مقال: (سُجَّدًا وَقِيَامًا) خلق الله الليل والنهار متعاقبين يخلُف أحدُهما الآخر، وجعل فيهما ...

مقال: (سُجَّدًا وَقِيَامًا)


خلق الله الليل والنهار متعاقبين يخلُف أحدُهما الآخر، وجعل فيهما مواقيت الصلاة والنسك والذكر والتفكر، فقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا}، فالمؤمن عبد لله في الليل والنهار، وقد خصّ الله الليل بأن جعله وقت السكن والخلوة، لكن أهل الغفلة جعلوه وقت الصخب والشقوة.

أما عباد الرحمن فهم يتحينون قدومه بشوق كبير للخلوة بربهم والوقوف بين يديه سبحانه، والمرابطة على بابه واللوذ بجنابه، يناجونه طمعا فيما عنده وخوفا مما عنده، يصفّون لله أقدامهم بعيدا عن أعين الناس طلبا لمرضاته، فقد عرفوا فضل قيام الليل وقيمته فاغتنموه وانشغلوا به فيما ينفعهم عمّا لا ينفعهم، وقد قيل للحسن البصري: "ما بال المتهجدين بالليل من أحسن الناس وجوها؟ فقال: لأنهم خلوا بالرحمن، فألبسهم نورا من نوره". [قيام الليل للآجري].


• كان فرضا أول الأمر

في بداية الإسلام كان قيام الليل فريضة على المسلمين، لقوله عز وجل مخاطبا نبيه -صلى الله عليه وسلم- في أول سورة المزمل: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا}، وروى مسلم في صحيحه أن سعد بن هشام قال لعائشة رضي الله عنهما: "أَنْبِئِينِي عَنْ قِيَامِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَقَالَتْ: أَلَسْتَ تَقْرَأُ {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ}؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَتْ: فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ افْتَرَضَ قِيَامَ اللَّيْلِ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَقَامَ نَبِيُّ اللهِ وَأَصْحَابُهُ حَوْلًا، وَأَمْسَكَ اللهُ خَاتِمَتَهَا اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا فِي السَّمَاءِ، حتَّى أَنْزَلَ اللهُ فِي آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ التَّخْفِيفَ، فَصَارَ قِيَامُ اللَّيْل تَطَوُّعًا بعدَ فَرِيضَتِهِ"، فنسخ آخرُ السورة أولها وأصبح نافلة رحمة ورأفة من الله عز وجل بعباده المؤمنين، فأصبح أفضل الصلاة بعد الفريضة، كما في الحديث الصحيح: (أفضل الصلاة بعد الفريضة، صلاة الليل) [مسلم].


• قيام الليل في القرآن

ولقد أثنى الله عز وجل على المتهجدين المجتهدين في الليل بأحسن الثناء، في مواضع كثيرة من كتابه فقال تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا}، قال الإمام البغوي: "المعنى: يبيتون لربهم بالليل في الصلاة (سُجدا) على وجوههم، و (قياما) على أقدامهم".

وقال سبحانه: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ}، قال ابن عباس: "لم تكن تمضي عليهم ليلة إلا يأخذون منها ولو شيئا، وقال قتادة: قلّ ليلة تأتي عليهم لا يصلون فيها لله عز وجل؛ إما من أولها وإما من أوسطها، وقال مجاهد: قلَّما يرقدون ليلة حتى الصباح لا يتهجدون". [التفاسير].

وقال سبحانه: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}، قال ابن كثير: "يعني بذلك قيام الليل، وترك النوم والاضطجاع على الفُرش الوطيئة، خوفا من وبال عقابه، وطمعا في جزيل ثوابه".

وقد وصف عبد الله بن رواحة رضي الله عنه، حال النبي -صلى الله عليه وسلم- في القيام فقال:

وفينا رسول الله يتلو كتابه
إذا انشقّ معروف من الفجر ساطع

أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا
به موقنات أنّ ما قال واقع

يبيت يجافي جنبه عن فراشه
إذا استثقلت بالكافرين المضاجع

• قيام الليل في السنة

وكما هي الآيات القرآنية، فقد ازدحمت الأحاديث النبوية في بيان فضل قيام الليل والترغيب فيه، ولو لم يكن من ذلك إلا أنه وقت إجابة الدعوات وتنزُّلِ رب البريات؛ لكفى، جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَك وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي، فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟).

ومنه أيضا ما أخرجه أحمد والترمذي -بإسناد حسن- عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا تُرَى ظُهُورُهَا مِنْ بُطُونِهَا وَبُطُونُهَا مِنْ ظُهُورِهَا)، فَقَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فقَالَ: (لِمَنْ أطابَ الكلامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وأدام الصِّيامَ وَصَلَّى بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ).


• بين الجهاد والقيام

وفي الجمع بين مقام الجهاد والقيام، أخرج أبو داود وأحمد، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (عَجِبَ رَبُّنَا مِنْ رَجُلَيْنِ: رَجُلٍ ثَارَ عَنْ وِطَائِهِ وَلِحَافِهِ مِنْ بَيْنَ حِبِّهِ وَأَهْلِهِ إِلَى صَلَاتِهِ، فَيَقُولُ اللهُ جَلَّ وَعَلَا لِمَلَائِكَتِهِ: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي، ثَارَ عَنْ فِرَاشِهِ وَوِطَائِهِ مِنْ بَيْنَ حِبِّهِ وَأَهْلِهِ إِلَى صَلَاتِهِ، رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي وَشَفَقا مِمَّا عِنْدِي، وَرَجُلٍ غَزَا فِي سَبِيلِ اللهِ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ وَعَلِمَ مَا عَلَيْهِ فِي الاِنْهِزَامِ، وَمَا لَهُ فِي الرُّجُوعِ، فَرَجَعَ حَتَّى هُرِيقَ دَمُهُ، فَيَقُولُ اللهُ لِمَلَائِكَتِهِ: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي رَجَعَ رَجَاءً فِيمَا عِنْدِي، وَشَفَقًا مِمَّا عِنْدِي حَتَّى هُرِيقَ دَمُهُ).


• معينات على قيام الليل

وبعد أن تعرفنا على هذه الفضائل العظيمة لهذه العبادة الجليلة، فلا بد من معرفة الأمور التي تعين العبد عليها في عصر اللهو والغفلة، فمن المعينات على قيام الليل: ترك الذنوب والخطايا فإنها تحجب العبد عن الطاعة، فمن عصى في النهار نام في الليل! كما قال الحسن البصري: "إن العبد ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل". [التهجد لابن أبي الدنيا].

ومما يعين على القيام: التبكير إلى النوم وترك مجالس السهر واللغو والقسوة، فقلّما يسهر المرء في هذا العصر في خير وطاعة، ومن ذلك أيضا: الاستعانة بالقيلولة في النهار، فإن لها أثرا وبركة تبلغ العبد في الليل، ومن ذلك: ترك الإفراط في الأكل والشرب، فإنه يورث الكسل ويثقل البدن عن القيام، ومن ذلك أيضا: النوم على طهارة، والاضطجاع على الشق الأيمن كما كان يفعل النبي -صلى الله عليه وسلم- لأنه أدعى لليقظة كما بيّن ابن القيم في زاده، ومن ذلك: الحذر من وثارة الفراش وما تعلّق به، فإنه يدعو إلى طول النوم، ومن ذلك بذل الأسباب المادية التي تعين على اليقظة كالمنبّهات السمعية ونحوها.

وملاك ذلك كله: مجاهدة العبد نفسه على القيام وترويضها وأطرها، فهي تميل إلى الراحة، والدعاء والتضرع إلى الله تعالى بأن يعينه ويوفقه إلى القيام فهو والله رزق يسوقه الله إلى طلاب آخرته.

وبعد أخي المسلم، ها قد انقضت العشر الأوائل من رمضان سريعا سريعا، وبدأ العابدون يستعدون للعشر الأواخر من الآن، وقد سقنا بعضا من فضائل قيام الليل حثّا وتشجيعا -لأنفسنا وإياكم- على اغتنام هذه العبادة في هذه الأيام المباركة التي قال فيها النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)، فلوذوا أيها المؤمنون بربكم سبحانه، أحيوا ليلكم سُجدا وقياما بين يديه، ولا تبرحوا عتبته، فمنه وحده التوفيق والرحمة والنجاة، اللهم إنا نسألك من فضلك ورحمتك.



• المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 536
السنة السابعة عشرة - الخميس 09 رمضان 1447 هـ
...المزيد

الاستقطاب الرافضي للجهاديين في خطابه الأخير سلّط الشيخ أبو حذيفة الأنصاري -حفظه الله- الضوء ...

الاستقطاب الرافضي للجهاديين


في خطابه الأخير سلّط الشيخ أبو حذيفة الأنصاري -حفظه الله- الضوء على الانحراف القديم في الساحات الجهادية، ولعل أكثر ما استوقفنا حديثه عن وقوع الجهاديين "تحت التنظير والاستقطاب الرافضي" وليس العكس، وقد يمر البعض على هذه العبارة دون فهم لها، أو يظن بعضهم أنها مبالغة أو مغالطة، بينما سيُقنع القاعديون أنفسهم بأنها فرية باطلة، لأنها صدرت عن الخصم الوحيد الذي "لا يتوقفون" في مفاصلته ولا يسيغون موادعته ولا يجيزون مداهنته أو حتى تحييده كما يفعلون مع طوائف الردة شرقا وغربا.

ولكي نفهم هذا الشطر من الخطاب، نعود بالذاكرة إلى حقبة سقوط طالبان بعد الغزو الأمريكي، ونزوح كثير من قيادات وعوائل القاعدة باتجاه المثلث الحدودي بين إيران وأفغانستان وباكستان وخاصة في (زاهدان)، وهناك بدأت مرحلة التنظير والاستقطاب الإيراني للقاعدة، وهذا ثابت أقرّ به غير واحد من قادة القاعدة المعتبرين الذين قُتلوا في صفوفها، ناهيك عن شهادات من فارقها.

حيث استغلت إيران حالة التشريد والحصار المفروض على القاعدة، وفتحت لهم أبوابها لاحتوائهم واستيعابهم كسلاح وظيفي ضمن "محورها" الذي استوعب العديد من الحركات الإسلامية غيرها، كما حدث مع التنظيمات الفلسطينية التي أُبعدت في التسعينيات إلى "مرج الزهور" في الجنوب اللبناني؛ فهرع إليهم قادة "حزب الشيطان" ومارسوا تنظيرا واستقطابا، أفرز هذا الاصطفاف الفصائلي الفلسطيني الصارخ، خلف المحور الإيراني حتى آخر رمق.

التجربة ذاتها كررتها إيران مع القاعدة، حتى وصف بعض قادة التجربتين الدور الإيراني بـ "الاستضافة الكريمة!"، وللمصداقية؛ فقد رفض بعض صقور القاعدة هذا المسلك الإيراني لدواع متباينة ليست منهجية صرفة، بينما خضع قادة آخرون وأذعنوا، فاحتوتهم إيران لسنوات وادخرتهم ليومها الأسود، وصاروا اليوم رأس الهرم القاعدي.

وصرنا نقرأ لـ "القيادة العامة" للقاعدة بيانات ظاهرها الاصطفاف السُّني وباطنها الاصطفاف الإيراني، وكأنها صادرة عن أحد أفرع "محور المقاومة"، لكن بالتِفافة مبتذلة باسم الأمة ومصير الأمة، ومعروف أن مصطلح الأمة عند القاعدة مصطلح زئبقي تحشد خلفه كل التناقضات المنهجية، وكل ما لا تحتمله الأمة من الطوائف المحاربة لها.

ويجدر بنا التنبيه، بأننا لا نقصد بالاستقطاب الرافضي هنا الاستقطاب المنهجي عبر التشيع، فلم تفرض إيران على أذرعها وبيادقها "السنيّة" التشيع، فإيران لا تريدهم حشدا رافضيا، بل بيدقا وظيفيا يقف معها في وجه "القطب الوحيد" كما أسماه بيان القاعدة الأخير.

بيان القاعدة الأخير الذي جاء بعد بلوغ التوتر الأمريكي الإيراني ذروته، وجاء متزامنا مع بيانات أخرى لأذرع "محور المقاومة"؛ روّج أن هذه الحشود الأمريكية "ليست لمحاربة دولة بعينها" وأن هذه "الأحداث تعنيها وتعني كل مسلم" وأن "الكل مستهدف" وأن "الموقف الشرعي هو وجوب القتال" ولا يحتمل "الصمت أو التفرج".

ولم نجد عشر معشار هذا الاستنفار القاعدي ولغة الحسم والقتال، إبّان الحملة الصليبية المسعورة على حواضر الدولة الإسلامية في العراق والشام، بل كانت خطاباتها الماراثونية تفيض حقدا وتحريضا على المجاهدين في ذروة الهجمة الصليبية عليهم، ولم تكن تلك الهجمة العالمية عند القاعدة "تستهدف الكل" و "توجب القتال!" ولم تكن تلك الهجمة الشرسة "تعني القاعدة!" بينما صارت "تعنيها" اليوم عندما اقتربت النار من السفينة الإيرانية وشارفت على الغرق.

هذا هو الاستقطاب والتنظير الإيراني للجهاديين، وقد ظهر في هذا المحك بكل وضوح حتى تندّر به الصحفيون الصليبيون واستهجنوه، بينما انقسم منه أتباع القاعدة فرقا وشيعا، فريق أنكره بالكلية مُنكرا بذلك سِفرا طويلا من تاريخ قادته، وفريق تعامى عنه، وفريق راح يبرر ويشرعن هذا الاصطفاف مستدعيا نفس الطرح الذي تبنّته المنابر الإخوانية في أوج الحرب على غزة، التي روجت خطابا مفاده أن إيران ومحورها حائط الصد الأخير عن أمة الإسلام!! وهو ما يُفهم ضمنيا من بيان القاعدة الأخير الذي خاطب "حكومات المنطقة" بأنهم "سيؤكلون يوم أُكل غيرهم" فمن هو هذا "المأكول" الذي تخاف القاعدة عليه، وتخوّف به خصومه؟!

واستخفافا بعقول أتباعها، حاولت القاعدة تبرير اصطفافها الإيراني؛ بإقحام أفغانستان في السياق، وأن أمريكا "عينها شاخصة على خراسان والإمارة!" تلك الإمارة التي منحها الصليبيون لطالبان تحت أجنحة الطائرات الأمريكية، تماما كما منحوا مَن قبلها الحكم على ظهر الدبابة الأمريكية.
كما حاولت "القيادة العامة" جاهدة تبرير اصطفافها خلف إيران، من خلال عقد مقارنة بين المبررات الأمريكية للحملة على أفغانستان قديما، والحملة على إيران حديثا، وأن أمريكا رفعت سابقا شعار "الحرب على الإرهاب" و "تحرير شعوب المنطقة" كما تفعل اليوم، وفي البيان كلام محذوف تقديره: "كما ترفع اليوم شعار الحرب على إيران".

والأبعد من ذلك مخاطبة القاعدة من أسمتهم "العقلاء في دوائر صنع القرار، أن يتحلوا بالحكمة والعقلانية في الحفاظ والدفاع عن البلاد والعباد!" ولا نعلم أن مصطلح الطواغيت صار له نحتا جديدا في قاموس القاعدة ليصبح "العقلاء في دوائر صنع القرار"، فهل تستعد القاعدة للالتقاء أو التحالف أو التعاون مع الطواغيت "العقلاء في دوائر صنع القرار؟!" وقد سبق أن خاطبت القاعدة "الجيل الواعي" بـ "ألا يتهرب من الخدمة العسكرية" في الجيوش المرتدة ودعته "لاستثمارها".

كما زعمت القاعدة أن قتالها في العقود الماضية "شكّل درعا متينا.. استفادت منه كبرى دول المشرق في منافسة القطب الوحيد!"، واستنكرت "تصنيف جماعات سلمية بالإرهاب" و "الانقلاب" على ما أسمتها "حكومات تنتسب للعمل الإسلامي"، وهي بذلك تعاتب السعودية وأخواتها في خطاب "براغماتي" فج، ولسان حالها: أن التقارب مع الإسلاميين كان بإمكانكم أن تجعلوه درعا لكم في وجه التهديدات الحالية، كما كنا نحن درعا لدول في وجه دول أخرى.

كل هذه المصائب المنهجية نطق بها بيان واحد لـ "القيادة العامة" للقاعدة التي يقولون إنها في أفغانستان، دفعنا للحديث عنه لفتة الشيخ الأنصاري في معرض حديثه عن الاستقطاب الرافضي للجهاديين، الذي أنتج اصطفافا قاعديا مؤقتا خلف إيران، لأن القاعدة تدمن الانتقال بين المحاور والاصطفافات، وقد كادت أن ترفع شارة "رابعة" يوم فوز "مرسي" بالحكم وصار الحصاد المر حلوا، فلما غرقت سفينة الإخوان؛ عاد حكماء القاعدة لانتقادهم في نفس السلسلة المرئية الطويلة التي افتتحوها بالتقارب معهم!

واليوم يلوذ بعضهم بإيران كاصطفاف سياسي مشفوع بالمبررات التي بان في كل مرحلة بطلانها شرعا وإخفاقها واقعا، وغدا بعد غرق السفينة الإيرانية ستعود القاعدة لتسب وتشتم إيران، وستبقى القاعدة تقفز من مركب إلى آخر حتى يدركها الغرق، فمتى تنجو بنفسك -أيها التائه- وتلحق بقوارب النجاة.


• المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 536
السنة السابعة عشرة - الخميس 09 رمضان 1447 هـ
...المزيد

الاستقطاب الرافضي للجهاديين في خطابه الأخير سلّط الشيخ أبو حذيفة الأنصاري -حفظه الله- الضوء ...

الاستقطاب الرافضي للجهاديين


في خطابه الأخير سلّط الشيخ أبو حذيفة الأنصاري -حفظه الله- الضوء على الانحراف القديم في الساحات الجهادية، ولعل أكثر ما استوقفنا حديثه عن وقوع الجهاديين "تحت التنظير والاستقطاب الرافضي" وليس العكس، وقد يمر البعض على هذه العبارة دون فهم لها، أو يظن بعضهم أنها مبالغة أو مغالطة، بينما سيُقنع القاعديون أنفسهم بأنها فرية باطلة، لأنها صدرت عن الخصم الوحيد الذي "لا يتوقفون" في مفاصلته ولا يسيغون موادعته ولا يجيزون مداهنته أو حتى تحييده كما يفعلون مع طوائف الردة شرقا وغربا.

ولكي نفهم هذا الشطر من الخطاب، نعود بالذاكرة إلى حقبة سقوط طالبان بعد الغزو الأمريكي، ونزوح كثير من قيادات وعوائل القاعدة باتجاه المثلث الحدودي بين إيران وأفغانستان وباكستان وخاصة في (زاهدان)، وهناك بدأت مرحلة التنظير والاستقطاب الإيراني للقاعدة، وهذا ثابت أقرّ به غير واحد من قادة القاعدة المعتبرين الذين قُتلوا في صفوفها، ناهيك عن شهادات من فارقها.

حيث استغلت إيران حالة التشريد والحصار المفروض على القاعدة، وفتحت لهم أبوابها لاحتوائهم واستيعابهم كسلاح وظيفي ضمن "محورها" الذي استوعب العديد من الحركات الإسلامية غيرها، كما حدث مع التنظيمات الفلسطينية التي أُبعدت في التسعينيات إلى "مرج الزهور" في الجنوب اللبناني؛ فهرع إليهم قادة "حزب الشيطان" ومارسوا تنظيرا واستقطابا، أفرز هذا الاصطفاف الفصائلي الفلسطيني الصارخ، خلف المحور الإيراني حتى آخر رمق.

التجربة ذاتها كررتها إيران مع القاعدة، حتى وصف بعض قادة التجربتين الدور الإيراني بـ "الاستضافة الكريمة!"، وللمصداقية؛ فقد رفض بعض صقور القاعدة هذا المسلك الإيراني لدواع متباينة ليست منهجية صرفة، بينما خضع قادة آخرون وأذعنوا، فاحتوتهم إيران لسنوات وادخرتهم ليومها الأسود، وصاروا اليوم رأس الهرم القاعدي.

وصرنا نقرأ لـ "القيادة العامة" للقاعدة بيانات ظاهرها الاصطفاف السُّني وباطنها الاصطفاف الإيراني، وكأنها صادرة عن أحد أفرع "محور المقاومة"، لكن بالتِفافة مبتذلة باسم الأمة ومصير الأمة، ومعروف أن مصطلح الأمة عند القاعدة مصطلح زئبقي تحشد خلفه كل التناقضات المنهجية، وكل ما لا تحتمله الأمة من الطوائف المحاربة لها.

ويجدر بنا التنبيه، بأننا لا نقصد بالاستقطاب الرافضي هنا الاستقطاب المنهجي عبر التشيع، فلم تفرض إيران على أذرعها وبيادقها "السنيّة" التشيع، فإيران لا تريدهم حشدا رافضيا، بل بيدقا وظيفيا يقف معها في وجه "القطب الوحيد" كما أسماه بيان القاعدة الأخير.

بيان القاعدة الأخير الذي جاء بعد بلوغ التوتر الأمريكي الإيراني ذروته، وجاء متزامنا مع بيانات أخرى لأذرع "محور المقاومة"؛ روّج أن هذه الحشود الأمريكية "ليست لمحاربة دولة بعينها" وأن هذه "الأحداث تعنيها وتعني كل مسلم" وأن "الكل مستهدف" وأن "الموقف الشرعي هو وجوب القتال" ولا يحتمل "الصمت أو التفرج".

ولم نجد عشر معشار هذا الاستنفار القاعدي ولغة الحسم والقتال، إبّان الحملة الصليبية المسعورة على حواضر الدولة الإسلامية في العراق والشام، بل كانت خطاباتها الماراثونية تفيض حقدا وتحريضا على المجاهدين في ذروة الهجمة الصليبية عليهم، ولم تكن تلك الهجمة العالمية عند القاعدة "تستهدف الكل" و "توجب القتال!" ولم تكن تلك الهجمة الشرسة "تعني القاعدة!" بينما صارت "تعنيها" اليوم عندما اقتربت النار من السفينة الإيرانية وشارفت على الغرق.

هذا هو الاستقطاب والتنظير الإيراني للجهاديين، وقد ظهر في هذا المحك بكل وضوح حتى تندّر به الصحفيون الصليبيون واستهجنوه، بينما انقسم منه أتباع القاعدة فرقا وشيعا، فريق أنكره بالكلية مُنكرا بذلك سِفرا طويلا من تاريخ قادته، وفريق تعامى عنه، وفريق راح يبرر ويشرعن هذا الاصطفاف مستدعيا نفس الطرح الذي تبنّته المنابر الإخوانية في أوج الحرب على غزة، التي روجت خطابا مفاده أن إيران ومحورها حائط الصد الأخير عن أمة الإسلام!! وهو ما يُفهم ضمنيا من بيان القاعدة الأخير الذي خاطب "حكومات المنطقة" بأنهم "سيؤكلون يوم أُكل غيرهم" فمن هو هذا "المأكول" الذي تخاف القاعدة عليه، وتخوّف به خصومه؟!

واستخفافا بعقول أتباعها، حاولت القاعدة تبرير اصطفافها الإيراني؛ بإقحام أفغانستان في السياق، وأن أمريكا "عينها شاخصة على خراسان والإمارة!" تلك الإمارة التي منحها الصليبيون لطالبان تحت أجنحة الطائرات الأمريكية، تماما كما منحوا مَن قبلها الحكم على ظهر الدبابة الأمريكية.
كما حاولت "القيادة العامة" جاهدة تبرير اصطفافها خلف إيران، من خلال عقد مقارنة بين المبررات الأمريكية للحملة على أفغانستان قديما، والحملة على إيران حديثا، وأن أمريكا رفعت سابقا شعار "الحرب على الإرهاب" و "تحرير شعوب المنطقة" كما تفعل اليوم، وفي البيان كلام محذوف تقديره: "كما ترفع اليوم شعار الحرب على إيران".

والأبعد من ذلك مخاطبة القاعدة من أسمتهم "العقلاء في دوائر صنع القرار، أن يتحلوا بالحكمة والعقلانية في الحفاظ والدفاع عن البلاد والعباد!" ولا نعلم أن مصطلح الطواغيت صار له نحتا جديدا في قاموس القاعدة ليصبح "العقلاء في دوائر صنع القرار"، فهل تستعد القاعدة للالتقاء أو التحالف أو التعاون مع الطواغيت "العقلاء في دوائر صنع القرار؟!" وقد سبق أن خاطبت القاعدة "الجيل الواعي" بـ "ألا يتهرب من الخدمة العسكرية" في الجيوش المرتدة ودعته "لاستثمارها".

كما زعمت القاعدة أن قتالها في العقود الماضية "شكّل درعا متينا.. استفادت منه كبرى دول المشرق في منافسة القطب الوحيد!"، واستنكرت "تصنيف جماعات سلمية بالإرهاب" و "الانقلاب" على ما أسمتها "حكومات تنتسب للعمل الإسلامي"، وهي بذلك تعاتب السعودية وأخواتها في خطاب "براغماتي" فج، ولسان حالها: أن التقارب مع الإسلاميين كان بإمكانكم أن تجعلوه درعا لكم في وجه التهديدات الحالية، كما كنا نحن درعا لدول في وجه دول أخرى.

كل هذه المصائب المنهجية نطق بها بيان واحد لـ "القيادة العامة" للقاعدة التي يقولون إنها في أفغانستان، دفعنا للحديث عنه لفتة الشيخ الأنصاري في معرض حديثه عن الاستقطاب الرافضي للجهاديين، الذي أنتج اصطفافا قاعديا مؤقتا خلف إيران، لأن القاعدة تدمن الانتقال بين المحاور والاصطفافات، وقد كادت أن ترفع شارة "رابعة" يوم فوز "مرسي" بالحكم وصار الحصاد المر حلوا، فلما غرقت سفينة الإخوان؛ عاد حكماء القاعدة لانتقادهم في نفس السلسلة المرئية الطويلة التي افتتحوها بالتقارب معهم!

واليوم يلوذ بعضهم بإيران كاصطفاف سياسي مشفوع بالمبررات التي بان في كل مرحلة بطلانها شرعا وإخفاقها واقعا، وغدا بعد غرق السفينة الإيرانية ستعود القاعدة لتسب وتشتم إيران، وستبقى القاعدة تقفز من مركب إلى آخر حتى يدركها الغرق، فمتى تنجو بنفسك -أيها التائه- وتلحق بقوارب النجاة.


• المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 536
السنة السابعة عشرة - الخميس 09 رمضان 1447 هـ
...المزيد

وترى جبال سبا تحسبها جامدة تمر مر سحاب او مر شلال وقد اسبعت وانفلت رسوم طه

وترى جبال سبا تحسبها جامدة
تمر مر سحاب
او مر شلال
وقد اسبعت وانفلت

رسوم طه

كافر -... كافر جنة وماحق اومن عليهم لا تسال رزق غد11 سترى ورقة ارزاق ...

كافر -... كافر جنة
وماحق اومن عليهم
لا تسال رزق غد11

سترى ورقة ارزاق بلد

وسنونو... عن طيب خاطر بعد تدمرية ودرع دريع
خالد... بداية معارج
يتم الآن تحديث اوقات الصلاة ...
00:00:00 يتبقى على
13 رمضان 1447
الفجر 00:00 الظهر 00:00 العصر 00:00 المغرب 00:00 العشاء 00:00

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً