🌃رسائل الفجر١٤٤٧/٨/٧🌃 الصحابة كانوا يقنتون نصف الشهر الأخير فينبغي للأئمة أن يُشعِروا الناس بهذا ...

🌃رسائل الفجر١٤٤٧/٨/٧🌃
الصحابة كانوا يقنتون نصف الشهر الأخير فينبغي للأئمة أن يُشعِروا الناس بهذا ولا يستمرّوا على القنوت طيلة الشهر حتى لا يعتقد الناس أن هذا هو السنة.
🔻 🔻 🔻
لا ينبغي الإطالة في الدعاء فقد بلغني أن البعض يقنت ساعة أو ساعة إلا ربع وهذا فيه مبالغة، وينبغي القنوت بجوامع الدعاء والمأثور.
🔻 🔻 🔻
سئل الشيخ عبدالعزيز الطريفي عن فعل بعض الأئمة من لحين دعاء القنوت كقراءة الآيات؟
فأجاب ما معناه: قنت النبي ﷺ والصحابة ولو كانوا يلحّنون الدعاء لنُقِلَ لنا هذا.
🔻 🔻 🔻
لم يثبت أن أحدًا من الصحابة ختم القرآن في التراويح، فلا يُقال أن هذا سُنّة، ولكن بعض الأئمة يستحسن هذا ليسمع الناس القرآن كله فهذا حسن، ولا ينبغي الإنكار على من فعل هذا.(الطريفي)
https://t.me/azzadden
...المزيد

📖📚 *من فتاوى الشيخ/عبدالله رفيق السوطي*🌧 هل يلزم الإمام تغطية رأسه 📚 - #فتوى رقم( 32 ...

📖📚 *من فتاوى الشيخ/عبدالله رفيق السوطي*🌧

هل يلزم الإمام تغطية رأسه

📚 - #فتوى رقم( 32 00).

⚫➖ *السؤال:*

-بعض المصلين يشيرون على إمامهم بأن يضع على رأسه غطاء - غُترة- أثناء الصلاة فما رأي الفقهاء في ذلك؟.

✍🏻➖ *الإجابة*:

-تغطية الرأس في الصلاة استحبه جمهور الفقهاء، وقد ورد في ذلك حديث لكنه موضوع؛ فالمسألة أقرب للعرف منها للشرع؛ فلا دليل على الاستحباب ولا على المنع، فقد يكون عرف بلد أن الإمام أو ما يسمى عند العوام بـ(المطوّع) يغطي رأسه للوقار وليتميّز عن غيره (وهذا مطلوب حقيقة ومناسب جداً، وقد كان العلماء يأمرون بمثل ذلك، ويجعلونه من زي العلماء، بل كانوا يعدون تحسير العالم رأسه من خوارم المروءة، بل بعضهم لا يقبل حديث من حسّر عن رأسه!) فينبغي أن يلتزم بذلك، وهو الافضل؛ مراعاة لعادة الناس، ثم ليتميز عن غيره، لا عن شرع، لكن مراعاة للعادات الطيبة في هذا، فإن لم يفعل فلا إثم عليه باتفاق الفقهاء، وداخل الصلاة وخارجها سواء.

#أحكام_الإمامة
...المزيد

📖📚 *من فتاوى الشيخ/عبدالله رفيق السوطي*🌧 حكم قراءة الفاتحة لروح النبي ! 📚- #فتوى رقم( 31 ...

📖📚 *من فتاوى الشيخ/عبدالله رفيق السوطي*🌧

حكم قراءة الفاتحة لروح النبي !

📚- #فتوى رقم( 31 00).

⚫➖ *السؤال:*

-ما رأيكم بمن يقرأ الفاتحة إلى روح النبي ﷺ وآله، هل هذا عمل مشروع أم بدعة؟

✍🏻➖ *الإجابة*:

-هذا ليس بمشروع، وهو أقرب للجهل منه للعلم؛ وذلك أن رسولنا وحبيبنا ﷺ ليس بحاجة إلى ذلك؛ فَأُجور أمّته جميعاً في ميزان حسناته ﷺ؛ لأنه هو الذي دلنا على كل خير، وفي الحديث الصحيح عند مسلم وغيره: عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ( من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا) رواه مسلم، فضلاً على أن هذا العمل لم يفعله خير القرون من السلف الصالح، ولو دعا للرسول ﷺ بالوسيلة فهي ما حثنا للدعاء له بها ﷺ: (سلوا لي الو سيلة؛ فإنها مرتبة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله فأرجو أن أكون أنا هو) وإن كان الحديث بعد الأذان لكن لا مانع من عموم الدعاء له به ﷺ في كل وقت وآن.
...المزيد

🌿قبل أن تبحث عن البرامج والمسلسلات الرمضانية التي تليهك عن الله والدار الآخرة، تذكر أن الله ﷻ قد ...

🌿قبل أن تبحث عن البرامج والمسلسلات الرمضانية التي تليهك عن الله والدار الآخرة، تذكر أن الله ﷻ قد قال عنهم وعن أمثالهم: ﴿وَمَن يَعشُ عَن ذِكرِ الرَّحمنِ نُقَيِّض لَهُ شَيطانًا فَهُوَ لَهُ قَرينٌ وَإِنَّهُم لَيَصُدّونَهُم عَنِ السَّبيلِ وَيَحسَبونَ أَنَّهُم مُهتَدونَ حَتّى إِذا جاءَنا قالَ يا لَيتَ بَيني وَبَينَكَ بُعدَ المَشرِقَينِ فَبِئسَ القَرينُ﴾ [الزخرف: ٣٦-٣٨].

#شهر_رمضان_فضائل_وأحكام
#تأملات
...المزيد

البرهان الشافي في التوحيد "وإذا تأملت القرآن وتدبرته، وأعرته فكرا وافيا، اطّلعت فيه من أسرار ...

البرهان الشافي في التوحيد


"وإذا تأملت القرآن وتدبرته، وأعرته فكرا وافيا، اطّلعت فيه من أسرار المناظرات، وتقرير الحجج الصحيحة، وإبطال الشُّبه الفاسدة، وذكر النقض والفرق، والمعارضة والمنع، على ما يشفي ويكفي لمن بصّره الله، وأنعم عليه بفهم كتابه.

ومن ذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} إلى قوله تعالى: {فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ}، فهذا استدلال في غاية الظهور ونهاية البيان على جميع مطالب أصول الدين من إثبات الصانع وصفات كماله من قدرته وعلمه وإرادته وحياته وحكمته وأفعاله وحدوث العالم وإثبات نوعي توحيده تعالى؛ توحيد الربوبية المتضمن أنه وحده الرب الخالق الفاطر، وتوحيد الإلهية المتضمن أنه وحده الإله المعبود المحبوب الذي لا تصلح العبادة والذل والخضوع والحب إلا له.

ثم قرر تعالى بعد ذلك إثبات نبوة رسوله محمد -صلى الله عليه وسلم- أبلغ تقرير وأحسنه وأتمه وأبعده عن المعارض، فثبت بذلك صدق رسوله في كل ما يقوله، وقد أخبر عن المعاد والجنة والنار فثبت صحة ذلك ضرورة، فقررت هذه الآيات هذه المطالب كلها على أحسن وجه، فصدّرها تعالى بقوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ}، وهذا خطاب لجميع بني آدم يشتركون كلهم في تعلقه بهم.

ثم قال: {اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} فأمرهم بعبادة ربهم، وفي ضمن هذه الكلمة البرهان القطعي على وجوب عبادته؛ لأنه إذا كان ربنا الذي يربينا بنعمه وإحسانه، وهو مالك ذواتنا ورقابنا وأنفسنا، وكل ذرة من العبد فمملوكة له ملكا خالصا حقيقيا، وقد رباه بإحسانه إليه وإنعامه عليه، فعبادته له وشكره إياه واجب عليه، ولهذا قال: {اعْبُدُوا رَبَّكُمُ}، ولم يقل: إلهكم. والرب هو: السيد والمالك والمنعم والمربي والمصلح، والله تعالى هو الرب بهذه الاعتبارات كلها، فلا شيء أوجب في العقول والفِطر من عبادة من هذا شأنه وحده لا شريك له.

ثم قال: {الَّذِي خَلَقَكُمْ} فنبه بهذا أيضا على وجوب عبادته وحده، وهو كونه أخرجهم من العدم إلى الوجود، وأنشأهم واخترعهم وحده بلا شريك باعترافهم وإقرارهم، كما قال في غير موضع من القرآن: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [الزخرف]، فإذا كان هو وحده الخالق، فكيف لا يكون وحده المعبود؟! وكيف يجعلون معه شريكا في العبادة! وأنتم مقرون بأنه لا شريك له في الخلق، وهذه طريقة القرآن يستدل بتوحيد الربوبية على توحيد الإلهية.

ثم قال: {وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ}، فنبه بذلك على أنه وحده الخالق لكم ولآبائكم ومن تقدمكم، وأنه لم يشركه أحد في خلق من قبلكم ولا في خلقكم، وخلقه تعالى لهم متضمن لكمال قدرته وإرادته وعلمه وحكمته وحياته، وذلك يستلزم لسائر صفات كماله ونعوت جلاله، فتضمن ذلك إثبات صفاته وأفعاله، ووحدانيته في صفاته، فلا شبيه له فيها، ولا في أفعاله فلا شريك له فيها.

ثم ذكر المطلوب من خلقهم، وهو: أن يتقوه فيطيعوه ولا يعصوه، ويذكروه فلا ينسوه، ويشكروه ولا يكفروه، فهذه حقيقة تقواه.

وقوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} قيل: إنه تعليل للأمر، وقيل: تعليل للخلق، وقيل: المعنى اعبدوه لتتقوه بعبادته، وقيل: المعنى خلقكم لتتقوه، وهو أظهر لوجوه:
أحدها: أن التقوى هي العبادة، والشيء لا يكون علة لنفسه.
الثاني: أن نظيره قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات].
والثالث: أن الخلق أقرب في اللفظ إلى قوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} من الأمر.

ولمن نصر الأول أن يقول: لا يمتنع أن يكون قوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} تعليلا للأمر بالعبادة، ونظيره قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة]، فهذا تعليل لكتب الصيام، ولا يمتنع أن يكون تعليلا للأمرين معا، وهذا هو الأليق بالآية، والله أعلم.

ثم قال تعالى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ}، فذكر تعالى دليلا آخر متضمنا للاستدلال بحكمته في مخلوقاته.
فالأول: متضمن لأصل الخلق والإيجاد، ويسمى: "دليل الاختراع والإنشاء".
والثاني: متضمن للحكم المشهودة في خلقه، ويسمى: "دليل العناية والحكمة"، وهو تعالى كثيرا ما يكرر هذين النوعين من الاستدلال في القرآن.

ونظيره قوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} [إبراهيم]، فذكر خلق السماوات والأرض، ثم ذكر منافع المخلوقات وحكمها...

ونظير ذلك أيضا قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة]، وهذا كثير في القرآن لمن تأمله.

وذكر سبحانه في آية (البقرة) قرار العالم وهو: الأرض، وسقفه وهو: السماء، وأصول منافع العباد وهو: الماء الذي أنزله من السماء، فذكر المسكن والساكن وما يحتاج إليه من مصالحه، ونبه تعالى بجعله للأرض فراشا على تمام حكمته في أن هيأها لاستقرار الحيوان عليها، فجعلها فراشا ومهادا وبساطا وقرارا، وجعل سقفها بناء محكما مستويا لا فطور فيه ولا تفاوت ولا عيب.

ثم قال: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} فتأمل هذه النتيجة وشدة لزومها لتلك المقدمات قبلها، وظفر العقل بها بأول وهلة وخلوصها من كل شبهة وريب وقادح، وأن كل متكلم ومستدل ومحجاج إذا بالغ في تقرير ما يقرره وأطاله، وأعرض القول فيه فغايته -إن صح ما يذكره- أن ينتهي إلى بعض ما في القرآن فتأمل ما تحت هذه الألفاظ من البرهان الشافي في التوحيد، أي: إذا كان الله وحده هو الذي فعل هذه الأفعال فكيف يجعلون له أندادا!؟ وقد علمتم أنه لا ند له يشاركه في فعله.

فلما قرر نوعي التوحيد أتم تقرير انتقل إلى تقرير النبوة فقال: {وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} إن حصل لكم ريب في القرآن وصدق من جاء به، وقلتم: إنه مفتعل؛ فأتوا ولو بسورة واحدة تشبهه، وهذا خطاب لأهل الأرض أجمعهم، ومن المحال أن يأتي واحد منهم بكلام يفتعله ويختلقه من تلقاء نفسه، ثم يطالب أهل الأرض بأجمعهم أن يعارضوه في أيسر جزء منه، يكون مقداره ثلاث آيات من عدة ألوف، ثم تعجز الخلائق كلهم عن ذلك، حتى إن الذين راموا معارضته كان ما عارضوه من أقوى الأدلة على صدقه، فإنهم أتوا بشيء يستحيي العقلاء من سماعه، ويحكمون بسماجته، وقبح ركاكته وخسته، فهو كمن أظهر طيبا لم يشم أحد مثل ريحه قط، وتحدى الخلائق ملوكهم وسوقتهم بأن يأتوا بذرة طيب مثله، فاستحى العقلاء وعرفوا عجزهم، وجاء الحمقان بعذرة منتنة خبيثة، وقالوا: قد جئنا بمثل ما جئت به، فهل يزيد هذا ما جاء به إلا قوة وبرهانا وعظمة وجلالة؟!.

وأكد تعالى هذا التوبيخ والتقريع والتعجيز بأن قال: {وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}، كما يقول المعجز لمن يدعي مقاومته: اجهد علي بكل من تقدر عليه من أصحابك وأعوانك وأوليائك، ولا تبق منهم أحدا حتى تستعين به، فهذا لا يقدم عليه إلا أجهل العالم وأحمقه وأسخفه عقلا، إن كان غير واثق بصحة ما يدعيه، أو أكملهم وأفضلهم وأصدقهم وأوثقهم بما يقوله..

فاشتملت الآيات على تقرير مهمات أصول الدين؛ من إثبات خالق العالم وصفاته ووحدانيته، ورسالة رسوله، والمعاد الأكبر". [بدائع الفوائد/ابن القيم].



• المصدر:
صحيفة النبأ العدد 534
السنة السابعة عشرة - الخميس 24 شعبان 1447 هـ
...المزيد

الدولة الإسلامية - صحيفة النبأ (534) • اللواء تسعون! تضافرت الأحاديث في الصحاح والسنن ...

الدولة الإسلامية - صحيفة النبأ (534)



• اللواء تسعون!

تضافرت الأحاديث في الصحاح والسنن والمسانيد بذكر الطائفة المنصورة وبيان صفاتها بما لا يُبقي عذرا للتخلّف عن ركبها، وجاءت بروايات عديدة وعبارات وألفاظ واضحة صريحة تقطع بثبوتها، ولكن ليست رواياتها هي موضع الاختلاف بين المتمسحين بها من أهل القبلة على اختلاف مشاربهم؛ إنما الاختلاف والتمايز في الامتثال لصفاتها والثبات والموافاة عليها.

وقد أخرج الترمذي بسند حسن عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلَّا مِلَّةً وَاحِدَةً)، قَالُوا: وَمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي) وفي لفظ: (وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ) زَادَ ابْنُ يَحْيَى وَعَمْرٌو فِي حَدِيثَيْهِمَا: (وَإِنَّهُ سَيَخْرُجُ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ تَجَارَى بِهِمْ تِلْكَ الْأَهْوَاءُ كَمَا يَتَجَارَى الْكَلْبُ لِصَاحِبِهِ -وَقَالَ عَمْرٌو: الْكَلْبُ بِصَاحِبِهِ- لَا يَبْقَى مِنْهُ عِرْقٌ وَلَا مَفْصِلٌ إِلَّا دَخَلَهُ).

إذًا، فالفرقة الناجية المنصورة هي التي تسير على ما سار عليه الرسول -صلى الله عليه وسلم-، والموافِقة لجماعة الصحابة -رضوان الله عليهم-، الآخذة بعقائدهم والمتمسكة بآرائهم، وهي تسير على ذلك المسار النبوي معتصمة متكاتفة، لا ترضى بتقاسم الأهواء ولا تفرق دينها شيعا، بل تلتزم الجماعة وتوحّد الأمة وتجعلها يدا واحدة على من سواها، عملا بقول الله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: (عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة).

والطائفة المنصورة راسخة العقيدة يتقدم توحيدُ الله الخالص كل أولوياتها، فهو الأصل والأساس، توحيد صاف لا تشوبه موالاة كفرية، ولا تصادمه ديمقراطية أو علمانية أو وطنية، توحيد توالي فيه وتعادي عليه، وتنذر من كل الشرك والمشركين وتكفّر من فعله، ولا تبتدع في دين الله أو تُحدث ما ليس منه، بل تتبع الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، أهل القرون المفضلة.

ومن صفات الطائفة المنصورة، القيام بأمر الله تعالى كلّ أمره، توحيده وحكمه وشريعته، ولا تُفرق أو تتدرّج أو تداهن فيه، ولا تقبل في ذلك التنازلات أو ترضى بأنصاف الحلول والمساومات، بل تجعل نحورها دونه، ومهجها سربالا له، تقيه من كل تحريف وتنقيص وتعطيل.

والطائفة المنصورة تسعى لبسط سلطان الإسلام ونفوذه في كل أرجاء البسيطة، بالسيف الناصر إلى جنب الكتاب الهادي، ليحكُم الدين ويسود، ومن أبرز صفاتها وهي التي تشتد الغربة فيها، أنه لا يضرها حشود المخالفين، ولا تعثُّر المتساقطين المخذلين، ولا تكذيب الهاذرين الهاذين، وإنما يستنير خلَفُها بنور دماء سلفها المُقتبس من صبرٍ ويقينٍ؛ أثمرا ثباتا على دربها إلى أن جاء الكتاب وحلّت المنية.

تلك أهم صفات الطائفة المنصورة يلخصها حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس)، وعلى هذا تتلاحق أجيالها جيلا بعد جيل، حتى يكون آخرهم جندا كماة في جيش عيسى -عليه السلام- في المعركة الأخيرة مع الأعور الدجال.

ورغم وضوح وبروز معاني ومدلولات هذه النصوص النبوية الصريحة؛ إلا أن الكثيرين من أهل القبلة انخدعوا بهذه الرايات الجاهلية، وانطلى عليهم أنها متمسحة بالطائفة المنصورة ليست منها؛ مع أن انتحال هؤلاء لها بيّن، وتشبّعهم بها ظاهر، وبينها وبينهم بعد ما بين المشرقين؛ {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}.

ونضرب مثالا ليتضح المقال؛ الدولة التسعون في التحالف الدولي الصليبي، رغم ترديها في متاهات العلمانية، وضياعها بين غياهب الديمقراطية، وتيهها في دياجير الموالاة الكفرية، وانخسافها وتجلجلها في حمأة الردة البينة الجلية، وسوخها وارتطامها في وحل الوطَنيّة العفنة والقومية القذِرة المذِرة؛ رغم كل هذه النواقض والمكفرات المجتمعات، ترى الغوغاء والهمج الرعاع يتبعون رايتها ويصححون مذهبها، بل ويرون فيها طائفة منصورة!! مع أن الحقيقة الجلية أن مخالفة هذه الراية ومفارقتها والبراء منها هو من لوازم صفات الطائفة المنصورة، فالبراءة منهم صارت عَلَما على موافقة الحق.

ومن شؤم مسلك هؤلاء أن ضررهم وعاديتهم على جناب التوحيد متعدية إلى من سواهم، فهم سلخوا الناس عن عقيدة التوحيد؛ بعد أن انسلخوا منها انسلاخ الحية من قشرها، وصالت ضباعهم على حياض الشريعة كصولة الكافر الأصلي أو أشد صولة، فما أسوأ جريرتهم، وليحملن أوزارهم وأوزارا مع أوزارهم.

إذًا فالطائفة المنصورة من هذا الصنف بريئة، بل لا سبيل لإصابة دربها إلا بالبراءة من هذه الطائفة المخذولة وأخواتها، قال -صلى الله عليه وسلم-: (ومنِ ادَّعَى دَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّهُ مِنْ جُثَا جَهَنَّمَ)، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنْ صَلَّى وَصَامَ؟ قَالَ: (وَإِنْ صَلَّى وَصَامَ، فَادْعُوا بِدَعْوَى اللَّهِ الَّذِي سَمَّاكُمُ المُسْلِمِينَ المُؤْمِنِينَ، عِبَادَ اللَّهِ). [الترمذي]
وفي مقام الاعتبار، تأملوا كيف أنّ الذين اتهموا الدولة الإسلامية بالخارجية وأشاعوا ذلك في البرية؛ صاروا اليوم جنودا محضرين تحت قبة التحالف الصليبي بلواء كفر وغدر رقم (تسعين) ولكل غادر لواء يوم القيامة.

أما أنتم أيها المجاهدون الأبرار، يا من قبضتم على جمر العقيدة تتجلدون حرارتها، وأمسكتم أعنّة خيولكم ومقابض سيوفكم على ذلك تروحون وتغدون جهادا في سبيل الله، يا جنود الخلافة الذين لم تغيّر سنوات الابتلاء طريقهم، ولم تحرف أعاصير الفتن مسارهم، امضوا في طريقكم فكل ما يجري يفصح وينطق بلسان الحال قبل المقال أنكم على الجادة إن شاء الله فواصلوا المسير ولا تلتفتوا، ولينصرن الله من ينصره.



• المصدر:
صحيفة النبأ العدد 534
السنة السابعة عشرة - الخميس 24 شعبان 1447 هـ
المقال الافتتاحي
...المزيد

الإلحاح في الدعاء الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما ...

الإلحاح في الدعاء


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

إن الإلحاح على الله تعالى في الدعاء سبب من أسباب إجابة الدعاء، وهو أيضا سبب لنيل مرضاة الله تعالى ومحبته، فهو سبحانه يحب العبد اللحوح أي الذي يُكرّر الدعاء، حتى يصبح ذلك جزءا من حياته، ووردا ثابتا من أوراد يومه وليلته، فيصير إلى التلذذ بمناجاة ربه وإظهار الانكسار بين يديه وإن لم تقع الإجابة، وهو من هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- وصحابته الكرام.


• ما هو الإلحاح في الدعاء؟

قال الإمام المناوي -رحمه الله- في تعريف المُلح: "هو الملازم لسؤال ربه في جميع حالاته، اللائذ بباب كرم ربه في فاقته ومهماته، لا تقطعه المحن عن الرجوع إليه، ولا النعم عن الإقبال عليه؛ لأن دعاء المُلح دائم غير منقطع، فهو يسأل ولا يرى إجابة، ثم يسأل ثم يسأل فلا يرى، وهكذا، فلا يزال يُلح ولا يزال رجاؤه يتزايد، وذلك دلالة على صحة قلبه، وصدق عبوديته، واستقامة وجهته، فقلب المُلح مُعلّق دائمًا بمشيئته -تعالى-، واستعماله اللسان في الدعاء عبادة، وانتظار مشيئته للقضاء به عبادة، فهو بين عبادتين سريتين، ووجهتين فاضلتين، فلذلك أحبه الله تعالى". [فيض القدير]

فيُفهم مما سبق أن الإلحاح في الدعاء هو تكرار وملازمة الدعاء والتضرع إلى الله تعالى، على كل حال من أحوال العبد، سواء كان في عسر أم يسر، وسواء وقعت الإجابة أم لم تقع، فهو عبادة مستمرة مستقلة بذاتها كما هو شأن الدعاء، فالمؤمن يديم الدعاء والافتقار والانكسار إلى مولاه، وبذلك استحق محبة الله تعالى.


• الإلحاح بالدعاء هدي نبوي

وقد ورد في السنة المطهرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر بأن يكرر ويكثر العبد من الدعاء، كما جاء عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء) [رواه مسلم]، وجاء عنه أيضا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (ألِظُّوا بِـيا ذا الجلال والإكرام) [أحمد والحاكم وصحَّحه]، قال المناوي في شرح الحديث: "أي الزموا هذه الدعوة، وأكثروا منها، وفي رواية سندها قوي من حديث ابن عمر (ألِحّوا)، ومعناها متقارب.. فالمراد: دوموا على قولكم ذلك في دعائكم، واجعلوه هِجِّيراكم، لئلا تركنوا أو تطمئنوا لغيره" [فيض القدير]

وثبت الإلحاح والتكرار في الدعاء في فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-، لحديث عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: "لما كان يوم بدر، نظر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى المشركين، وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وسبعة عشر رجلا؛ فاستقبل نبي الله -صلى الله عليه وسلم- القبلة، ثم مدّ يديه، فجعل يهتف بربه: (اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آتني ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض)، فما زال يهتف بربه مادًّا يديه، مستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه، فألقاه على منكبيه، ثم التزمه مِن ورائه وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك..." [مسلم]

كما أورد البخاري -رحمه الله- في صحيحه تحت "بَاب تَكْرِير الدُّعَاء" حديث عَائِشَة -رضي الله عنها وعن أبيها- لمّا سحر لبيد بن الأعصم اليهودي النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- فما كان من النبي إلا أن يتوجه إلى الله تعالى بالدعاء ويكرر ذلك، قالت عائشة: "حتَّى إذَا كانَ ذَاتَ يَومٍ، أَوْ ذَاتَ لَيْلَةٍ، دَعَا رَسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- ثُمَّ دَعَا، ثُمَّ دَعَا…"[البخاري]، وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: "كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا دعا دعا ثلاثا، وإذا سأل سأل ثلاثا" [مسلم].

وجاء في شعب الإيمان، عن الأوزاعي -رحمه الله- قال: "أفضل الدعاء: الإلحاح على الله عز وجل والتضرع إليه"، وفي كتاب الزهد للإمام أحمد عن قتادة، قال مُوَرِّق: "ما وجدت للمؤمن مثلًا إلا رجلًا في البحر على خشبة فهو يدعو: يارب، يارب، لعل الله أن ينجيه".

فكل ما تقدّم من الأحاديث والآثار يخبرك أن تكرار الدعاء هديٌ نبويٌ ثابتٌ دعا إليه النبي -صلى الله عليه وسلم- وطبقه في دعائه، فعليك أخي المسلم بملازمة الطلب والإكثار من الدعاء والإلحاح على الكريم المنان الذي لا يرد من سأله، ولا يُخَيِّبُ من رجاه.

• الاستعجال ينافي الإلحاح!

ومن معاني الإلحاح على الله تعالى أن لا يتعجّل العبد الإجابة، لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (يُسْتجَابُ لأَحَدِكُم مَا لَم يعْجلْ: يقُولُ قَد دَعوتُ رَبِّي، فَلم يسْتَجبْ لِي) [متفقٌ عَلَيْهِ]، وفي رواية :(مَا لَمْ يَسْتعْجِلْ)، قِيلَ: يَا رسُولَ اللَّهِ مَا الاسْتِعْجَالُ؟ قَالَ: (يَقُولُ: قَدْ دعَوْتُ، وَقَدْ دَعَوْتُ، فَلَم أَرَ يَسْتَجِيبُ لي، فَيَسْتَحْسِرُ عِنْد ذَلِكَ، ويَدَعُ الدُّعَاءَ) [مسلم]، قال الزرقاني -رحمه الله- في شرح هذا الحديث: "من له ملالة من الدعاء لا يُقبل دعاؤه، لأن الدعاء عبادة حصلت الإجابة أو لم تحصل، فلا ينبغي للمؤمن أن يملَّ من العبادة، وتأخير الإجابة؛ إما لأنه لم يأت وقتها، وإما لأنه لم يُقدر في الأزل قبول دعائه في الدنيا ليعطى عوضه في الآخرة، وإما أن يؤخر القبول ليلح ويبالغ في ذلك فإن الله يحب الملحين في الدعاء، مع ما في ذلك من الانقياد والاستسلام وإظهار الافتقار، ومن يكثر قرع الباب يوشك أن يفتح له، ومن يكثر الدعاء يوشك أن يستجاب له".[شرح الموطأ]

وقال ابن القيم -رحمه الله-: "ومن الآفات التي تمنع ترتب أثر الدعاء عليه؛ أن يستعجل العبد ويستبطئ الإجابة، فيستحسر ويَدَع الدعاء، وهو بمنزلة مَن بذر بذراً أو غرس غرساً، فجعل يتعاهده ويسقيه، فلما استبطأ كماله وإدراكه، تركه وأهمله!". [الجواب الكافي]

فقد تتأخر إجابة الدعاء عن العبد لأن الله تعالى يُحب أن يسمع مناجاة عباده، ويحب انكسارهم وقربهم إليه سبحانه، قال ابن رجب الحنبلي -رحمه الله-: "وجاء في الآثار: أن العبد إذا دعا ربه وهو يحبه، قال يا جبريل لا تعجل بقضاء حاجة عبدي فإني أحب أن أسمع صوته، وقال تعالى: {وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ}". [جامع العلوم والحكم]

فلا تترك الإلحاح والدعاء، لطول انتظار وتأخر إجابة، وكن من عباد الله القانتين لا من القانطين؛ فإن لجوءك إلى مولاك وإلحاحك عليه في الدعاء خيرٌ كله، وإنك -بإذن الله- ستحصل على ما تبغيه وترجوه، فعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يُعَجِّل له دعوته، وإما أن يدّخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها) [البخاري في الأدب المفرد]، وجاء عند الترمذي وصحَّحَه من حديث عبادة -رضي الله عنه- وزاد: "فقال رجل من القوم إذاً نُكثِر، قال: (الله أكثر)"، والمعنى: "أي: الله أكثر إجابة من دعائكم، وقيل: الله أكثر ثوابًا وعطاء مما في نفوسكم، فأكثروا ما شئتم فإنه تعالى يقابل أدعيتكم بما هو أكثر منها وأجل" [تحفة الأحوذي].

فهذه هي سعة عطاء الله، وهذا كرمه، فأكثر من دعاء مليكك، وإبداء حاجتك وافتقارك وتضرعك إليه، واخشع بين يديه وكرر دعائك كما كان يفعل نبيك -صلى الله عليه وسلم-، فإن في ذلك صلاحا لقلبك ورِقّة له، مع ما ترجوه من الإجابة، وتنتظره من الثواب، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 353
الخميس 27 محرم 1444 هـ
...المزيد

مقال: و(الكاظمين الغيظ) إن الله سبحانه وتعالى يريد لعباده الخير والصلاح، فأرشدهم إلى أحسن ...

مقال: و(الكاظمين الغيظ)


إن الله سبحانه وتعالى يريد لعباده الخير والصلاح، فأرشدهم إلى أحسن الأخلاق لتسمو بهم في الدنيا، وترفع درجاتهم يوم القيامة، فلا شيء أثقل في ميزان العبد يوم القيامة من حسن الخلق، ومن أجّل الأخلاق وأسماها كظم الغيظ والعفو عن الناس، وقد جعل الله تعالى لهم من الأجر ما لم يكن لغيرهم، فيدعوهم الله يوم القيامة على رؤوس الأشهاد جزاءً لصبرهم وكظم غيظهم وعفوهم عن إخوانهم، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (من كظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه، دعاه الله على رؤوس الخلائق، حتّى يخيره من أيّ الحور شاء). [أبو داود والترمذي]


• التعريف بكظم الغيظ

والمقصود بكظم الغيظ أي حبسه ومنعه من الخروج على الجوارح عند اشتداد الدافع إلى ذلك، كالغضب ونحوه مما يثير الإنسان، ولقد مدح الله سبحانه وتعالى عباده المتقين لحسن فعالهم ومكارم أخلاقهم، الذين لا يغضبون لأنفسهم ولا ينتصرون لها، فنالوا بذلك محبة الله وخصهم بتقواه سبحانه، قال الله تعالى: {وَسَارِعُواْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}، قال الطبري -رحمه الله- في تفسيره: "وقوله: (والكاظمين الغيظ)، يعني: والجارعين الغيظ عند امتلاء نفوسهم منه، يقال "كظم فلان غيظه"، إذا تجرَّعه، فحفظ نفسه من أن تمضي ما هي قادرةٌ على إمضائه، باستمكانها ممن غاظها، وانتصارها ممن ظلمها"، وقال ابن كثير -رحمه الله-: "أي: إذا ثار بهم الغيظ كظموه، بمعنى: كتموه فلم يعملوه، وعفوا مع ذلك عمّن أساء إليهم". فاستحقوا بذلك محبة الله.


• (ليس الشديد بالصُّرَعة)

إن التحلي بالأخلاق الفضيلة من صفات عباد الله المتقين، وقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أكمل الناس خلقا، وأرسله الله تعالى ليتمم للناس مكارم الأخلاق ويبيّن لهم محاسنها، ولاشك أن كظم الغيظ من أجل هذه الأخلاق التي جاء النبي -صلى الله عليه وسلم- ليرسّخها بين المسلمين بما يحقق ترابط وقوة صفوف المسلمين، بل إن القوة في كظم الغيظ وحبسه، لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: (ليس الشّديد بالصّرعة؛ إنّما الشديد الّذي يملك نفسه عند الغضب) [متفق عليه]، (والصُّرَعة) عند العرب: مَن يصرع الناس كثيرًا، قال النَّوويُّ في شرح الحديث: "فيه كَظْم الغَيْظ، وإمْسَاك النَّفس عند الغَضَب عن الانتصار والمخاصمة والمنازعة". [شرح مسلم]

وقد دلنا النبي -صلى الله عليه وسلم- على ما يذهب عنا الغضب ومنه الوضوء وذكر الله والاستعاذة، فعن سليمان بن صرد -رضي الله عنه- قال: كنت جالسا مع النّبيّ -صلى الله عليه وسلم- ورجلان يستبّان، وأحدهما قد احمرّ وجهه، وانتفخت أوداجه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إنّي لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم، ذهب منه ما يجد)، فقالوا له: إنّ النّبيّ -صلى الله عليه وسلم- قال: (تعوّذ بالله من الشّيطان الرّجيم). [متفق عليه] فقوة النفس لا تكون بمصارعة الرجال وغلبتهم والتشفي منهم، والانتصار للنفس منهم، لكن القوة الحقيقية هي التي ينتصر بها المسلم على شيطانه ونزعات نفسه ويقهرها ويوقفها عند حدها، فيكظم غيظه وهو قادر على إطلاقه، فيعفو عن الناس ويتجاوز عن إساءتهم لا لشيء سوى طمعا في نيل مرضاة الله تعالى.


• أهمية كظم الغيظ

وإن المسارعة إلى الانتصار للنفس وإشباع شهوتها بالثأر والانتقام هي من طرق الشيطان لإيقاع العداوة والبغضاء بين المسلمين، وإيغار صدورهم، لذلك حرص رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على تحذير أصحابه وأمته من الوقوع في مكائد الشيطان وحبائله التي يحاول أن يصطاد بها أصحاب النفوس الضعيفة الذين لم يعتادوا على كظم غيظهم ولجم أنفسهم، فصارت تسوقهم إلى أسفل الطباع والصفات.

فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (لمّا صوّر الله آدم في الجنّة تركه ما شاء الله أن يتركه، فجعل إبليس يطيف به، ينظر ما هو، فلمّا رآه أجوف، عرف أنّه خلق خلقا لا يتمالك) [مسلم]، قال النووي في معنى (لا يتمالك) أي: "لا يملك نفسه ويحبسها عن الشّهوات، وقيل: لا يملك دفع الوسواس عنه، وقيل: لا يملك نفسه عند الغضب، والمراد جنس بني آدم". [شرح مسلم] وقال ابن عبد البر -رحمه الله-: "من كظم غيظه وردّ غضبه، أخزى شيطانه، وسلمت مروءته ودينه". [التمهيد]، وقال ابن حجر -رحمه الله-: "استحضار ما جاء في كَظْم الغَيْظ من الفضل، يعين على ترك الغَضَب". [فتح الباري]

• عمر يكظم غيظه!

ومن نماذج كظم الغيظ ما رواه ابن عبَّاس -رضي الله عنهما- قال: "قدم عيينة بن حصن بن حذيفة، فنزل على ابن أخيه الحرِّ بن قيس، وكان من النَّفر الذين يُدنيهم عمر، وكان القُرَّاء أصحاب مجالس عمر ومشاورته، كهولًا كانوا أو شبَّانًا، فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي، هل لك وجه عند هذا الأمير؟ فاستأذن لي عليه، قال: سأستأذن لك عليه، قال ابن عبَّاس: فاستأذن الحرُّ لعيينة، فأَذِن له عمر، فلمَّا دخل عليه قال: هِيْ يا ابن الخطَّاب! فوالله ما تعطينا الجَزْل، ولا تحكم بيننا بالعدل، فغَضِب عمر، حتى همَّ أن يوقع به، فقال له الحرُّ: يا أمير المؤمنين، إنَّ الله تعالى قال لنبيِّه -صلى الله عليه وسلم-: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}، وإنَّ هذا من الجاهلين، والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقَّافًا عند كتاب الله". [البخاري]

فتأمل حسن صنيع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في هذا الموقف، وقد كان قادرا على إيقاع أشد العقوبات بهذا الرجل الذي تطاول عليه ظلما، ومع ذلك كان تذكيره بآية من آيات القرآن الكريم كفيلا أن يملك نفسه ويكظم غيظه، وفي ذلك إشارة إلى أن القرآن خير واعظ وزاجر للنفوس المؤمنة.

ومن ذلك أيضا ما ذكره ابن كثير أن رجلا أغضب الخليفة عمر بن عبد العزيز، حتى همّ به عمر، ثم أمسك نفسه، وقال للرجل: أردت أن يستفزني الشيطان بعزة السلطان، فأنال منك اليوم ما تناله مني غدًا؟ قم عافاك الله، لا حاجة لنا في مقاولتك." [البداية والنهاية]

والنماذج على كظم الغيظ من حياة الصحابة والتابعين وأتباعهم كثيرة في مظانها لمن أرادها.


• فضل كظم الغيظ

ولا شك أن لكظم الغيظ أجر كبير وفضل عظيم قد عرفتَ بعضه فيما تقدم، فمن كرم الله لعباده المؤمنين أنه يثيب بالإحسان إحسانا، فكلما ازداد العبد طاعةً لربه وإحساناً لخلقه زاد إحسان الله إليه، فيزيده أجرا وتوفيقا، لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ * وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ}، قال الطبري -رحمه الله-: "يقول جلّ ثناؤه: فمن عفا عمّن أساء إليه إساءته إليه، فغفرها له، ولم يعاقبه بها، وهو على عقوبته عليها قادر ابتغاء وجه اللّه، فأجر عفوه ذلك على اللّه، واللّه مثيبه عليه ثوابه".

وعن ابن عمر -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (ما من جَرْعَةٍ أعظم أجرًا عند الله، مِن جَرْعَةِ غَيْظٍ كظمها عبد ابتغاء وجه الله). [رواه ابن ماجه] وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في بيان سبب محبة الله للمحسنين الكاظمين الغيظ في قوله: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}: "لأن درجة الحلم والصبر على الأذى، والعفو عن الظلم، أفضل أخلاق أهل الدنيا والآخرة، يبلغ الرجل بها ما لا يبلغه بالصيام والقيام". [الصارم المسلول]

لذا، فحري بالمسلمين عموماً والمجاهدين خصوصاً أن يحرصوا على سلامة صدورهم ولا يدعوا للشيطان إلى نفوسهم سبيلا، وأن لا يغضبوا إلا لربهم ودينهم، فاكظموا غيظكم أيها المسلمون واجرعوه واكتموه، عمّن أساء إليكم من إخوانكم، واعفوا واصفحوا وأصلحوا وسارعوا إلى مغفرة من ربكم، تسلمون في الدنيا وتؤجرون في الآخرة، والله يحب المحسنين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 353
الخميس 27 محرم 1444 هـ
...المزيد

على ما مات عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- الحمد لله الذي أتمّ علينا نعمه، وأكمل لنا دينه، ...

على ما مات عليه النبي -صلى الله عليه وسلم-


الحمد لله الذي أتمّ علينا نعمه، وأكمل لنا دينه، ولم يتركه عرضة لكل صاحب هوى متنطع، أو حائر تائه، وختم لنا شريعته بأفصح مَن نطق الضاد وأوتي جوامع الكلم محمد -صلى الله عليه وسلم-، والذي لم يترك لنا ما يقربنا من الجنة إلا ودلنا عليه، وما يقربنا من النار إلا وحذرنا منه، وما قبضه الله حتى أتّم به الإسلام، فالإسلام هو ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمدة ذلك قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. [المائدة]

فمن أخذه فحظه وافر وتجارته رائجة رابحة، وبُشراه في كل خيرٍ يفعله قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُواْ الصَّلَاةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ} [فاطر]، ومَن ردّه أو بعضَه فخاسر، وتجارته بوار، وأرضه يباب، ومثله كمن قال تعالى فيه: {وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} [الحج]، أو قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ}. [إبراهيم]

ولن يُقبل من أحد مهما علا شأنه وارتفعت رتبته ومنزلته بين الأنام، أن يأخذ من الإسلام ما يوافق هواه ويترك منه ما خالفه؛ كمن يحتج بتمسّكه بمراحل الإسلام الأولى فيأخذ بالدعوة السرية في مكة ويترك الدعوة العلنية في المدينة! أو يأخذ بالكفّ عن القتال كما في المرحلة المكية ويترك الأمر بالقتال كما في المرحلة المدنية؛ فيأخذ ما يوافق هواه من المرحلة المكية ويترك ما خالف هواه مما نزل به الشرع في المرحلة المدنية، ويغيّب بذلك الأمة سنينَ بهذه الشبهة، فلا جهاد لأعداء الملة بزعمه أننا في المرحلة المكية! وتجاهل أو تناسى أن الإسلام كل لا يتجزأ، قال تعالى: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}. [البقرة]

وبمثل قول المثبطين عن الجهاد وأهله الذين يحتجون بترك الجهاد في مكة؛ يحتج شُرّاب الخمر وأهل الفسق، فقد شربت في أول الإسلام والشارع ساكت عنها ليس تحليلا لها بل تدرجا في تحريمها، وما حرمت إلا وقد مضى صدر من الإسلام، أليس قد مات بعض الصحابة ولم ينزل تحريم الخمر بعد؟، أليس أول الإسلام إيمانا ولم تفرض الفرائض بعد؟، فهل يصح لأحد أن يحتج على شرب الخمر وترك الفرائض بهذا القول؟! فهل لمثل هذا القول يذهب عاقل؟ سبحانك هذا بهتان عظيم.

فالدين إذن هو ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير نقص أو زيادة، وهذه الحقيقة التي فقهها الصحابة حتى قال شيخ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق رضي الله عنه: "أينقص الدين وأنا حي؟".

وإنك ترى مثل هؤلاء الرويبضة في هذا الزمان الكثير الكثير ولا حول ولا قوة إلا بالله، فإن كُلف أحدهم بجهاد الكفار ومناجزة المشركين الأشرار والذود عن الحرمات، فما أسرعه إجابة للقعود متحججا بحجج أوهى من بيت العنكبوت، وغلف باطله بأدلة الحق قاصدا الباطل، مخادعا نفسه والناس؛ وحقيقة هؤلاء القوم كما بينها الله تعالى لنا في قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً}. [النساء]

ولمن احتج بقولهم يقال: ما تفعل بقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}، وبقوله صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيح عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله) [متفق عليه]، وبما جاء في [سنن البيهقي] تحت "باب: ما جاء في نسخ العفو عن المشركين" عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ}، وقوله: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ}؛ قال: فنسخ هذا العفو عن المشركين".

وهذا غيض من فيض من شبه القوم، والرد عليها كما قد علمت.

وما مات رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى أتمّ ما أمره الله به، وما ترك منه صغيرا ولا كبيرا، كما جاء عن أبي وائل عن حذيفة -رضي الله عنه- قال: "لقد خطبنا النبي -صلى الله عليه وسلم- خطبة ما ترك فيها شيئا إلى قيام الساعة إلا ذكره؛ علمه من علمه، وجهله من جهله، إن كنت لأرى الشيء قد نسيت فأعرف ما يعرف الرجل إذا غاب عنه فرآه فعرفه". [البخاري]

ومن المعلوم أن الإسلام دين شامل متكامل، لا نقص فيه ولا زيادة في أصوله وأركانه وفرائضه وفروعه وواجباته وسننه، فمن أراد الإسلام أخذه كله دون أن يرد منه شيئا، ولابد له من معرفة ما يجب عليه معرفته ولا يسعه جهله منه.

فالناس فيه صنفان لا ثالث لهما لقوله تعالى في سورة [التغابن]: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ}، ولهذا قاعدة عظيمة وجب على المكلف معرفتها وإلا فقد باء بالخسران المبين وهي: أن كل من دخل فيه ولم يأت بما لا يصح إسلامه إلا به، وما لا يبنى الإسلام إلا عليه؛ من إقرار أو أصل أو ركن أو فرض، وغيره من تحريم الحرام وتحليل الحلال؛ فإنه لا يقبل منه انتسابه لهذا الدين، وإن زعم أنه من أهله وقادته.

وأن كل من دخله وجاء بما يصح معه إسلامه؛ فإنه يقبل منه إسلامه، ويشهد له به وهو مسلم؛ وإن قصر بإتيانه ما لا يحقق له كمال الإيمان؛ كارتكابه الكبائر والصغائر مجتمعة لشموله بقوله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر]، ومن مات من أهل المعاصي منهم تحت المشيئة؛ إن شاء غفر له و إن شاء عذبه، وربنا ذو عفو وغفران، كما جاء في الصحيح عن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "وحوله عصابة من أصحابه: (بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه و إن شاء عاقبه)، فبايعناه على ذلك". [البخاري]

والناس فيه على تفاضل لقوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ}. [فاطر] وبهذا يتضح لك كم من الناس في هذا الزمان من هذا الصنف الذي يدعي انتماءه لهذا الدين والدين منه براء، قد أخذ من الدين ما يوافق هواه، وترك ما يخالف شهواته ونزواته، فإذا جد الجد فما رأيته إلا في خندق الكفار وعسكرهم، يوالي من يوالون ويعادي من يعادون ويقاتل من يقاتلون، قد مرق من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، وتراه لم يأخذ من الإسلام إلا اسمه، وحقيقته أضر على الإسلام وأهله من اليهود والنصارى، ألا ترى انضواءه تحت راياتهم وصليبهم، يسير في مقدمتهم جنبا إلى جنب لا يفارقهم؛ وهو مع كل هذا يصلي ويصوم رمضان، وينطق بالشهادتين ويتلو كتاب الله بل ويوقره ويجله!! ويتصدق ويفعل من أعمال الخير الكثير، ويزعم أنه مسلم وقد صاده إبليس في فخاخه، وصيره من جنوده وعبيده! ونزع عنه إسلامه، فأوقعه في أم الدواهي وشراك الشرك والكفر، وأبقى له ظنه الذي لا يغني ولا يسمن من جوع، قال تعالى: {فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ} [الأعراف]، وقال تعالى: {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا}. [الكهف]

فعليك يا من تروم الهدى وسبيل النجاة اتباع دين الله تعالى كاملا، بكل ما جاء فيه توحيدا وجهادا، دعوة وقتالا، وخالِف في ذلك هوى نفسك، فإن النفس تهوى الركون والراحة قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ}، واعلم أن مرضاة الله تعالى فيه، وعاقبته محمودة وثمرته معجلة ومؤجلة، قال تعالى: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}. [يونس]

فهذا دين الله تعالى كاملٌ شاملٌ لا نقص فيه ولا خلل، لا يحتاج إلى ترميم أو إضافة أو تجديد، بل هو صالح لكل زمان ومكان، قرآن يهدي وسيف ينصر، طريقه كثيب أحمر رطب لزج، سُكبت عليه دماء الأنبياء والصالحين، ينزلق عنه كل منافق، ويثبت عليه كل مؤمن صادق، فنسأله تعالى أن يتوفانا عليه، والحمد لله رب العالمين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 353
الخميس 27 محرم 1444 هـ
...المزيد
يتم الآن تحديث اوقات الصلاة ...
00:00:00 يتبقى على
12 رمضان 1447
الفجر 00:00 الظهر 00:00 العصر 00:00 المغرب 00:00 العشاء 00:00

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً