(إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ) ها هي السنة الرابعة تطلّ برأسها علينا منذ أن أعلن التحالف الصليبي ...

(إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ)
ها هي السنة الرابعة تطلّ برأسها علينا منذ أن أعلن التحالف الصليبي زاعمًا متوهّمًا القضاء على الدولة الإسلامية، ورقصَ أذنابُه ومسوخُه فرحًا بهذا النصر المكذوب، ورأينا كيف جاهر أهل الردة والضلالة بأنهم لم ينقموا من الدولة الإسلامية وجنودها سوى إيمانهم بالله العزيز الحميد وحده وتحكيمهم لشريعته بينهم، وظهر ذلك جليًا في أقوالهم وأفعالهم واحتفالاتهم التي عكفت وسائل الإعلام على بثّها لأيام وأسابيع متواصلة عقب انحياز المؤمنين، قال تعالى: {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ}[البروج:8].

وبان لكل منصف عاقل أنّ حنَق أكثر هؤلاء وحقدهم على الدولة الإسلامية كان بسبب أنها فرضت عليهم أحكام الإسلام وتعاليمه السمحة التي تأمرهم بالمعروف وتنهاهم عن المنكر فتمنعهم من ممارسة شهواتهم واتباع أهوائهم، وهذا ما يلاحظه الناظر اليوم في حال المناطق التي انحاز منها المجاهدون وكيف تسلّطت عليها طوائف متناحرة مختلفة الأهداف والمصالح والولاءات، فمِن الروافض وميليشياتهم في العراق، إلى النصيرية وميليشياتهم في الشام، ومِن ملاحدة الأكراد في شرق الشام إلى فصائل وأحزاب الصحوات في غربها، فكيف حال هذه المناطق اليوم؟! لقد فقدت أمنها بعد أن فرّطت بإيمانها! وبات الناس الذين سرّهم دخول جيوش الكفر إلى مناطقهم بعد انحياز المجاهدين عنها، باتوا اليوم يندبون حظهم ويترحمون على أيام حكم الدولة الإسلامية.

حتى ليعلم الناس أنه لا سبيل للنجاة والسعادة في هذه الدنيا إلا باتباع طريق الحق الذي سار عليه مجاهدو الدولة الإسلامية منذ عقدين من الزمان، طريق التوحيد لله تعالى والجهاد في سبيله، فهو السبيل الوحيد الذي تكون فيه كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى، وهو السبيل الوحيد الذي يحفظ حرمات المسلمين وأعراضهم وكرامتهم ويضمن لهم عيشًا كريمًا في ظلال الشريعة، في حين أنّ العيش في ظل المشاريع والرايات الجاهلية والعمية التي ترفعها الحكومات والفصائل المرتدة، لن يجلب للناس سوى فساد الدين والدنيا.

وبذلك يتضح الفرق بين مشروع الدولة الإسلامية الذي استقته من الوحيين -الكتاب والسنة- وبين المشاريع الأخرى التي قاتلت المجاهدين وحاربت حكمهم؛ تارة بزعم "التحرير"! وتارة بذريعة "قتال الخوارج"! وتارة تحت مسمى "القضاء على الإرهاب"... وغيرها من الشعارات التي رفعها المرتدون على اختلاف مسمياتهم وتوجّهاتهم في حربهم ضد دولة الخلافة أعزها الله تعالى.

فماذا فعلت حكومات وفصائل الردة التي استولت على المناطق في العراق والشام وغيرها من ديار الإسلام؟! وماذا قدّمت للناس سوى الفساد العريض والفشل الكبير في كل مجالات الحياة كبيرها وصغيرها؟! وكيف لهؤلاء الدمى والوكلاء الذين دخلوا المناطق تحت غطاء الطيران الصليبي أن يُحسنوا صنعا أو يُصلحوا للناس شأنا؟! بل كيف لمن لا يملك قرار نفسه وجعل أمره بيد غيره أنْ يحكم الناس ويسوسهم؟! والأدهى من ذلك كله أن ينتظر الناس اليوم عيشا آمنا في ظل حكم هؤلاء المشركين بعيدا عن حكم الإسلام، والله تعالى قد قرر في كتابه أنه لا أمن في الدنيا ولا في الآخرة بغير التوحيد والإيمان، فقال جلّ جلاله: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} [الأنعام:82].

فماذا جنى الناس بعد أربع سنوات من غياب حكم الشريعة الإسلامية غير الهوان والضياع، فها هم الرافضة في العراق تحرّكهم إيران المجوسية وتصول وتجول في أروقتهم العسكرية والسياسية للمكر بأهل السنة، والنصيرية في الشام توجهوا إلى روسيا حتى تخرجهم من المأزق فقدّموا لها كل المقدرات والخيرات التي تمتلئ بها بلاد الشام حتى يبقى أحمقهم "رئيسا" وباتت روسيا الصليبية هي الآمر الناهي في مناطقهم تقرّ ما تقرّه وتلغي ما تلغيه، وأما ملاحدة الأكراد فلقد وجد فيهم الصليبيون ضالتهم، وهل هناك أفضل من حزب تستخدمه متى تشاء وتتركه متى تشاء! وتعود له متى تشاء وهو لك شاكر؟!

وأما صحوات الشام من الجيش الوثني ومَن لف لفهم مِن فصائل وهيئات ومجالس وتشكيلات، فهؤلاء ما يزالون يبحثون عن أبٍ ينتسبون إليه، والكل يتبرأ منهم ويأنف أن ينسبهم إليه، ولقد حاولوا بشتى الوسائل أن يُلصقوا أنفسهم بالكثير من الدول والجهات، وقدموا لهم كافة التنازلات واستغنوا عن مسمى الإسلام حتى في الشعارات إرضاءً للداعمين والحكومات، فإذا دعمهم طواغيت قطر وتركيا كانوا "إخوانا حُلقاء"! وإذا دعمهم طواغيت آل سلول أصبحوا "سلفية عوراء" وإذا دعمهم البنتاغون أصبحوا "ديموقراطيين حدثاء" وإذا شاء داعمهم صيّرهم عبدة أصنام وأوثان!

ماذا جنى الناس في تلك المناطق التي كانت تُحكم بشرع الله وتم استبدالها بالقوانين الكفرية والدساتير الوثنية التي تتشارك فيها كل الحكومات والهيئات، رافضة كانوا أو ملاحدة أو صحوات؟ ماذا جنى سكان تلك المناطق بعد أن فقدوا نعيم الشريعة وحكمها العدْل الأتمّ الأكمل الذي فيه صلاح دينهم ودنياهم، ماذا جنوا مِن نأيهم عن نصرة الدين وخذلانهم للمجاهدين؟ ماذا جنوا من إيثارهم السلامة وحبهم الدنيا وتقديمهم حفظ النفس على حفظ الدين؛ غير الذلة والهوان فلا هم أصابوا دنيا ولا دينا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

أما جنود الخلافة الذين غمروا وعمروا تلك المناطق والأمصار طوال فترة حكمهم بطاعة ربهم فأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، وأقاموا شرعه؛ فما جنوا إلا كل خير بإذن الله تعالى ومصداقه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عَجَباً لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأحَدٍ إِلَّا للْمُؤْمِن: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خيْراً لَه) [رواه مسلم] بل إن جنود الخلافة ما زالوا -بفضل ربهم- يعمرون مجتمعاتهم الصغيرة بين الحضر والبوادي بالشريعة والطاعة والإيمان؛ إعدادًا وجهادًا في سبيل الله، استعدادًا بإذنه تعالى لإعادة النور إلى تلك المجتمعات الجاهلية الكبيرة التي ما زالت جيوشها ترتعب وتستنفر أيامها ولياليها إنْ لاح طيفُ الأباة القانتين عبر شاشات المراقبة!، فيا قومنا: {اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}، فالأرض لله تعالى وسيورثها عباده المؤمنين، وسيهيّئ الله تعالى لعباده من الأسباب ما يعينهم على ذلك، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 317
الخميس 12 جمادى الأولى 1443 هـ
...المزيد

الدولة الإسلامية / عَلى أبواب الملاحِم المكتب الإعلامي ولاية الشام - الخير يقدم الإصدار ...

الدولة الإسلامية / عَلى أبواب الملاحِم



المكتب الإعلامي ولاية الشام - الخير يقدم
الإصدار المرئي: عَلى أبواب الملاحِم


"إصدار مميز يوضح نزول الروم بدابق في حرب صريحة للإسلام وأهله ويبيّن حقيقة الصحوات وكذبهم بتطبيق شرع الله، وجانبا من صولات عباد الرحمن واستخدام الطائرات المسيرة في الحرب"



لمشاهدة الإصدار قم بنسخ الرابط التالي وضعه في محرك البحث:
https://pomf2.lain.la/f/rk7p9npj.mp4


أو بالتواصل معنا على منصة التيليجرام:
@WMC11AR
...المزيد

الدولة الإسلامية / عَلى أبواب الملاحِم المكتب الإعلامي ولاية الشام - الخير يقدم الإصدار ...

الدولة الإسلامية / عَلى أبواب الملاحِم



المكتب الإعلامي ولاية الشام - الخير يقدم
الإصدار المرئي: عَلى أبواب الملاحِم


"إصدار مميز يوضح نزول الروم بدابق في حرب صريحة للإسلام وأهله ويبيّن حقيقة الصحوات وكذبهم بتطبيق شرع الله، وجانبا من صولات عباد الرحمن واستخدام الطائرات المسيرة في الحرب"



لمشاهدة الإصدار قم بنسخ الرابط التالي وضعه في محرك البحث:
https://pomf2.lain.la/f/rk7p9npj.mp4


أو بالتواصل معنا على منصة التيليجرام:
@WMC11AR
...المزيد

عقوبات المعرضين عن ذكر رب العالمين الحمد لله منْزل الذكر المبين والصلاة والسلام على نبينا ...

عقوبات المعرضين عن ذكر رب العالمين


الحمد لله منْزل الذكر المبين والصلاة والسلام على نبينا محمد إمام المرسلين وقدوة الذاكرين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

فكما أن ذكر الله مجزيٌ به الإنسان أحسن الجزاء وصاحبه محاطٌ بحفظ الله وعنايته وتوفيقه؛ فإن المعرض عن الذكر مُتَوَعَّدٌ بما يسوؤه مِن حال في الدنيا ومآل في الآخرة؛ لِكبيرِ ما اقترفه مِن عملٍ إذْ أنه ينسى الله الذي خلقه وسوّاه وأعطاه، ويُعرض عن أمره ونهيه وكلامه وذكره وشكره، فجوزي بجنس عمله؛ أنْ ينساه ربُّه ولا يبالي به في أي واد هلك؛ {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} [التوبة: 67]، ومَن نسيه الله حرمه خشيتَه والقرب منه سبحانه الله وغيرها من المقامات السامية، غير أن مِن القلوب من لا تعي ذلك لموتها "وما لجرح بميت إيام"، وليس أحد يعصي الله عز وجل إلا ناله من العقوبة بحسب معصيته.

وقد خصَّ اللهُ أهل الإعراض عن ذكره بعقوبات عديدة هي بمثابة الوخز للغافلين فينتبهوا، وبمقام السياط للمعرضين لينزجروا، وأشد التهديد ما كان مِن ملك الملوك وقاهرها ومذلّها ومميتها سبحانه، فتهديده -عزَّ شأنه- صدْق ووعيده حتْم، إلا أن يعفوَ فإنه عفوٌ حميد.

وحتى تحذر أخي المسلم من الانجرار إلى طريق المعرضين أو التشبّه بهم أو السقوط في هاويتهم، فيندقّ عنق قلبك فتموت وأنت حيٌ!؛ إليك بعض ما ذَكَرَه الله عزّ وجل من عقوبات أولئك المعرضين عن الذكر:

العقوبة الأولى

الانتقام، قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ} [السجدة: 22]، فذكر سبحانه وتعالى أنّ من أعرض عن ذكر الله وآياته -بعد أن يُذكّر بها- أنه أشد الناس ظلما؛ لأنه لم يضع لقلبه ما يصلح له وهو ذكر الله والانتفاع به، ثم سمّاه الله مجرما فقال: {إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ}، ثم توعده بالانتقام بقوله: {مُنْتَقِمُونَ}، قال الإمام ابن كثير رحمه الله: "أي: لا أظلم ممن ذكّره الله بآياته وبيّنها له ووضّحها، ثم بعد ذلك تركها وجحدها وأعرض عنها وتناساها، كأنه لا يعرفها. قال قتادة رحمه الله: إياكم والإعراض عن ذكر الله، فإن من أعرض عن ذكره فقد اغتر أكبر الغرة، وأعوز أشد العوَز، وعظم من أعظم الذنوب. ولهذا قال تعالى متهددا لمن فعل ذلك: {إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ} أي: سأنتقم ممن فعل ذلك أشد الانتقام" [التفسير].

وإن هذا وعيد شديد لو تأمله العاقل، فإن ضعفاء المخلوقين لو انتقموا مِن خصمهم لفتكوا به، فكيف إذًا يكون انتقام القوي العزيز ذي البطش الشديد الفعال لما يريد!، قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} [إبراهيم: 47]، وما أفلتَ مَن انتقم الله منه، وأولى الناس دخولا في هذا الوعيد من دُعي لتحكيم الذكر الحكيم "القرآن" فأعرض وحكم في الناس بما لم يأذن به الله من خزعبلات الكافرين وأهواء الغاوين فأولئكم سينتقم الله منهم في الدنيا والآخرة.

العقوبة الثانية

الوزر، وهو الإثم والذنب العظيم يناله المعرض عن ذكر الله قال تعالى: {وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَّدُنَّا ذِكْرًا * مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا} [طه: 99 - 100]، قال ابن كثير: "وهذا عام في كل من بلغه القرآن من العرب والعجم، أهل الكتاب وغيرهم، كما قال تعالى: {لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ}، فكل من بلغه القرآن فهو نذير له وداع، فمن اتبعه هدي، ومن خالفه وأعرض عنه ضل وشقي في الدنيا، والنار موعده يوم القيامة؛ ولهذا قال: {مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا * خَالِدِينَ فِيهِ} أي: لا محيد لهم عنه ولا انفكاك {وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا} أي: بئس الحمل حملهم" [التفسير].

العقوبة الثالثة

الشقاء، شقاء الحال والمآل، قال تعالى: {مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ} [طه: 2]، فالقرآن نزل بالسعادة في الدارين ومن أخذ به ولزم طريقه لن يشقى، كما قال قتادة: "لا والله ما جعله شقاء، ولكن جعله رحمة ونورا، ودليلا إلى الجنة". [تفسير ابن كثير]، ومفهوم ذلك أنّ مَن أعرض عنه وكان منه بعيدا فهو في شقاء دائم.

ومن الشقاء ضيق العيش والضنك والنكد، قال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} [طه: 124]، "عن ابن عباس رضي الله عنهما، قوله: {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} يقول: الشقاء، وقال مجاهد وقتادة: ضيّقة" [تفسير الطبري].

فهذا وعيد للمعرض عن ذكر الله بسوء الحال في العيش وهذا يصيبه وإن كان يعيش بكل أدوات الترف! ولو كان أشد الناس زهوا؛ وذلك أن السعادة والشقاوة في القلب لا في الجسد والمظاهر، وهذا العقاب بيّن لكل من ترك ذكر الله والقرآن فلن يكون مطمئنَّ القلب -وإن وجد ذلك مدة-، وما أكثر ما يُسمع من بعض الناس قولهم: "أنا ضائق"، "أنا غير مرتاح" ونحو هذا، ولو فتّش هو عن نفسه لوجد عنده هجرا للقرآن أو بُعدا عن الذكر أو إعراضا عن ذلك كله واسترسالا في المعاصي.

ثم في الآخرة يُحشر المُعرِض أعمى، جزاءَ عماه عن الحق في الدنيا وعدم اكتراثه به، وذلك إمعانا في إبعاده يوم القيامة، قال تعالى: {وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَىٰ} [طه: 124 - 126]

العقوبة الرابعة

تسليط الشياطين عليه، قال تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} [الزخرف: 36]، قال ابن جرير: "ومن يعرض عن ذكر الله فلم يَخَفْ سطوته، ولم يخشَ عقابه {نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} يقول: نجعل له شيطانا يغويه فهو له قرين: يقول: فهو للشيطان قرين، أي يصير كذلك" [التفسير]، فمن أعرض عن ذكر الله سلّط اللهُ عليه الشياطين فأضلته وزادته ضلالا إلى ضلاله، وزيّنت له أنه على خير، وإسلام الله عبدَه للشيطان هو من العقوبات الشديدة التي يُعاقَب بها العبد؛ لأن الشيطان عدوّه كما قال سبحانه: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ} [فاطر: 6]، وليس شيء أشد على العاقل مِن أن يُسلّم لعدوه الذي يريد إيذاءه، بل حتى غير العاقل من المخلوقات فهي أكره ما تراه وأخوف شيء عندها هو عدوها الذي يفترسها وينهشها ويأكلها، وابن آدم كذلك إن تسلّط عليه عدوه "الشيطان" سيهلكه، وهذا من فقه أبي الأنبياء إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين قال لأبيه: {يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا} [مريم: 45]، فإبراهيم عليه السلام يحذّر أباه من غضب الله فيعاقبه فيجعله وليا للشيطان وتابعا له؛ لأن ولاية الشيطان له نقمة تقوده إلى عذاب أشد وخسارة فادحة يوم القيامة، فمن كان الشيطان وليه فهو الخاسر، قال تعالى: {أُولَٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [المجادلة: 19]، ومثل هذا قوله تعالى: {وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} [فصلت: 25]، فالقرناء من الشياطين تزين الباطل فيهلك المرء في معاصي الله، ثم تتبرأ منه، ومن هنا يُعلم أن مِن ثواب الله للعبد أن يرزقه الصحبة الصالحة التي تدله على الخير وتحثّه عليه، ومِن عقاب الله للعبد أن يحرمه الصحبة الصالحة فتتلقفه شياطين الإنس والجن.

نسأل الله أن يجنّبنا الإعراض عن ذكره وشكره، ويحفظ لنا ديننا ويجعلنا من أهل طاعته، والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 316
الخميس 5 جمادى الأولى 1443 هـ
...المزيد

عقوبات المعرضين عن ذكر رب العالمين الحمد لله منْزل الذكر المبين والصلاة والسلام على نبينا ...

عقوبات المعرضين عن ذكر رب العالمين


الحمد لله منْزل الذكر المبين والصلاة والسلام على نبينا محمد إمام المرسلين وقدوة الذاكرين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

فكما أن ذكر الله مجزيٌ به الإنسان أحسن الجزاء وصاحبه محاطٌ بحفظ الله وعنايته وتوفيقه؛ فإن المعرض عن الذكر مُتَوَعَّدٌ بما يسوؤه مِن حال في الدنيا ومآل في الآخرة؛ لِكبيرِ ما اقترفه مِن عملٍ إذْ أنه ينسى الله الذي خلقه وسوّاه وأعطاه، ويُعرض عن أمره ونهيه وكلامه وذكره وشكره، فجوزي بجنس عمله؛ أنْ ينساه ربُّه ولا يبالي به في أي واد هلك؛ {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} [التوبة: 67]، ومَن نسيه الله حرمه خشيتَه والقرب منه سبحانه الله وغيرها من المقامات السامية، غير أن مِن القلوب من لا تعي ذلك لموتها "وما لجرح بميت إيام"، وليس أحد يعصي الله عز وجل إلا ناله من العقوبة بحسب معصيته.

وقد خصَّ اللهُ أهل الإعراض عن ذكره بعقوبات عديدة هي بمثابة الوخز للغافلين فينتبهوا، وبمقام السياط للمعرضين لينزجروا، وأشد التهديد ما كان مِن ملك الملوك وقاهرها ومذلّها ومميتها سبحانه، فتهديده -عزَّ شأنه- صدْق ووعيده حتْم، إلا أن يعفوَ فإنه عفوٌ حميد.

وحتى تحذر أخي المسلم من الانجرار إلى طريق المعرضين أو التشبّه بهم أو السقوط في هاويتهم، فيندقّ عنق قلبك فتموت وأنت حيٌ!؛ إليك بعض ما ذَكَرَه الله عزّ وجل من عقوبات أولئك المعرضين عن الذكر:

العقوبة الأولى

الانتقام، قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ} [السجدة: 22]، فذكر سبحانه وتعالى أنّ من أعرض عن ذكر الله وآياته -بعد أن يُذكّر بها- أنه أشد الناس ظلما؛ لأنه لم يضع لقلبه ما يصلح له وهو ذكر الله والانتفاع به، ثم سمّاه الله مجرما فقال: {إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ}، ثم توعده بالانتقام بقوله: {مُنْتَقِمُونَ}، قال الإمام ابن كثير رحمه الله: "أي: لا أظلم ممن ذكّره الله بآياته وبيّنها له ووضّحها، ثم بعد ذلك تركها وجحدها وأعرض عنها وتناساها، كأنه لا يعرفها. قال قتادة رحمه الله: إياكم والإعراض عن ذكر الله، فإن من أعرض عن ذكره فقد اغتر أكبر الغرة، وأعوز أشد العوَز، وعظم من أعظم الذنوب. ولهذا قال تعالى متهددا لمن فعل ذلك: {إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ} أي: سأنتقم ممن فعل ذلك أشد الانتقام" [التفسير].

وإن هذا وعيد شديد لو تأمله العاقل، فإن ضعفاء المخلوقين لو انتقموا مِن خصمهم لفتكوا به، فكيف إذًا يكون انتقام القوي العزيز ذي البطش الشديد الفعال لما يريد!، قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} [إبراهيم: 47]، وما أفلتَ مَن انتقم الله منه، وأولى الناس دخولا في هذا الوعيد من دُعي لتحكيم الذكر الحكيم "القرآن" فأعرض وحكم في الناس بما لم يأذن به الله من خزعبلات الكافرين وأهواء الغاوين فأولئكم سينتقم الله منهم في الدنيا والآخرة.

العقوبة الثانية

الوزر، وهو الإثم والذنب العظيم يناله المعرض عن ذكر الله قال تعالى: {وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَّدُنَّا ذِكْرًا * مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا} [طه: 99 - 100]، قال ابن كثير: "وهذا عام في كل من بلغه القرآن من العرب والعجم، أهل الكتاب وغيرهم، كما قال تعالى: {لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ}، فكل من بلغه القرآن فهو نذير له وداع، فمن اتبعه هدي، ومن خالفه وأعرض عنه ضل وشقي في الدنيا، والنار موعده يوم القيامة؛ ولهذا قال: {مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا * خَالِدِينَ فِيهِ} أي: لا محيد لهم عنه ولا انفكاك {وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا} أي: بئس الحمل حملهم" [التفسير].

العقوبة الثالثة

الشقاء، شقاء الحال والمآل، قال تعالى: {مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ} [طه: 2]، فالقرآن نزل بالسعادة في الدارين ومن أخذ به ولزم طريقه لن يشقى، كما قال قتادة: "لا والله ما جعله شقاء، ولكن جعله رحمة ونورا، ودليلا إلى الجنة". [تفسير ابن كثير]، ومفهوم ذلك أنّ مَن أعرض عنه وكان منه بعيدا فهو في شقاء دائم.

ومن الشقاء ضيق العيش والضنك والنكد، قال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} [طه: 124]، "عن ابن عباس رضي الله عنهما، قوله: {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} يقول: الشقاء، وقال مجاهد وقتادة: ضيّقة" [تفسير الطبري].

فهذا وعيد للمعرض عن ذكر الله بسوء الحال في العيش وهذا يصيبه وإن كان يعيش بكل أدوات الترف! ولو كان أشد الناس زهوا؛ وذلك أن السعادة والشقاوة في القلب لا في الجسد والمظاهر، وهذا العقاب بيّن لكل من ترك ذكر الله والقرآن فلن يكون مطمئنَّ القلب -وإن وجد ذلك مدة-، وما أكثر ما يُسمع من بعض الناس قولهم: "أنا ضائق"، "أنا غير مرتاح" ونحو هذا، ولو فتّش هو عن نفسه لوجد عنده هجرا للقرآن أو بُعدا عن الذكر أو إعراضا عن ذلك كله واسترسالا في المعاصي.

ثم في الآخرة يُحشر المُعرِض أعمى، جزاءَ عماه عن الحق في الدنيا وعدم اكتراثه به، وذلك إمعانا في إبعاده يوم القيامة، قال تعالى: {وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَىٰ} [طه: 124 - 126]

العقوبة الرابعة

تسليط الشياطين عليه، قال تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} [الزخرف: 36]، قال ابن جرير: "ومن يعرض عن ذكر الله فلم يَخَفْ سطوته، ولم يخشَ عقابه {نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} يقول: نجعل له شيطانا يغويه فهو له قرين: يقول: فهو للشيطان قرين، أي يصير كذلك" [التفسير]، فمن أعرض عن ذكر الله سلّط اللهُ عليه الشياطين فأضلته وزادته ضلالا إلى ضلاله، وزيّنت له أنه على خير، وإسلام الله عبدَه للشيطان هو من العقوبات الشديدة التي يُعاقَب بها العبد؛ لأن الشيطان عدوّه كما قال سبحانه: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ} [فاطر: 6]، وليس شيء أشد على العاقل مِن أن يُسلّم لعدوه الذي يريد إيذاءه، بل حتى غير العاقل من المخلوقات فهي أكره ما تراه وأخوف شيء عندها هو عدوها الذي يفترسها وينهشها ويأكلها، وابن آدم كذلك إن تسلّط عليه عدوه "الشيطان" سيهلكه، وهذا من فقه أبي الأنبياء إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين قال لأبيه: {يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا} [مريم: 45]، فإبراهيم عليه السلام يحذّر أباه من غضب الله فيعاقبه فيجعله وليا للشيطان وتابعا له؛ لأن ولاية الشيطان له نقمة تقوده إلى عذاب أشد وخسارة فادحة يوم القيامة، فمن كان الشيطان وليه فهو الخاسر، قال تعالى: {أُولَٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [المجادلة: 19]، ومثل هذا قوله تعالى: {وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} [فصلت: 25]، فالقرناء من الشياطين تزين الباطل فيهلك المرء في معاصي الله، ثم تتبرأ منه، ومن هنا يُعلم أن مِن ثواب الله للعبد أن يرزقه الصحبة الصالحة التي تدله على الخير وتحثّه عليه، ومِن عقاب الله للعبد أن يحرمه الصحبة الصالحة فتتلقفه شياطين الإنس والجن.

نسأل الله أن يجنّبنا الإعراض عن ذكره وشكره، ويحفظ لنا ديننا ويجعلنا من أهل طاعته، والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 316
الخميس 5 جمادى الأولى 1443 هـ
...المزيد

تحذير من حضور أعياد المشركين مؤسسة التقوى المناصرة للدولة الإسلامية تقدم: الإصدار ...

تحذير من حضور أعياد المشركين



مؤسسة التقوى المناصرة للدولة الإسلامية
تقدم:

الإصدار المرئي: [ تحذير من حضور أعياد المشركين ]


لمشاهدة الإصدار قم بنسخ الرابط التالي وضعه في محرك البحث:
https://pomf2.lain.la/f/03tlwhv3.mp4


أو بالتواصل معنا على منصة التيليجرام:
@WMC11AR
...المزيد

تحذير من حضور أعياد المشركين مؤسسة التقوى المناصرة للدولة الإسلامية تقدم: الإصدار ...

تحذير من حضور أعياد المشركين



مؤسسة التقوى المناصرة للدولة الإسلامية
تقدم:

الإصدار المرئي: [ تحذير من حضور أعياد المشركين ]


لمشاهدة الإصدار قم بنسخ الرابط التالي وضعه في محرك البحث:
https://pomf2.lain.la/f/03tlwhv3.mp4


أو بالتواصل معنا على منصة التيليجرام:
@WMC11AR
...المزيد

إنها الوعود.. ولها بقية! عندما أقدم عبدة الشيطان "الإيزيديون" على قتل مسلمة واحدة ونكّلوا ...

إنها الوعود.. ولها بقية!


عندما أقدم عبدة الشيطان "الإيزيديون" على قتل مسلمة واحدة ونكّلوا بجثتها بعد إعلان إسلامها، توعّدهم قادة الدولة الإسلامية يومها بوعيد أنفذوه بعد مرور نحو سبعة أعوام على الجريمة، فنكّلوا بالطائفة الإيزيدية الكافرة وأبادوا رجالها وسبوا ذراريها وحكموا فيهم بحكم الله تعالى، ولمّا ينتهِ عقابهم بعد! ولعذاب الآخرة أشد.

الشاهد فيما جرى أن الدولة الإسلامية عندما تصدر تهديدا أو وعيدا لجهة أو طائفة ما من طوائف الكفر والردة، فإنها تُمضي -بعون الله- وعدها ووعيدها ولو بعد حين، ويتواصى جنودها وقادتها جيلًا بعد جيل بإمضاء هذه الوعود متوكلين على الله تعالى مستعينين به سبحانه متبرئين من حولهم وقوتهم إلى حوله وقوته تبارك وتعالى.

ولقد أنفذت الدولة الإسلامية كثيرا من وعودها بالكفرة والمرتدين، كما رأينا في يوم "سبايكر" في العراق وكيف أجروا دماء الرافضة أنهارا فوق الأنهار، وكما رأينا في ملاحم "الفرقة 17 وفوج الميلبية" في الشام وكيف فتك المجاهدون بالمئات من جنود الجيش النصيري وشرّدوا بهم من خلفهم... إلى غيرها من الغزوات والوقائع التي أمضى فيها جنود الدولة الإسلامية وعودهم وعهودهم التي أخذوها على أنفسهم امتثالا لأمر الله تعالى: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ} واستجابة لقوله سبحانه: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ}، ونجاة من وعيده سبحانه: {إِلَّا تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا}، وشفاء لصدور المؤمنين وثأرا لدمائهم وأعراضهم وحرماتهم.

وكان من أحدث فصول إمضاء الوعود سلسلة الهجمات الموفقة التي ضربت تمركزات البيشمركة المرتدين في فترة زمنية قصيرة في محاور عديدة داخل مناطقهم المحصنة والتي زعموا إحكام السيطرة عليها، ورأى العالم بأسره قادة البيشمركة المرتدين وجنودهم وهم يبكون قتلاهم الذين سقطوا في الهجمات المباركة، والتي ظنوا طويلا أنهم بمنأى عنها، فخابت ظنونهم وتجددت مآسيهم وذاقوا بعضا مما أذاقوه للمسلمين.

ومع أن هذه الهجمات ليست الأولى التي تستهدف البيشمركة حيث سبقها هجمات أخرى، إلا أنها كانت أشدّها عليهم لأسباب عديدة منها؛ تتابع الهجمات وتكرارها زمانا ومكانا، وارتفاع حصيلة القتلى إلى حد أجبر حكومة البيشمركة وناطقيهم على الاعتراف بأكثر خسائرهم ولم يكونوا قادرين على التستر عليها كما جرت العادة، إضافة إلى توقيت الهجمات التي جاءت متزامنة مع "الأزمة الشاملة" التي تعصف بكل "الفرقاء السياسيين" في العراق على اختلاف مكوناتهم -بلا استثناء- ما يُهدد بانفلات الأوضاع من بين أيديهم.

ومن زاوية أخرى فإن المجاهدين الذين توهّم البيشمركة المرتدون القضاء عليهم، هم أنفسهم اليوم الذين يصولون عليهم ويشقون الطريق نحو ثكناتهم ليقتلوهم فيها ويشفوا صدور المؤمنين منهم، وإن في اقتحام تحصينات العدو ما لا يخفى من الأثر الكبير الذي تخلفه هذه الهجمات الجريئة التي تضرب الروح المعنوية لجنود العدو وهم يرون الأسود يقتحمون عليهم غير آبهين بهم ولا بترسانتهم العسكرية وتحصيناتهم الأمنية التي كلفتهم كثيرا من الأموال وأشرف عليها اليهود والصليبيون طوال السنوات الماضية، واليوم لم تغنِ عنهم من بأس الله تعالى شيئا، ولن تغني أيضا عن أسيادهم الذين يقفون خلفهم، وإن غدا لناظره لقريب.

إنّ على كل طوائف الكفر والردة التي تورطت وشاركت بشكل مباشر أو غير مباشر في الحرب ضد الدولة الإسلامية ورعاياها، وبأي صورة كانت بالعمل أو القول أو التأييد -والمؤيِّد كالفاعل-؛ أن تعلم أن المجاهدين قد عقدوا الخناصر وتعاهدوا على الثأر لدماء المسلمين وأعراضهم مِن كل مَن سولت له نفسه الاعتداء عليهم، ليس في العراق والشام فحسب، بل في كل مكان حارب فيه المرتدون دولة الإسلام وحكم الإسلام الذي نقموه منها ولأجله حاربوها، وفي ذلك قال الشيخ أبو الحسن المهاجر -رحمه الله-: "فلا يظننَّ وضيع جبان أن يدا له امتدت على المجاهدين وأعراضهم سينعم بها، فقسما بمن أجرى السحاب وبنى السبع الشداد، وشتت عند الفتح جموع الكافرين في كل واد، لتقطعن يداهُ ورجلاه، ولتسلبن روح حواها جسده، ولينبذن جيفة في رمسه، فما ضعفنا وما جبنا! نحن أحفاد الصديق وابن الوليد، ولنحيين سنته في كل من ارتد وناصب المسلمين العِداء".

فكل من ناصب المسلمين العداء سيُمضي جنود الخلافة وعودهم فيه ويثأرون منه وسيصلون إليه عاجلا أم آجلا في ثكنته أو موقعه أو مقر عمله أو في عقر بيته، فما لهؤلاء المرتدين وأعوانهم سوى التوبة وبغيرها فالوعود ماضية وأصحابها ماضون في طريقهم بإذن الله تعالى.

ويحسن بنا في هذا المقام أن نتوجه بالوصية والتذكير إلى المناصرين وأولياء المجاهدين في كل مكان، أن ينسبوا الفضل في التوفيق إلى الله تعالى وحده، فبه سبحانه التوفيق ومنه المدد، فعلى المناصرين أن يُعينوا إخوانهم بذلك ويخفضوا جناح الإخبات والخضوع لربهم سبحانه ويعلّموا المسلمين ذلك، فإن المجاهدين ما اقتحموا موقعا ولا أصابوا من عدو نيلا إلا بحسن التوكل على الله تعالى وحسن الظن به واليقين بموعوده سبحانه، وإفراغ القلب من كل العلائق والعوائق التي تصرفه عن تمام التوكل واليقين، فضعوا ذلك نصب أعينكم وتواصوا به وتعاهدوا به أنفسكم وإخوانكم.

ونختم بما ابتدأنا به فنقول وبالله التوفيق: إن جنود الإسلام البررة الذين ثأروا لمقتل مسلمة واحدة وشرّدوا قتلتها الكافرين وجعلوهم أحاديث وأداموا مآتمهم إلى اليوم، قادرون بإذن الله تعالى على تكرار ذلك في كل من حارب الإسلام والمسلمين، إنها الوعود.. ولها بقيّة بإذن الله تعالى، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون، والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 316
الخميس 5 جمادى الأولى 1443 هـ
...المزيد

إنها الوعود.. ولها بقية! عندما أقدم عبدة الشيطان "الإيزيديون" على قتل مسلمة واحدة ونكّلوا ...

إنها الوعود.. ولها بقية!


عندما أقدم عبدة الشيطان "الإيزيديون" على قتل مسلمة واحدة ونكّلوا بجثتها بعد إعلان إسلامها، توعّدهم قادة الدولة الإسلامية يومها بوعيد أنفذوه بعد مرور نحو سبعة أعوام على الجريمة، فنكّلوا بالطائفة الإيزيدية الكافرة وأبادوا رجالها وسبوا ذراريها وحكموا فيهم بحكم الله تعالى، ولمّا ينتهِ عقابهم بعد! ولعذاب الآخرة أشد.

الشاهد فيما جرى أن الدولة الإسلامية عندما تصدر تهديدا أو وعيدا لجهة أو طائفة ما من طوائف الكفر والردة، فإنها تُمضي -بعون الله- وعدها ووعيدها ولو بعد حين، ويتواصى جنودها وقادتها جيلًا بعد جيل بإمضاء هذه الوعود متوكلين على الله تعالى مستعينين به سبحانه متبرئين من حولهم وقوتهم إلى حوله وقوته تبارك وتعالى.

ولقد أنفذت الدولة الإسلامية كثيرا من وعودها بالكفرة والمرتدين، كما رأينا في يوم "سبايكر" في العراق وكيف أجروا دماء الرافضة أنهارا فوق الأنهار، وكما رأينا في ملاحم "الفرقة 17 وفوج الميلبية" في الشام وكيف فتك المجاهدون بالمئات من جنود الجيش النصيري وشرّدوا بهم من خلفهم... إلى غيرها من الغزوات والوقائع التي أمضى فيها جنود الدولة الإسلامية وعودهم وعهودهم التي أخذوها على أنفسهم امتثالا لأمر الله تعالى: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ} واستجابة لقوله سبحانه: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ}، ونجاة من وعيده سبحانه: {إِلَّا تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا}، وشفاء لصدور المؤمنين وثأرا لدمائهم وأعراضهم وحرماتهم.

وكان من أحدث فصول إمضاء الوعود سلسلة الهجمات الموفقة التي ضربت تمركزات البيشمركة المرتدين في فترة زمنية قصيرة في محاور عديدة داخل مناطقهم المحصنة والتي زعموا إحكام السيطرة عليها، ورأى العالم بأسره قادة البيشمركة المرتدين وجنودهم وهم يبكون قتلاهم الذين سقطوا في الهجمات المباركة، والتي ظنوا طويلا أنهم بمنأى عنها، فخابت ظنونهم وتجددت مآسيهم وذاقوا بعضا مما أذاقوه للمسلمين.

ومع أن هذه الهجمات ليست الأولى التي تستهدف البيشمركة حيث سبقها هجمات أخرى، إلا أنها كانت أشدّها عليهم لأسباب عديدة منها؛ تتابع الهجمات وتكرارها زمانا ومكانا، وارتفاع حصيلة القتلى إلى حد أجبر حكومة البيشمركة وناطقيهم على الاعتراف بأكثر خسائرهم ولم يكونوا قادرين على التستر عليها كما جرت العادة، إضافة إلى توقيت الهجمات التي جاءت متزامنة مع "الأزمة الشاملة" التي تعصف بكل "الفرقاء السياسيين" في العراق على اختلاف مكوناتهم -بلا استثناء- ما يُهدد بانفلات الأوضاع من بين أيديهم.

ومن زاوية أخرى فإن المجاهدين الذين توهّم البيشمركة المرتدون القضاء عليهم، هم أنفسهم اليوم الذين يصولون عليهم ويشقون الطريق نحو ثكناتهم ليقتلوهم فيها ويشفوا صدور المؤمنين منهم، وإن في اقتحام تحصينات العدو ما لا يخفى من الأثر الكبير الذي تخلفه هذه الهجمات الجريئة التي تضرب الروح المعنوية لجنود العدو وهم يرون الأسود يقتحمون عليهم غير آبهين بهم ولا بترسانتهم العسكرية وتحصيناتهم الأمنية التي كلفتهم كثيرا من الأموال وأشرف عليها اليهود والصليبيون طوال السنوات الماضية، واليوم لم تغنِ عنهم من بأس الله تعالى شيئا، ولن تغني أيضا عن أسيادهم الذين يقفون خلفهم، وإن غدا لناظره لقريب.

إنّ على كل طوائف الكفر والردة التي تورطت وشاركت بشكل مباشر أو غير مباشر في الحرب ضد الدولة الإسلامية ورعاياها، وبأي صورة كانت بالعمل أو القول أو التأييد -والمؤيِّد كالفاعل-؛ أن تعلم أن المجاهدين قد عقدوا الخناصر وتعاهدوا على الثأر لدماء المسلمين وأعراضهم مِن كل مَن سولت له نفسه الاعتداء عليهم، ليس في العراق والشام فحسب، بل في كل مكان حارب فيه المرتدون دولة الإسلام وحكم الإسلام الذي نقموه منها ولأجله حاربوها، وفي ذلك قال الشيخ أبو الحسن المهاجر -رحمه الله-: "فلا يظننَّ وضيع جبان أن يدا له امتدت على المجاهدين وأعراضهم سينعم بها، فقسما بمن أجرى السحاب وبنى السبع الشداد، وشتت عند الفتح جموع الكافرين في كل واد، لتقطعن يداهُ ورجلاه، ولتسلبن روح حواها جسده، ولينبذن جيفة في رمسه، فما ضعفنا وما جبنا! نحن أحفاد الصديق وابن الوليد، ولنحيين سنته في كل من ارتد وناصب المسلمين العِداء".

فكل من ناصب المسلمين العداء سيُمضي جنود الخلافة وعودهم فيه ويثأرون منه وسيصلون إليه عاجلا أم آجلا في ثكنته أو موقعه أو مقر عمله أو في عقر بيته، فما لهؤلاء المرتدين وأعوانهم سوى التوبة وبغيرها فالوعود ماضية وأصحابها ماضون في طريقهم بإذن الله تعالى.

ويحسن بنا في هذا المقام أن نتوجه بالوصية والتذكير إلى المناصرين وأولياء المجاهدين في كل مكان، أن ينسبوا الفضل في التوفيق إلى الله تعالى وحده، فبه سبحانه التوفيق ومنه المدد، فعلى المناصرين أن يُعينوا إخوانهم بذلك ويخفضوا جناح الإخبات والخضوع لربهم سبحانه ويعلّموا المسلمين ذلك، فإن المجاهدين ما اقتحموا موقعا ولا أصابوا من عدو نيلا إلا بحسن التوكل على الله تعالى وحسن الظن به واليقين بموعوده سبحانه، وإفراغ القلب من كل العلائق والعوائق التي تصرفه عن تمام التوكل واليقين، فضعوا ذلك نصب أعينكم وتواصوا به وتعاهدوا به أنفسكم وإخوانكم.

ونختم بما ابتدأنا به فنقول وبالله التوفيق: إن جنود الإسلام البررة الذين ثأروا لمقتل مسلمة واحدة وشرّدوا قتلتها الكافرين وجعلوهم أحاديث وأداموا مآتمهم إلى اليوم، قادرون بإذن الله تعالى على تكرار ذلك في كل من حارب الإسلام والمسلمين، إنها الوعود.. ولها بقيّة بإذن الله تعالى، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون، والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 316
الخميس 5 جمادى الأولى 1443 هـ
...المزيد

قصة شهيد - أبو رواحة الأنصاري -تقبله الله- أبو رواحة الأنصاري -تقبله الله تعالى- من فرسان ...

قصة شهيد - أبو رواحة الأنصاري -تقبله الله-



أبو رواحة الأنصاري -تقبله الله تعالى-
من فرسان الخلافة بوسط سيناء

يواصل جنود الخلافة في سائر ولايات الدولة الإسلامية جهادهم رغم كل الأخطار والصعاب والمكائد التي تحيط بهم من كل جانب، بعد أن ذاقوا حلاوة الإيمان بالله تعالى ولذة البذل في سبيله سبحانه، وهل هناك أغلى مِن الروح يبذلها المرء قربانًا لله تعالى حتى يُعبد وحده ويُكفر بما سواه... قصتنا اليوم عن أحد فرسان الخلافة من وسط سيناء والذين هداهم الله تعالى إلى سبيل الرشاد فلزموه حتى فارقوا الدنيا عليه، نحسبهم والله حسيبهم.


• هدايته متأثرا بدعوة المجاهدين

إنه الأخ أبو رواحة الأنصاري -تقبله الله- من قبيلة العزازمة بمنطقة (وادي لصان) وسط سيناء والواقعة تحديدا جنوبي (القصيمة) قرب الحدود الوهمية مع فلسطين.

ولد عام 1413 هـ ونشأ بدايةً كبقية أبناء منطقته مُقبلا على الدنيا وملذاتها، منشغلا بجمع أموالها ومتاعها، حيث تنتشر في تلك المنطقة الحدودية عمليات التهريب عبر الحدود والتي كانت تدرّ أموالا كثيرة على أصحابها وكان يعمل بها أكثر أقرانه.

في حين كان المجاهدون في تلك المنطقة يجتهدون في نشر دعوة التوحيد بين الناس في ظل بيئة ينتشر فيها التصوف والجهل بشكل كبير.

ولقد أثمرت دعوة المجاهدين بفضل الله، حيث هدى الله تعالى أبا رواحة إلى سبيل الرشاد بداية عام 1431 هـ، بعد أن تأثر بنشاط الدعوة والتحريض الذي كان المجاهدون يواظبون عليه في تلك المنطقة والتي كان اليهود يحرصون على بقائها غارقة في وحل الشهوات والفساد.


• مفارقته للمرتدين والمشركين

عرف أبو رواحة -تقبله الله- عقيدة التوحيد فلزمها، وكان خير من استجاب لداعي الإيمان، فترك الدنيا وحطامها وتمسّك بالعروة الوثقى، وامتثل أوامر الكتاب والسنة قولا وعملا، فكان مِن أشد ما يميزه وضوح عقيدة الولاء والبراء لديه، فجهر بالبراءة من المشركين والمرتدين مِن أبناء قبيلته، بل حتى مِن أقرب أصدقائه الذين رافقوه طويلا في دنياه لكنه فارقهم واعتزلهم لما فارقوا دينهم، وأبدى لهم العداوة و البغضاء حتى يؤمنوا بالله وحده، فلم يجامل في ذلك ولم يخطب ودّ أحد بسخط الله تعالى، امتثالا لقوله تعالى: {لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ}[المجادلة: 22]، قال ابن كثير رحمه الله: "لا يوادون المحادّين ولو كانوا مِن الأقربين".


• التحاقه بصفوف المجاهدين

ومع بدايات ظهور النشاط العسكري والميداني للمجاهدين في سيناء خصوصا بعد غزوة (أم الرشراش) الشهيرة ضد اليهود الكافرين وغيرها من الهجمات المباركة، قرر أبو رواحة الالتحاق بصفوف المجاهدين بعد أن أدرك الفرض العيني المتحتم عليه ممثلا بفريضة الجهاد في سبيل الله تعالى، إذ لا سبيل لنصرة الإيمان والتوحيد بغير الجهاد والقتال في سبيل الله تعالى، وكل مَن قاتل بغير عقيدة التوحيد، أو زعم التوحيد بغير عقيدة الجهاد، ضلّ وأضلَّ وحاد عن جادة النجاة والشواهد كثيرة.

وبقي أبو رواحة جنديا في صفوف المجاهدين يرابط على ثغور المسلمين ويعد العدة مع بقية إخوانه على قلة أعدادهم وعددهم وتكالب اليهود والمرتدين عليهم.


• من السابقين إلى بيعة الخلافة

وبعد أن منّ الله تعالى على المسلمين بإعلان الخلافة الإسلامية ودعوتها للمجاهدين في كل مكان للمسارعة للبيعة والاعتصام بالجماعة؛ كان أبو رواحة وإخوانه من السابقين الساعين إلى بيعة الدولة الإسلامية فحسموا مواقفهم مبكّرا وأعلنوا بيعتهم لدولة الخلافة ليتم الإعلان بعدها عن بيعة ولاية سيناء والتحاقها بجماعة المسلمين، فيدخل أبو رواحة مع إخوانه المجاهدين مرحلة جديدة من مراحل الجهاد على منهاج النبوة.


• تدرجه في العمل الجهادي

أما عن مهامه في صفوف المجاهدين، فقد عمل بداية جنديا مقاتلا في جنود الخلافة بولاية سيناء، وبعد أن برز بين إخوانه بنشاطه وهمته أُختير ليكون أميرا لإحدى المجموعات العسكرية بمنطقة جبل (الخرم) بوسط سيناء.

ونظرا لخبرته في دروب المنطقة وواقعها، وقع الاختيار عليه ليكون مسؤولا للمفارز الأمنية التي تنشط في مناطق وسط سيناء ضد الصحوات والجواسيس.

وفي منتصف عام 1439 هـ عندما أعلن الجيش المصري المرتد انطلاق حملته "المجابهة الفاشلة" عاد أبو رواحة للعمل في صفوف المجموعات العسكرية حيث عمل أميرا لإحدى هذه المجموعات في (جبل الحلال)، ولاحقا جرى نقله للعمل مسؤولا عسكريا للمجاهدين في إحدى مناطق (المغارة) وسط سيناء.

وخلال سنوات جهاده أتقن أبو رواحة كثيرا من المهارات العسكرية فلقد أجاد في نصب العبوات والشراك المفخخة لدوريات المرتدين، كما أتقن نصب الكمائن المحكمة للميليشيات المرتدة التي تقاتل اليوم في سبيل الطاغوت نيابة عن الجيش المصري المرتد، ومِن خلفه اليهود الكافرون الذين يُديرون الحرب ضد المجاهدين في سيناء.


• في هجومي (الركيب) و(المنجم)

وقد شارك أبو رواحة تقبله الله تعالى في العديد من الهجمات والغزوات ضد الجيش المصري المرتد وميليشياته، ومنها الهجوم على موقع (الركيب) بمنطقة (المغارة) وسط سيناء في أواخر العام 1441هـ، حيث كان -تقبله الله- أميرا لإحدى المجموعات المشاركة في الهجوم والذي أسفر يومها عن مقتل وإصابة عشرة عناصر من الجيش، وأصيب خلاله أبو رواحة إصابة طفيفة في يده إثر قصف جوي.

كما شارك أبو رواحة تقبله الله في الهجوم على تجمع للميليشيات المرتدة بمنطقة (المنجم) منتصف العام الماضي 1442 هـ والذي خلف سبعة قتلى في صفوفهم.

وكما كان أبو رواحة أسدا مقداما في المعارك ضد المرتدين؛ كان رحيما عطوفا بإخوانه المجاهدين، ليّن العشرة قريبا محبوبا منهم يلقاهم دوما بوجهه البشوش المبتسم، وقد كان مواظبا على قيام الليل يقضي ليله قائما مرتّلا للقرآن الكريم في أرض المناجاة، محافظا على صيام الاثنين والخميس برغم قسوة البيئة الصحراوية الجبلية بوسط سيناء، لكنه زاد المجاهد الذي لا غنى عنه فالصيام والقيام هو دأب المجاهدين وزادهم وحاديهم في الطريق.


• مقتله تقبله الله في الشهداء

وبعد 13 عاما قضاها أبو رواحة على ثغور المسلمين في الرباط والقتال والتعرض لمظان الموت في سبيل الله تعالى لم يستطع خلالها اليهود والمرتدون النيل منه؛ قدّر الله تعالى أن يُقتل في شهر الله (المحرم) لعام 1443 هـ، إثر انفجار وقع أثناء قيامه بتفخيخ أحد الممرات وسط سيناء بغية استهداف دورية للمرتدين، ليقتل تقبله الله ويسيل دمه الزكي في معارك المفاصلة والمجانبة للطواغيت وأوليائهم المرتدين، فنسأله تعالى أن يتقبله في الشهداء وأن يعلي مقامه في عليين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 324
الخميس 2 رجب 1443 هـ
...المزيد

قصة شهيد - أبو رواحة الأنصاري -تقبله الله- أبو رواحة الأنصاري -تقبله الله تعالى- من فرسان ...

قصة شهيد - أبو رواحة الأنصاري -تقبله الله-



أبو رواحة الأنصاري -تقبله الله تعالى-
من فرسان الخلافة بوسط سيناء

يواصل جنود الخلافة في سائر ولايات الدولة الإسلامية جهادهم رغم كل الأخطار والصعاب والمكائد التي تحيط بهم من كل جانب، بعد أن ذاقوا حلاوة الإيمان بالله تعالى ولذة البذل في سبيله سبحانه، وهل هناك أغلى مِن الروح يبذلها المرء قربانًا لله تعالى حتى يُعبد وحده ويُكفر بما سواه... قصتنا اليوم عن أحد فرسان الخلافة من وسط سيناء والذين هداهم الله تعالى إلى سبيل الرشاد فلزموه حتى فارقوا الدنيا عليه، نحسبهم والله حسيبهم.


• هدايته متأثرا بدعوة المجاهدين

إنه الأخ أبو رواحة الأنصاري -تقبله الله- من قبيلة العزازمة بمنطقة (وادي لصان) وسط سيناء والواقعة تحديدا جنوبي (القصيمة) قرب الحدود الوهمية مع فلسطين.

ولد عام 1413 هـ ونشأ بدايةً كبقية أبناء منطقته مُقبلا على الدنيا وملذاتها، منشغلا بجمع أموالها ومتاعها، حيث تنتشر في تلك المنطقة الحدودية عمليات التهريب عبر الحدود والتي كانت تدرّ أموالا كثيرة على أصحابها وكان يعمل بها أكثر أقرانه.

في حين كان المجاهدون في تلك المنطقة يجتهدون في نشر دعوة التوحيد بين الناس في ظل بيئة ينتشر فيها التصوف والجهل بشكل كبير.

ولقد أثمرت دعوة المجاهدين بفضل الله، حيث هدى الله تعالى أبا رواحة إلى سبيل الرشاد بداية عام 1431 هـ، بعد أن تأثر بنشاط الدعوة والتحريض الذي كان المجاهدون يواظبون عليه في تلك المنطقة والتي كان اليهود يحرصون على بقائها غارقة في وحل الشهوات والفساد.


• مفارقته للمرتدين والمشركين

عرف أبو رواحة -تقبله الله- عقيدة التوحيد فلزمها، وكان خير من استجاب لداعي الإيمان، فترك الدنيا وحطامها وتمسّك بالعروة الوثقى، وامتثل أوامر الكتاب والسنة قولا وعملا، فكان مِن أشد ما يميزه وضوح عقيدة الولاء والبراء لديه، فجهر بالبراءة من المشركين والمرتدين مِن أبناء قبيلته، بل حتى مِن أقرب أصدقائه الذين رافقوه طويلا في دنياه لكنه فارقهم واعتزلهم لما فارقوا دينهم، وأبدى لهم العداوة و البغضاء حتى يؤمنوا بالله وحده، فلم يجامل في ذلك ولم يخطب ودّ أحد بسخط الله تعالى، امتثالا لقوله تعالى: {لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ}[المجادلة: 22]، قال ابن كثير رحمه الله: "لا يوادون المحادّين ولو كانوا مِن الأقربين".


• التحاقه بصفوف المجاهدين

ومع بدايات ظهور النشاط العسكري والميداني للمجاهدين في سيناء خصوصا بعد غزوة (أم الرشراش) الشهيرة ضد اليهود الكافرين وغيرها من الهجمات المباركة، قرر أبو رواحة الالتحاق بصفوف المجاهدين بعد أن أدرك الفرض العيني المتحتم عليه ممثلا بفريضة الجهاد في سبيل الله تعالى، إذ لا سبيل لنصرة الإيمان والتوحيد بغير الجهاد والقتال في سبيل الله تعالى، وكل مَن قاتل بغير عقيدة التوحيد، أو زعم التوحيد بغير عقيدة الجهاد، ضلّ وأضلَّ وحاد عن جادة النجاة والشواهد كثيرة.

وبقي أبو رواحة جنديا في صفوف المجاهدين يرابط على ثغور المسلمين ويعد العدة مع بقية إخوانه على قلة أعدادهم وعددهم وتكالب اليهود والمرتدين عليهم.


• من السابقين إلى بيعة الخلافة

وبعد أن منّ الله تعالى على المسلمين بإعلان الخلافة الإسلامية ودعوتها للمجاهدين في كل مكان للمسارعة للبيعة والاعتصام بالجماعة؛ كان أبو رواحة وإخوانه من السابقين الساعين إلى بيعة الدولة الإسلامية فحسموا مواقفهم مبكّرا وأعلنوا بيعتهم لدولة الخلافة ليتم الإعلان بعدها عن بيعة ولاية سيناء والتحاقها بجماعة المسلمين، فيدخل أبو رواحة مع إخوانه المجاهدين مرحلة جديدة من مراحل الجهاد على منهاج النبوة.


• تدرجه في العمل الجهادي

أما عن مهامه في صفوف المجاهدين، فقد عمل بداية جنديا مقاتلا في جنود الخلافة بولاية سيناء، وبعد أن برز بين إخوانه بنشاطه وهمته أُختير ليكون أميرا لإحدى المجموعات العسكرية بمنطقة جبل (الخرم) بوسط سيناء.

ونظرا لخبرته في دروب المنطقة وواقعها، وقع الاختيار عليه ليكون مسؤولا للمفارز الأمنية التي تنشط في مناطق وسط سيناء ضد الصحوات والجواسيس.

وفي منتصف عام 1439 هـ عندما أعلن الجيش المصري المرتد انطلاق حملته "المجابهة الفاشلة" عاد أبو رواحة للعمل في صفوف المجموعات العسكرية حيث عمل أميرا لإحدى هذه المجموعات في (جبل الحلال)، ولاحقا جرى نقله للعمل مسؤولا عسكريا للمجاهدين في إحدى مناطق (المغارة) وسط سيناء.

وخلال سنوات جهاده أتقن أبو رواحة كثيرا من المهارات العسكرية فلقد أجاد في نصب العبوات والشراك المفخخة لدوريات المرتدين، كما أتقن نصب الكمائن المحكمة للميليشيات المرتدة التي تقاتل اليوم في سبيل الطاغوت نيابة عن الجيش المصري المرتد، ومِن خلفه اليهود الكافرون الذين يُديرون الحرب ضد المجاهدين في سيناء.


• في هجومي (الركيب) و(المنجم)

وقد شارك أبو رواحة تقبله الله تعالى في العديد من الهجمات والغزوات ضد الجيش المصري المرتد وميليشياته، ومنها الهجوم على موقع (الركيب) بمنطقة (المغارة) وسط سيناء في أواخر العام 1441هـ، حيث كان -تقبله الله- أميرا لإحدى المجموعات المشاركة في الهجوم والذي أسفر يومها عن مقتل وإصابة عشرة عناصر من الجيش، وأصيب خلاله أبو رواحة إصابة طفيفة في يده إثر قصف جوي.

كما شارك أبو رواحة تقبله الله في الهجوم على تجمع للميليشيات المرتدة بمنطقة (المنجم) منتصف العام الماضي 1442 هـ والذي خلف سبعة قتلى في صفوفهم.

وكما كان أبو رواحة أسدا مقداما في المعارك ضد المرتدين؛ كان رحيما عطوفا بإخوانه المجاهدين، ليّن العشرة قريبا محبوبا منهم يلقاهم دوما بوجهه البشوش المبتسم، وقد كان مواظبا على قيام الليل يقضي ليله قائما مرتّلا للقرآن الكريم في أرض المناجاة، محافظا على صيام الاثنين والخميس برغم قسوة البيئة الصحراوية الجبلية بوسط سيناء، لكنه زاد المجاهد الذي لا غنى عنه فالصيام والقيام هو دأب المجاهدين وزادهم وحاديهم في الطريق.


• مقتله تقبله الله في الشهداء

وبعد 13 عاما قضاها أبو رواحة على ثغور المسلمين في الرباط والقتال والتعرض لمظان الموت في سبيل الله تعالى لم يستطع خلالها اليهود والمرتدون النيل منه؛ قدّر الله تعالى أن يُقتل في شهر الله (المحرم) لعام 1443 هـ، إثر انفجار وقع أثناء قيامه بتفخيخ أحد الممرات وسط سيناء بغية استهداف دورية للمرتدين، ليقتل تقبله الله ويسيل دمه الزكي في معارك المفاصلة والمجانبة للطواغيت وأوليائهم المرتدين، فنسأله تعالى أن يتقبله في الشهداء وأن يعلي مقامه في عليين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 324
الخميس 2 رجب 1443 هـ
...المزيد

مقال: كواسر الجهاد (٢) القوة الرمي الحمد لله معز المسلمين ومذل الكافرين والصلاة والسلام على ...

مقال: كواسر الجهاد (٢) القوة الرمي


الحمد لله معز المسلمين ومذل الكافرين والصلاة والسلام على المبعوث بالسيف رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه فرسان الميادين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد.

لما كتب الله على المؤمنين القتال، وأمر بالحضّ والتحريض عليه؛ لم يترك سبحانه وتعالى عباده دون توجيه، بل دلّهم على أقوى طرق الجهاد وأنجع سبل الحرب؛ لتعظُمَ النكاية في أعدائهم، فقال سبحانه وتعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُمْ مِّنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال:٦٠]، وبيّن جل جلاله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم أن القوة إنما هي الرمي، فعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهو على المنبر- يقول: ({وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُمْ مِّنْ قُوَّةٍ}، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي). [مسلم]

وبالرغم من الأمور الكثيرة التي يحتاج إليها الجهاد ويلزم فيها الإعداد إلا أنه لم يُخصص الرمي إلا لما فيه من عظيم النكاية في العدو، قال الطبري: "قال عبدالرحمن الفزاري: أصل الرمي إنما وضع للنكاية فمن لا نكاية له لا رمي له عند علماء هذه الصنعة). [الفروسية لابن القيم]

الرمي قوة أيّما قوة، وقد كان في الأنبياء رماة كالنبي إسماعيل عليه السلام، ولقد رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، فعن عَاصِم بن عمر بن قَتَادَة أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم رمى عَن قوسه يَوم أحد حَتَّى اندقت سيتها -أي طرفها-. [سيرة ابن إسحاق]

وقد ندب إليه رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم وحثّ عليه في كثير من الأحاديث، منها ما رواه البخاري وغيره عن سلمة بن الأكوع رضي اللّه عنه، قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم على قوم ينتضلون -أي: يتسابقون في الرمي- فقال: (ارموا بني إسماعيل، فإن أباكم كان راميا، ارموا وأنا مع بني فلان، قال: فأمسك أحد الفريقين بأيديهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مالكم لا ترمون؟ فقالوا: يا رسول اللّه! كيف نرمي وأنت معهم؟ فقال: ارموا وأنا معكم كلكم).

ومن نعم الله علينا في الجهاد، ما جعله الله في الرماية من الأجر العظيم، فثوابها جزيل ومتعدٍ، لا يقتصر على الرامي وحده، قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: (إِن الله ليدْخل بِالسَّهْمِ الْوَاحِد ثَلَاثَة نفر الْجنَّة، صانعه الْمُحْتَسب فِي عمله الْخَيْر، والرامي بِهِ، والممد بِهِ، فارموا واركبوا وَأَن ترموا أحب إِلَيّ من أَن تركبوا) [مسند أحمد]

ومما جاء في فضل الرمي أيضا حديث أبي نجيح عمرو بن عبسة رضي الله عنه، قال: حاصرنا مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم الطائف، فسمعته يقول: (من رمى بسهم في سبيل اللّه، فله عِدْلُ مُحَرَّرٍ، ومن بلغ بسهم في سبيل الله فله درجة في الجنة)، قال: فبلغتُ يومئذ ستة عشر سهماً. [النسائي]، فسهم ترميه يكن لك أجر عتق رقبة، ودرجة تعلوها في الجنة، فذاك أجر عظيم بفعل يسير، يجده المجاهد في سبيل الله.

وتعلم الرماية شرف وفضيلة، وتركها ونسيانها ذنب وإثم، فعن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من علم الرمي، ثم تركه، فليس منا، أو قد عصى). [مسلم]

ولقد كان الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أول من رمى بسهم في الإسلام، فحاز على دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم له فقال: (اللهم سدد رميته وأجب دعوته). [الحاكم]

وفي يوم أحد قام أبو طلحة الأنصاري رضي الله عنه مقاما عاليا، ورمى رميا شديدا على أعداء الله، قال أنس رضي الله عنه: "لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم وأبو طلحة بين يدي النبي مجوب عليه بحجفة له -أي متترس بالترس-، وكان أبو طلحة رجلا راميا شديد النزع، كسر يومئذ قوسين أو ثلاثا، وكان الرجل يمر معه بجعبة من النبل فيقول انثرها لأبي طلحة). [متفق عليه]، وفي هذا الحديث دعم للحذاق والبارعين في الرماية وتشجيعهم؛ لأهمية موقفهم في المعركة.

وكان من أشهر الرماة يوم أحد أيضا الصحابي سهل بن حنيف العوفي فقد ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انكشف الناس عنه، وبايعه على الموت، وجعل ينضح يومئذ بالنبل عن رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نبلوا سهلا فإنه سهل). [الحاكم]

وفي هذه الغزوة تبيّنت أهمية ثغر الرُّماة، حيث أنه كان في الجبل خمسون راميا، وكانوا يحمون ظهر الجيش كله وهم قرابة 650 رجلا، فلما نزل الرماة من موقعهم الذي اختاره لهم النبي صلى الله عليه وسلم استطاع المشركون الالتفاف عليهم وتغيير ميزان المعركة.

وقد يبلغ بالرامي الماهر أن يرد كتيبة بأكملها ويوقف جيشا عن التقدم، حيث أنه يكون في مأمنٍ منهم وهم تحت رميه، ويستطيع أن يسقط بكل سهم يطلقه رجلا منهم بإذن الله، ويشهد لهذا قصة صهيب الرومي رضي الله عنه، فعن ابن المسيب قال: أقبل صهيب مهاجرا، واتبعه نفر، فنزل عن راحلته، ونثل كنانته، وقال لقد علمتم أني من أرماكم، واْيم الله لا تصلون إلي حتى أرمي بكل سهم معي، ثم أضربكم بسيفي، فإن شئتم دللتكم على مالي، وخليتم سبيلي؟ قالوا: نفعل فلما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ربح البيع أبا يحيى)، ونزلت: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِيْ نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ} [البقرة:٢٠٧]. [حلية الأولياء]

وربما كان الرامي كتيبة بنفسه، يُنهِك العدو ويُنكِي به لوحده، كما فعله الصحابي الجليل سلمة بن الأكوع رضي الله عنه الذي يُعد من أمهر الصحابة في الرماية، ومن أعجب مواقفه حين لحق بالمشركين من غطفان في غزوة ذي قرد وكان يرميهم بسهامه ويقول: خذها وأنا ابن الأكوع.. واليوم يوم الرضع حتى أسقطوا كثيرا من متاعهم ليتمكنوا من الهروب منه. [متفق عليه]

وتشتد الحاجة للرماة حين يحمى الوطيس وتقِل الحيل، فتبرز بطولاتهم ودقة إصاباتهم، ففي القادسية عندما جاء الفرس بالفيلة التي لم يعتد المسلمون على قتالها، فأرسل سعد بن أبي وقاص إلى عاصم بن عمرو، فقال: يا معشر بني تميم، ألستم أصحاب الإبل والخيل! أما عندكم لهذه الفيلة من حيلة؟! قالوا: بلى والله، ثم نادى في رجال من قومه رماة وآخرين لهم ثقافة، فقال لهم: يا معشر الرماة ذبوا ركبان الفيلة عنهم بالنبل، حتى قتلوا من كان على متنها واستطاعوا تحييدها. [تاريخ الطبري]

ويعظُم أثر الرماية لرؤوس الكفر وأئمتهم، ففي حروب الردةّ يوم اليمامة لما قام محكم اليمامة المرتد -وهو أحد جناحي مسيلمة الكذاب-، يخطب في قومه ويحثهم على قتال المؤمنين؛ حمل عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما قوسه فرماه بسهم فوقع في نحره فقتله، وكفى الله المؤمنين شره. [تاريخ خليفة خياط]

فهذا نزرٌ من أثر الرماة في المعارك في ماضي تاريخنا المجيد، وفي هذا الزمان قد تطورت آلة الحرب، وأصبحت تعتمد بشكل كبير اليوم على الرماية التي تنوعت أساليبها وتغيرت أدواتها بين البنادق والقناصات والرشاشات والمدافع والصواريخ، وعلى المجاهدين إتقان هذه الفنون وبذل قصارى الجهد في تعلّم جديدها واستخدام حديدها، فبها تفلق الهام وتُهشّم العظام؛ وهي من القوة التي أمر الله بالإعداد بها، قال ابن تيمية رحمه الله في قتال الترك: "فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بقتالهم، وأخبر أن أمته ستقاتلهم، ومعلوم أن قتالهم النافع إنما هو بالقسي الفارسية، ولو قوتلوا بالقسي العربية... لم تغن شيئاً". [الفتاوى]

فثابروا أيها المجاهدون، واضربوا حيث تكثر المواجع، وإن للقناصات الدور الأكبر في مجال الرماية، فحسن التموضع واختيار المكان المناسب إذا اجتمع مع حذاقة في الرماية فإنه أعظم في النكاية، وأخلع لقلوب الأعداء، وهو أقرب لمفهوم الرماية بالنبل ومشابه لدوره في المعركة، فسددوا في الرؤوس والقلوب وأماكن العطب، فإن لم يكن قتلا حصلت إصابة تحيّد أحد جنود الطاغوت عن المعركة، فانثروا الرصاص وانتقوا السهام الحارقة، وارموا متوكلين على الله، فالله هو الرامي وهو المسدد سبحانه، {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ} [الأنفال:١٧]

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى جميع الآل والأصحاب، والحمد لله رب العالمين



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 324
الخميس 2 رجب 1443 هـ
...المزيد
يتم الآن تحديث اوقات الصلاة ...
00:00:00 يتبقى على
25 رجب 1447
الفجر 00:00 الظهر 00:00 العصر 00:00 المغرب 00:00 العشاء 00:00

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً