الرابعة
تسليط الشياطين عليه، قال تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} [الزخرف: 36]، قال ابن جرير: "ومن يعرض عن ذكر الله فلم يَخَفْ سطوته، ولم يخشَ عقابه {نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} يقول: نجعل له شيطانا يغويه فهو له قرين: يقول: فهو للشيطان قرين، أي يصير كذلك" [التفسير]، فمن أعرض عن ذكر الله سلّط اللهُ عليه الشياطين فأضلته وزادته ضلالا إلى ضلاله، وزيّنت له أنه على خير، وإسلام الله عبدَه للشيطان هو من العقوبات الشديدة التي يُعاقَب بها العبد؛ لأن الشيطان عدوّه كما قال سبحانه: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ} [فاطر: 6]، وليس شيء أشد على العاقل مِن أن يُسلّم لعدوه الذي يريد إيذاءه، بل حتى غير العاقل من المخلوقات فهي أكره ما تراه وأخوف شيء عندها هو عدوها الذي يفترسها وينهشها ويأكلها، وابن آدم كذلك إن تسلّط عليه عدوه "الشيطان" سيهلكه، وهذا من فقه أبي الأنبياء إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين قال لأبيه: {يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا} [مريم: 45]، فإبراهيم عليه السلام يحذّر أباه من غضب الله فيعاقبه فيجعله وليا للشيطان وتابعا له؛ لأن ولاية الشيطان له نقمة تقوده إلى عذاب أشد وخسارة فادحة يوم القيامة، فمن كان الشيطان وليه فهو الخاسر، قال تعالى: {أُولَٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [المجادلة: 19]، ومثل هذا قوله تعالى: {وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} [فصلت: 25]، فالقرناء من الشياطين تزين الباطل فيهلك المرء في معاصي الله، ثم تتبرأ منه، ومن هنا يُعلم أن مِن ثواب الله للعبد أن يرزقه الصحبة الصالحة التي تدله على الخير وتحثّه عليه، ومِن عقاب الله للعبد أن يحرمه الصحبة الصالحة فتتلقفه شياطين الإنس والجن.
نسأل الله أن يجنّبنا الإعراض عن ذكره وشكره، ويحفظ لنا ديننا ويجعلنا من أهل طاعته، والحمد لله رب العالمين.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 316
الخميس 5 جمادى الأولى 1443 هـ ...المزيد
يتم الآن تحديث اوقات الصلاة ...
00:00:00
يتبقى على
14
رجب
1447
| الفجر 00:00 | الظهر 00:00 | العصر 00:00 | المغرب 00:00 | العشاء 00:00 |