قصة شهيد:
أبو إبراهيم الخراساني (رحمه الله تعالى)
صدّق العلم بالعمل
إن الدعوة إلى الله تعالى هدي الأنبياء، وسبيل الصالحين الأتقياء، قال سبحانه وتعالى مخاطبا نبيه -صلى الله عليه وسلم-: {ٱدعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلحِكمَةِ وَٱلمَوعِظَةِ ٱلحَسَنَةِ} [النحل]، وللدعوة طريقان، طريق السنان وطريق اللسان، وأكمل أسلوب للدعوة هو الجمع بين الطريقين، وقد تجسَّد ذلك كله في أخلاق النبي العدنان -صلى الله عليه وسلم- وسار على هديه الصحابة والتابعون الكرام، فقد كانوا دعاة إلى الله بأفعالهم قبل أقوالهم.
وممن نحسبه كذلك -والله حسيبه-، الأخ المجاهد عبد الرحمن الخراساني (أبو إبراهيم) رحمه الله، ولد في غرب خراسان، في بيت أدب وخلق وحشمة، ونشأ في ظله نشأة حسنة صالحة، حيث تعلم العلم الشرعي على يد أبيه وإخوانه، وكانت عنده رغبة شديدة في الدعوة إلى الله، حتى صار إمامًا وخطيبًا، وداعيًا شفوقًا على قومه، وكان جلّ دعوته آنذاك في الترغيب في الجنة والأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة، والترهيب من النار والمعاصي وسوء الخلق.
وكان محبوبا عند الخاصة والعامة والقريب والغريب، حسَن الخلق، رقيق القلب، سليم الصدر، صاحب حياء وأدب، محبا لإخوانه، مشفقا على الفقير والمسكين والضعيف، معينا لأقاربه وأصحابه على نوائب الدهر، وقد ذاع صيته بين الناس على ذلك.
فقد كان -رحمه الله- مثالا في الدعوة إلى الله بفعله وقوله، وقد طلب العلم الشرعي منذ بداية شبابه، فكان حافظا لكتاب الله، وكثيرا من الأحاديث النبوية الصحيحة، بالإضافة لباعه في علوم أخرى.
ولم يكن -رحمه الله- ممن حفظ المتون والكتب وتجاهل العمل بها، بل كان علمه قائدا له في جميع شؤون حياته، فكان قواما بالليل صواما بالنهار، حتى إنه في أيامه الأخيرة تواصل مع أحد إخوانه فسأله: هل تقوم الليل؟ فقال: لا، فقال له: إنا لله وإنا إليه راجعون أحسن الله عزاءكم!
- الطريق لساحات الجهاد
لقد سلك أبو إبراهيم هذا الطريق نصرة للدين وذبّا عن حرمات المسلمين، فذات يوم جاء عنده رجل أوتي من زخرف الدنيا ومتاعها يبتغي صده عن النفير في سبيل الله، فقال له: أعطي لك كل شيء تريده من متاع الدنيا وزينتها وأُزوِجك ابنتي على أن تترك الالتحاق في صفوف المجاهدين في الدولة الإسلامية، فقال متبسماً: "لا والله لن أترك هذا الأمر ولا أريد الدنيا وأهلها" فلم يرض لنفسه بالقعود ودماءُ المسلمين تسيل، وأعراضهم تنتهك، فشمَّر عن ساعد الجد، وتسلَّح بالإيمان وتوكل على الله، وأدرك يقينا حقيقة الضر والنفع التي لخَّصها رسولنا الكريم -صلى الله عليه وسلم- بقوله لابن عباس -رضي الله عنهما- عندما كان يافعا: (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف) [الترمذي].
ولما منَّ الله على عباده المجاهدين بإعلان الخلافة، سارع بإعلان بيعته لخليفة المسلمين وحثَّ إخوانه على اللحاق بركب الخلافة، خاصة وأنه وجد في إعلانها في ذلك الوقت فرصة ذهبية لجمع شتات الأمة بعد تبعثرها وتفرقها، ففرح أشد الفرح بذلك الإعلان الميمون، وبدأ ينشط نشاطا كبيرا لإقناع وتحريض إخوانه على اللحاق بركبها.
- أسر ثم نفير لساحات الجهاد
ثم وفّق الله الأخ أبا إبراهيم، وصاحب دربه وأخاه في الله للتجهيز للهجرة في سبيله إلى دار الإسلام في ولاية خراسان، ولكن قدّر الله أن يقعا في الأسر في طريق نفيرهما، وحين دخل السجن اجتمع مع إخوانه من مهاجرين وأنصار، وبادر إلى خدمتهم لعدة شهور في سجن (ننجرهار)، ولمّا هاجم جنود الخلافة سجن (ننجرهار) وهدموا أسواره خرج من السجن، ولكن قدر الله له أن يقع في الأسر مرة أخرى، فنقلوه إلى سجن (بلجرخي)، وكعادته اشتغل أبو إبراهيم هناك بتدريس إخوانه العقيدة والتفسير والحديث، وأسّس مع إخوانه في السجن مدرسة باسم (يوسف الصديق)، وكان -رحمه الله- يوصي إخوانه في السجن بالصبر والثبات ويقول لهم: "صبرٌ قليل، فإما دار الإسلام وإما جنة عرضها السموات والأرض".
وفي السجن كان أبو إبراهيم طيب العشرة مع إخوانه المهاجرين، يجالسهم ويتودّد لهم ويساعدهم ما استطاع، بل ويؤثرهم على نفسه، ومما يروي إخوانه عنه: أن أحد إخوانه في الله اشترى له ثوبا ليلبسه في العيد، ولمّا زاره أخوه في السجن لم يشاهده يلبس الثوب الذي أهداه له، فقال له: لمَ لا أراك ترتدي الثوب الذي أرسلته لك؟!، فقال له -تقبله الله-: "لا تحزن أخي -تقبل الله منك- فقد أعطيته لأحد إخواني المهاجرين الإيغور" وأثنى على أخيه المهاجر وذكّره بفضلهم وحقهم.وفي قصة لطيفة أخرى تتجسد فيها معاني الإيثار في وسط محنة الأسر، أن أخاً من (كابل) كان عنده فاكهة، وكان يستطيبها، إلا أنه آثر على نفسه أحد إخوانه من (بدخشان)، وهذا الأخ حينما رأى الفاكهة أعجبته، لكنه دفعها لأخ له من (فارياب)، وهكذا حتى وصلت للأخ أبي إبراهيم الخراساني -تقبله الله- فآثر على نفسه ودفعها لصاحبها الأول من (كابل)!
وقد مكث في السجن سنتين حتى فرج الله عنه، وبمجرد خروجه من السجن التحق بإخوانه في ساحات الجهاد، ولهمّته العالية عمل أبو إبراهيم في أكثر من مفصل في ولايته، فمِن التدريس في الدورات الشرعية إلى ديوان الإعلام، ومن هندسة العبوات والتعامل مع المتفجرات إلى ديوان الدعوة والمساجد، فقد كان من السبّاقين في كل خير لا يملّ.
- مقتله ووصيته
بعد رحلة الأسر والدعوة والجهاد كان أبو إبراهيم -رحمه الله- في موعد مع القتل في سبيل الله، والذود عن حرمات المسلمين، حيث داهمت ميليشيا طالبان المرتدة بيت أحد المسلمين، وكان فيه فارسنا مع بعض إخوانه، حيث اشتبك مع الميليشيا واستطاع مع إخوانه أن يؤمنوا انسحاب الأطفال والنساء مع بعض الإخوة من البيت، واستمر أبو إبراهيم بالاشتباك مع المرتدين، حتى أحكمت الميليشيا حصار البيت بعد أن استدعت تعزيزات إضافية، واستمر الاشتباك معهم لمدة ساعتين، استبسل فيها أبو إبراهيم وإخوانه أيّما استبسال، وقد أوصى قبل مقتله بلحظات قليلة بأنه كان يريد تبيان نواقض طالبان فأوصى إخوانه بتبيان نواقضهم والثبات ضدهم، وأوصى بتصفية علماء السوء ودعاة الباطل، وقال: "هم أساس كل باطل؛ فلا ترحموهم ولا تتركوهم يسيرون في البلاد آمنين"، وكان هذا آخر ما أوصى به قبل أن يُقتل مقبلا غير مدبر، وقد آثر القتل في سبيل الله على الرضوخ والاستسلام، وصدّق العلم بالعمل وخضّب نحره بالدماء في الوقت الذي يستطيب فيه كثير من طلبة العلم القاعدين استخلافهم مع الولدان والنساء، فرحمك الله يا أبا إبراهيم رحمة واسعة، وأسكنك في عليين، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 359
السنة الرابعة عشرة - الخميس 10 ربيع الأول 1444 هـ ...المزيد
مساعدة
الإبلاغ عن المادة
تعديل تدوينة
قصة شهيد: أبو إبراهيم الخراساني (رحمه الله تعالى) صدّق العلم بالعمل إن الدعوة إلى الله ...
قصة شهيد:
أبو إبراهيم الخراساني (رحمه الله تعالى)
صدّق العلم بالعمل
إن الدعوة إلى الله تعالى هدي الأنبياء، وسبيل الصالحين الأتقياء، قال سبحانه وتعالى مخاطبا نبيه -صلى الله عليه وسلم-: {ٱدعُ إِلَىٰ ...المزيد
أبو إبراهيم الخراساني (رحمه الله تعالى)
صدّق العلم بالعمل
إن الدعوة إلى الله تعالى هدي الأنبياء، وسبيل الصالحين الأتقياء، قال سبحانه وتعالى مخاطبا نبيه -صلى الله عليه وسلم-: {ٱدعُ إِلَىٰ ...المزيد
خوف العاجل وتناسي الآجل الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وإمام ...
خوف العاجل وتناسي الآجل
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وإمام المتقين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.
لقد طغى على أهل هذا الزمان خوفهم من البشر أكثر من خوفهم من الله تعالى، وإيمانهم بالمحسوس المشاهد أكثر من إيمانهم بالغيب! وذلك لضعف إيمانهم وانعدام يقينهم وإسرافهم على أنفسهم، فصار الواحد منهم يخاف من وعيد السلطان أكثر من خوفه من وعيد القرآن، كما روي عن عثمان بن عفان -رضي الله عنه- "إنَّ اللهَ يزَعُ بالسلطانِ ما لا يزَعُ بالقرآنِ"، وذلك أنّ عذاب القرآن آجل لا يردع ضعيف الإيمان، أما عذاب السلطان فهو عاجل متحقق في الحال.
والإنسان يخاف من نوائب الدهر وحوادث الأيام، ويخاف على نفسه من الحيوانات المفترسة والهوام، ويخاف لقاء العدو في أرض المعركة، إلى غير ذلك مما يخافه البشر في العادة، فهذه طبيعة النفس البشرية. وكل ذلك لأنه محسوس مشاهد في واقعهم وحياتهم، فإنك إذا هددت شخصًا وقلت له سأعاقبك بعد شهر؛ تراخى في خوفه منك وربما لم يأبه بك ولا بتهديدك، لكن إن كان كلامك عن العقاب سيقع عاجلا وفي الحال، فإنه سيخاف منك ويرتدع، ولذا فأغلب الناس اليوم إن لم تخاطبهم من موقع القوة فلن يستمعوا إليك ولن يأبهوا بك إلا ما رحم ربك، وهو ما حدث مع النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- الذي كانت العرب تحترمه قبل الإسلام وتدعوه بالصادق الأمين كما روي في السير، ومع ذلك لما دعاهم إلى الإيمان وترك الشرك وخوَّفهم بالله تعالى وعذابه الآجل، لم يخافوا ولم يستجيبوا له ولم يستمعوا إليه، بل أعرضوا عنه وكذبوه واتهموه وحاربوا دعوته، لكن لما سلَّ عليهم سيوف الجهاد وفتح بلادهم، أذعنوا له ودخلوا في دين الله أفواجًا وقصة فتح مكة لا تخفى.
وفي ذلك قال حسان بن ثابت -رضي الله عنه-:
دعا المصطفى دهْرا بمكةَ لم يُجَبْ
وقد لان مِنه جانبٌ وخِطَابُ
فلما دعا والسيفُ صَلْتٌ بكفِّه
له أسلموا واستسلموا وأنابوا
فأكثر الناس اليوم يخشون من العذاب الدنيوي الذي يقع عليهم، لكن يتساهلون ويتمادون ويتجاهلون وعيد الله تعالى للمقصرين منهم بالعذاب الأخروي يوم القيامة، ولهذا كان عيش المنافقين تحت ظل دولة النبي -صلى الله عليه وسلم- خوفًا من بطشه، فقد أظهروا الإسلام وأبطنوا كفرهم، وما ذلك إلا خوفًا من العذاب الحسي الذي سيقع عليهم، في حين أنهم لم يكونوا يخافون العذاب الذي توعدهم الله به في يوم القيامة، كما في قوله تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} [النساء].
- خوف السلف من الآجل
أما عباد الله المؤمنون المتقون، فقد اجتهدوا في تحقيق الخشية من الله تعالى، حتى جعلوا خوفهم من العذاب الغيبي الآجل، أشد من خوفهم من العذاب الحسي العاجل، وهنا يظهر لك الفرق بين زماننا هذا وزمان الصحابة -رضي الله عنهم- وكذا زمان السلف رحمهم الله تعالى، فأنت تتعجب عندما تسمع أنّ بعض السلف كان يُغمى عليهم مِن سماع آيات العذاب أو عند تذكّر الموت! لكنك لا تتعجب البتة عندما تسمع أن رجلا أغمي عليه خوفًا من هجوم أسد مفترس، أو خوفًا من بطش حاكم ظالم، أو غير ذلك من ضروب الخوف الحسي.
فالسلف رضوان الله عليهم، اجتهدوا في تزكية أنفسهم وتحقيق التقوى والخشية من الله حتى وصلوا مرحلة من الإيمان صار فيها خوفهم من الله تعالى يفوق هذا الخوف الحسي المشاهد، ولهذا تسمع قصص ثباتهم أمام السلاطين وصدعهم بالحق في وجه الحكام المتجبرين، وتسمع قصص ثباتهم واستبسالهم في المعارك ضد الكافرين.
- نماذج من خوف السابقين واللاحقين
ومن نماذج قصص السابقين في تقديم خوفهم من الآجل على العاجل، ثبات سحرة فرعون بعد الإيمان فلم يعودوا يخافون من عذاب فرعون العاجل المتحقق، بعد أن امتلأت قلوبهم بالخوف من الله تعالى، وهؤلاء أصحاب الأخدود يُلقَونَ في حفر النيران ثابتين دون أن ينكصوا أو يبدلوا دينهم أو يرضخوا لعذاب الطاغوت المتحقق في الحال.
وهذا يجعلك تستوعب قصص "قتيل القرآن" كيف كان أحدهم يسمع قوله تعالى: {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ} فيخر صريعا ميتا لا حراك فيه، [التوابين لابن قدامة]، وكذا قصة من كان يبول دمًا خوفًا من عذاب النار والآخرة، كما روي عن سفيان الثوري وإبراهيم بن أدهم وغيرهم رحمهم الله، فهؤلاء جميعا امتلأت قلوبهم بالخوف من الله تعالى وعذابه الآجل.وهذا هو الذي يوضح لك كيف ثبت المجاهدون وذراريهم تحت قصف القاصفات ورجم الراجمات بأم القنابل وأطنان الصواريخ في الباغوز والموصل وغيرها، وهذا يبين لك كيف ثبتت ثلة قليلة من المجاهدين أمام أعتى حملة صليبية عرفها التاريخ، وما ذلك إلا لأنهم أيقنوا بوعد الله تعالى وخافوا عذابه بعد أن آمنوا به إيمانا جازما حتى كأنهم صاروا يرونه رأي العين، وهذا من معاني الإحسان كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- عندما سأله جبريل -عليه السلام- عن الإحسان فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) [مسلم]
فهذه القصص تحفز المجاهد على أن يرفع من إيمانه ويزيد في طاعته وتقواه حتى يحقق الخشية التي تصل به إلى هذه المرحلة الإيمانية.
- الاستشهاديون وعين اليقين
ولعل من أقرب الناس في عصرنا إلى هذه المرحلة الإيمانية اليقينيّة، هم الاستشهاديون الذين آثروا الباقية على الفانية، وتركوا الدنيا وما فيها طلبا لما عند الله، فترى أحدهم مقدمًا على الموت راكبًا مركبه، عاقرًا جواده، مبتسمًا غير خائف من نيران العدو التي تنهمر عليه كالمطر لحظة وثبته نحو هدفه، ولا من النار التي تذيب جسده لحظة التفجير، مصداقا لقوله تعالى: {فَيُقتَلَونَ وَيَقتُلونَ} في قراءة الكسائي وحمزة، فما هذا إلا لما علمه وتيقن به عند الله من جنة ونعيم ونار وجحيم، فخوف النار شغله عن خوف نار المتفجرات التي تصلاه عند التنفيذ، ورجاء ما عند الله من نعيم مقيم شغله عن نعيم الدنيا الفانية فهجرها وأقبل نحو الموت مقداما فرحا بموعود الله الذي كأنه يراه رأي العين، بعد أن أيقن أن أقصر الطرق إلى مرضاة الله تعالى هي إزهاق النفس في سبيله سبحانه، بعد أن قرأ سيرة البراء وحديقة الموت، وتمعن في طلب خالد للشهادة، فعاش حياته باحثا عن الموت في سبيل الله تعالى، طالبا للفوز الكبير، فما الدنيا في عينيه إلا جناح بعوضة بل أقل.
فهذا نموذج حيٌّ أمامك تراه وتسمع به ممن آثروا الآجل على العاجل، وخافوا الغيب قبل المحسوس، فلك ولنا فيهم قدوة وهم -والله- أسوة حسنة لكل متأس مقتد، فاسلك طريقهم وتابع مسيرهم وأخلص نيتك لله، وسله سبحانه أن يثبتك على هذا الطريق ويملأ قلبك بالخشية منه واليقين بوعده، فتلك جنة الدنيا التي توصلك إلى جنة الآخرة. والحمد لله رب العالمين.
● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 359
السنة الرابعة عشرة - الخميس 10 ربيع الأول 1444 هـ ...المزيد
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وإمام المتقين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.
لقد طغى على أهل هذا الزمان خوفهم من البشر أكثر من خوفهم من الله تعالى، وإيمانهم بالمحسوس المشاهد أكثر من إيمانهم بالغيب! وذلك لضعف إيمانهم وانعدام يقينهم وإسرافهم على أنفسهم، فصار الواحد منهم يخاف من وعيد السلطان أكثر من خوفه من وعيد القرآن، كما روي عن عثمان بن عفان -رضي الله عنه- "إنَّ اللهَ يزَعُ بالسلطانِ ما لا يزَعُ بالقرآنِ"، وذلك أنّ عذاب القرآن آجل لا يردع ضعيف الإيمان، أما عذاب السلطان فهو عاجل متحقق في الحال.
والإنسان يخاف من نوائب الدهر وحوادث الأيام، ويخاف على نفسه من الحيوانات المفترسة والهوام، ويخاف لقاء العدو في أرض المعركة، إلى غير ذلك مما يخافه البشر في العادة، فهذه طبيعة النفس البشرية. وكل ذلك لأنه محسوس مشاهد في واقعهم وحياتهم، فإنك إذا هددت شخصًا وقلت له سأعاقبك بعد شهر؛ تراخى في خوفه منك وربما لم يأبه بك ولا بتهديدك، لكن إن كان كلامك عن العقاب سيقع عاجلا وفي الحال، فإنه سيخاف منك ويرتدع، ولذا فأغلب الناس اليوم إن لم تخاطبهم من موقع القوة فلن يستمعوا إليك ولن يأبهوا بك إلا ما رحم ربك، وهو ما حدث مع النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- الذي كانت العرب تحترمه قبل الإسلام وتدعوه بالصادق الأمين كما روي في السير، ومع ذلك لما دعاهم إلى الإيمان وترك الشرك وخوَّفهم بالله تعالى وعذابه الآجل، لم يخافوا ولم يستجيبوا له ولم يستمعوا إليه، بل أعرضوا عنه وكذبوه واتهموه وحاربوا دعوته، لكن لما سلَّ عليهم سيوف الجهاد وفتح بلادهم، أذعنوا له ودخلوا في دين الله أفواجًا وقصة فتح مكة لا تخفى.
وفي ذلك قال حسان بن ثابت -رضي الله عنه-:
دعا المصطفى دهْرا بمكةَ لم يُجَبْ
وقد لان مِنه جانبٌ وخِطَابُ
فلما دعا والسيفُ صَلْتٌ بكفِّه
له أسلموا واستسلموا وأنابوا
فأكثر الناس اليوم يخشون من العذاب الدنيوي الذي يقع عليهم، لكن يتساهلون ويتمادون ويتجاهلون وعيد الله تعالى للمقصرين منهم بالعذاب الأخروي يوم القيامة، ولهذا كان عيش المنافقين تحت ظل دولة النبي -صلى الله عليه وسلم- خوفًا من بطشه، فقد أظهروا الإسلام وأبطنوا كفرهم، وما ذلك إلا خوفًا من العذاب الحسي الذي سيقع عليهم، في حين أنهم لم يكونوا يخافون العذاب الذي توعدهم الله به في يوم القيامة، كما في قوله تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} [النساء].
- خوف السلف من الآجل
أما عباد الله المؤمنون المتقون، فقد اجتهدوا في تحقيق الخشية من الله تعالى، حتى جعلوا خوفهم من العذاب الغيبي الآجل، أشد من خوفهم من العذاب الحسي العاجل، وهنا يظهر لك الفرق بين زماننا هذا وزمان الصحابة -رضي الله عنهم- وكذا زمان السلف رحمهم الله تعالى، فأنت تتعجب عندما تسمع أنّ بعض السلف كان يُغمى عليهم مِن سماع آيات العذاب أو عند تذكّر الموت! لكنك لا تتعجب البتة عندما تسمع أن رجلا أغمي عليه خوفًا من هجوم أسد مفترس، أو خوفًا من بطش حاكم ظالم، أو غير ذلك من ضروب الخوف الحسي.
فالسلف رضوان الله عليهم، اجتهدوا في تزكية أنفسهم وتحقيق التقوى والخشية من الله حتى وصلوا مرحلة من الإيمان صار فيها خوفهم من الله تعالى يفوق هذا الخوف الحسي المشاهد، ولهذا تسمع قصص ثباتهم أمام السلاطين وصدعهم بالحق في وجه الحكام المتجبرين، وتسمع قصص ثباتهم واستبسالهم في المعارك ضد الكافرين.
- نماذج من خوف السابقين واللاحقين
ومن نماذج قصص السابقين في تقديم خوفهم من الآجل على العاجل، ثبات سحرة فرعون بعد الإيمان فلم يعودوا يخافون من عذاب فرعون العاجل المتحقق، بعد أن امتلأت قلوبهم بالخوف من الله تعالى، وهؤلاء أصحاب الأخدود يُلقَونَ في حفر النيران ثابتين دون أن ينكصوا أو يبدلوا دينهم أو يرضخوا لعذاب الطاغوت المتحقق في الحال.
وهذا يجعلك تستوعب قصص "قتيل القرآن" كيف كان أحدهم يسمع قوله تعالى: {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ} فيخر صريعا ميتا لا حراك فيه، [التوابين لابن قدامة]، وكذا قصة من كان يبول دمًا خوفًا من عذاب النار والآخرة، كما روي عن سفيان الثوري وإبراهيم بن أدهم وغيرهم رحمهم الله، فهؤلاء جميعا امتلأت قلوبهم بالخوف من الله تعالى وعذابه الآجل.وهذا هو الذي يوضح لك كيف ثبت المجاهدون وذراريهم تحت قصف القاصفات ورجم الراجمات بأم القنابل وأطنان الصواريخ في الباغوز والموصل وغيرها، وهذا يبين لك كيف ثبتت ثلة قليلة من المجاهدين أمام أعتى حملة صليبية عرفها التاريخ، وما ذلك إلا لأنهم أيقنوا بوعد الله تعالى وخافوا عذابه بعد أن آمنوا به إيمانا جازما حتى كأنهم صاروا يرونه رأي العين، وهذا من معاني الإحسان كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- عندما سأله جبريل -عليه السلام- عن الإحسان فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) [مسلم]
فهذه القصص تحفز المجاهد على أن يرفع من إيمانه ويزيد في طاعته وتقواه حتى يحقق الخشية التي تصل به إلى هذه المرحلة الإيمانية.
- الاستشهاديون وعين اليقين
ولعل من أقرب الناس في عصرنا إلى هذه المرحلة الإيمانية اليقينيّة، هم الاستشهاديون الذين آثروا الباقية على الفانية، وتركوا الدنيا وما فيها طلبا لما عند الله، فترى أحدهم مقدمًا على الموت راكبًا مركبه، عاقرًا جواده، مبتسمًا غير خائف من نيران العدو التي تنهمر عليه كالمطر لحظة وثبته نحو هدفه، ولا من النار التي تذيب جسده لحظة التفجير، مصداقا لقوله تعالى: {فَيُقتَلَونَ وَيَقتُلونَ} في قراءة الكسائي وحمزة، فما هذا إلا لما علمه وتيقن به عند الله من جنة ونعيم ونار وجحيم، فخوف النار شغله عن خوف نار المتفجرات التي تصلاه عند التنفيذ، ورجاء ما عند الله من نعيم مقيم شغله عن نعيم الدنيا الفانية فهجرها وأقبل نحو الموت مقداما فرحا بموعود الله الذي كأنه يراه رأي العين، بعد أن أيقن أن أقصر الطرق إلى مرضاة الله تعالى هي إزهاق النفس في سبيله سبحانه، بعد أن قرأ سيرة البراء وحديقة الموت، وتمعن في طلب خالد للشهادة، فعاش حياته باحثا عن الموت في سبيل الله تعالى، طالبا للفوز الكبير، فما الدنيا في عينيه إلا جناح بعوضة بل أقل.
فهذا نموذج حيٌّ أمامك تراه وتسمع به ممن آثروا الآجل على العاجل، وخافوا الغيب قبل المحسوس، فلك ولنا فيهم قدوة وهم -والله- أسوة حسنة لكل متأس مقتد، فاسلك طريقهم وتابع مسيرهم وأخلص نيتك لله، وسله سبحانه أن يثبتك على هذا الطريق ويملأ قلبك بالخشية منه واليقين بوعده، فتلك جنة الدنيا التي توصلك إلى جنة الآخرة. والحمد لله رب العالمين.
● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 359
السنة الرابعة عشرة - الخميس 10 ربيع الأول 1444 هـ ...المزيد
الحرية في زمن العبودية كان من نتائج ترك المسلمين للجهاد؛ غزو الكافرين لبلادهم وسيطرتهم عليها ...
الحرية في زمن العبودية
كان من نتائج ترك المسلمين للجهاد؛ غزو الكافرين لبلادهم وسيطرتهم عليها إما مباشرة أو عبر الوكلاء، وقد صاحب هذا الغزو الميداني؛ غزو عقائدي خطير، سعوا من خلاله إلى تبديل وتغيير عقيدة المسلمين إلى أي شيء آخر غير دين الإسلام، حتى انجرف كثير من بني جلدتنا في سيل هذه الفتن ممن اتبعوا أهواءهم، فصارت قلوبهم لا تعرف معروفا ولا تنكر منكرا إلا ما أشْرِبت من أهوائها، وأضحوا جاهزين ليكونوا معاول هدم لدين الإسلام، فتمّ على إثر ذلك تصديرهم في الواقع والمواقع والشاشات؛ لينفثوا سمومهم، ويدعوا لباطلهم، ويشككوا المسلمين بدينهم، رافعين شعارات ولافتات كثيرة، من أخطرها: "الحرية الشخصية"!
وباسم هذه "الحرية" المزعومة تجرأ الكفرة الفجرة على الطعن في ذات الله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ولم يُبقوا أصلا من أصول الدين ولا فرعا من فروعه إلا طالته شبههم العابثةُ بعقيدة المسلمين، فلا بأس عند أهل هذه "الحرية" ودعاتها أن يرتد المسلم عن دينه فهو حر في اعتقاده! ولا بأس أيضا أن يفعل من الفواحش ما يشاء فهو حر في تصرفاته! ولا بأس إن ترك الصلاة والصيام والزكاة وكل العبادات ما دام لم يؤذِ أحدا غيره! وهؤلاء -الذين تقدمهم وسائل الإعلام على أنهم "مفكّرون" و"مثقّفون"- إن لم يردوا الناس عن دينهم بالكليّة، فأقلّ شرهم أنهم يفتحون باب التشكيك في فطرة الله التي فطر الناس عليها، ويحاولون أن يَنْكسوا فطرة الناس عن الهدى والفضيلة، بمزج شبهات كفرهم بالشهوات والأهواء وحظوظ النفس، وخطورة هؤلاء "المتحررين" الزنادقة في زماننا أشد وأخطر من الأزمنة السابقة، لانتشارهم وتغلغلهم بين المسلمين وتقديم التسهيلات لهم من قبل الحكومات الكافرة والمرتدة.
وترتبت على انتشار هذه الدعوة الفاسدة شرعا وعقلا -الحرية الشخصية- مفاسد عظيمة، تناقض الإسلام في أصوله، منها: تهوين كفر الكفار وعظيم جرمهم بحق الله تعالى، وتسهيل الردة عن دين الإسلام، والتي حكمها في شرع الله تعالى القتل كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (من بدّل دينه فاقتلوه) [البخاري]، ومنها: إماتة الغيرة على الدين وتمييع الولاء والبراء في نفوس المسلمين، ومنها: أن يسمع المسلمون من يقول لمن يأمر بالمعروف ويدعو للإسلام وينهى عن المنكر ويحذّر من الكفر: "لا تتدخل فيما لا يعنيك"! في مصادمة واضحة ومخالفة فاضحة لنصوص الوحيين، كقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (والَّذي نفسي بيدِه لتأمُرُنَّ بالمعروفِ ولتنهَوُنَّ عن المنكرِ أو ليوشِكَنَّ اللهُ أن يبعثَ عليكم عذابًا منه ثمَّ تدعونه فلا يستجيبُ لكم) [الترمذي]، ومنها أيضا: تفتيت أُسَر المسلمين بدعوى حرية الأبناء، وتفتيت المجتمع المسلم نتيجة لذلك وتفريق صفهم وزرع الفرقة بينهم، ومنها: انتشار الفجور والخمور والفواحش المهلكة، في مجتمع لا يُسمح له بالأمر بالمعروف ولا النهي عن المنكر، كل ذلك تحت طغيان هذه الزندقة المسماة بـ"الحرية الشخصية"!
وكما في كثير من الدعاوى الكفرية، التي يحاول أصحابها أن يُضفوا عليها صبغة الشرع ولو كانت مصادمة له مناقضة لأصوله، فيلووا أعناق النصوص ويحوّروها لتوافق أهواءهم، وتصير تبعا لما تشتهي أنفسهم وأنفس داعميهم؛ فنجد من يقول بأن الإسلام يدعو للحرية الشخصية!! ويؤلفون في ذلك المؤلفات ويكتبون المقالات ويعقدون الندوات، في كذب وافتراء على الله تعالى وقولهم في دينه ما ليس منه، إلى الحد الذي تشمئزّ منه نفوس المؤمنين والله المستعان، ومما عمّ شره من ذلك، ما ينشرونه بين المسلمين من شبهة "حرية الأديان" محرّفين معنى قول الله تعالى: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [الكافرون] والتي فيها المفاصلة التامة مع الكفار والبراءة منهم، وقوله تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة] قال ابن كثير: "أي لا تكرهوا أحدا على الدخول في دين الإسلام فإنه بيِّنٌ واضح جلي دلائله وبراهينه لا يحتاج إلى أن يُكرَه أحد على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره ونور بصيرته دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرها مقسورا" [التفسير]، أو هي متعلقة بأهل الكتاب الذين اختاروا دفع الجزية للمسلمين، فهذه التأويلات لم يتضمّن أحدها ما يدعو إليه هؤلاء الزنادقة "المتحررون"، بل لم يفهم منها النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا صحابته الكرام ترك الناس ودينهم! بل امتثلوا أمر الله تعالى بقتالهم حتى أتاهم اليقين، قال تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}. [التوبة]لقد أعطانا الإسلام الحرية في تخيير أهل الكتاب بين الإسلام أو الجزية عن صغار، أو أن نقطع أعناقهم وننثر أشلاءهم، وأعطانا الإسلام الحرية في أن ندقّ عنق المرتد عن دين الله ليكون عبرة لغيره، فهذه هي الحرية في الإسلام التي تعني العبودية المطلقة لله تعالى وحده.
إن الحرية في الإسلام هي التحرر من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، فالمسلم عبد لله وحده، يأتمر بأمره، وينتهي بنهيه، ودعاة الحرية هؤلاء هم في الحقيقة عبيد لأهوائهم وشياطينهم، وعبوديتهم للهوى والشهوات هي التي تدفعهم للمناداة بالحرية الشخصية وتعظيمها؛ وأمام ذلك، فإنه يجب على المسلمين أن يحاربوا هذه العبودية الشركية المغلّفة باسم "الحرية"، والتي جاءت نتيجة غرس قديم لبذور الانحراف بين مجتمعاتهم، بأيدي "مفكّرين" انسلخوا عن دينهم، واستوردوا أفكارا من الشرق أو الغرب، باسم "التحرر" و"التطور" و"الديموقراطية"؛ ليغزوا بها ديارهم، ويعبّدوهم لشهواتهم، كما يجب عليهم أيضا أن يحاربوا أصحاب هذه الدعوات والمدافعين عنها، باللسان والسنان، بعد البراءة منهم قولا وعملا أسوة بملة إبراهيم -عليه السلام-.
وعلى المسلمين أيضًا أن يحصّنوا أنفسهم وأهليهم وإخوانهم من هذه المناهج والدعوات الكفرية، وأن يتذكروا أنها سبب لدخول نار جهنم والعياذ بالله، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ..} [التحريم]، وأن يحرصوا على أن يكون هواهم تبعاً لما جاء به الشرع الحنيف.
كما على المجاهدين خصوصًا، أن يتأمّلوا عظيم فضل الله عليهم بهدايتهم إلى سبيل النجاة في الوقت الذي يعبد فيه الناس شهواتهم وأهواءهم وأموالهم، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (تَعِس عبدُ الدينار، تعس عبدُ الدرهم، تعِس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، إن أعطي رضي، وإن لم يعطَ سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبدٍ أخذٍ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه مغبرةٌ قدماه..) [البخاري]
وفي الحديث دلالة على أن الجهاد سبب لنجاة العبد من فتن الدنيا والآخرة، والمجاهدون هم أكثر الناس حرصا على تحرير الناس من جور الأديان إلى عدل الإسلام، والحمد لله رب العالمين.
● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 359
السنة الرابعة عشرة - الخميس 10 ربيع الأول 1444 هـ ...المزيد
كان من نتائج ترك المسلمين للجهاد؛ غزو الكافرين لبلادهم وسيطرتهم عليها إما مباشرة أو عبر الوكلاء، وقد صاحب هذا الغزو الميداني؛ غزو عقائدي خطير، سعوا من خلاله إلى تبديل وتغيير عقيدة المسلمين إلى أي شيء آخر غير دين الإسلام، حتى انجرف كثير من بني جلدتنا في سيل هذه الفتن ممن اتبعوا أهواءهم، فصارت قلوبهم لا تعرف معروفا ولا تنكر منكرا إلا ما أشْرِبت من أهوائها، وأضحوا جاهزين ليكونوا معاول هدم لدين الإسلام، فتمّ على إثر ذلك تصديرهم في الواقع والمواقع والشاشات؛ لينفثوا سمومهم، ويدعوا لباطلهم، ويشككوا المسلمين بدينهم، رافعين شعارات ولافتات كثيرة، من أخطرها: "الحرية الشخصية"!
وباسم هذه "الحرية" المزعومة تجرأ الكفرة الفجرة على الطعن في ذات الله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ولم يُبقوا أصلا من أصول الدين ولا فرعا من فروعه إلا طالته شبههم العابثةُ بعقيدة المسلمين، فلا بأس عند أهل هذه "الحرية" ودعاتها أن يرتد المسلم عن دينه فهو حر في اعتقاده! ولا بأس أيضا أن يفعل من الفواحش ما يشاء فهو حر في تصرفاته! ولا بأس إن ترك الصلاة والصيام والزكاة وكل العبادات ما دام لم يؤذِ أحدا غيره! وهؤلاء -الذين تقدمهم وسائل الإعلام على أنهم "مفكّرون" و"مثقّفون"- إن لم يردوا الناس عن دينهم بالكليّة، فأقلّ شرهم أنهم يفتحون باب التشكيك في فطرة الله التي فطر الناس عليها، ويحاولون أن يَنْكسوا فطرة الناس عن الهدى والفضيلة، بمزج شبهات كفرهم بالشهوات والأهواء وحظوظ النفس، وخطورة هؤلاء "المتحررين" الزنادقة في زماننا أشد وأخطر من الأزمنة السابقة، لانتشارهم وتغلغلهم بين المسلمين وتقديم التسهيلات لهم من قبل الحكومات الكافرة والمرتدة.
وترتبت على انتشار هذه الدعوة الفاسدة شرعا وعقلا -الحرية الشخصية- مفاسد عظيمة، تناقض الإسلام في أصوله، منها: تهوين كفر الكفار وعظيم جرمهم بحق الله تعالى، وتسهيل الردة عن دين الإسلام، والتي حكمها في شرع الله تعالى القتل كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (من بدّل دينه فاقتلوه) [البخاري]، ومنها: إماتة الغيرة على الدين وتمييع الولاء والبراء في نفوس المسلمين، ومنها: أن يسمع المسلمون من يقول لمن يأمر بالمعروف ويدعو للإسلام وينهى عن المنكر ويحذّر من الكفر: "لا تتدخل فيما لا يعنيك"! في مصادمة واضحة ومخالفة فاضحة لنصوص الوحيين، كقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (والَّذي نفسي بيدِه لتأمُرُنَّ بالمعروفِ ولتنهَوُنَّ عن المنكرِ أو ليوشِكَنَّ اللهُ أن يبعثَ عليكم عذابًا منه ثمَّ تدعونه فلا يستجيبُ لكم) [الترمذي]، ومنها أيضا: تفتيت أُسَر المسلمين بدعوى حرية الأبناء، وتفتيت المجتمع المسلم نتيجة لذلك وتفريق صفهم وزرع الفرقة بينهم، ومنها: انتشار الفجور والخمور والفواحش المهلكة، في مجتمع لا يُسمح له بالأمر بالمعروف ولا النهي عن المنكر، كل ذلك تحت طغيان هذه الزندقة المسماة بـ"الحرية الشخصية"!
وكما في كثير من الدعاوى الكفرية، التي يحاول أصحابها أن يُضفوا عليها صبغة الشرع ولو كانت مصادمة له مناقضة لأصوله، فيلووا أعناق النصوص ويحوّروها لتوافق أهواءهم، وتصير تبعا لما تشتهي أنفسهم وأنفس داعميهم؛ فنجد من يقول بأن الإسلام يدعو للحرية الشخصية!! ويؤلفون في ذلك المؤلفات ويكتبون المقالات ويعقدون الندوات، في كذب وافتراء على الله تعالى وقولهم في دينه ما ليس منه، إلى الحد الذي تشمئزّ منه نفوس المؤمنين والله المستعان، ومما عمّ شره من ذلك، ما ينشرونه بين المسلمين من شبهة "حرية الأديان" محرّفين معنى قول الله تعالى: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [الكافرون] والتي فيها المفاصلة التامة مع الكفار والبراءة منهم، وقوله تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة] قال ابن كثير: "أي لا تكرهوا أحدا على الدخول في دين الإسلام فإنه بيِّنٌ واضح جلي دلائله وبراهينه لا يحتاج إلى أن يُكرَه أحد على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره ونور بصيرته دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرها مقسورا" [التفسير]، أو هي متعلقة بأهل الكتاب الذين اختاروا دفع الجزية للمسلمين، فهذه التأويلات لم يتضمّن أحدها ما يدعو إليه هؤلاء الزنادقة "المتحررون"، بل لم يفهم منها النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا صحابته الكرام ترك الناس ودينهم! بل امتثلوا أمر الله تعالى بقتالهم حتى أتاهم اليقين، قال تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}. [التوبة]لقد أعطانا الإسلام الحرية في تخيير أهل الكتاب بين الإسلام أو الجزية عن صغار، أو أن نقطع أعناقهم وننثر أشلاءهم، وأعطانا الإسلام الحرية في أن ندقّ عنق المرتد عن دين الله ليكون عبرة لغيره، فهذه هي الحرية في الإسلام التي تعني العبودية المطلقة لله تعالى وحده.
إن الحرية في الإسلام هي التحرر من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، فالمسلم عبد لله وحده، يأتمر بأمره، وينتهي بنهيه، ودعاة الحرية هؤلاء هم في الحقيقة عبيد لأهوائهم وشياطينهم، وعبوديتهم للهوى والشهوات هي التي تدفعهم للمناداة بالحرية الشخصية وتعظيمها؛ وأمام ذلك، فإنه يجب على المسلمين أن يحاربوا هذه العبودية الشركية المغلّفة باسم "الحرية"، والتي جاءت نتيجة غرس قديم لبذور الانحراف بين مجتمعاتهم، بأيدي "مفكّرين" انسلخوا عن دينهم، واستوردوا أفكارا من الشرق أو الغرب، باسم "التحرر" و"التطور" و"الديموقراطية"؛ ليغزوا بها ديارهم، ويعبّدوهم لشهواتهم، كما يجب عليهم أيضا أن يحاربوا أصحاب هذه الدعوات والمدافعين عنها، باللسان والسنان، بعد البراءة منهم قولا وعملا أسوة بملة إبراهيم -عليه السلام-.
وعلى المسلمين أيضًا أن يحصّنوا أنفسهم وأهليهم وإخوانهم من هذه المناهج والدعوات الكفرية، وأن يتذكروا أنها سبب لدخول نار جهنم والعياذ بالله، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ..} [التحريم]، وأن يحرصوا على أن يكون هواهم تبعاً لما جاء به الشرع الحنيف.
كما على المجاهدين خصوصًا، أن يتأمّلوا عظيم فضل الله عليهم بهدايتهم إلى سبيل النجاة في الوقت الذي يعبد فيه الناس شهواتهم وأهواءهم وأموالهم، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (تَعِس عبدُ الدينار، تعس عبدُ الدرهم، تعِس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، إن أعطي رضي، وإن لم يعطَ سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبدٍ أخذٍ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه مغبرةٌ قدماه..) [البخاري]
وفي الحديث دلالة على أن الجهاد سبب لنجاة العبد من فتن الدنيا والآخرة، والمجاهدون هم أكثر الناس حرصا على تحرير الناس من جور الأديان إلى عدل الإسلام، والحمد لله رب العالمين.
● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 359
السنة الرابعة عشرة - الخميس 10 ربيع الأول 1444 هـ ...المزيد
التوكل.. حقيقته وثماره إن التوكل على الله تعالى من صفات عباده المؤمنين الخاشعين الذين جلّى ...
التوكل.. حقيقته وثماره
إن التوكل على الله تعالى من صفات عباده المؤمنين الخاشعين الذين جلّى الله صفاتهم في كتابه الكريم فقال فيهم: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال]، والتوكّل عبادة عظيمة يُتقرّب بها إلى الله تعالى، وقد أمر الله بها الأنبياء والمرسلين وعباده المؤمنين في مواضع عديدة منها قوله لنبيه محمد -صلى الله عليه وسلم-: {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ}[هود]، قال الإمام الطبري: "يقول: فاعبد ربك يا محمد، (وتوكل عليه): فوِّض أمرك إليه، وثِق به وبكفايته، فإنه كافي من توكل عليه"، ومنها قوله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}[التوبة]، إلى غيرها من الآيات.. فما المقصود بالتوكل؟ وما حقيقته؟ وما آثاره وفوائده للمسلم في الدنيا والآخرة؟
- حقيقة التوكل
إنّ التوكل عبادة من أعظم الأعمال القلبية التي لا يعلم صدقها وحقيقتها إلا الله تعالى، وحقيقة التوكل كما عرّفها ابن رجب -رحمه الله-: "هو صدق اعتماد القلب على الله -عز وجل- في استجلاب المصالح ودفع المضار من أمور الدنيا والآخرة كلها، وَكِلَةُ الأمورِ كلِّها إليه، وتحقيق الإيمان بأنه لا يعطي ولا يمنع ولا يضر ولا ينفع سواه" [جامع العلوم والحكم].
والتوكل على الله تعالى شرط من شروط الإيمان به سبحانه، ولذلك قَرَن الله تعالى بين التوكل والإيمان فقال تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة]، وقال أيضا: {يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ} [يونس]، وحول ذلك يقول ابن القيم -رحمه الله-: "هل خاطب الله بالتوكل في كتابه إلا خواصَّ خلقِه وأقربَهم إليه وأكرمَهم عليه؟ وشرط في إيمانهم أن يكونوا متوكلين، والمعلّق على الشرط يُعدم عند عدمه، وهذا يدل على انتفاء الإيمان عند انتفاء التوكل، فمن لا توكل له لا إيمان له، قال الله تعالى: {وَعَلى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة]، وقال تعالى: {وَعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ} [آل عمران]، وقال تعالى: {إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال]، وهذا يدل على انحصار المؤمنين فيمن كان بهذه الصفة" [مدارج السالكين].
- توكل الأنبياء
ولا تظهر حقيقة التوكل على الله إلا عند الخطوب ووقوع الكروب، وأكمل الخلق إيمانا وأشدهم توكلا على الله سبحانه هم الأنبياء، ولنا في مواقفهم عظاتٌ وعبر، فهذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، ومن قبلهم إبراهيم -عليه السلام- التجأوا لربهم وفوضوا أمرهم لبارئهم سبحانه، وتوكلوا عليه في مواقف شديدة، ظهر فيها صدق توكلهم على الله، فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم -عليه السلام- حين ألْقيَ في النار، وقالها محمد -صلى الله عليه وسلم- حين قالوا: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}" [أخرجه البخاري]، فما كان من أمر إبراهيم -عليه السلام- إلا أن نجّاه الله من النار، فجعلها سبحانه بردا وسلاما عليه، وجعل أعداءه الذين أرادوا به كيدا من الخاسرين، قال تعالى: {وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ}، وأما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه فقد انقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء، وذلك بفضل الله وإحسانه عليهم، فعندما توكلوا على ربهم حق توكله وتبرأوا من حولهم وقوتهم كفاهم الله ما يحذرون منه ونجاهم من عدوهم، كما نجّى موسى -عليه السلام- حين توكّل على ربه حق التوكّل لمّا أتبعه فرعون وجنوده، قال تعالى: {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء] فانظر إلى عظيم توكّلِ موسى -عليه السلام- وانظر عاقبة هذا التوكّل، فقد نجّى الله تعالى موسى ومَن معه مِن هذا الموقف العصيب، ففلق له البحر وأغرق فرعون وجنوده فيه، قال الله تعالى: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق].- التوكل لا ينافي الأخذ بالأسباب
وقد يُفهم أن التوكل على الله تعالى هو تركُ الأخذ بالأسباب لتحقيق أي مطلب من مطالب الدين والدنيا، وهذا مخالف لما أمر الله به بل هو تعطيل لجانب التوحيد وعدم فهم التوكل فهما صحيحا كما أمر الله به سبحانه، فالأخذ بالأسباب واجبٌ شرعيٌ لابد منه لتحقيق المراد مع عدم الاعتماد عليه والركون إليه وتعلق القلب فيه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "قال طائفة من العلماء: الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسباباً نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قَدْحٌ في الشريعة، وإنما التوكل المأمور به ما اجتمع فيه مقتضى التوحيد والعقل والشرع" [التحفة العراقية]، وقال تلميذه ابن القيم -رحمه الله-: "وأجمع القومُ على أن التوكل لا ينافي القيامَ بالأسباب، فلا يصح التوكل إلا مع القيام بها، وإلا فهو بطالةٌ وتوكلٌ فاسد" [مدارج السالكين].
والمتأمل في كتاب الله جل وعلا يجد أن الأخذ بالأسباب قد أمر الله به وذكر ذلك في مواطن عديدة، فقال سبحانه محذراً عباده المؤمنين من غدر الكافرين: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ} [النساء]، وقال -جل شأنه- في الإعداد وقتال الكافرين: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ} [الأنفال]، وأمر عباده بطلب الرزق فقال تعالى: {هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ ذَلُولًا فَٱمْشُواْ فِى مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ} [الملك]، وقال سبحانه: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة]، ففي هذه الآيات وغيرها الكثير ما يدل على الأخذ بالأسباب مع التوكل على الله تعالى، قال ابن القيم -رحمه الله-: "فلا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله تعالى، وإن تعطيلها يقدح في نفس التوكل، وإن تركها عجْزٌ ينافي التوكل الذي حقيقته اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه، ودفع ما يضره في دينه ودنياه، ولا بد من هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب، وإلا كان معطلاً للحكمة والشرع، فلا يجعل العبد عجزه توكلاً ولا توكله عجزاً" [زاد المعاد].
- ثمار التوكل
وإذا استقرت في قلب العبد حقيقة التوكل على الله نال بذلك ثمرات هذه العبادة العظيمة، ولعل من أفضل ثمرات التوكل وأعظمها هي محبة الله سبحانه وتعالى للعبد، قال تعالى: {فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران]، وإذا أحب اللهُ عبداً نال السعادة في الدارين، ومن ثمرات التوكل على الله: الحفظ من الشيطان ومكائده؛ إذ أن الشيطان يفرّ من المؤمنين المتوكلين على الله في كل شأنهم فلا سلطان له عليهم قال تعالى: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [النحل].
ومن ثمراته: الهداية من الضلال والكفاية من أمور الدنيا والوقاية من المكاره قال -صلى الله عليه وسلم-: (من قال -يعنى إذا خرج من بيته-: "بسم الله توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله" يقال له: "كفيت ووقيت وهُديت وتنحى عنه الشيطان"، فيقول لشيطان آخر: "كيف لك برجل قد هُدِي وكُفِي وَوُقِي") [أبو داوود وابن حبان]، قال ابن القيّم -رحمه الله-: "والتوكل من أقوى الأسباب التي يدفع بها العبد ما لا يطيق من أذى الخلق وظلمهم وعدوانهم، وهو من أقوى الأسباب في ذلك، فإن الله حسبه أي كافيه، ومَن كان الله كافيه وواقيه فلا مطمع فيه لعدوه ولا يضره إلا أذى لا بد منه، كالحر والبرد والجوع والعطش، وأما أن يضره بما يبلغ منه مراده فلا يكون أبدا وفرق بين الأذى الذي هو في الظاهر إيذاء له وهو في الحقيقة إحسان إليه وإضرار بنفسه، وبين الضرر الذي يتشفى به منه، قال بعض السلف: "جعل الله تعالى لكل عمل جزاء من جنسه، وجعل جزاء التوكل عليه نفس كفايته لعبده فقال: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} ولم يقل نؤته كذا وكذا من الأجر كما قال في الأعمال، بل جعل نفسه سبحانه كافي عبده المتوكل عليه وحسبه وواقيه، فلو توكل العبد على الله تعالى حق توكله وكادته السموات والأرض ومن فيهن لجعل له مخرجا من ذلك وكفاه ونصره" [بدائع الفوائد].ومن ثمراته أيضاً سعة الرزق وسهولة الحصول عليه؛ فعن عمر -رضي الله عنه- قال: "سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (لو أنكم تَتَوَكَّلون على الله حق توكله، لَرَزَقَكُم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا، وتروح بطانًا)" [أحمد والتِّرمذي]، قال الإمامُ ابن رجب الحنبلي: "وهذا الحديث أصلٌ في التوكل، وأنه من أعظم الأسباب التي يُستجلب بها الرزق، قال الله -عزّ وجل-: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}، وقد قرأ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- هذه الآية على أبي ذر وقال له: (لو أن الناس كلهم أخذوا بها لكفتهم) يعني: لو أنهم حققوا التقوى والتوكل؛ لاكتفوا بذلك في مصالح دينهم ودنياهم" [جامع العلوم والحكم].
ومن ثمراته أيضا: النصر على الأعداء والظفر بهم، قال تعالى: {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران].
مما تقدم، فلا غنى للعبد عن التوكل على الله سبحانه في كل شأنه، وتفويض أمره لخالقه في كلّ أمره، فلا حول له ولا قوة إلا به سبحانه، اللهم عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير، والحمد لله رب العالمين.
● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 358
السنة الرابعة عشرة - الخميس 3 ربيع الأول 1444 هـ ...المزيد
إن التوكل على الله تعالى من صفات عباده المؤمنين الخاشعين الذين جلّى الله صفاتهم في كتابه الكريم فقال فيهم: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال]، والتوكّل عبادة عظيمة يُتقرّب بها إلى الله تعالى، وقد أمر الله بها الأنبياء والمرسلين وعباده المؤمنين في مواضع عديدة منها قوله لنبيه محمد -صلى الله عليه وسلم-: {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ}[هود]، قال الإمام الطبري: "يقول: فاعبد ربك يا محمد، (وتوكل عليه): فوِّض أمرك إليه، وثِق به وبكفايته، فإنه كافي من توكل عليه"، ومنها قوله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}[التوبة]، إلى غيرها من الآيات.. فما المقصود بالتوكل؟ وما حقيقته؟ وما آثاره وفوائده للمسلم في الدنيا والآخرة؟
- حقيقة التوكل
إنّ التوكل عبادة من أعظم الأعمال القلبية التي لا يعلم صدقها وحقيقتها إلا الله تعالى، وحقيقة التوكل كما عرّفها ابن رجب -رحمه الله-: "هو صدق اعتماد القلب على الله -عز وجل- في استجلاب المصالح ودفع المضار من أمور الدنيا والآخرة كلها، وَكِلَةُ الأمورِ كلِّها إليه، وتحقيق الإيمان بأنه لا يعطي ولا يمنع ولا يضر ولا ينفع سواه" [جامع العلوم والحكم].
والتوكل على الله تعالى شرط من شروط الإيمان به سبحانه، ولذلك قَرَن الله تعالى بين التوكل والإيمان فقال تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة]، وقال أيضا: {يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ} [يونس]، وحول ذلك يقول ابن القيم -رحمه الله-: "هل خاطب الله بالتوكل في كتابه إلا خواصَّ خلقِه وأقربَهم إليه وأكرمَهم عليه؟ وشرط في إيمانهم أن يكونوا متوكلين، والمعلّق على الشرط يُعدم عند عدمه، وهذا يدل على انتفاء الإيمان عند انتفاء التوكل، فمن لا توكل له لا إيمان له، قال الله تعالى: {وَعَلى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة]، وقال تعالى: {وَعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ} [آل عمران]، وقال تعالى: {إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال]، وهذا يدل على انحصار المؤمنين فيمن كان بهذه الصفة" [مدارج السالكين].
- توكل الأنبياء
ولا تظهر حقيقة التوكل على الله إلا عند الخطوب ووقوع الكروب، وأكمل الخلق إيمانا وأشدهم توكلا على الله سبحانه هم الأنبياء، ولنا في مواقفهم عظاتٌ وعبر، فهذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، ومن قبلهم إبراهيم -عليه السلام- التجأوا لربهم وفوضوا أمرهم لبارئهم سبحانه، وتوكلوا عليه في مواقف شديدة، ظهر فيها صدق توكلهم على الله، فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم -عليه السلام- حين ألْقيَ في النار، وقالها محمد -صلى الله عليه وسلم- حين قالوا: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}" [أخرجه البخاري]، فما كان من أمر إبراهيم -عليه السلام- إلا أن نجّاه الله من النار، فجعلها سبحانه بردا وسلاما عليه، وجعل أعداءه الذين أرادوا به كيدا من الخاسرين، قال تعالى: {وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ}، وأما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه فقد انقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء، وذلك بفضل الله وإحسانه عليهم، فعندما توكلوا على ربهم حق توكله وتبرأوا من حولهم وقوتهم كفاهم الله ما يحذرون منه ونجاهم من عدوهم، كما نجّى موسى -عليه السلام- حين توكّل على ربه حق التوكّل لمّا أتبعه فرعون وجنوده، قال تعالى: {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء] فانظر إلى عظيم توكّلِ موسى -عليه السلام- وانظر عاقبة هذا التوكّل، فقد نجّى الله تعالى موسى ومَن معه مِن هذا الموقف العصيب، ففلق له البحر وأغرق فرعون وجنوده فيه، قال الله تعالى: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق].- التوكل لا ينافي الأخذ بالأسباب
وقد يُفهم أن التوكل على الله تعالى هو تركُ الأخذ بالأسباب لتحقيق أي مطلب من مطالب الدين والدنيا، وهذا مخالف لما أمر الله به بل هو تعطيل لجانب التوحيد وعدم فهم التوكل فهما صحيحا كما أمر الله به سبحانه، فالأخذ بالأسباب واجبٌ شرعيٌ لابد منه لتحقيق المراد مع عدم الاعتماد عليه والركون إليه وتعلق القلب فيه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "قال طائفة من العلماء: الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسباباً نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قَدْحٌ في الشريعة، وإنما التوكل المأمور به ما اجتمع فيه مقتضى التوحيد والعقل والشرع" [التحفة العراقية]، وقال تلميذه ابن القيم -رحمه الله-: "وأجمع القومُ على أن التوكل لا ينافي القيامَ بالأسباب، فلا يصح التوكل إلا مع القيام بها، وإلا فهو بطالةٌ وتوكلٌ فاسد" [مدارج السالكين].
والمتأمل في كتاب الله جل وعلا يجد أن الأخذ بالأسباب قد أمر الله به وذكر ذلك في مواطن عديدة، فقال سبحانه محذراً عباده المؤمنين من غدر الكافرين: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ} [النساء]، وقال -جل شأنه- في الإعداد وقتال الكافرين: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ} [الأنفال]، وأمر عباده بطلب الرزق فقال تعالى: {هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ ذَلُولًا فَٱمْشُواْ فِى مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ} [الملك]، وقال سبحانه: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة]، ففي هذه الآيات وغيرها الكثير ما يدل على الأخذ بالأسباب مع التوكل على الله تعالى، قال ابن القيم -رحمه الله-: "فلا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله تعالى، وإن تعطيلها يقدح في نفس التوكل، وإن تركها عجْزٌ ينافي التوكل الذي حقيقته اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه، ودفع ما يضره في دينه ودنياه، ولا بد من هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب، وإلا كان معطلاً للحكمة والشرع، فلا يجعل العبد عجزه توكلاً ولا توكله عجزاً" [زاد المعاد].
- ثمار التوكل
وإذا استقرت في قلب العبد حقيقة التوكل على الله نال بذلك ثمرات هذه العبادة العظيمة، ولعل من أفضل ثمرات التوكل وأعظمها هي محبة الله سبحانه وتعالى للعبد، قال تعالى: {فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران]، وإذا أحب اللهُ عبداً نال السعادة في الدارين، ومن ثمرات التوكل على الله: الحفظ من الشيطان ومكائده؛ إذ أن الشيطان يفرّ من المؤمنين المتوكلين على الله في كل شأنهم فلا سلطان له عليهم قال تعالى: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [النحل].
ومن ثمراته: الهداية من الضلال والكفاية من أمور الدنيا والوقاية من المكاره قال -صلى الله عليه وسلم-: (من قال -يعنى إذا خرج من بيته-: "بسم الله توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله" يقال له: "كفيت ووقيت وهُديت وتنحى عنه الشيطان"، فيقول لشيطان آخر: "كيف لك برجل قد هُدِي وكُفِي وَوُقِي") [أبو داوود وابن حبان]، قال ابن القيّم -رحمه الله-: "والتوكل من أقوى الأسباب التي يدفع بها العبد ما لا يطيق من أذى الخلق وظلمهم وعدوانهم، وهو من أقوى الأسباب في ذلك، فإن الله حسبه أي كافيه، ومَن كان الله كافيه وواقيه فلا مطمع فيه لعدوه ولا يضره إلا أذى لا بد منه، كالحر والبرد والجوع والعطش، وأما أن يضره بما يبلغ منه مراده فلا يكون أبدا وفرق بين الأذى الذي هو في الظاهر إيذاء له وهو في الحقيقة إحسان إليه وإضرار بنفسه، وبين الضرر الذي يتشفى به منه، قال بعض السلف: "جعل الله تعالى لكل عمل جزاء من جنسه، وجعل جزاء التوكل عليه نفس كفايته لعبده فقال: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} ولم يقل نؤته كذا وكذا من الأجر كما قال في الأعمال، بل جعل نفسه سبحانه كافي عبده المتوكل عليه وحسبه وواقيه، فلو توكل العبد على الله تعالى حق توكله وكادته السموات والأرض ومن فيهن لجعل له مخرجا من ذلك وكفاه ونصره" [بدائع الفوائد].ومن ثمراته أيضاً سعة الرزق وسهولة الحصول عليه؛ فعن عمر -رضي الله عنه- قال: "سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (لو أنكم تَتَوَكَّلون على الله حق توكله، لَرَزَقَكُم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا، وتروح بطانًا)" [أحمد والتِّرمذي]، قال الإمامُ ابن رجب الحنبلي: "وهذا الحديث أصلٌ في التوكل، وأنه من أعظم الأسباب التي يُستجلب بها الرزق، قال الله -عزّ وجل-: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}، وقد قرأ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- هذه الآية على أبي ذر وقال له: (لو أن الناس كلهم أخذوا بها لكفتهم) يعني: لو أنهم حققوا التقوى والتوكل؛ لاكتفوا بذلك في مصالح دينهم ودنياهم" [جامع العلوم والحكم].
ومن ثمراته أيضا: النصر على الأعداء والظفر بهم، قال تعالى: {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران].
مما تقدم، فلا غنى للعبد عن التوكل على الله سبحانه في كل شأنه، وتفويض أمره لخالقه في كلّ أمره، فلا حول له ولا قوة إلا به سبحانه، اللهم عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير، والحمد لله رب العالمين.
● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 358
السنة الرابعة عشرة - الخميس 3 ربيع الأول 1444 هـ ...المزيد
حقَّ جهاده أمرَ اللهُ تعالى عباده المؤمنين بأنْ يجاهدوا في سبيله حقّ جهاده فقال تعالى: ...
حقَّ جهاده
أمرَ اللهُ تعالى عباده المؤمنين بأنْ يجاهدوا في سبيله حقّ جهاده فقال تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ}، وفسّر ابن عبّاس ذلك بأنه "استفراغُ الطاقة فيه، وألا يخاف في اللهِ لومةَ لائم"، وذلك التكليف الإلهي بالجهاد لا يفوق طاقة العبد، لكنه لن يخلو مِن لوم اللائمين وعذل العاذلين، وهذا مشاهَدٌ مجرَّبٌ في أحوال المجاهدين اليوم، فإنّ أكثر الناس مخالفٌ لجهادهم، لائمٌ لهم، بسبب أعباء الجهاد وتبعاته التي تخالف أهواء الناس وشهواتهم، وعليه جاءت النصوص القرآنية تسلّي المجاهدين، وتأمرهم بأنْ لا يلتفتوا إلى ذلك أبدًا، وأنْ لا يخافوا في الله لومة لائم.
بل أكّد القرآن الكريم أنّ ذلك فضلٌ لا يؤتيه الله إلا مَن يحبهم، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}، ثم أتبع الله تعالى هذه الآية بقوله: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ}، لذلك لا عجب أنْ يكون أكثر ما يلوم الناسُ المجاهدين عليه اليوم، هي مسائل الولاء والبراء والمفاصلة مع المشركين وقتالهم، وهي من لوازم الجهاد في الله حقّ جهاده، التي لا يلتزمها إلا حزب الله الغالبون.
وبقدْر قيام المسلم بالجهاد حقّ جهاده، بقدْر ما يخالفه الناس ويخاصمونه ويعذلونه ويلومونه، ولذا جاء في وصف أهل الطائفة المنصورة الثابتة على أمر الله أنهم: (لا يضرهم من خذلهم، أو خالفهم، حتى يأتي أمر الله) [مسلم].
ومِن عجيب ما يروى في السُّنة الثابتة؛ أنّ الصحابة السابقين إلى الإسلام كانوا يبايعون النبي -صلى الله عليه وسلم- على أنْ "لا يخافوا في الله لومة لائم!" كما جاء عن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- قال: "بايعنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقوم -أو نقول- بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم" [البخاري]
وهذا يعني بالضرورة أنّ قول الحق والقيام به سبب لكثرة اللائمين ونقدهم، وهذا يفسّر الحرب الشعواء المستمرة ضد الدولة الإسلامية، فقد أقامت جهادها على منهاج النبوة، وجاهد جنودها في الله حقّ جهاده -نحسبهم ولا نزكيهم-.
وفي هذا رد على من يزعم أنّ مخالفة الناس للمجاهدين هي بسبب ما قد يصدر عنهم من أخطاء، فهل كان لوم اللائمين قديمًا للمؤمنين المجاهدين هو بسبب أخطائهم؟! وهل مخالفة وخذلان الناس للطائفة المنصورة كما جاء في السُّنة هو بسبب أخطائها؟! وهل يُفهم مِن قوله تعالى: {وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ} أنّ هذا اللوم سببه أخطاؤهم؟!
وحول ذلك قال ابن كثير في تفسيره: {يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ} "أي: لا يردهم عمّا هم فيه من طاعة الله، وقتال أعدائه، وإقامة الحدود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لا يردهم عن ذلك راد، ولا يصدهم عنه صاد، ولا يحيك فيهم لوم لائم ولا عذل عاذل"، وتأمل قول ابن كثير وعباراته هذه، وهل ذلك إلا عين ما يحياه المجاهدون اليوم ويعيشونه ساعة بساعة، والله المستعان.
وعلّق آخرون فقالوا: "وهذا يدل على قوة هممهم وعزائمهم، فإن ضعيف القلب ضعيف الهمة، تنتقض عزيمته عند لوم اللائمين، وتفتر قوته عند عذل العاذلين".
ولا شك أن القابض على دينه في هذا الزمان كالقابض على الجمر، ولا أحد قابض على دينه في هذا الزمان كالمجاهدين الذين يحملون أرواحهم على أكفّهم نصرة لهذا الدين، طاعةً لأمر الله تعالى وحراسةً لشريعته، قال ابن القيم: "وهؤلاء هم القابضون على الجمر حقا، وأكثر الناس بل كلهم لائم لهم".
وكلما تقدم الزمان اشتدت غربة الدين، واشرأبت أعناق المنافقين والمناوئين للمجاهدين، وقد وصف ابن القيم حال الإسلام في زمانه فقال: "بل الإسلام الحق الذي كان عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه هو اليوم أشد غربة منه في أول ظهوره، وإن كانت أعلامه ورسومه الظاهرة مشهورة معروفة، فالإسلام الحقيقي غريب جدا، وأهله غرباء أشد الغربة بين الناس" [مدارج السالكين]، فإن كان هذا زمان ابن القيم، فكيف اليوم بزماننا؟!
وفيما تقدم، سلوى للمجاهدين بأن يثبتوا على هذا الطريق، فإنهم على الجادة، وإن كثرة الناقمين والمخالفين والمناوئين لجهادهم ودعوتهم؛ مِن تبعات السير في هذا الطريق المبارك، فإنه طريق فيه جهد ومغالبة للنفس وإقحام لها في المكاره، وحمْل لها على الصعاب، وهو ما لا ترضاه النفوس الخانعة التي تحب الدنيا وتكره الموت.والمتأمل في كتاب الله تعالى يجد أن الله سبحانه كما أمرنا بالجهاد حقّ جهاده؛ أمرنا أنْ نتقيه -سبحانه- حقّ تقاته، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمران]، بل أمرنا في نفس الآية بأن نستمر على ذلك حتى نموت على الإسلام، وذلك يدل على أنّ حق التقوى هو أنْ يثبت عليها المسلم حتى يلقى ربه، وكذا حقّ الجهاد أنْ يثبت عليه المسلم حتى يلقى مولاه.
قال الإمام ابن القيم: "وأمرهم أن يُجاهدوا فيه حقَّ جهاده، كما أمرهم أن يتَّقوه حقَّ تُقاته، وكما أن حقَّ تُقاته أن يُطاع فلا يُعصى، ويُذكَرَ فلا يُنسى، ويُشكَر فلا يُكفر؛ فحقُّ جهاده أن يُجاهِدَ العبد نفسَه لِيُسْلِم قلبه ولِسانه وجوارِحه للهِ فيكون كُلُّه لله، وباللهِ، لا لنفسِه، ولا بنفسه، ويُجاهدَ شيطانه بتكذِيبِ وعدِهِ، ومعصيةِ أمرهِ، وارتكابِ نهيه... فينشأُ له من هذين الجهادين قوةٌ وسلطان، وعُدَّة يُجاهد بها أعداءَ اللهِ في الخارج بقلبه ولسانه ويده ومالِه، لتِكونَ كلمةُ الله هي العليا" ثم قال: "ولم يُصِبْ مَن قال: إن الآيتين منسوختان لظنه أنهما تضمنتا الأمر بما لا يُطاق، وحقّ تُقاته وحقّ جهاده: هو ما يُطيقه كلُّ عبد في نفسه" [زاد المعاد]، وفي كلام ابن القيم السابق فائدة أنّ جهاد النفس والشيطان معينان على جهاد الكافرين بالسنان.
وبعد أنْ أمر الله تعالى عباده بأنْ يجاهدوا فيه حقّ جهاده قال سبحانه: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ}، فانظر وتدبر كيف جمع الله تعالى بين حقّ الجهاد وبين ملة إبراهيم -عليه السلام-، فهذه الملة الحنيفية السمحة التي لم تجعل علينا مِن ضيق أو حرج، هي نفسها التي أوجبت جهاد الكافرين والمنافقين، وأمرت بالشدة والغلظة عليهم، وقتالهم بكل وسيلة مشروعة، وفي هذا رسالة للذين يريدون جهادا بغير شريعة أو شريعة بغير جهاد، فمن كان هذا حاله فقد ضلّ الطريق، فلن تقوم للمسلمين قائمة في هذا العصر بغير الجهاد، ولن يكون للجهاد قيمة إنْ لم تكن غايته إقامة الشريعة، بل لا يُسمى جهادًا إنْ لم يكن كذلك، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 358
السنة الرابعة عشرة - الخميس 3 ربيع الأول 1444 هـ ...المزيد
أمرَ اللهُ تعالى عباده المؤمنين بأنْ يجاهدوا في سبيله حقّ جهاده فقال تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ}، وفسّر ابن عبّاس ذلك بأنه "استفراغُ الطاقة فيه، وألا يخاف في اللهِ لومةَ لائم"، وذلك التكليف الإلهي بالجهاد لا يفوق طاقة العبد، لكنه لن يخلو مِن لوم اللائمين وعذل العاذلين، وهذا مشاهَدٌ مجرَّبٌ في أحوال المجاهدين اليوم، فإنّ أكثر الناس مخالفٌ لجهادهم، لائمٌ لهم، بسبب أعباء الجهاد وتبعاته التي تخالف أهواء الناس وشهواتهم، وعليه جاءت النصوص القرآنية تسلّي المجاهدين، وتأمرهم بأنْ لا يلتفتوا إلى ذلك أبدًا، وأنْ لا يخافوا في الله لومة لائم.
بل أكّد القرآن الكريم أنّ ذلك فضلٌ لا يؤتيه الله إلا مَن يحبهم، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}، ثم أتبع الله تعالى هذه الآية بقوله: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ}، لذلك لا عجب أنْ يكون أكثر ما يلوم الناسُ المجاهدين عليه اليوم، هي مسائل الولاء والبراء والمفاصلة مع المشركين وقتالهم، وهي من لوازم الجهاد في الله حقّ جهاده، التي لا يلتزمها إلا حزب الله الغالبون.
وبقدْر قيام المسلم بالجهاد حقّ جهاده، بقدْر ما يخالفه الناس ويخاصمونه ويعذلونه ويلومونه، ولذا جاء في وصف أهل الطائفة المنصورة الثابتة على أمر الله أنهم: (لا يضرهم من خذلهم، أو خالفهم، حتى يأتي أمر الله) [مسلم].
ومِن عجيب ما يروى في السُّنة الثابتة؛ أنّ الصحابة السابقين إلى الإسلام كانوا يبايعون النبي -صلى الله عليه وسلم- على أنْ "لا يخافوا في الله لومة لائم!" كما جاء عن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- قال: "بايعنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقوم -أو نقول- بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم" [البخاري]
وهذا يعني بالضرورة أنّ قول الحق والقيام به سبب لكثرة اللائمين ونقدهم، وهذا يفسّر الحرب الشعواء المستمرة ضد الدولة الإسلامية، فقد أقامت جهادها على منهاج النبوة، وجاهد جنودها في الله حقّ جهاده -نحسبهم ولا نزكيهم-.
وفي هذا رد على من يزعم أنّ مخالفة الناس للمجاهدين هي بسبب ما قد يصدر عنهم من أخطاء، فهل كان لوم اللائمين قديمًا للمؤمنين المجاهدين هو بسبب أخطائهم؟! وهل مخالفة وخذلان الناس للطائفة المنصورة كما جاء في السُّنة هو بسبب أخطائها؟! وهل يُفهم مِن قوله تعالى: {وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ} أنّ هذا اللوم سببه أخطاؤهم؟!
وحول ذلك قال ابن كثير في تفسيره: {يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ} "أي: لا يردهم عمّا هم فيه من طاعة الله، وقتال أعدائه، وإقامة الحدود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لا يردهم عن ذلك راد، ولا يصدهم عنه صاد، ولا يحيك فيهم لوم لائم ولا عذل عاذل"، وتأمل قول ابن كثير وعباراته هذه، وهل ذلك إلا عين ما يحياه المجاهدون اليوم ويعيشونه ساعة بساعة، والله المستعان.
وعلّق آخرون فقالوا: "وهذا يدل على قوة هممهم وعزائمهم، فإن ضعيف القلب ضعيف الهمة، تنتقض عزيمته عند لوم اللائمين، وتفتر قوته عند عذل العاذلين".
ولا شك أن القابض على دينه في هذا الزمان كالقابض على الجمر، ولا أحد قابض على دينه في هذا الزمان كالمجاهدين الذين يحملون أرواحهم على أكفّهم نصرة لهذا الدين، طاعةً لأمر الله تعالى وحراسةً لشريعته، قال ابن القيم: "وهؤلاء هم القابضون على الجمر حقا، وأكثر الناس بل كلهم لائم لهم".
وكلما تقدم الزمان اشتدت غربة الدين، واشرأبت أعناق المنافقين والمناوئين للمجاهدين، وقد وصف ابن القيم حال الإسلام في زمانه فقال: "بل الإسلام الحق الذي كان عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه هو اليوم أشد غربة منه في أول ظهوره، وإن كانت أعلامه ورسومه الظاهرة مشهورة معروفة، فالإسلام الحقيقي غريب جدا، وأهله غرباء أشد الغربة بين الناس" [مدارج السالكين]، فإن كان هذا زمان ابن القيم، فكيف اليوم بزماننا؟!
وفيما تقدم، سلوى للمجاهدين بأن يثبتوا على هذا الطريق، فإنهم على الجادة، وإن كثرة الناقمين والمخالفين والمناوئين لجهادهم ودعوتهم؛ مِن تبعات السير في هذا الطريق المبارك، فإنه طريق فيه جهد ومغالبة للنفس وإقحام لها في المكاره، وحمْل لها على الصعاب، وهو ما لا ترضاه النفوس الخانعة التي تحب الدنيا وتكره الموت.والمتأمل في كتاب الله تعالى يجد أن الله سبحانه كما أمرنا بالجهاد حقّ جهاده؛ أمرنا أنْ نتقيه -سبحانه- حقّ تقاته، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمران]، بل أمرنا في نفس الآية بأن نستمر على ذلك حتى نموت على الإسلام، وذلك يدل على أنّ حق التقوى هو أنْ يثبت عليها المسلم حتى يلقى ربه، وكذا حقّ الجهاد أنْ يثبت عليه المسلم حتى يلقى مولاه.
قال الإمام ابن القيم: "وأمرهم أن يُجاهدوا فيه حقَّ جهاده، كما أمرهم أن يتَّقوه حقَّ تُقاته، وكما أن حقَّ تُقاته أن يُطاع فلا يُعصى، ويُذكَرَ فلا يُنسى، ويُشكَر فلا يُكفر؛ فحقُّ جهاده أن يُجاهِدَ العبد نفسَه لِيُسْلِم قلبه ولِسانه وجوارِحه للهِ فيكون كُلُّه لله، وباللهِ، لا لنفسِه، ولا بنفسه، ويُجاهدَ شيطانه بتكذِيبِ وعدِهِ، ومعصيةِ أمرهِ، وارتكابِ نهيه... فينشأُ له من هذين الجهادين قوةٌ وسلطان، وعُدَّة يُجاهد بها أعداءَ اللهِ في الخارج بقلبه ولسانه ويده ومالِه، لتِكونَ كلمةُ الله هي العليا" ثم قال: "ولم يُصِبْ مَن قال: إن الآيتين منسوختان لظنه أنهما تضمنتا الأمر بما لا يُطاق، وحقّ تُقاته وحقّ جهاده: هو ما يُطيقه كلُّ عبد في نفسه" [زاد المعاد]، وفي كلام ابن القيم السابق فائدة أنّ جهاد النفس والشيطان معينان على جهاد الكافرين بالسنان.
وبعد أنْ أمر الله تعالى عباده بأنْ يجاهدوا فيه حقّ جهاده قال سبحانه: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ}، فانظر وتدبر كيف جمع الله تعالى بين حقّ الجهاد وبين ملة إبراهيم -عليه السلام-، فهذه الملة الحنيفية السمحة التي لم تجعل علينا مِن ضيق أو حرج، هي نفسها التي أوجبت جهاد الكافرين والمنافقين، وأمرت بالشدة والغلظة عليهم، وقتالهم بكل وسيلة مشروعة، وفي هذا رسالة للذين يريدون جهادا بغير شريعة أو شريعة بغير جهاد، فمن كان هذا حاله فقد ضلّ الطريق، فلن تقوم للمسلمين قائمة في هذا العصر بغير الجهاد، ولن يكون للجهاد قيمة إنْ لم تكن غايته إقامة الشريعة، بل لا يُسمى جهادًا إنْ لم يكن كذلك، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 358
السنة الرابعة عشرة - الخميس 3 ربيع الأول 1444 هـ ...المزيد
اختصارُ الكلامِ في الدَّعوةِ للإسلام الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ...
اختصارُ الكلامِ في الدَّعوةِ للإسلام
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد.
فنحن في زمن لا ينفق فيه المرء من الوقت إلا اليسير لتعلم ما يجب عليه تعلمه والله المستعان، لذا وجب على المجاهدين الإعلاميين الداعين إلى الله ربّ العالمين؛ أن يراعوا هذه المسألة جيدا فيحاولوا أن يوصلوا ما دعت إليه الرسل بأيسر ما يستطيعون، وإن كان ولا بد فبرسالة صغيرة الحجم قليلة الجمل كثيرة المعاني؛ لا يملّ قارئها ولا يتعب حاملها، وتصل للقلوب بحسن سبكها واختصار لفظها، جامعة للمعاني ومانعة من الالتباس.
فالمهمة الأساسية للمجاهدين والدعاة أن يكونوا سببا في إيصال الحقّ وهداية النّاس، قال تعالى: {وكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}، فلا يتكلف بكلامه، ولا يتقعّر به ويأتي بالغرائب والعجائب، فيكون قد قطع على المتلقي الفائدة الأساسية والتي من أجلها كتب ما كتب؛ بكثرة تفرّعاته وأقسامه وأبوابه، والنّاس في هذا الزمان قلّت همتهم عن النّظر في صغار الكتب والمختصرات فضلا عن المطولات.
وعندما تقلب نظرك في النّاس تجد أن هذا القول فيهم حق، فغالب النّاس قلّما تجده قد أتمّ كتابا، والجمّ الغفير منهم إنّما يتصفحه وحسب من دون تبصّر وتبحّر، والكثير منهم عندما يبصر مطولات الكتب تخونه همته عن النّظر فيها أو حتى تصفحها، ولذلك فإنّك عندما تنظر في كلام الأوائل في صدر هذه الأمّة تجد كلامهم من أشدّ الكلام اختصارا، ولكنّه أكثره معنى وتعبيرا عن المراد، فيصل للمتلقي بأيسر عبارة من غير تكلف، ولذا فإنّه لا عجب عندما تقرأ عنهم أنّهم كانوا يعدّون كلماتهم في اليوم والليلة.
وكان أجلّ الناس في هذا الباب لفظا وأعظمهم إظهارا للحقّ وتبيانا بأيسر لفظ وأوسع معنى واستيعابا؛ هو الرّسول محمد -صلى الله عليه وسلم- الذي أوتي جوامع الكلم، فقد جاء في صحيح البخاريّ رحمه الله أنّ أبا هريرة قال سمعت رسول اللّه -صلى الله عليه وسلم- يقول: (بعثت بجوامع الكلم، ونصرت بالرّعب، وبينا أنا نائم رأيتني أتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي)، قال محمّد -يعني الزهري-: "وبلغنى أنّ جوامع الكلم: أنّ اللّه يجمع الأمور الكثيرة الّتي كانت تكتب في الكتب قبله في الأمر الواحد والأمرين. أو نحو ذلك" [صحيح البخاري]، وعن أبي هريرة أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (فضّلت على الأنبياء بستّ: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرّعب، وأحلّت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأرسلت إلى الخلق كافّة، وختم بي النبيّون) [البخاري ومسلم]
فكانت كلماته كأنّها خرزات عقد الواحدة تلو الأخرى لا هذر ولا مذر، لا يعاني المتلقي صعوبة في فهم الخطاب، بل كان يجد عذوبة في فهمه لسهولة العبارة ومتانة اللفظ، وبهذا جاءت السّنّة المطهرة في إظهار شعائر الدّين ونشر التّوحيد ونبذ الشّرك وأهله، فلو تمسّك الكتّاب المسلمون بها لكان أنفع في غرز التّوحيد في قلوب النّاس، وعندما يحتاج الأمر لتفصيل يفصّل ولا ضير حينئذ فلكلّ مقام مقال.
- من جوامع الكلم
وما أحوج النّاس اليوم للاختصار والابتعاد عن التّكلف الذي سبّب الجناية على كثير من المسائل المهمة التي تحتاجها الأمة اليوم في ضبط توحيدها وجهاد أعدائها، ولو أنّك نظرت في الكتاب والسّنّة لعلمت المقصود، قال تعالى: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}.
وهذا النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم- ينهانا عن كثرة الكلام في غير حاجته فعن الأحنف بن قيس عن عبد اللّه قال: قال رسول اللّه -صلى الله عليه وسلم-: (هلك المتنطّعون) قالها ثلاثا، وعن أبي هريرة أن النبي قال: (ألا أنبئكم بشراركم؟ فقال: هم الثرثارون المتشدّقون، ألا أنبئكم بخياركم؟ أحاسنكم أخلاقا) [أحمد]، والمتشدق: المتوسع في الكلام من غير احتياط وقيل المستهزئ بالنّاس.
وفي سنن البيهقي رحمه الله عن أبي موسى قال: "بعثني النبي -صلى الله عليه وسلم- ومعاذا إلى اليمن فقال: (انطلقا فادعوا النّاس إلى الإسلام، ويسّرا ولا تعسّرا، وبشّرا ولا تنفّرا)، قال قلت: يا رسول اللّه أفتنا في شرابين كنّا نصنعهما باليمن، البتع من العسل ننبذه حتّى يشتدّ، والمزر من البرّ والشّعير والذّرة ننبذه حتّى يشتدّ، قال وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- قد أعطى جوامع الكلم وخواتمه وقال: (أحرّم كلّ مسكر عن الصّلاة)، قال: فانطلقنا".
وانظر لجوامع الكلم في هذه الوصية، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّ رجلا قال للنبي -صلى الله عليه وسلم- أوصني، قال: (لا تغضب) فردّد مرارا قال: (لا تغضب).وانظر -بارك الله فيك- للحديث الذي رواه البخاريّ عن سعيد عن أبي شريح أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (واللّه لا يؤمن واللّه لا يؤمن واللّه لا يؤمن)، قيل ومن يا رسول اللّه؟ قال: (الّذى لا يأمن جاره بوايقه)، [تابعه شبابة وأسد بن موسى]، فتمعن لمجامع الخير التي فيه.
وانظر لما رواه مسلم عن جرير بن عبد اللّه قال رأيت رسول اللّه -صلى الله عليه وسلم- يلوي ناصية فرس بإصبعه وهو يقول: (الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر والغنيمة) فكم من مجامع العزّ حواه؟ لو تمسكت به أمتنا الغالية.
وعن أبي الحوراء السّعدي قال قلت للحسن بن علي رضي الله عنهما ما حفظت من رسول اللّه -صلى الله عليه وسلم- قال حفظت منه: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)، وعن عبد الرّحمن بن ماعز عن سفيان بن عبد اللّه الثقفي قال قلت يا رسول اللّه حدثني بأمر أعتصم به، قال: (قل ربّي اللّه ثمّ استقم)، قلت يا رسول اللّه ما أخوف ما تخاف علي؟ فأخذ بلسان نفسه ثمّ قال: (هذا)، قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح، وعن أبي هريرة أنّه أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: إني إذا رأيتك طابت نفسي وقرّت عيني فأنبئني عن كلّ شيء، قال: (كلّ شيء خلق اللّه عزّ وجلّ من الماء)، قال أنبئني بأمر إذا أخذت به دخلت الجنّة. قال: (أفش السّلام وأطعم الطّعام وصل الأرحام وصلّ والنّاس نيام ثمّ ادخل الجنّة بسلام) [أخرجه أحمد].
- حسن الكلام مدعاة لقبول الحق
وحسن الكلام مدعاة لقبول الحقّ، قال الوليد بن المغيرة عن القرآن الكريم لما سمع آيات منه: "إن لقوله الذي يقول حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته" [رواه الحاكم].
ولقد تنبّه أعداء الإسلام لهذا فتجدهم ينتقون لباطلهم ألمع العبارات وأوجزها ويزخرفونها من أجل تحريف الحقّ وتزييف الحقائق مستمدين ذلك من معلمهم الأوّل إبليس لعنه الله حين قال كما جاء في الكتاب العزيز عندما ذكر الله قصته مع أبينا آدم عليه السّلام: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى} فتوارثوها كابرا عن كابرٍ قال تعالى: {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً} [الأنعام:١١٢].
وكما قيل:
في زخرف القولِ تزيينٌ لباطله
والحقُّ قد يعتريهِ سوء تعبيرِ
وجاء في البخاري عن زيد بن أسلم عن عبد اللّه بن عمر -رضي الله عنهما- أنّه قدم رجلان من المشرق فخطبا فعجب النّاس لبيانهما فقال رسول اللّه -صلى الله عليه وسلم-: (إنّ من البيان لسحرا أو إنّ بعض البيان لسحر).
هذا هو الذي يصور لك الحقّ تصويرا كأنك تنظر إليه فلا يلتبس عليك منه شيء، وإنّك لتجد في دعوة الأنبياء كل الأنبياء منهجا قويما ودعوة ناصعة مختصرة وغاية واضحة وهدفا جليلا وكلاما غير ملتبس قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ}.
- خير الكلام
وبالجملة، فخير الكلام ما كان مختصرا مفيدا جامعا مانعا موجزا محبوكا مسبوكا من غير تكلف ولا تقعّر ولا تصعّر، ومن غير إطال ممل أو اختصار مخل، ولا يكون حشويا أو غريبا أو ركيكا أو متنافرا أو فضلة لا معنى له، بل يكون مفصلا في موطن التفصيل وموجزا في موطن الإيجاز، واضح المعاني غير حمّال لأوجه، يفهمه المتلقي ولا يحتاج لفهمه كثير عناء، شموليا في طرحه غير مختزل أو منقطع، تام المعنى يحسن السكوت عليه، سهل العبارة جزيل المعنى يستوي في فهمه جلّ النّاس مركبا تركيبا محكما ولا يشتبه على النّاظر فيه قد راعى كاتبه منازل النّاس وأنزل كلامه بمنزلتهم فيكون أوقع بالنفس وأقرب لتبيان الحقّ لها.
- ما أحوجنا إلى ذلك
فأنت أيّها الإعلامي والمجاهد الداعي لعبادة الله وتوحيده ونبذ الشّرك وأهله ومناجزة أهله، أحوج ما تكون لهذا الأسلوب القويم والمنهج السليم الذي تنكسر أمامه أقفال القلوب وتنفتح له الصدور وتنجذب له الأنفس، فكما تكسر سيوف أعداء الأمة بسيفك الصقيل فلابد من محو آثار أقلامهم المزيفة، بكلمة حقّ يشقّ صداها آذانا صماء وقلوبا غلفى فتكون سببا في هداية الحيارى وإخراجهم من الظّلمات إلى النّور، ولا أعظم من دعوة مجاهد كتب حروف دعوته بمداد دمه الزكيّ، نموت ويحيا الدّين، فإذا عرفت هذا فالزم والله المعين، والحمد لله رب العالمين.
● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 357
السنة الرابعة عشرة - الخميس 26 صفر 1444 هـ ...المزيد
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد.
فنحن في زمن لا ينفق فيه المرء من الوقت إلا اليسير لتعلم ما يجب عليه تعلمه والله المستعان، لذا وجب على المجاهدين الإعلاميين الداعين إلى الله ربّ العالمين؛ أن يراعوا هذه المسألة جيدا فيحاولوا أن يوصلوا ما دعت إليه الرسل بأيسر ما يستطيعون، وإن كان ولا بد فبرسالة صغيرة الحجم قليلة الجمل كثيرة المعاني؛ لا يملّ قارئها ولا يتعب حاملها، وتصل للقلوب بحسن سبكها واختصار لفظها، جامعة للمعاني ومانعة من الالتباس.
فالمهمة الأساسية للمجاهدين والدعاة أن يكونوا سببا في إيصال الحقّ وهداية النّاس، قال تعالى: {وكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}، فلا يتكلف بكلامه، ولا يتقعّر به ويأتي بالغرائب والعجائب، فيكون قد قطع على المتلقي الفائدة الأساسية والتي من أجلها كتب ما كتب؛ بكثرة تفرّعاته وأقسامه وأبوابه، والنّاس في هذا الزمان قلّت همتهم عن النّظر في صغار الكتب والمختصرات فضلا عن المطولات.
وعندما تقلب نظرك في النّاس تجد أن هذا القول فيهم حق، فغالب النّاس قلّما تجده قد أتمّ كتابا، والجمّ الغفير منهم إنّما يتصفحه وحسب من دون تبصّر وتبحّر، والكثير منهم عندما يبصر مطولات الكتب تخونه همته عن النّظر فيها أو حتى تصفحها، ولذلك فإنّك عندما تنظر في كلام الأوائل في صدر هذه الأمّة تجد كلامهم من أشدّ الكلام اختصارا، ولكنّه أكثره معنى وتعبيرا عن المراد، فيصل للمتلقي بأيسر عبارة من غير تكلف، ولذا فإنّه لا عجب عندما تقرأ عنهم أنّهم كانوا يعدّون كلماتهم في اليوم والليلة.
وكان أجلّ الناس في هذا الباب لفظا وأعظمهم إظهارا للحقّ وتبيانا بأيسر لفظ وأوسع معنى واستيعابا؛ هو الرّسول محمد -صلى الله عليه وسلم- الذي أوتي جوامع الكلم، فقد جاء في صحيح البخاريّ رحمه الله أنّ أبا هريرة قال سمعت رسول اللّه -صلى الله عليه وسلم- يقول: (بعثت بجوامع الكلم، ونصرت بالرّعب، وبينا أنا نائم رأيتني أتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي)، قال محمّد -يعني الزهري-: "وبلغنى أنّ جوامع الكلم: أنّ اللّه يجمع الأمور الكثيرة الّتي كانت تكتب في الكتب قبله في الأمر الواحد والأمرين. أو نحو ذلك" [صحيح البخاري]، وعن أبي هريرة أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (فضّلت على الأنبياء بستّ: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرّعب، وأحلّت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأرسلت إلى الخلق كافّة، وختم بي النبيّون) [البخاري ومسلم]
فكانت كلماته كأنّها خرزات عقد الواحدة تلو الأخرى لا هذر ولا مذر، لا يعاني المتلقي صعوبة في فهم الخطاب، بل كان يجد عذوبة في فهمه لسهولة العبارة ومتانة اللفظ، وبهذا جاءت السّنّة المطهرة في إظهار شعائر الدّين ونشر التّوحيد ونبذ الشّرك وأهله، فلو تمسّك الكتّاب المسلمون بها لكان أنفع في غرز التّوحيد في قلوب النّاس، وعندما يحتاج الأمر لتفصيل يفصّل ولا ضير حينئذ فلكلّ مقام مقال.
- من جوامع الكلم
وما أحوج النّاس اليوم للاختصار والابتعاد عن التّكلف الذي سبّب الجناية على كثير من المسائل المهمة التي تحتاجها الأمة اليوم في ضبط توحيدها وجهاد أعدائها، ولو أنّك نظرت في الكتاب والسّنّة لعلمت المقصود، قال تعالى: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}.
وهذا النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم- ينهانا عن كثرة الكلام في غير حاجته فعن الأحنف بن قيس عن عبد اللّه قال: قال رسول اللّه -صلى الله عليه وسلم-: (هلك المتنطّعون) قالها ثلاثا، وعن أبي هريرة أن النبي قال: (ألا أنبئكم بشراركم؟ فقال: هم الثرثارون المتشدّقون، ألا أنبئكم بخياركم؟ أحاسنكم أخلاقا) [أحمد]، والمتشدق: المتوسع في الكلام من غير احتياط وقيل المستهزئ بالنّاس.
وفي سنن البيهقي رحمه الله عن أبي موسى قال: "بعثني النبي -صلى الله عليه وسلم- ومعاذا إلى اليمن فقال: (انطلقا فادعوا النّاس إلى الإسلام، ويسّرا ولا تعسّرا، وبشّرا ولا تنفّرا)، قال قلت: يا رسول اللّه أفتنا في شرابين كنّا نصنعهما باليمن، البتع من العسل ننبذه حتّى يشتدّ، والمزر من البرّ والشّعير والذّرة ننبذه حتّى يشتدّ، قال وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- قد أعطى جوامع الكلم وخواتمه وقال: (أحرّم كلّ مسكر عن الصّلاة)، قال: فانطلقنا".
وانظر لجوامع الكلم في هذه الوصية، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّ رجلا قال للنبي -صلى الله عليه وسلم- أوصني، قال: (لا تغضب) فردّد مرارا قال: (لا تغضب).وانظر -بارك الله فيك- للحديث الذي رواه البخاريّ عن سعيد عن أبي شريح أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (واللّه لا يؤمن واللّه لا يؤمن واللّه لا يؤمن)، قيل ومن يا رسول اللّه؟ قال: (الّذى لا يأمن جاره بوايقه)، [تابعه شبابة وأسد بن موسى]، فتمعن لمجامع الخير التي فيه.
وانظر لما رواه مسلم عن جرير بن عبد اللّه قال رأيت رسول اللّه -صلى الله عليه وسلم- يلوي ناصية فرس بإصبعه وهو يقول: (الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر والغنيمة) فكم من مجامع العزّ حواه؟ لو تمسكت به أمتنا الغالية.
وعن أبي الحوراء السّعدي قال قلت للحسن بن علي رضي الله عنهما ما حفظت من رسول اللّه -صلى الله عليه وسلم- قال حفظت منه: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)، وعن عبد الرّحمن بن ماعز عن سفيان بن عبد اللّه الثقفي قال قلت يا رسول اللّه حدثني بأمر أعتصم به، قال: (قل ربّي اللّه ثمّ استقم)، قلت يا رسول اللّه ما أخوف ما تخاف علي؟ فأخذ بلسان نفسه ثمّ قال: (هذا)، قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح، وعن أبي هريرة أنّه أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: إني إذا رأيتك طابت نفسي وقرّت عيني فأنبئني عن كلّ شيء، قال: (كلّ شيء خلق اللّه عزّ وجلّ من الماء)، قال أنبئني بأمر إذا أخذت به دخلت الجنّة. قال: (أفش السّلام وأطعم الطّعام وصل الأرحام وصلّ والنّاس نيام ثمّ ادخل الجنّة بسلام) [أخرجه أحمد].
- حسن الكلام مدعاة لقبول الحق
وحسن الكلام مدعاة لقبول الحقّ، قال الوليد بن المغيرة عن القرآن الكريم لما سمع آيات منه: "إن لقوله الذي يقول حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته" [رواه الحاكم].
ولقد تنبّه أعداء الإسلام لهذا فتجدهم ينتقون لباطلهم ألمع العبارات وأوجزها ويزخرفونها من أجل تحريف الحقّ وتزييف الحقائق مستمدين ذلك من معلمهم الأوّل إبليس لعنه الله حين قال كما جاء في الكتاب العزيز عندما ذكر الله قصته مع أبينا آدم عليه السّلام: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى} فتوارثوها كابرا عن كابرٍ قال تعالى: {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً} [الأنعام:١١٢].
وكما قيل:
في زخرف القولِ تزيينٌ لباطله
والحقُّ قد يعتريهِ سوء تعبيرِ
وجاء في البخاري عن زيد بن أسلم عن عبد اللّه بن عمر -رضي الله عنهما- أنّه قدم رجلان من المشرق فخطبا فعجب النّاس لبيانهما فقال رسول اللّه -صلى الله عليه وسلم-: (إنّ من البيان لسحرا أو إنّ بعض البيان لسحر).
هذا هو الذي يصور لك الحقّ تصويرا كأنك تنظر إليه فلا يلتبس عليك منه شيء، وإنّك لتجد في دعوة الأنبياء كل الأنبياء منهجا قويما ودعوة ناصعة مختصرة وغاية واضحة وهدفا جليلا وكلاما غير ملتبس قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ}.
- خير الكلام
وبالجملة، فخير الكلام ما كان مختصرا مفيدا جامعا مانعا موجزا محبوكا مسبوكا من غير تكلف ولا تقعّر ولا تصعّر، ومن غير إطال ممل أو اختصار مخل، ولا يكون حشويا أو غريبا أو ركيكا أو متنافرا أو فضلة لا معنى له، بل يكون مفصلا في موطن التفصيل وموجزا في موطن الإيجاز، واضح المعاني غير حمّال لأوجه، يفهمه المتلقي ولا يحتاج لفهمه كثير عناء، شموليا في طرحه غير مختزل أو منقطع، تام المعنى يحسن السكوت عليه، سهل العبارة جزيل المعنى يستوي في فهمه جلّ النّاس مركبا تركيبا محكما ولا يشتبه على النّاظر فيه قد راعى كاتبه منازل النّاس وأنزل كلامه بمنزلتهم فيكون أوقع بالنفس وأقرب لتبيان الحقّ لها.
- ما أحوجنا إلى ذلك
فأنت أيّها الإعلامي والمجاهد الداعي لعبادة الله وتوحيده ونبذ الشّرك وأهله ومناجزة أهله، أحوج ما تكون لهذا الأسلوب القويم والمنهج السليم الذي تنكسر أمامه أقفال القلوب وتنفتح له الصدور وتنجذب له الأنفس، فكما تكسر سيوف أعداء الأمة بسيفك الصقيل فلابد من محو آثار أقلامهم المزيفة، بكلمة حقّ يشقّ صداها آذانا صماء وقلوبا غلفى فتكون سببا في هداية الحيارى وإخراجهم من الظّلمات إلى النّور، ولا أعظم من دعوة مجاهد كتب حروف دعوته بمداد دمه الزكيّ، نموت ويحيا الدّين، فإذا عرفت هذا فالزم والله المعين، والحمد لله رب العالمين.
● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 357
السنة الرابعة عشرة - الخميس 26 صفر 1444 هـ ...المزيد
زادُك أيُّها المجاهد لا بُدّ للمسلم السائر إلى الله تعالى مِن زاد يُعينه على بلوغ طريقه ...
زادُك أيُّها المجاهد
لا بُدّ للمسلم السائر إلى الله تعالى مِن زاد يُعينه على بلوغ طريقه والوصول إلى مقصده، ولا شكّ أنّ أهمية هذا الزاد في حقّ المجاهد آكدُ وأشدّ، فهو أكثر حاجةً إليه مِن غيره لِما يتعرض له مِن أنواع الصعاب والأخطار التي لا يقدر عليها بغير التزود لها.
وإنّ لهذا الزاد عناوين عريضة وأبوابا واسعة، إلا أن جميعها لا تخرج عن سياق التقوى، فهي خير ما تزوّد به الأولون والآخرون، والسابقون واللاحقون، وقد أكد القرآن العظيم على ذلك، فقال تعالى: {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ}، قال الإمام ابن كثير رحمه الله: "لمّا أمرهم بالزاد للسفر في الدنيا، أرشدهم إلى زاد الآخرة، وهو استصحاب التقوى إليها، كما قال: (وريشًا ولباس التقوى ذلك خير)، لمّا ذكر اللباس الحسي نبّه مرشدا إلى اللباس المعنوي: وهو الخشوع، والطاعة والتقوى، وذكر أنه خير من هذا، وأنفع" [تفسير القرآن العظيم]
وإن الأحاديث الصحيحة الواردة في تفضيل الجهاد على غيره من الأعمال، لا تعني أن يزهد المجاهد في هذه الأعمال والقربات، بل هي تشكّل زادًا ودافعًا إيمانيًا يعينه على لأواء هذا الطريق المحفوف بالمكاره، وتكون سببًا في ثباته ومواصلته لجهاده، كما هو معروف عمليًا في واقع المجاهدين، فأهل هذا الزاد الإيماني هم أكثر المجاهدين ثباتًا في الملمات وأصبرهم عند الخطوب والمدلهمات، ولا يشترط أن يكون أهل هذا الزاد معروفين مشتهرين بذلك، فإن كثيرا منهم يسرّون ذلك ويجتهدون في إخفائه ترويضا للنفس على الإخلاص وحرصا على القَبول.
ولعل مِن أوسع أبواب هذا الزاد وأجمعِها: باب الذكر، فقد أمر الله تعالى عباده المؤمنين المجاهدين بالإكثار من الذكر في أحلك الظروف وأشدها، عند لقاء العدو واحتدام القتال!، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأنفال]، فقرن -سبحانه- الفلاح الذي هو النصر، بالثبات والإكثار من ذكر الله تعالى، فكان الذكر والثبات قرينين لا ينفكان في ساحات القتال.
ومما يتزود به المجاهد في مسيرته؛ دعاؤه وتضرعه إلى مولاه، فالدعاء رفيق المجاهد في عسره ويسره، وهجمته وهجعته، وإغارته على عدوه وإغارة عدوه عليه، وقد بيّن القرآن الكريم أن المجاهدين أتباع المرسلين كانوا يلجأون إلى الله بالدعاء عند اشتداد الخطب، فقال تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [آل عمران]، والمعنى: ما كان قولهم عندما أصابهم القتل والجراح في سبيل الله، إلا أن دعوا ربهم بأن يغفر لهم ذنوبهم، وأن يثبت أقدامهم وينصرهم على عدوهم، وكان مِن فقههم أن دعوا ربهم أن يغفر لهم ذنوبهم، لعلمهم أن الذنوب سبب لتأخير النصر، وسبب لضياعه، ومثله قوله تعالى: {وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}، فهذه الآيات وغيرها نص صريح في أهمية تزوّد المجاهد بالذكر عمومًا، والدعاء خصوصا لتحصيل الثبات والنصر.
وإن مما يدخل في أبواب زاد المجاهد، بل يتربع على عرشه؛ زاد العلم، ومعلوم أن العلماء أكثر الناس خشية لله تعالى والتزود بالعلم طريق إلى تحصيل الخشية، لقوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}، وزاد العلم يرافق المجاهد في ميدانه الإعلامي والعسكري والأمني، يلازمه قبل المعركة وبعدها، يصاحبه عندما يسلم ويغنم أو يخفق ويُصاب، فيقاتل المجاهد ويقتل ويحزّ وينحر ويحرق ويفجّر ويدمّر وهو متيقن غير مرتاب، يرافقه الدليل الشرعي بل يسبقه إلى غزوته، يسابق أزيز رصاصه ويزاحم بريق سيفه، ولذا فعلى المجاهدين أن يجتهدوا في تحصيل أسبابه وأن يهيّئوا الكوادر الشرعية باستمرار، وأن يغمسوهم في الميادين فيمزجوا العلم بالعمل والفقه بالواقع، فيتقدّموا الصفوف ويكونوا كما كان علماء السلف في مقدمة الجيوش، مقاتلين ناصحين آمرين بالمعروف وناهين عن المنكر، فهم صمام الأمان للجهاد، وفقدهم ثلمة لا تخفى على من عاشر وعاصر الميادين.وإن أهمية الزاد الإيماني لا تقتصر على المجاهد الممتشق سلاحه في الميادين والمعسكرات داخل الولايات القائمة، بل تزداد هذه الأهمية في حق مفارز المجاهدين العاملة في عقر ديار الكافرين، فهم بحاجة إلى اعتناء أكبر بالتربية الإيمانية والزاد الإيماني؛ كونهم يعملون في بيئة معادية لا معين لهم فيها على الطاعة والتوحيد، وعليهم أن يدركوا أنّ الأخوة الإيمانية التي يعيشونها، وفضيلة التواصي بالحق والصبر التي يحيونها بينهم؛ هي من أهم أسباب الإعانة على الطريق في هذه البيئة الصعبة التي بحاجة إلى رجال تزودوا بخير زاد ونهلوا من موارد الإيمان وأسهروا ليلهم في محاريب الإخبات، وانتصروا في محاريب الصلوات، فكانوا بذلك أهلا أن ينتقلوا للعمل في هذه البيئات عالية المخاطر عالية الأجور بإذن الله تعالى.
وعلى المجاهد في أي بيئة كان؛ أن يجتهد في زيادة رصيده الإيماني متحصنا بالذكر متسلحًا بالتقوى، وأن يرقى مدارج السالكين، وأن يرتقي في درجات العبودية لله تعالى، فإنها الدرجة التي امتدح الله بها نبيه محمدا -صلى الله عليه وسلم- في مقام المعراج فقال تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الإسراء]
وبالمحصلة، فإن زاد المجاهد الإيماني والعلمي، خير عون له في جهاده، وهو أوسع مِن أنْ يُحصر في أبواب معيّنة، والواجب على المجاهدين أن يهيّئوا زادهم، وأن يقسّموا أورادهم، ذكرًا وقيامًا وصيامًا، ويقسّموا أوقاتهم رصدا وإعدادًا وتربصًا، ويتأهبوا ويستعدوا ويتسلحوا بالإيمان والتقوى، فإنّ العالم يشتعل ويتسارع نحو هاوية الاصطدام، وإنّ الملاحم التي خلت نقطة في بحر الملاحم القادمة إنْ شاء الله، فتزودوا لذلك فإن خير الزاد التقوى، والله وليّ المتقين.
● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 357
السنة الرابعة عشرة - الخميس 26 صفر 1444 هـ ...المزيد
لا بُدّ للمسلم السائر إلى الله تعالى مِن زاد يُعينه على بلوغ طريقه والوصول إلى مقصده، ولا شكّ أنّ أهمية هذا الزاد في حقّ المجاهد آكدُ وأشدّ، فهو أكثر حاجةً إليه مِن غيره لِما يتعرض له مِن أنواع الصعاب والأخطار التي لا يقدر عليها بغير التزود لها.
وإنّ لهذا الزاد عناوين عريضة وأبوابا واسعة، إلا أن جميعها لا تخرج عن سياق التقوى، فهي خير ما تزوّد به الأولون والآخرون، والسابقون واللاحقون، وقد أكد القرآن العظيم على ذلك، فقال تعالى: {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ}، قال الإمام ابن كثير رحمه الله: "لمّا أمرهم بالزاد للسفر في الدنيا، أرشدهم إلى زاد الآخرة، وهو استصحاب التقوى إليها، كما قال: (وريشًا ولباس التقوى ذلك خير)، لمّا ذكر اللباس الحسي نبّه مرشدا إلى اللباس المعنوي: وهو الخشوع، والطاعة والتقوى، وذكر أنه خير من هذا، وأنفع" [تفسير القرآن العظيم]
وإن الأحاديث الصحيحة الواردة في تفضيل الجهاد على غيره من الأعمال، لا تعني أن يزهد المجاهد في هذه الأعمال والقربات، بل هي تشكّل زادًا ودافعًا إيمانيًا يعينه على لأواء هذا الطريق المحفوف بالمكاره، وتكون سببًا في ثباته ومواصلته لجهاده، كما هو معروف عمليًا في واقع المجاهدين، فأهل هذا الزاد الإيماني هم أكثر المجاهدين ثباتًا في الملمات وأصبرهم عند الخطوب والمدلهمات، ولا يشترط أن يكون أهل هذا الزاد معروفين مشتهرين بذلك، فإن كثيرا منهم يسرّون ذلك ويجتهدون في إخفائه ترويضا للنفس على الإخلاص وحرصا على القَبول.
ولعل مِن أوسع أبواب هذا الزاد وأجمعِها: باب الذكر، فقد أمر الله تعالى عباده المؤمنين المجاهدين بالإكثار من الذكر في أحلك الظروف وأشدها، عند لقاء العدو واحتدام القتال!، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأنفال]، فقرن -سبحانه- الفلاح الذي هو النصر، بالثبات والإكثار من ذكر الله تعالى، فكان الذكر والثبات قرينين لا ينفكان في ساحات القتال.
ومما يتزود به المجاهد في مسيرته؛ دعاؤه وتضرعه إلى مولاه، فالدعاء رفيق المجاهد في عسره ويسره، وهجمته وهجعته، وإغارته على عدوه وإغارة عدوه عليه، وقد بيّن القرآن الكريم أن المجاهدين أتباع المرسلين كانوا يلجأون إلى الله بالدعاء عند اشتداد الخطب، فقال تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [آل عمران]، والمعنى: ما كان قولهم عندما أصابهم القتل والجراح في سبيل الله، إلا أن دعوا ربهم بأن يغفر لهم ذنوبهم، وأن يثبت أقدامهم وينصرهم على عدوهم، وكان مِن فقههم أن دعوا ربهم أن يغفر لهم ذنوبهم، لعلمهم أن الذنوب سبب لتأخير النصر، وسبب لضياعه، ومثله قوله تعالى: {وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}، فهذه الآيات وغيرها نص صريح في أهمية تزوّد المجاهد بالذكر عمومًا، والدعاء خصوصا لتحصيل الثبات والنصر.
وإن مما يدخل في أبواب زاد المجاهد، بل يتربع على عرشه؛ زاد العلم، ومعلوم أن العلماء أكثر الناس خشية لله تعالى والتزود بالعلم طريق إلى تحصيل الخشية، لقوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}، وزاد العلم يرافق المجاهد في ميدانه الإعلامي والعسكري والأمني، يلازمه قبل المعركة وبعدها، يصاحبه عندما يسلم ويغنم أو يخفق ويُصاب، فيقاتل المجاهد ويقتل ويحزّ وينحر ويحرق ويفجّر ويدمّر وهو متيقن غير مرتاب، يرافقه الدليل الشرعي بل يسبقه إلى غزوته، يسابق أزيز رصاصه ويزاحم بريق سيفه، ولذا فعلى المجاهدين أن يجتهدوا في تحصيل أسبابه وأن يهيّئوا الكوادر الشرعية باستمرار، وأن يغمسوهم في الميادين فيمزجوا العلم بالعمل والفقه بالواقع، فيتقدّموا الصفوف ويكونوا كما كان علماء السلف في مقدمة الجيوش، مقاتلين ناصحين آمرين بالمعروف وناهين عن المنكر، فهم صمام الأمان للجهاد، وفقدهم ثلمة لا تخفى على من عاشر وعاصر الميادين.وإن أهمية الزاد الإيماني لا تقتصر على المجاهد الممتشق سلاحه في الميادين والمعسكرات داخل الولايات القائمة، بل تزداد هذه الأهمية في حق مفارز المجاهدين العاملة في عقر ديار الكافرين، فهم بحاجة إلى اعتناء أكبر بالتربية الإيمانية والزاد الإيماني؛ كونهم يعملون في بيئة معادية لا معين لهم فيها على الطاعة والتوحيد، وعليهم أن يدركوا أنّ الأخوة الإيمانية التي يعيشونها، وفضيلة التواصي بالحق والصبر التي يحيونها بينهم؛ هي من أهم أسباب الإعانة على الطريق في هذه البيئة الصعبة التي بحاجة إلى رجال تزودوا بخير زاد ونهلوا من موارد الإيمان وأسهروا ليلهم في محاريب الإخبات، وانتصروا في محاريب الصلوات، فكانوا بذلك أهلا أن ينتقلوا للعمل في هذه البيئات عالية المخاطر عالية الأجور بإذن الله تعالى.
وعلى المجاهد في أي بيئة كان؛ أن يجتهد في زيادة رصيده الإيماني متحصنا بالذكر متسلحًا بالتقوى، وأن يرقى مدارج السالكين، وأن يرتقي في درجات العبودية لله تعالى، فإنها الدرجة التي امتدح الله بها نبيه محمدا -صلى الله عليه وسلم- في مقام المعراج فقال تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الإسراء]
وبالمحصلة، فإن زاد المجاهد الإيماني والعلمي، خير عون له في جهاده، وهو أوسع مِن أنْ يُحصر في أبواب معيّنة، والواجب على المجاهدين أن يهيّئوا زادهم، وأن يقسّموا أورادهم، ذكرًا وقيامًا وصيامًا، ويقسّموا أوقاتهم رصدا وإعدادًا وتربصًا، ويتأهبوا ويستعدوا ويتسلحوا بالإيمان والتقوى، فإنّ العالم يشتعل ويتسارع نحو هاوية الاصطدام، وإنّ الملاحم التي خلت نقطة في بحر الملاحم القادمة إنْ شاء الله، فتزودوا لذلك فإن خير الزاد التقوى، والله وليّ المتقين.
● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 357
السنة الرابعة عشرة - الخميس 26 صفر 1444 هـ ...المزيد
الحرية في زمن العبودية كان من نتائج ترك المسلمين للجهاد؛ غزو الكافرين لبلادهم وسيطرتهم عليها ...
الحرية في زمن العبودية
كان من نتائج ترك المسلمين للجهاد؛ غزو الكافرين لبلادهم وسيطرتهم عليها إما مباشرة أو عبر الوكلاء، وقد صاحب هذا الغزو الميداني؛ غزو عقائدي خطير، سعوا من خلاله إلى تبديل وتغيير عقيدة المسلمين إلى أي شيء آخر غير دين الإسلام، حتى انجرف كثير من بني جلدتنا في سيل هذه الفتن ممن اتبعوا أهواءهم، فصارت قلوبهم لا تعرف معروفا ولا تنكر منكرا إلا ما أشْرِبت من أهوائها، وأضحوا جاهزين ليكونوا معاول هدم لدين الإسلام، فتمّ على إثر ذلك تصديرهم في الواقع والمواقع والشاشات؛ لينفثوا سمومهم، ويدعوا لباطلهم، ويشككوا المسلمين بدينهم، رافعين شعارات ولافتات كثيرة، من أخطرها: "الحرية الشخصية"!
وباسم هذه "الحرية" المزعومة تجرأ الكفرة الفجرة على الطعن في ذات الله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ولم يُبقوا أصلا من أصول الدين ولا فرعا من فروعه إلا طالته شبههم العابثةُ بعقيدة المسلمين، فلا بأس عند أهل هذه "الحرية" ودعاتها أن يرتد المسلم عن دينه فهو حر في اعتقاده! ولا بأس أيضا أن يفعل من الفواحش ما يشاء فهو حر في تصرفاته! ولا بأس إن ترك الصلاة والصيام والزكاة وكل العبادات ما دام لم يؤذِ أحدا غيره! وهؤلاء -الذين تقدمهم وسائل الإعلام على أنهم "مفكّرون" و"مثقّفون"- إن لم يردوا الناس عن دينهم بالكليّة، فأقلّ شرهم أنهم يفتحون باب التشكيك في فطرة الله التي فطر الناس عليها، ويحاولون أن يَنْكسوا فطرة الناس عن الهدى والفضيلة، بمزج شبهات كفرهم بالشهوات والأهواء وحظوظ النفس، وخطورة هؤلاء "المتحررين" الزنادقة في زماننا أشد وأخطر من الأزمنة السابقة، لانتشارهم وتغلغلهم بين المسلمين وتقديم التسهيلات لهم من قبل الحكومات الكافرة والمرتدة.
وترتبت على انتشار هذه الدعوة الفاسدة شرعا وعقلا -الحرية الشخصية- مفاسد عظيمة، تناقض الإسلام في أصوله، منها: تهوين كفر الكفار وعظيم جرمهم بحق الله تعالى، وتسهيل الردة عن دين الإسلام، والتي حكمها في شرع الله تعالى القتل كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (من بدّل دينه فاقتلوه) [البخاري]، ومنها: إماتة الغيرة على الدين وتمييع الولاء والبراء في نفوس المسلمين، ومنها: أن يسمع المسلمون من يقول لمن يأمر بالمعروف ويدعو للإسلام وينهى عن المنكر ويحذّر من الكفر: "لا تتدخل فيما لا يعنيك"! في مصادمة واضحة ومخالفة فاضحة لنصوص الوحيين، كقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (والَّذي نفسي بيدِه لتأمُرُنَّ بالمعروفِ ولتنهَوُنَّ عن المنكرِ أو ليوشِكَنَّ اللهُ أن يبعثَ عليكم عذابًا منه ثمَّ تدعونه فلا يستجيبُ لكم) [الترمذي]، ومنها أيضا: تفتيت أُسَر المسلمين بدعوى حرية الأبناء، وتفتيت المجتمع المسلم نتيجة لذلك وتفريق صفهم وزرع الفرقة بينهم، ومنها: انتشار الفجور والخمور والفواحش المهلكة، في مجتمع لا يُسمح له بالأمر بالمعروف ولا النهي عن المنكر، كل ذلك تحت طغيان هذه الزندقة المسماة بـ"الحرية الشخصية"!
وكما في كثير من الدعاوى الكفرية، التي يحاول أصحابها أن يُضفوا عليها صبغة الشرع ولو كانت مصادمة له مناقضة لأصوله، فيلووا أعناق النصوص ويحوّروها لتوافق أهواءهم، وتصير تبعا لما تشتهي أنفسهم وأنفس داعميهم؛ فنجد من يقول بأن الإسلام يدعو للحرية الشخصية!! ويؤلفون في ذلك المؤلفات ويكتبون المقالات ويعقدون الندوات، في كذب وافتراء على الله تعالى وقولهم في دينه ما ليس منه، إلى الحد الذي تشمئزّ منه نفوس المؤمنين والله المستعان، ومما عمّ شره من ذلك، ما ينشرونه بين المسلمين من شبهة "حرية الأديان" محرّفين معنى قول الله تعالى: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [الكافرون] والتي فيها المفاصلة التامة مع الكفار والبراءة منهم، وقوله تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة] قال ابن كثير: "أي لا تكرهوا أحدا على الدخول في دين الإسلام فإنه بيِّنٌ واضح جلي دلائله وبراهينه لا يحتاج إلى أن يُكرَه أحد على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره ونور بصيرته دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرها مقسورا" [التفسير]، أو هي متعلقة بأهل الكتاب الذين اختاروا دفع الجزية للمسلمين، فهذه التأويلات لم يتضمّن أحدها ما يدعو إليه هؤلاء الزنادقة "المتحررون"، بل لم يفهم منها النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا صحابته الكرام ترك الناس ودينهم! بل امتثلوا أمر الله تعالى بقتالهم حتى أتاهم اليقين، قال تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}. [التوبة]
لقد أعطانا الإسلام الحرية في تخيير أهل الكتاب بين الإسلام أو الجزية عن صغار، أو أن نقطع أعناقهم وننثر أشلاءهم، وأعطانا الإسلام الحرية في أن ندقّ عنق المرتد عن دين الله ليكون عبرة لغيره، فهذه هي الحرية في الإسلام التي تعني العبودية المطلقة لله تعالى وحده.
إن الحرية في الإسلام هي التحرر من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، فالمسلم عبد لله وحده، يأتمر بأمره، وينتهي بنهيه، ودعاة الحرية هؤلاء هم في الحقيقة عبيد لأهوائهم وشياطينهم، وعبوديتهم للهوى والشهوات هي التي تدفعهم للمناداة بالحرية الشخصية وتعظيمها؛ وأمام ذلك، فإنه يجب على المسلمين أن يحاربوا هذه العبودية الشركية المغلّفة باسم "الحرية"، والتي جاءت نتيجة غرس قديم لبذور الانحراف بين مجتمعاتهم، بأيدي "مفكّرين" انسلخوا عن دينهم، واستوردوا أفكارا من الشرق أو الغرب، باسم "التحرر" و"التطور" و"الديموقراطية"؛ ليغزوا بها ديارهم، ويعبّدوهم لشهواتهم، كما يجب عليهم أيضا أن يحاربوا أصحاب هذه الدعوات والمدافعين عنها، باللسان والسنان، بعد البراءة منهم قولا وعملا أسوة بملة إبراهيم -عليه السلام-.
وعلى المسلمين أيضًا أن يحصّنوا أنفسهم وأهليهم وإخوانهم من هذه المناهج والدعوات الكفرية، وأن يتذكروا أنها سبب لدخول نار جهنم والعياذ بالله، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ..} [التحريم]، وأن يحرصوا على أن يكون هواهم تبعاً لما جاء به الشرع الحنيف.
كما على المجاهدين خصوصًا، أن يتأمّلوا عظيم فضل الله عليهم بهدايتهم إلى سبيل النجاة في الوقت الذي يعبد فيه الناس شهواتهم وأهواءهم وأموالهم، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (تَعِس عبدُ الدينار، تعس عبدُ الدرهم، تعِس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، إن أعطي رضي، وإن لم يعطَ سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبدٍ أخذٍ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه مغبرةٌ قدماه..) [البخاري]
وفي الحديث دلالة على أن الجهاد سبب لنجاة العبد من فتن الدنيا والآخرة، والمجاهدون هم أكثر الناس حرصا على تحرير الناس من جور الأديان إلى عدل الإسلام، والحمد لله رب العالمين.
● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 359
السنة الرابعة عشرة - الخميس 10 ربيع الأول 1444 هـ ...المزيد
كان من نتائج ترك المسلمين للجهاد؛ غزو الكافرين لبلادهم وسيطرتهم عليها إما مباشرة أو عبر الوكلاء، وقد صاحب هذا الغزو الميداني؛ غزو عقائدي خطير، سعوا من خلاله إلى تبديل وتغيير عقيدة المسلمين إلى أي شيء آخر غير دين الإسلام، حتى انجرف كثير من بني جلدتنا في سيل هذه الفتن ممن اتبعوا أهواءهم، فصارت قلوبهم لا تعرف معروفا ولا تنكر منكرا إلا ما أشْرِبت من أهوائها، وأضحوا جاهزين ليكونوا معاول هدم لدين الإسلام، فتمّ على إثر ذلك تصديرهم في الواقع والمواقع والشاشات؛ لينفثوا سمومهم، ويدعوا لباطلهم، ويشككوا المسلمين بدينهم، رافعين شعارات ولافتات كثيرة، من أخطرها: "الحرية الشخصية"!
وباسم هذه "الحرية" المزعومة تجرأ الكفرة الفجرة على الطعن في ذات الله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ولم يُبقوا أصلا من أصول الدين ولا فرعا من فروعه إلا طالته شبههم العابثةُ بعقيدة المسلمين، فلا بأس عند أهل هذه "الحرية" ودعاتها أن يرتد المسلم عن دينه فهو حر في اعتقاده! ولا بأس أيضا أن يفعل من الفواحش ما يشاء فهو حر في تصرفاته! ولا بأس إن ترك الصلاة والصيام والزكاة وكل العبادات ما دام لم يؤذِ أحدا غيره! وهؤلاء -الذين تقدمهم وسائل الإعلام على أنهم "مفكّرون" و"مثقّفون"- إن لم يردوا الناس عن دينهم بالكليّة، فأقلّ شرهم أنهم يفتحون باب التشكيك في فطرة الله التي فطر الناس عليها، ويحاولون أن يَنْكسوا فطرة الناس عن الهدى والفضيلة، بمزج شبهات كفرهم بالشهوات والأهواء وحظوظ النفس، وخطورة هؤلاء "المتحررين" الزنادقة في زماننا أشد وأخطر من الأزمنة السابقة، لانتشارهم وتغلغلهم بين المسلمين وتقديم التسهيلات لهم من قبل الحكومات الكافرة والمرتدة.
وترتبت على انتشار هذه الدعوة الفاسدة شرعا وعقلا -الحرية الشخصية- مفاسد عظيمة، تناقض الإسلام في أصوله، منها: تهوين كفر الكفار وعظيم جرمهم بحق الله تعالى، وتسهيل الردة عن دين الإسلام، والتي حكمها في شرع الله تعالى القتل كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (من بدّل دينه فاقتلوه) [البخاري]، ومنها: إماتة الغيرة على الدين وتمييع الولاء والبراء في نفوس المسلمين، ومنها: أن يسمع المسلمون من يقول لمن يأمر بالمعروف ويدعو للإسلام وينهى عن المنكر ويحذّر من الكفر: "لا تتدخل فيما لا يعنيك"! في مصادمة واضحة ومخالفة فاضحة لنصوص الوحيين، كقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (والَّذي نفسي بيدِه لتأمُرُنَّ بالمعروفِ ولتنهَوُنَّ عن المنكرِ أو ليوشِكَنَّ اللهُ أن يبعثَ عليكم عذابًا منه ثمَّ تدعونه فلا يستجيبُ لكم) [الترمذي]، ومنها أيضا: تفتيت أُسَر المسلمين بدعوى حرية الأبناء، وتفتيت المجتمع المسلم نتيجة لذلك وتفريق صفهم وزرع الفرقة بينهم، ومنها: انتشار الفجور والخمور والفواحش المهلكة، في مجتمع لا يُسمح له بالأمر بالمعروف ولا النهي عن المنكر، كل ذلك تحت طغيان هذه الزندقة المسماة بـ"الحرية الشخصية"!
وكما في كثير من الدعاوى الكفرية، التي يحاول أصحابها أن يُضفوا عليها صبغة الشرع ولو كانت مصادمة له مناقضة لأصوله، فيلووا أعناق النصوص ويحوّروها لتوافق أهواءهم، وتصير تبعا لما تشتهي أنفسهم وأنفس داعميهم؛ فنجد من يقول بأن الإسلام يدعو للحرية الشخصية!! ويؤلفون في ذلك المؤلفات ويكتبون المقالات ويعقدون الندوات، في كذب وافتراء على الله تعالى وقولهم في دينه ما ليس منه، إلى الحد الذي تشمئزّ منه نفوس المؤمنين والله المستعان، ومما عمّ شره من ذلك، ما ينشرونه بين المسلمين من شبهة "حرية الأديان" محرّفين معنى قول الله تعالى: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [الكافرون] والتي فيها المفاصلة التامة مع الكفار والبراءة منهم، وقوله تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة] قال ابن كثير: "أي لا تكرهوا أحدا على الدخول في دين الإسلام فإنه بيِّنٌ واضح جلي دلائله وبراهينه لا يحتاج إلى أن يُكرَه أحد على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره ونور بصيرته دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرها مقسورا" [التفسير]، أو هي متعلقة بأهل الكتاب الذين اختاروا دفع الجزية للمسلمين، فهذه التأويلات لم يتضمّن أحدها ما يدعو إليه هؤلاء الزنادقة "المتحررون"، بل لم يفهم منها النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا صحابته الكرام ترك الناس ودينهم! بل امتثلوا أمر الله تعالى بقتالهم حتى أتاهم اليقين، قال تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}. [التوبة]
لقد أعطانا الإسلام الحرية في تخيير أهل الكتاب بين الإسلام أو الجزية عن صغار، أو أن نقطع أعناقهم وننثر أشلاءهم، وأعطانا الإسلام الحرية في أن ندقّ عنق المرتد عن دين الله ليكون عبرة لغيره، فهذه هي الحرية في الإسلام التي تعني العبودية المطلقة لله تعالى وحده.
إن الحرية في الإسلام هي التحرر من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، فالمسلم عبد لله وحده، يأتمر بأمره، وينتهي بنهيه، ودعاة الحرية هؤلاء هم في الحقيقة عبيد لأهوائهم وشياطينهم، وعبوديتهم للهوى والشهوات هي التي تدفعهم للمناداة بالحرية الشخصية وتعظيمها؛ وأمام ذلك، فإنه يجب على المسلمين أن يحاربوا هذه العبودية الشركية المغلّفة باسم "الحرية"، والتي جاءت نتيجة غرس قديم لبذور الانحراف بين مجتمعاتهم، بأيدي "مفكّرين" انسلخوا عن دينهم، واستوردوا أفكارا من الشرق أو الغرب، باسم "التحرر" و"التطور" و"الديموقراطية"؛ ليغزوا بها ديارهم، ويعبّدوهم لشهواتهم، كما يجب عليهم أيضا أن يحاربوا أصحاب هذه الدعوات والمدافعين عنها، باللسان والسنان، بعد البراءة منهم قولا وعملا أسوة بملة إبراهيم -عليه السلام-.
وعلى المسلمين أيضًا أن يحصّنوا أنفسهم وأهليهم وإخوانهم من هذه المناهج والدعوات الكفرية، وأن يتذكروا أنها سبب لدخول نار جهنم والعياذ بالله، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ..} [التحريم]، وأن يحرصوا على أن يكون هواهم تبعاً لما جاء به الشرع الحنيف.
كما على المجاهدين خصوصًا، أن يتأمّلوا عظيم فضل الله عليهم بهدايتهم إلى سبيل النجاة في الوقت الذي يعبد فيه الناس شهواتهم وأهواءهم وأموالهم، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (تَعِس عبدُ الدينار، تعس عبدُ الدرهم، تعِس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، إن أعطي رضي، وإن لم يعطَ سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبدٍ أخذٍ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه مغبرةٌ قدماه..) [البخاري]
وفي الحديث دلالة على أن الجهاد سبب لنجاة العبد من فتن الدنيا والآخرة، والمجاهدون هم أكثر الناس حرصا على تحرير الناس من جور الأديان إلى عدل الإسلام، والحمد لله رب العالمين.
● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 359
السنة الرابعة عشرة - الخميس 10 ربيع الأول 1444 هـ ...المزيد
التوكل.. حقيقته وثماره إن التوكل على الله تعالى من صفات عباده المؤمنين الخاشعين الذين جلّى ...
التوكل.. حقيقته وثماره
إن التوكل على الله تعالى من صفات عباده المؤمنين الخاشعين الذين جلّى الله صفاتهم في كتابه الكريم فقال فيهم: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال]، والتوكّل عبادة عظيمة يُتقرّب بها إلى الله تعالى، وقد أمر الله بها الأنبياء والمرسلين وعباده المؤمنين في مواضع عديدة منها قوله لنبيه محمد -صلى الله عليه وسلم-: {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ}[هود]، قال الإمام الطبري: "يقول: فاعبد ربك يا محمد، (وتوكل عليه): فوِّض أمرك إليه، وثِق به وبكفايته، فإنه كافي من توكل عليه"، ومنها قوله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}[التوبة]، إلى غيرها من الآيات.. فما المقصود بالتوكل؟ وما حقيقته؟ وما آثاره وفوائده للمسلم في الدنيا والآخرة؟
- حقيقة التوكل
إنّ التوكل عبادة من أعظم الأعمال القلبية التي لا يعلم صدقها وحقيقتها إلا الله تعالى، وحقيقة التوكل كما عرّفها ابن رجب -رحمه الله-: "هو صدق اعتماد القلب على الله -عز وجل- في استجلاب المصالح ودفع المضار من أمور الدنيا والآخرة كلها، وَكِلَةُ الأمورِ كلِّها إليه، وتحقيق الإيمان بأنه لا يعطي ولا يمنع ولا يضر ولا ينفع سواه" [جامع العلوم والحكم].
والتوكل على الله تعالى شرط من شروط الإيمان به سبحانه، ولذلك قَرَن الله تعالى بين التوكل والإيمان فقال تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة]، وقال أيضا: {يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ} [يونس]، وحول ذلك يقول ابن القيم -رحمه الله-: "هل خاطب الله بالتوكل في كتابه إلا خواصَّ خلقِه وأقربَهم إليه وأكرمَهم عليه؟ وشرط في إيمانهم أن يكونوا متوكلين، والمعلّق على الشرط يُعدم عند عدمه، وهذا يدل على انتفاء الإيمان عند انتفاء التوكل، فمن لا توكل له لا إيمان له، قال الله تعالى: {وَعَلى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة]، وقال تعالى: {وَعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ} [آل عمران]، وقال تعالى: {إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال]، وهذا يدل على انحصار المؤمنين فيمن كان بهذه الصفة" [مدارج السالكين].
- توكل الأنبياء
ولا تظهر حقيقة التوكل على الله إلا عند الخطوب ووقوع الكروب، وأكمل الخلق إيمانا وأشدهم توكلا على الله سبحانه هم الأنبياء، ولنا في مواقفهم عظاتٌ وعبر، فهذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، ومن قبلهم إبراهيم -عليه السلام- التجأوا لربهم وفوضوا أمرهم لبارئهم سبحانه، وتوكلوا عليه في مواقف شديدة، ظهر فيها صدق توكلهم على الله، فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم -عليه السلام- حين ألْقيَ في النار، وقالها محمد -صلى الله عليه وسلم- حين قالوا: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}" [أخرجه البخاري]، فما كان من أمر إبراهيم -عليه السلام- إلا أن نجّاه الله من النار، فجعلها سبحانه بردا وسلاما عليه، وجعل أعداءه الذين أرادوا به كيدا من الخاسرين، قال تعالى: {وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ}، وأما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه فقد انقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء، وذلك بفضل الله وإحسانه عليهم، فعندما توكلوا على ربهم حق توكله وتبرأوا من حولهم وقوتهم كفاهم الله ما يحذرون منه ونجاهم من عدوهم، كما نجّى موسى -عليه السلام- حين توكّل على ربه حق التوكّل لمّا أتبعه فرعون وجنوده، قال تعالى: {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء] فانظر إلى عظيم توكّلِ موسى -عليه السلام- وانظر عاقبة هذا التوكّل، فقد نجّى الله تعالى موسى ومَن معه مِن هذا الموقف العصيب، ففلق له البحر وأغرق فرعون وجنوده فيه، قال الله تعالى: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق].
- التوكل لا ينافي الأخذ بالأسباب
وقد يُفهم أن التوكل على الله تعالى هو تركُ الأخذ بالأسباب لتحقيق أي مطلب من مطالب الدين والدنيا، وهذا مخالف لما أمر الله به بل هو تعطيل لجانب التوحيد وعدم فهم التوكل فهما صحيحا كما أمر الله به سبحانه، فالأخذ بالأسباب واجبٌ شرعيٌ لابد منه لتحقيق المراد مع عدم الاعتماد عليه والركون إليه وتعلق القلب فيه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "قال طائفة من العلماء: الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسباباً نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قَدْحٌ في الشريعة، وإنما التوكل المأمور به ما اجتمع فيه مقتضى التوحيد والعقل والشرع" [التحفة العراقية]، وقال تلميذه ابن القيم -رحمه الله-: "وأجمع القومُ على أن التوكل لا ينافي القيامَ بالأسباب، فلا يصح التوكل إلا مع القيام بها، وإلا فهو بطالةٌ وتوكلٌ فاسد" [مدارج السالكين].
والمتأمل في كتاب الله جل وعلا يجد أن الأخذ بالأسباب قد أمر الله به وذكر ذلك في مواطن عديدة، فقال سبحانه محذراً عباده المؤمنين من غدر الكافرين: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ} [النساء]، وقال -جل شأنه- في الإعداد وقتال الكافرين: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ} [الأنفال]، وأمر عباده بطلب الرزق فقال تعالى: {هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ ذَلُولًا فَٱمْشُواْ فِى مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ} [الملك]، وقال سبحانه: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة]، ففي هذه الآيات وغيرها الكثير ما يدل على الأخذ بالأسباب مع التوكل على الله تعالى، قال ابن القيم -رحمه الله-: "فلا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله تعالى، وإن تعطيلها يقدح في نفس التوكل، وإن تركها عجْزٌ ينافي التوكل الذي حقيقته اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه، ودفع ما يضره في دينه ودنياه، ولا بد من هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب، وإلا كان معطلاً للحكمة والشرع، فلا يجعل العبد عجزه توكلاً ولا توكله عجزاً" [زاد المعاد].
- ثمار التوكل
وإذا استقرت في قلب العبد حقيقة التوكل على الله نال بذلك ثمرات هذه العبادة العظيمة، ولعل من أفضل ثمرات التوكل وأعظمها هي محبة الله سبحانه وتعالى للعبد، قال تعالى: {فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران]، وإذا أحب اللهُ عبداً نال السعادة في الدارين، ومن ثمرات التوكل على الله: الحفظ من الشيطان ومكائده؛ إذ أن الشيطان يفرّ من المؤمنين المتوكلين على الله في كل شأنهم فلا سلطان له عليهم قال تعالى: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [النحل].
ومن ثمراته: الهداية من الضلال والكفاية من أمور الدنيا والوقاية من المكاره قال -صلى الله عليه وسلم-: (من قال -يعنى إذا خرج من بيته-: "بسم الله توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله" يقال له: "كفيت ووقيت وهُديت وتنحى عنه الشيطان"، فيقول لشيطان آخر: "كيف لك برجل قد هُدِي وكُفِي وَوُقِي") [أبو داوود وابن حبان]، قال ابن القيّم -رحمه الله-: "والتوكل من أقوى الأسباب التي يدفع بها العبد ما لا يطيق من أذى الخلق وظلمهم وعدوانهم، وهو من أقوى الأسباب في ذلك، فإن الله حسبه أي كافيه، ومَن كان الله كافيه وواقيه فلا مطمع فيه لعدوه ولا يضره إلا أذى لا بد منه، كالحر والبرد والجوع والعطش، وأما أن يضره بما يبلغ منه مراده فلا يكون أبدا وفرق بين الأذى الذي هو في الظاهر إيذاء له وهو في الحقيقة إحسان إليه وإضرار بنفسه، وبين الضرر الذي يتشفى به منه، قال بعض السلف: "جعل الله تعالى لكل عمل جزاء من جنسه، وجعل جزاء التوكل عليه نفس كفايته لعبده فقال: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} ولم يقل نؤته كذا وكذا من الأجر كما قال في الأعمال، بل جعل نفسه سبحانه كافي عبده المتوكل عليه وحسبه وواقيه، فلو توكل العبد على الله تعالى حق توكله وكادته السموات والأرض ومن فيهن لجعل له مخرجا من ذلك وكفاه ونصره" [بدائع الفوائد]. ...المزيد
إن التوكل على الله تعالى من صفات عباده المؤمنين الخاشعين الذين جلّى الله صفاتهم في كتابه الكريم فقال فيهم: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال]، والتوكّل عبادة عظيمة يُتقرّب بها إلى الله تعالى، وقد أمر الله بها الأنبياء والمرسلين وعباده المؤمنين في مواضع عديدة منها قوله لنبيه محمد -صلى الله عليه وسلم-: {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ}[هود]، قال الإمام الطبري: "يقول: فاعبد ربك يا محمد، (وتوكل عليه): فوِّض أمرك إليه، وثِق به وبكفايته، فإنه كافي من توكل عليه"، ومنها قوله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}[التوبة]، إلى غيرها من الآيات.. فما المقصود بالتوكل؟ وما حقيقته؟ وما آثاره وفوائده للمسلم في الدنيا والآخرة؟
- حقيقة التوكل
إنّ التوكل عبادة من أعظم الأعمال القلبية التي لا يعلم صدقها وحقيقتها إلا الله تعالى، وحقيقة التوكل كما عرّفها ابن رجب -رحمه الله-: "هو صدق اعتماد القلب على الله -عز وجل- في استجلاب المصالح ودفع المضار من أمور الدنيا والآخرة كلها، وَكِلَةُ الأمورِ كلِّها إليه، وتحقيق الإيمان بأنه لا يعطي ولا يمنع ولا يضر ولا ينفع سواه" [جامع العلوم والحكم].
والتوكل على الله تعالى شرط من شروط الإيمان به سبحانه، ولذلك قَرَن الله تعالى بين التوكل والإيمان فقال تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة]، وقال أيضا: {يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ} [يونس]، وحول ذلك يقول ابن القيم -رحمه الله-: "هل خاطب الله بالتوكل في كتابه إلا خواصَّ خلقِه وأقربَهم إليه وأكرمَهم عليه؟ وشرط في إيمانهم أن يكونوا متوكلين، والمعلّق على الشرط يُعدم عند عدمه، وهذا يدل على انتفاء الإيمان عند انتفاء التوكل، فمن لا توكل له لا إيمان له، قال الله تعالى: {وَعَلى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة]، وقال تعالى: {وَعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ} [آل عمران]، وقال تعالى: {إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال]، وهذا يدل على انحصار المؤمنين فيمن كان بهذه الصفة" [مدارج السالكين].
- توكل الأنبياء
ولا تظهر حقيقة التوكل على الله إلا عند الخطوب ووقوع الكروب، وأكمل الخلق إيمانا وأشدهم توكلا على الله سبحانه هم الأنبياء، ولنا في مواقفهم عظاتٌ وعبر، فهذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، ومن قبلهم إبراهيم -عليه السلام- التجأوا لربهم وفوضوا أمرهم لبارئهم سبحانه، وتوكلوا عليه في مواقف شديدة، ظهر فيها صدق توكلهم على الله، فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم -عليه السلام- حين ألْقيَ في النار، وقالها محمد -صلى الله عليه وسلم- حين قالوا: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}" [أخرجه البخاري]، فما كان من أمر إبراهيم -عليه السلام- إلا أن نجّاه الله من النار، فجعلها سبحانه بردا وسلاما عليه، وجعل أعداءه الذين أرادوا به كيدا من الخاسرين، قال تعالى: {وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ}، وأما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه فقد انقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء، وذلك بفضل الله وإحسانه عليهم، فعندما توكلوا على ربهم حق توكله وتبرأوا من حولهم وقوتهم كفاهم الله ما يحذرون منه ونجاهم من عدوهم، كما نجّى موسى -عليه السلام- حين توكّل على ربه حق التوكّل لمّا أتبعه فرعون وجنوده، قال تعالى: {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء] فانظر إلى عظيم توكّلِ موسى -عليه السلام- وانظر عاقبة هذا التوكّل، فقد نجّى الله تعالى موسى ومَن معه مِن هذا الموقف العصيب، ففلق له البحر وأغرق فرعون وجنوده فيه، قال الله تعالى: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق].
- التوكل لا ينافي الأخذ بالأسباب
وقد يُفهم أن التوكل على الله تعالى هو تركُ الأخذ بالأسباب لتحقيق أي مطلب من مطالب الدين والدنيا، وهذا مخالف لما أمر الله به بل هو تعطيل لجانب التوحيد وعدم فهم التوكل فهما صحيحا كما أمر الله به سبحانه، فالأخذ بالأسباب واجبٌ شرعيٌ لابد منه لتحقيق المراد مع عدم الاعتماد عليه والركون إليه وتعلق القلب فيه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "قال طائفة من العلماء: الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسباباً نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قَدْحٌ في الشريعة، وإنما التوكل المأمور به ما اجتمع فيه مقتضى التوحيد والعقل والشرع" [التحفة العراقية]، وقال تلميذه ابن القيم -رحمه الله-: "وأجمع القومُ على أن التوكل لا ينافي القيامَ بالأسباب، فلا يصح التوكل إلا مع القيام بها، وإلا فهو بطالةٌ وتوكلٌ فاسد" [مدارج السالكين].
والمتأمل في كتاب الله جل وعلا يجد أن الأخذ بالأسباب قد أمر الله به وذكر ذلك في مواطن عديدة، فقال سبحانه محذراً عباده المؤمنين من غدر الكافرين: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ} [النساء]، وقال -جل شأنه- في الإعداد وقتال الكافرين: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ} [الأنفال]، وأمر عباده بطلب الرزق فقال تعالى: {هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ ذَلُولًا فَٱمْشُواْ فِى مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ} [الملك]، وقال سبحانه: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة]، ففي هذه الآيات وغيرها الكثير ما يدل على الأخذ بالأسباب مع التوكل على الله تعالى، قال ابن القيم -رحمه الله-: "فلا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله تعالى، وإن تعطيلها يقدح في نفس التوكل، وإن تركها عجْزٌ ينافي التوكل الذي حقيقته اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه، ودفع ما يضره في دينه ودنياه، ولا بد من هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب، وإلا كان معطلاً للحكمة والشرع، فلا يجعل العبد عجزه توكلاً ولا توكله عجزاً" [زاد المعاد].
- ثمار التوكل
وإذا استقرت في قلب العبد حقيقة التوكل على الله نال بذلك ثمرات هذه العبادة العظيمة، ولعل من أفضل ثمرات التوكل وأعظمها هي محبة الله سبحانه وتعالى للعبد، قال تعالى: {فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران]، وإذا أحب اللهُ عبداً نال السعادة في الدارين، ومن ثمرات التوكل على الله: الحفظ من الشيطان ومكائده؛ إذ أن الشيطان يفرّ من المؤمنين المتوكلين على الله في كل شأنهم فلا سلطان له عليهم قال تعالى: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [النحل].
ومن ثمراته: الهداية من الضلال والكفاية من أمور الدنيا والوقاية من المكاره قال -صلى الله عليه وسلم-: (من قال -يعنى إذا خرج من بيته-: "بسم الله توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله" يقال له: "كفيت ووقيت وهُديت وتنحى عنه الشيطان"، فيقول لشيطان آخر: "كيف لك برجل قد هُدِي وكُفِي وَوُقِي") [أبو داوود وابن حبان]، قال ابن القيّم -رحمه الله-: "والتوكل من أقوى الأسباب التي يدفع بها العبد ما لا يطيق من أذى الخلق وظلمهم وعدوانهم، وهو من أقوى الأسباب في ذلك، فإن الله حسبه أي كافيه، ومَن كان الله كافيه وواقيه فلا مطمع فيه لعدوه ولا يضره إلا أذى لا بد منه، كالحر والبرد والجوع والعطش، وأما أن يضره بما يبلغ منه مراده فلا يكون أبدا وفرق بين الأذى الذي هو في الظاهر إيذاء له وهو في الحقيقة إحسان إليه وإضرار بنفسه، وبين الضرر الذي يتشفى به منه، قال بعض السلف: "جعل الله تعالى لكل عمل جزاء من جنسه، وجعل جزاء التوكل عليه نفس كفايته لعبده فقال: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} ولم يقل نؤته كذا وكذا من الأجر كما قال في الأعمال، بل جعل نفسه سبحانه كافي عبده المتوكل عليه وحسبه وواقيه، فلو توكل العبد على الله تعالى حق توكله وكادته السموات والأرض ومن فيهن لجعل له مخرجا من ذلك وكفاه ونصره" [بدائع الفوائد]. ...المزيد
حقَّ جهاده أمرَ اللهُ تعالى عباده المؤمنين بأنْ يجاهدوا في سبيله حقّ جهاده فقال تعالى: ...
حقَّ جهاده
أمرَ اللهُ تعالى عباده المؤمنين بأنْ يجاهدوا في سبيله حقّ جهاده فقال تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ}، وفسّر ابن عبّاس ذلك بأنه "استفراغُ الطاقة فيه، وألا يخاف في اللهِ لومةَ لائم"، وذلك التكليف الإلهي بالجهاد لا يفوق طاقة العبد، لكنه لن يخلو مِن لوم اللائمين وعذل العاذلين، وهذا مشاهَدٌ مجرَّبٌ في أحوال المجاهدين اليوم، فإنّ أكثر الناس مخالفٌ لجهادهم، لائمٌ لهم، بسبب أعباء الجهاد وتبعاته التي تخالف أهواء الناس وشهواتهم، وعليه جاءت النصوص القرآنية تسلّي المجاهدين، وتأمرهم بأنْ لا يلتفتوا إلى ذلك أبدًا، وأنْ لا يخافوا في الله لومة لائم.
بل أكّد القرآن الكريم أنّ ذلك فضلٌ لا يؤتيه الله إلا مَن يحبهم، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}، ثم أتبع الله تعالى هذه الآية بقوله: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ}، لذلك لا عجب أنْ يكون أكثر ما يلوم الناسُ المجاهدين عليه اليوم، هي مسائل الولاء والبراء والمفاصلة مع المشركين وقتالهم، وهي من لوازم الجهاد في الله حقّ جهاده، التي لا يلتزمها إلا حزب الله الغالبون.
وبقدْر قيام المسلم بالجهاد حقّ جهاده، بقدْر ما يخالفه الناس ويخاصمونه ويعذلونه ويلومونه، ولذا جاء في وصف أهل الطائفة المنصورة الثابتة على أمر الله أنهم: (لا يضرهم من خذلهم، أو خالفهم، حتى يأتي أمر الله) [مسلم].
ومِن عجيب ما يروى في السُّنة الثابتة؛ أنّ الصحابة السابقين إلى الإسلام كانوا يبايعون النبي -صلى الله عليه وسلم- على أنْ "لا يخافوا في الله لومة لائم!" كما جاء عن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- قال: "بايعنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقوم -أو نقول- بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم" [البخاري]
وهذا يعني بالضرورة أنّ قول الحق والقيام به سبب لكثرة اللائمين ونقدهم، وهذا يفسّر الحرب الشعواء المستمرة ضد الدولة الإسلامية، فقد أقامت جهادها على منهاج النبوة، وجاهد جنودها في الله حقّ جهاده -نحسبهم ولا نزكيهم-.
وفي هذا رد على من يزعم أنّ مخالفة الناس للمجاهدين هي بسبب ما قد يصدر عنهم من أخطاء، فهل كان لوم اللائمين قديمًا للمؤمنين المجاهدين هو بسبب أخطائهم؟! وهل مخالفة وخذلان الناس للطائفة المنصورة كما جاء في السُّنة هو بسبب أخطائها؟! وهل يُفهم مِن قوله تعالى: {وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ} أنّ هذا اللوم سببه أخطاؤهم؟!
وحول ذلك قال ابن كثير في تفسيره: {يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ} "أي: لا يردهم عمّا هم فيه من طاعة الله، وقتال أعدائه، وإقامة الحدود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لا يردهم عن ذلك راد، ولا يصدهم عنه صاد، ولا يحيك فيهم لوم لائم ولا عذل عاذل"، وتأمل قول ابن كثير وعباراته هذه، وهل ذلك إلا عين ما يحياه المجاهدون اليوم ويعيشونه ساعة بساعة، والله المستعان.
وعلّق آخرون فقالوا: "وهذا يدل على قوة هممهم وعزائمهم، فإن ضعيف القلب ضعيف الهمة، تنتقض عزيمته عند لوم اللائمين، وتفتر قوته عند عذل العاذلين".
ولا شك أن القابض على دينه في هذا الزمان كالقابض على الجمر، ولا أحد قابض على دينه في هذا الزمان كالمجاهدين الذين يحملون أرواحهم على أكفّهم نصرة لهذا الدين، طاعةً لأمر الله تعالى وحراسةً لشريعته، قال ابن القيم: "وهؤلاء هم القابضون على الجمر حقا، وأكثر الناس بل كلهم لائم لهم".
وكلما تقدم الزمان اشتدت غربة الدين، واشرأبت أعناق المنافقين والمناوئين للمجاهدين، وقد وصف ابن القيم حال الإسلام في زمانه فقال: "بل الإسلام الحق الذي كان عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه هو اليوم أشد غربة منه في أول ظهوره، وإن كانت أعلامه ورسومه الظاهرة مشهورة معروفة، فالإسلام الحقيقي غريب جدا، وأهله غرباء أشد الغربة بين الناس" [مدارج السالكين]، فإن كان هذا زمان ابن القيم، فكيف اليوم بزماننا؟!
وفيما تقدم، سلوى للمجاهدين بأن يثبتوا على هذا الطريق، فإنهم على الجادة، وإن كثرة الناقمين والمخالفين والمناوئين لجهادهم ودعوتهم؛ مِن تبعات السير في هذا الطريق المبارك، فإنه طريق فيه جهد ومغالبة للنفس وإقحام لها في المكاره، وحمْل لها على الصعاب، وهو ما لا ترضاه النفوس الخانعة التي تحب الدنيا وتكره الموت.
والمتأمل في كتاب الله تعالى يجد أن الله سبحانه كما أمرنا بالجهاد حقّ جهاده؛ أمرنا أنْ نتقيه -سبحانه- حقّ تقاته، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمران]، بل أمرنا في نفس الآية بأن نستمر على ذلك حتى نموت على الإسلام، وذلك يدل على أنّ حق التقوى هو أنْ يثبت عليها المسلم حتى يلقى ربه، وكذا حقّ الجهاد أنْ يثبت عليه المسلم حتى يلقى مولاه.
قال الإمام ابن القيم: "وأمرهم أن يُجاهدوا فيه حقَّ جهاده، كما أمرهم أن يتَّقوه حقَّ تُقاته، وكما أن حقَّ تُقاته أن يُطاع فلا يُعصى، ويُذكَرَ فلا يُنسى، ويُشكَر فلا يُكفر؛ فحقُّ جهاده أن يُجاهِدَ العبد نفسَه لِيُسْلِم قلبه ولِسانه وجوارِحه للهِ فيكون كُلُّه لله، وباللهِ، لا لنفسِه، ولا بنفسه، ويُجاهدَ شيطانه بتكذِيبِ وعدِهِ، ومعصيةِ أمرهِ، وارتكابِ نهيه... فينشأُ له من هذين الجهادين قوةٌ وسلطان، وعُدَّة يُجاهد بها أعداءَ اللهِ في الخارج بقلبه ولسانه ويده ومالِه، لتِكونَ كلمةُ الله هي العليا" ثم قال: "ولم يُصِبْ مَن قال: إن الآيتين منسوختان لظنه أنهما تضمنتا الأمر بما لا يُطاق، وحقّ تُقاته وحقّ جهاده: هو ما يُطيقه كلُّ عبد في نفسه" [زاد المعاد]، وفي كلام ابن القيم السابق فائدة أنّ جهاد النفس والشيطان معينان على جهاد الكافرين بالسنان.
وبعد أنْ أمر الله تعالى عباده بأنْ يجاهدوا فيه حقّ جهاده قال سبحانه: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ}، فانظر وتدبر كيف جمع الله تعالى بين حقّ الجهاد وبين ملة إبراهيم -عليه السلام-، فهذه الملة الحنيفية السمحة التي لم تجعل علينا مِن ضيق أو حرج، هي نفسها التي أوجبت جهاد الكافرين والمنافقين، وأمرت بالشدة والغلظة عليهم، وقتالهم بكل وسيلة مشروعة، وفي هذا رسالة للذين يريدون جهادا بغير شريعة أو شريعة بغير جهاد، فمن كان هذا حاله فقد ضلّ الطريق، فلن تقوم للمسلمين قائمة في هذا العصر بغير الجهاد، ولن يكون للجهاد قيمة إنْ لم تكن غايته إقامة الشريعة، بل لا يُسمى جهادًا إنْ لم يكن كذلك، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 358
السنة الرابعة عشرة - الخميس 3 ربيع الأول 1444 هـ ...المزيد
أمرَ اللهُ تعالى عباده المؤمنين بأنْ يجاهدوا في سبيله حقّ جهاده فقال تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ}، وفسّر ابن عبّاس ذلك بأنه "استفراغُ الطاقة فيه، وألا يخاف في اللهِ لومةَ لائم"، وذلك التكليف الإلهي بالجهاد لا يفوق طاقة العبد، لكنه لن يخلو مِن لوم اللائمين وعذل العاذلين، وهذا مشاهَدٌ مجرَّبٌ في أحوال المجاهدين اليوم، فإنّ أكثر الناس مخالفٌ لجهادهم، لائمٌ لهم، بسبب أعباء الجهاد وتبعاته التي تخالف أهواء الناس وشهواتهم، وعليه جاءت النصوص القرآنية تسلّي المجاهدين، وتأمرهم بأنْ لا يلتفتوا إلى ذلك أبدًا، وأنْ لا يخافوا في الله لومة لائم.
بل أكّد القرآن الكريم أنّ ذلك فضلٌ لا يؤتيه الله إلا مَن يحبهم، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}، ثم أتبع الله تعالى هذه الآية بقوله: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ}، لذلك لا عجب أنْ يكون أكثر ما يلوم الناسُ المجاهدين عليه اليوم، هي مسائل الولاء والبراء والمفاصلة مع المشركين وقتالهم، وهي من لوازم الجهاد في الله حقّ جهاده، التي لا يلتزمها إلا حزب الله الغالبون.
وبقدْر قيام المسلم بالجهاد حقّ جهاده، بقدْر ما يخالفه الناس ويخاصمونه ويعذلونه ويلومونه، ولذا جاء في وصف أهل الطائفة المنصورة الثابتة على أمر الله أنهم: (لا يضرهم من خذلهم، أو خالفهم، حتى يأتي أمر الله) [مسلم].
ومِن عجيب ما يروى في السُّنة الثابتة؛ أنّ الصحابة السابقين إلى الإسلام كانوا يبايعون النبي -صلى الله عليه وسلم- على أنْ "لا يخافوا في الله لومة لائم!" كما جاء عن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- قال: "بايعنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقوم -أو نقول- بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم" [البخاري]
وهذا يعني بالضرورة أنّ قول الحق والقيام به سبب لكثرة اللائمين ونقدهم، وهذا يفسّر الحرب الشعواء المستمرة ضد الدولة الإسلامية، فقد أقامت جهادها على منهاج النبوة، وجاهد جنودها في الله حقّ جهاده -نحسبهم ولا نزكيهم-.
وفي هذا رد على من يزعم أنّ مخالفة الناس للمجاهدين هي بسبب ما قد يصدر عنهم من أخطاء، فهل كان لوم اللائمين قديمًا للمؤمنين المجاهدين هو بسبب أخطائهم؟! وهل مخالفة وخذلان الناس للطائفة المنصورة كما جاء في السُّنة هو بسبب أخطائها؟! وهل يُفهم مِن قوله تعالى: {وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ} أنّ هذا اللوم سببه أخطاؤهم؟!
وحول ذلك قال ابن كثير في تفسيره: {يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ} "أي: لا يردهم عمّا هم فيه من طاعة الله، وقتال أعدائه، وإقامة الحدود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لا يردهم عن ذلك راد، ولا يصدهم عنه صاد، ولا يحيك فيهم لوم لائم ولا عذل عاذل"، وتأمل قول ابن كثير وعباراته هذه، وهل ذلك إلا عين ما يحياه المجاهدون اليوم ويعيشونه ساعة بساعة، والله المستعان.
وعلّق آخرون فقالوا: "وهذا يدل على قوة هممهم وعزائمهم، فإن ضعيف القلب ضعيف الهمة، تنتقض عزيمته عند لوم اللائمين، وتفتر قوته عند عذل العاذلين".
ولا شك أن القابض على دينه في هذا الزمان كالقابض على الجمر، ولا أحد قابض على دينه في هذا الزمان كالمجاهدين الذين يحملون أرواحهم على أكفّهم نصرة لهذا الدين، طاعةً لأمر الله تعالى وحراسةً لشريعته، قال ابن القيم: "وهؤلاء هم القابضون على الجمر حقا، وأكثر الناس بل كلهم لائم لهم".
وكلما تقدم الزمان اشتدت غربة الدين، واشرأبت أعناق المنافقين والمناوئين للمجاهدين، وقد وصف ابن القيم حال الإسلام في زمانه فقال: "بل الإسلام الحق الذي كان عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه هو اليوم أشد غربة منه في أول ظهوره، وإن كانت أعلامه ورسومه الظاهرة مشهورة معروفة، فالإسلام الحقيقي غريب جدا، وأهله غرباء أشد الغربة بين الناس" [مدارج السالكين]، فإن كان هذا زمان ابن القيم، فكيف اليوم بزماننا؟!
وفيما تقدم، سلوى للمجاهدين بأن يثبتوا على هذا الطريق، فإنهم على الجادة، وإن كثرة الناقمين والمخالفين والمناوئين لجهادهم ودعوتهم؛ مِن تبعات السير في هذا الطريق المبارك، فإنه طريق فيه جهد ومغالبة للنفس وإقحام لها في المكاره، وحمْل لها على الصعاب، وهو ما لا ترضاه النفوس الخانعة التي تحب الدنيا وتكره الموت.
والمتأمل في كتاب الله تعالى يجد أن الله سبحانه كما أمرنا بالجهاد حقّ جهاده؛ أمرنا أنْ نتقيه -سبحانه- حقّ تقاته، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمران]، بل أمرنا في نفس الآية بأن نستمر على ذلك حتى نموت على الإسلام، وذلك يدل على أنّ حق التقوى هو أنْ يثبت عليها المسلم حتى يلقى ربه، وكذا حقّ الجهاد أنْ يثبت عليه المسلم حتى يلقى مولاه.
قال الإمام ابن القيم: "وأمرهم أن يُجاهدوا فيه حقَّ جهاده، كما أمرهم أن يتَّقوه حقَّ تُقاته، وكما أن حقَّ تُقاته أن يُطاع فلا يُعصى، ويُذكَرَ فلا يُنسى، ويُشكَر فلا يُكفر؛ فحقُّ جهاده أن يُجاهِدَ العبد نفسَه لِيُسْلِم قلبه ولِسانه وجوارِحه للهِ فيكون كُلُّه لله، وباللهِ، لا لنفسِه، ولا بنفسه، ويُجاهدَ شيطانه بتكذِيبِ وعدِهِ، ومعصيةِ أمرهِ، وارتكابِ نهيه... فينشأُ له من هذين الجهادين قوةٌ وسلطان، وعُدَّة يُجاهد بها أعداءَ اللهِ في الخارج بقلبه ولسانه ويده ومالِه، لتِكونَ كلمةُ الله هي العليا" ثم قال: "ولم يُصِبْ مَن قال: إن الآيتين منسوختان لظنه أنهما تضمنتا الأمر بما لا يُطاق، وحقّ تُقاته وحقّ جهاده: هو ما يُطيقه كلُّ عبد في نفسه" [زاد المعاد]، وفي كلام ابن القيم السابق فائدة أنّ جهاد النفس والشيطان معينان على جهاد الكافرين بالسنان.
وبعد أنْ أمر الله تعالى عباده بأنْ يجاهدوا فيه حقّ جهاده قال سبحانه: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ}، فانظر وتدبر كيف جمع الله تعالى بين حقّ الجهاد وبين ملة إبراهيم -عليه السلام-، فهذه الملة الحنيفية السمحة التي لم تجعل علينا مِن ضيق أو حرج، هي نفسها التي أوجبت جهاد الكافرين والمنافقين، وأمرت بالشدة والغلظة عليهم، وقتالهم بكل وسيلة مشروعة، وفي هذا رسالة للذين يريدون جهادا بغير شريعة أو شريعة بغير جهاد، فمن كان هذا حاله فقد ضلّ الطريق، فلن تقوم للمسلمين قائمة في هذا العصر بغير الجهاد، ولن يكون للجهاد قيمة إنْ لم تكن غايته إقامة الشريعة، بل لا يُسمى جهادًا إنْ لم يكن كذلك، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 358
السنة الرابعة عشرة - الخميس 3 ربيع الأول 1444 هـ ...المزيد
اختصارُ الكلامِ في الدَّعوةِ للإسلام الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ...
اختصارُ الكلامِ في الدَّعوةِ للإسلام
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد.
فنحن في زمن لا ينفق فيه المرء من الوقت إلا اليسير لتعلم ما يجب عليه تعلمه والله المستعان، لذا وجب على المجاهدين الإعلاميين الداعين إلى الله ربّ العالمين؛ أن يراعوا هذه المسألة جيدا فيحاولوا أن يوصلوا ما دعت إليه الرسل بأيسر ما يستطيعون، وإن كان ولا بد فبرسالة صغيرة الحجم قليلة الجمل كثيرة المعاني؛ لا يملّ قارئها ولا يتعب حاملها، وتصل للقلوب بحسن سبكها واختصار لفظها، جامعة للمعاني ومانعة من الالتباس.
فالمهمة الأساسية للمجاهدين والدعاة أن يكونوا سببا في إيصال الحقّ وهداية النّاس، قال تعالى: {وكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}، فلا يتكلف بكلامه، ولا يتقعّر به ويأتي بالغرائب والعجائب، فيكون قد قطع على المتلقي الفائدة الأساسية والتي من أجلها كتب ما كتب؛ بكثرة تفرّعاته وأقسامه وأبوابه، والنّاس في هذا الزمان قلّت همتهم عن النّظر في صغار الكتب والمختصرات فضلا عن المطولات.
وعندما تقلب نظرك في النّاس تجد أن هذا القول فيهم حق، فغالب النّاس قلّما تجده قد أتمّ كتابا، والجمّ الغفير منهم إنّما يتصفحه وحسب من دون تبصّر وتبحّر، والكثير منهم عندما يبصر مطولات الكتب تخونه همته عن النّظر فيها أو حتى تصفحها، ولذلك فإنّك عندما تنظر في كلام الأوائل في صدر هذه الأمّة تجد كلامهم من أشدّ الكلام اختصارا، ولكنّه أكثره معنى وتعبيرا عن المراد، فيصل للمتلقي بأيسر عبارة من غير تكلف، ولذا فإنّه لا عجب عندما تقرأ عنهم أنّهم كانوا يعدّون كلماتهم في اليوم والليلة.
وكان أجلّ الناس في هذا الباب لفظا وأعظمهم إظهارا للحقّ وتبيانا بأيسر لفظ وأوسع معنى واستيعابا؛ هو الرّسول محمد -صلى الله عليه وسلم- الذي أوتي جوامع الكلم، فقد جاء في صحيح البخاريّ رحمه الله أنّ أبا هريرة قال سمعت رسول اللّه -صلى الله عليه وسلم- يقول: (بعثت بجوامع الكلم، ونصرت بالرّعب، وبينا أنا نائم رأيتني أتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي)، قال محمّد -يعني الزهري-: "وبلغنى أنّ جوامع الكلم: أنّ اللّه يجمع الأمور الكثيرة الّتي كانت تكتب في الكتب قبله في الأمر الواحد والأمرين. أو نحو ذلك" [صحيح البخاري]، وعن أبي هريرة أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (فضّلت على الأنبياء بستّ: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرّعب، وأحلّت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأرسلت إلى الخلق كافّة، وختم بي النبيّون) [البخاري ومسلم]
فكانت كلماته كأنّها خرزات عقد الواحدة تلو الأخرى لا هذر ولا مذر، لا يعاني المتلقي صعوبة في فهم الخطاب، بل كان يجد عذوبة في فهمه لسهولة العبارة ومتانة اللفظ، وبهذا جاءت السّنّة المطهرة في إظهار شعائر الدّين ونشر التّوحيد ونبذ الشّرك وأهله، فلو تمسّك الكتّاب المسلمون بها لكان أنفع في غرز التّوحيد في قلوب النّاس، وعندما يحتاج الأمر لتفصيل يفصّل ولا ضير حينئذ فلكلّ مقام مقال.
- من جوامع الكلم
وما أحوج النّاس اليوم للاختصار والابتعاد عن التّكلف الذي سبّب الجناية على كثير من المسائل المهمة التي تحتاجها الأمة اليوم في ضبط توحيدها وجهاد أعدائها، ولو أنّك نظرت في الكتاب والسّنّة لعلمت المقصود، قال تعالى: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}.
وهذا النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم- ينهانا عن كثرة الكلام في غير حاجته فعن الأحنف بن قيس عن عبد اللّه قال: قال رسول اللّه -صلى الله عليه وسلم-: (هلك المتنطّعون) قالها ثلاثا، وعن أبي هريرة أن النبي قال: (ألا أنبئكم بشراركم؟ فقال: هم الثرثارون المتشدّقون، ألا أنبئكم بخياركم؟ أحاسنكم أخلاقا) [أحمد]، والمتشدق: المتوسع في الكلام من غير احتياط وقيل المستهزئ بالنّاس.
وفي سنن البيهقي رحمه الله عن أبي موسى قال: "بعثني النبي -صلى الله عليه وسلم- ومعاذا إلى اليمن فقال: (انطلقا فادعوا النّاس إلى الإسلام، ويسّرا ولا تعسّرا، وبشّرا ولا تنفّرا)، قال قلت: يا رسول اللّه أفتنا في شرابين كنّا نصنعهما باليمن، البتع من العسل ننبذه حتّى يشتدّ، والمزر من البرّ والشّعير والذّرة ننبذه حتّى يشتدّ، قال وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- قد أعطى جوامع الكلم وخواتمه وقال: (أحرّم كلّ مسكر عن الصّلاة)، قال: فانطلقنا".
وانظر لجوامع الكلم في هذه الوصية، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّ رجلا قال للنبي -صلى الله عليه وسلم- أوصني، قال: (لا تغضب) فردّد مرارا قال: (لا تغضب).
وانظر -بارك الله فيك- للحديث الذي رواه البخاريّ عن سعيد عن أبي شريح أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (واللّه لا يؤمن واللّه لا يؤمن واللّه لا يؤمن)، قيل ومن يا رسول اللّه؟ قال: (الّذى لا يأمن جاره بوايقه)، [تابعه شبابة وأسد بن موسى]، فتمعن لمجامع الخير التي فيه.
وانظر لما رواه مسلم عن جرير بن عبد اللّه قال رأيت رسول اللّه -صلى الله عليه وسلم- يلوي ناصية فرس بإصبعه وهو يقول: (الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر والغنيمة) فكم من مجامع العزّ حواه؟ لو تمسكت به أمتنا الغالية.
وعن أبي الحوراء السّعدي قال قلت للحسن بن علي رضي الله عنهما ما حفظت من رسول اللّه -صلى الله عليه وسلم- قال حفظت منه: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)، وعن عبد الرّحمن بن ماعز عن سفيان بن عبد اللّه الثقفي قال قلت يا رسول اللّه حدثني بأمر أعتصم به، قال: (قل ربّي اللّه ثمّ استقم)، قلت يا رسول اللّه ما أخوف ما تخاف علي؟ فأخذ بلسان نفسه ثمّ قال: (هذا)، قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح، وعن أبي هريرة أنّه أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: إني إذا رأيتك طابت نفسي وقرّت عيني فأنبئني عن كلّ شيء، قال: (كلّ شيء خلق اللّه عزّ وجلّ من الماء)، قال أنبئني بأمر إذا أخذت به دخلت الجنّة. قال: (أفش السّلام وأطعم الطّعام وصل الأرحام وصلّ والنّاس نيام ثمّ ادخل الجنّة بسلام) [أخرجه أحمد].
- حسن الكلام مدعاة لقبول الحق
وحسن الكلام مدعاة لقبول الحقّ، قال الوليد بن المغيرة عن القرآن الكريم لما سمع آيات منه: "إن لقوله الذي يقول حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته" [رواه الحاكم].
ولقد تنبّه أعداء الإسلام لهذا فتجدهم ينتقون لباطلهم ألمع العبارات وأوجزها ويزخرفونها من أجل تحريف الحقّ وتزييف الحقائق مستمدين ذلك من معلمهم الأوّل إبليس لعنه الله حين قال كما جاء في الكتاب العزيز عندما ذكر الله قصته مع أبينا آدم عليه السّلام: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى} فتوارثوها كابرا عن كابرٍ قال تعالى: {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً} [الأنعام:١١٢].
وكما قيل:
في زخرف القولِ تزيينٌ لباطله
والحقُّ قد يعتريهِ سوء تعبيرِ
وجاء في البخاري عن زيد بن أسلم عن عبد اللّه بن عمر -رضي الله عنهما- أنّه قدم رجلان من المشرق فخطبا فعجب النّاس لبيانهما فقال رسول اللّه -صلى الله عليه وسلم-: (إنّ من البيان لسحرا أو إنّ بعض البيان لسحر).
هذا هو الذي يصور لك الحقّ تصويرا كأنك تنظر إليه فلا يلتبس عليك منه شيء، وإنّك لتجد في دعوة الأنبياء كل الأنبياء منهجا قويما ودعوة ناصعة مختصرة وغاية واضحة وهدفا جليلا وكلاما غير ملتبس قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ}.
- خير الكلام
وبالجملة، فخير الكلام ما كان مختصرا مفيدا جامعا مانعا موجزا محبوكا مسبوكا من غير تكلف ولا تقعّر ولا تصعّر، ومن غير إطال ممل أو اختصار مخل، ولا يكون حشويا أو غريبا أو ركيكا أو متنافرا أو فضلة لا معنى له، بل يكون مفصلا في موطن التفصيل وموجزا في موطن الإيجاز، واضح المعاني غير حمّال لأوجه، يفهمه المتلقي ولا يحتاج لفهمه كثير عناء، شموليا في طرحه غير مختزل أو منقطع، تام المعنى يحسن السكوت عليه، سهل العبارة جزيل المعنى يستوي في فهمه جلّ النّاس مركبا تركيبا محكما ولا يشتبه على النّاظر فيه قد راعى كاتبه منازل النّاس وأنزل كلامه بمنزلتهم فيكون أوقع بالنفس وأقرب لتبيان الحقّ لها.
- ما أحوجنا إلى ذلك
فأنت أيّها الإعلامي والمجاهد الداعي لعبادة الله وتوحيده ونبذ الشّرك وأهله ومناجزة أهله، أحوج ما تكون لهذا الأسلوب القويم والمنهج السليم الذي تنكسر أمامه أقفال القلوب وتنفتح له الصدور وتنجذب له الأنفس، فكما تكسر سيوف أعداء الأمة بسيفك الصقيل فلابد من محو آثار أقلامهم المزيفة، بكلمة حقّ يشقّ صداها آذانا صماء وقلوبا غلفى فتكون سببا في هداية الحيارى وإخراجهم من الظّلمات إلى النّور، ولا أعظم من دعوة مجاهد كتب حروف دعوته بمداد دمه الزكيّ، نموت ويحيا الدّين، فإذا عرفت هذا فالزم والله المعين، والحمد لله رب العالمين.
● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 357
السنة الرابعة عشرة - الخميس 26 صفر 1444 هـ ...المزيد
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد.
فنحن في زمن لا ينفق فيه المرء من الوقت إلا اليسير لتعلم ما يجب عليه تعلمه والله المستعان، لذا وجب على المجاهدين الإعلاميين الداعين إلى الله ربّ العالمين؛ أن يراعوا هذه المسألة جيدا فيحاولوا أن يوصلوا ما دعت إليه الرسل بأيسر ما يستطيعون، وإن كان ولا بد فبرسالة صغيرة الحجم قليلة الجمل كثيرة المعاني؛ لا يملّ قارئها ولا يتعب حاملها، وتصل للقلوب بحسن سبكها واختصار لفظها، جامعة للمعاني ومانعة من الالتباس.
فالمهمة الأساسية للمجاهدين والدعاة أن يكونوا سببا في إيصال الحقّ وهداية النّاس، قال تعالى: {وكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}، فلا يتكلف بكلامه، ولا يتقعّر به ويأتي بالغرائب والعجائب، فيكون قد قطع على المتلقي الفائدة الأساسية والتي من أجلها كتب ما كتب؛ بكثرة تفرّعاته وأقسامه وأبوابه، والنّاس في هذا الزمان قلّت همتهم عن النّظر في صغار الكتب والمختصرات فضلا عن المطولات.
وعندما تقلب نظرك في النّاس تجد أن هذا القول فيهم حق، فغالب النّاس قلّما تجده قد أتمّ كتابا، والجمّ الغفير منهم إنّما يتصفحه وحسب من دون تبصّر وتبحّر، والكثير منهم عندما يبصر مطولات الكتب تخونه همته عن النّظر فيها أو حتى تصفحها، ولذلك فإنّك عندما تنظر في كلام الأوائل في صدر هذه الأمّة تجد كلامهم من أشدّ الكلام اختصارا، ولكنّه أكثره معنى وتعبيرا عن المراد، فيصل للمتلقي بأيسر عبارة من غير تكلف، ولذا فإنّه لا عجب عندما تقرأ عنهم أنّهم كانوا يعدّون كلماتهم في اليوم والليلة.
وكان أجلّ الناس في هذا الباب لفظا وأعظمهم إظهارا للحقّ وتبيانا بأيسر لفظ وأوسع معنى واستيعابا؛ هو الرّسول محمد -صلى الله عليه وسلم- الذي أوتي جوامع الكلم، فقد جاء في صحيح البخاريّ رحمه الله أنّ أبا هريرة قال سمعت رسول اللّه -صلى الله عليه وسلم- يقول: (بعثت بجوامع الكلم، ونصرت بالرّعب، وبينا أنا نائم رأيتني أتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي)، قال محمّد -يعني الزهري-: "وبلغنى أنّ جوامع الكلم: أنّ اللّه يجمع الأمور الكثيرة الّتي كانت تكتب في الكتب قبله في الأمر الواحد والأمرين. أو نحو ذلك" [صحيح البخاري]، وعن أبي هريرة أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (فضّلت على الأنبياء بستّ: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرّعب، وأحلّت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأرسلت إلى الخلق كافّة، وختم بي النبيّون) [البخاري ومسلم]
فكانت كلماته كأنّها خرزات عقد الواحدة تلو الأخرى لا هذر ولا مذر، لا يعاني المتلقي صعوبة في فهم الخطاب، بل كان يجد عذوبة في فهمه لسهولة العبارة ومتانة اللفظ، وبهذا جاءت السّنّة المطهرة في إظهار شعائر الدّين ونشر التّوحيد ونبذ الشّرك وأهله، فلو تمسّك الكتّاب المسلمون بها لكان أنفع في غرز التّوحيد في قلوب النّاس، وعندما يحتاج الأمر لتفصيل يفصّل ولا ضير حينئذ فلكلّ مقام مقال.
- من جوامع الكلم
وما أحوج النّاس اليوم للاختصار والابتعاد عن التّكلف الذي سبّب الجناية على كثير من المسائل المهمة التي تحتاجها الأمة اليوم في ضبط توحيدها وجهاد أعدائها، ولو أنّك نظرت في الكتاب والسّنّة لعلمت المقصود، قال تعالى: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}.
وهذا النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم- ينهانا عن كثرة الكلام في غير حاجته فعن الأحنف بن قيس عن عبد اللّه قال: قال رسول اللّه -صلى الله عليه وسلم-: (هلك المتنطّعون) قالها ثلاثا، وعن أبي هريرة أن النبي قال: (ألا أنبئكم بشراركم؟ فقال: هم الثرثارون المتشدّقون، ألا أنبئكم بخياركم؟ أحاسنكم أخلاقا) [أحمد]، والمتشدق: المتوسع في الكلام من غير احتياط وقيل المستهزئ بالنّاس.
وفي سنن البيهقي رحمه الله عن أبي موسى قال: "بعثني النبي -صلى الله عليه وسلم- ومعاذا إلى اليمن فقال: (انطلقا فادعوا النّاس إلى الإسلام، ويسّرا ولا تعسّرا، وبشّرا ولا تنفّرا)، قال قلت: يا رسول اللّه أفتنا في شرابين كنّا نصنعهما باليمن، البتع من العسل ننبذه حتّى يشتدّ، والمزر من البرّ والشّعير والذّرة ننبذه حتّى يشتدّ، قال وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- قد أعطى جوامع الكلم وخواتمه وقال: (أحرّم كلّ مسكر عن الصّلاة)، قال: فانطلقنا".
وانظر لجوامع الكلم في هذه الوصية، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّ رجلا قال للنبي -صلى الله عليه وسلم- أوصني، قال: (لا تغضب) فردّد مرارا قال: (لا تغضب).
وانظر -بارك الله فيك- للحديث الذي رواه البخاريّ عن سعيد عن أبي شريح أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (واللّه لا يؤمن واللّه لا يؤمن واللّه لا يؤمن)، قيل ومن يا رسول اللّه؟ قال: (الّذى لا يأمن جاره بوايقه)، [تابعه شبابة وأسد بن موسى]، فتمعن لمجامع الخير التي فيه.
وانظر لما رواه مسلم عن جرير بن عبد اللّه قال رأيت رسول اللّه -صلى الله عليه وسلم- يلوي ناصية فرس بإصبعه وهو يقول: (الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر والغنيمة) فكم من مجامع العزّ حواه؟ لو تمسكت به أمتنا الغالية.
وعن أبي الحوراء السّعدي قال قلت للحسن بن علي رضي الله عنهما ما حفظت من رسول اللّه -صلى الله عليه وسلم- قال حفظت منه: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)، وعن عبد الرّحمن بن ماعز عن سفيان بن عبد اللّه الثقفي قال قلت يا رسول اللّه حدثني بأمر أعتصم به، قال: (قل ربّي اللّه ثمّ استقم)، قلت يا رسول اللّه ما أخوف ما تخاف علي؟ فأخذ بلسان نفسه ثمّ قال: (هذا)، قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح، وعن أبي هريرة أنّه أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: إني إذا رأيتك طابت نفسي وقرّت عيني فأنبئني عن كلّ شيء، قال: (كلّ شيء خلق اللّه عزّ وجلّ من الماء)، قال أنبئني بأمر إذا أخذت به دخلت الجنّة. قال: (أفش السّلام وأطعم الطّعام وصل الأرحام وصلّ والنّاس نيام ثمّ ادخل الجنّة بسلام) [أخرجه أحمد].
- حسن الكلام مدعاة لقبول الحق
وحسن الكلام مدعاة لقبول الحقّ، قال الوليد بن المغيرة عن القرآن الكريم لما سمع آيات منه: "إن لقوله الذي يقول حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته" [رواه الحاكم].
ولقد تنبّه أعداء الإسلام لهذا فتجدهم ينتقون لباطلهم ألمع العبارات وأوجزها ويزخرفونها من أجل تحريف الحقّ وتزييف الحقائق مستمدين ذلك من معلمهم الأوّل إبليس لعنه الله حين قال كما جاء في الكتاب العزيز عندما ذكر الله قصته مع أبينا آدم عليه السّلام: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى} فتوارثوها كابرا عن كابرٍ قال تعالى: {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً} [الأنعام:١١٢].
وكما قيل:
في زخرف القولِ تزيينٌ لباطله
والحقُّ قد يعتريهِ سوء تعبيرِ
وجاء في البخاري عن زيد بن أسلم عن عبد اللّه بن عمر -رضي الله عنهما- أنّه قدم رجلان من المشرق فخطبا فعجب النّاس لبيانهما فقال رسول اللّه -صلى الله عليه وسلم-: (إنّ من البيان لسحرا أو إنّ بعض البيان لسحر).
هذا هو الذي يصور لك الحقّ تصويرا كأنك تنظر إليه فلا يلتبس عليك منه شيء، وإنّك لتجد في دعوة الأنبياء كل الأنبياء منهجا قويما ودعوة ناصعة مختصرة وغاية واضحة وهدفا جليلا وكلاما غير ملتبس قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ}.
- خير الكلام
وبالجملة، فخير الكلام ما كان مختصرا مفيدا جامعا مانعا موجزا محبوكا مسبوكا من غير تكلف ولا تقعّر ولا تصعّر، ومن غير إطال ممل أو اختصار مخل، ولا يكون حشويا أو غريبا أو ركيكا أو متنافرا أو فضلة لا معنى له، بل يكون مفصلا في موطن التفصيل وموجزا في موطن الإيجاز، واضح المعاني غير حمّال لأوجه، يفهمه المتلقي ولا يحتاج لفهمه كثير عناء، شموليا في طرحه غير مختزل أو منقطع، تام المعنى يحسن السكوت عليه، سهل العبارة جزيل المعنى يستوي في فهمه جلّ النّاس مركبا تركيبا محكما ولا يشتبه على النّاظر فيه قد راعى كاتبه منازل النّاس وأنزل كلامه بمنزلتهم فيكون أوقع بالنفس وأقرب لتبيان الحقّ لها.
- ما أحوجنا إلى ذلك
فأنت أيّها الإعلامي والمجاهد الداعي لعبادة الله وتوحيده ونبذ الشّرك وأهله ومناجزة أهله، أحوج ما تكون لهذا الأسلوب القويم والمنهج السليم الذي تنكسر أمامه أقفال القلوب وتنفتح له الصدور وتنجذب له الأنفس، فكما تكسر سيوف أعداء الأمة بسيفك الصقيل فلابد من محو آثار أقلامهم المزيفة، بكلمة حقّ يشقّ صداها آذانا صماء وقلوبا غلفى فتكون سببا في هداية الحيارى وإخراجهم من الظّلمات إلى النّور، ولا أعظم من دعوة مجاهد كتب حروف دعوته بمداد دمه الزكيّ، نموت ويحيا الدّين، فإذا عرفت هذا فالزم والله المعين، والحمد لله رب العالمين.
● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 357
السنة الرابعة عشرة - الخميس 26 صفر 1444 هـ ...المزيد
زادُك أيُّها المجاهد لا بُدّ للمسلم السائر إلى الله تعالى مِن زاد يُعينه على بلوغ طريقه ...
زادُك أيُّها المجاهد
لا بُدّ للمسلم السائر إلى الله تعالى مِن زاد يُعينه على بلوغ طريقه والوصول إلى مقصده، ولا شكّ أنّ أهمية هذا الزاد في حقّ المجاهد آكدُ وأشدّ، فهو أكثر حاجةً إليه مِن غيره لِما يتعرض له مِن أنواع الصعاب والأخطار التي لا يقدر عليها بغير التزود لها.
وإنّ لهذا الزاد عناوين عريضة وأبوابا واسعة، إلا أن جميعها لا تخرج عن سياق التقوى، فهي خير ما تزوّد به الأولون والآخرون، والسابقون واللاحقون، وقد أكد القرآن العظيم على ذلك، فقال تعالى: {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ}، قال الإمام ابن كثير رحمه الله: "لمّا أمرهم بالزاد للسفر في الدنيا، أرشدهم إلى زاد الآخرة، وهو استصحاب التقوى إليها، كما قال: (وريشًا ولباس التقوى ذلك خير)، لمّا ذكر اللباس الحسي نبّه مرشدا إلى اللباس المعنوي: وهو الخشوع، والطاعة والتقوى، وذكر أنه خير من هذا، وأنفع" [تفسير القرآن العظيم]
وإن الأحاديث الصحيحة الواردة في تفضيل الجهاد على غيره من الأعمال، لا تعني أن يزهد المجاهد في هذه الأعمال والقربات، بل هي تشكّل زادًا ودافعًا إيمانيًا يعينه على لأواء هذا الطريق المحفوف بالمكاره، وتكون سببًا في ثباته ومواصلته لجهاده، كما هو معروف عمليًا في واقع المجاهدين، فأهل هذا الزاد الإيماني هم أكثر المجاهدين ثباتًا في الملمات وأصبرهم عند الخطوب والمدلهمات، ولا يشترط أن يكون أهل هذا الزاد معروفين مشتهرين بذلك، فإن كثيرا منهم يسرّون ذلك ويجتهدون في إخفائه ترويضا للنفس على الإخلاص وحرصا على القَبول.
ولعل مِن أوسع أبواب هذا الزاد وأجمعِها: باب الذكر، فقد أمر الله تعالى عباده المؤمنين المجاهدين بالإكثار من الذكر في أحلك الظروف وأشدها، عند لقاء العدو واحتدام القتال!، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأنفال]، فقرن -سبحانه- الفلاح الذي هو النصر، بالثبات والإكثار من ذكر الله تعالى، فكان الذكر والثبات قرينين لا ينفكان في ساحات القتال.
ومما يتزود به المجاهد في مسيرته؛ دعاؤه وتضرعه إلى مولاه، فالدعاء رفيق المجاهد في عسره ويسره، وهجمته وهجعته، وإغارته على عدوه وإغارة عدوه عليه، وقد بيّن القرآن الكريم أن المجاهدين أتباع المرسلين كانوا يلجأون إلى الله بالدعاء عند اشتداد الخطب، فقال تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [آل عمران]، والمعنى: ما كان قولهم عندما أصابهم القتل والجراح في سبيل الله، إلا أن دعوا ربهم بأن يغفر لهم ذنوبهم، وأن يثبت أقدامهم وينصرهم على عدوهم، وكان مِن فقههم أن دعوا ربهم أن يغفر لهم ذنوبهم، لعلمهم أن الذنوب سبب لتأخير النصر، وسبب لضياعه، ومثله قوله تعالى: {وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}، فهذه الآيات وغيرها نص صريح في أهمية تزوّد المجاهد بالذكر عمومًا، والدعاء خصوصا لتحصيل الثبات والنصر.
وإن مما يدخل في أبواب زاد المجاهد، بل يتربع على عرشه؛ زاد العلم، ومعلوم أن العلماء أكثر الناس خشية لله تعالى والتزود بالعلم طريق إلى تحصيل الخشية، لقوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}، وزاد العلم يرافق المجاهد في ميدانه الإعلامي والعسكري والأمني، يلازمه قبل المعركة وبعدها، يصاحبه عندما يسلم ويغنم أو يخفق ويُصاب، فيقاتل المجاهد ويقتل ويحزّ وينحر ويحرق ويفجّر ويدمّر وهو متيقن غير مرتاب، يرافقه الدليل الشرعي بل يسبقه إلى غزوته، يسابق أزيز رصاصه ويزاحم بريق سيفه، ولذا فعلى المجاهدين أن يجتهدوا في تحصيل أسبابه وأن يهيّئوا الكوادر الشرعية باستمرار، وأن يغمسوهم في الميادين فيمزجوا العلم بالعمل والفقه بالواقع، فيتقدّموا الصفوف ويكونوا كما كان علماء السلف في مقدمة الجيوش، مقاتلين ناصحين آمرين بالمعروف وناهين عن المنكر، فهم صمام الأمان للجهاد، وفقدهم ثلمة لا تخفى على من عاشر وعاصر الميادين.
وإن أهمية الزاد الإيماني لا تقتصر على المجاهد الممتشق سلاحه في الميادين والمعسكرات داخل الولايات القائمة، بل تزداد هذه الأهمية في حق مفارز المجاهدين العاملة في عقر ديار الكافرين، فهم بحاجة إلى اعتناء أكبر بالتربية الإيمانية والزاد الإيماني؛ كونهم يعملون في بيئة معادية لا معين لهم فيها على الطاعة والتوحيد، وعليهم أن يدركوا أنّ الأخوة الإيمانية التي يعيشونها، وفضيلة التواصي بالحق والصبر التي يحيونها بينهم؛ هي من أهم أسباب الإعانة على الطريق في هذه البيئة الصعبة التي بحاجة إلى رجال تزودوا بخير زاد ونهلوا من موارد الإيمان وأسهروا ليلهم في محاريب الإخبات، وانتصروا في محاريب الصلوات، فكانوا بذلك أهلا أن ينتقلوا للعمل في هذه البيئات عالية المخاطر عالية الأجور بإذن الله تعالى.
وعلى المجاهد في أي بيئة كان؛ أن يجتهد في زيادة رصيده الإيماني متحصنا بالذكر متسلحًا بالتقوى، وأن يرقى مدارج السالكين، وأن يرتقي في درجات العبودية لله تعالى، فإنها الدرجة التي امتدح الله بها نبيه محمدا -صلى الله عليه وسلم- في مقام المعراج فقال تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الإسراء]
وبالمحصلة، فإن زاد المجاهد الإيماني والعلمي، خير عون له في جهاده، وهو أوسع مِن أنْ يُحصر في أبواب معيّنة، والواجب على المجاهدين أن يهيّئوا زادهم، وأن يقسّموا أورادهم، ذكرًا وقيامًا وصيامًا، ويقسّموا أوقاتهم رصدا وإعدادًا وتربصًا، ويتأهبوا ويستعدوا ويتسلحوا بالإيمان والتقوى، فإنّ العالم يشتعل ويتسارع نحو هاوية الاصطدام، وإنّ الملاحم التي خلت نقطة في بحر الملاحم القادمة إنْ شاء الله، فتزودوا لذلك فإن خير الزاد التقوى، والله وليّ المتقين.
● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 357
السنة الرابعة عشرة - الخميس 26 صفر 1444 هـ ...المزيد
لا بُدّ للمسلم السائر إلى الله تعالى مِن زاد يُعينه على بلوغ طريقه والوصول إلى مقصده، ولا شكّ أنّ أهمية هذا الزاد في حقّ المجاهد آكدُ وأشدّ، فهو أكثر حاجةً إليه مِن غيره لِما يتعرض له مِن أنواع الصعاب والأخطار التي لا يقدر عليها بغير التزود لها.
وإنّ لهذا الزاد عناوين عريضة وأبوابا واسعة، إلا أن جميعها لا تخرج عن سياق التقوى، فهي خير ما تزوّد به الأولون والآخرون، والسابقون واللاحقون، وقد أكد القرآن العظيم على ذلك، فقال تعالى: {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ}، قال الإمام ابن كثير رحمه الله: "لمّا أمرهم بالزاد للسفر في الدنيا، أرشدهم إلى زاد الآخرة، وهو استصحاب التقوى إليها، كما قال: (وريشًا ولباس التقوى ذلك خير)، لمّا ذكر اللباس الحسي نبّه مرشدا إلى اللباس المعنوي: وهو الخشوع، والطاعة والتقوى، وذكر أنه خير من هذا، وأنفع" [تفسير القرآن العظيم]
وإن الأحاديث الصحيحة الواردة في تفضيل الجهاد على غيره من الأعمال، لا تعني أن يزهد المجاهد في هذه الأعمال والقربات، بل هي تشكّل زادًا ودافعًا إيمانيًا يعينه على لأواء هذا الطريق المحفوف بالمكاره، وتكون سببًا في ثباته ومواصلته لجهاده، كما هو معروف عمليًا في واقع المجاهدين، فأهل هذا الزاد الإيماني هم أكثر المجاهدين ثباتًا في الملمات وأصبرهم عند الخطوب والمدلهمات، ولا يشترط أن يكون أهل هذا الزاد معروفين مشتهرين بذلك، فإن كثيرا منهم يسرّون ذلك ويجتهدون في إخفائه ترويضا للنفس على الإخلاص وحرصا على القَبول.
ولعل مِن أوسع أبواب هذا الزاد وأجمعِها: باب الذكر، فقد أمر الله تعالى عباده المؤمنين المجاهدين بالإكثار من الذكر في أحلك الظروف وأشدها، عند لقاء العدو واحتدام القتال!، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأنفال]، فقرن -سبحانه- الفلاح الذي هو النصر، بالثبات والإكثار من ذكر الله تعالى، فكان الذكر والثبات قرينين لا ينفكان في ساحات القتال.
ومما يتزود به المجاهد في مسيرته؛ دعاؤه وتضرعه إلى مولاه، فالدعاء رفيق المجاهد في عسره ويسره، وهجمته وهجعته، وإغارته على عدوه وإغارة عدوه عليه، وقد بيّن القرآن الكريم أن المجاهدين أتباع المرسلين كانوا يلجأون إلى الله بالدعاء عند اشتداد الخطب، فقال تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [آل عمران]، والمعنى: ما كان قولهم عندما أصابهم القتل والجراح في سبيل الله، إلا أن دعوا ربهم بأن يغفر لهم ذنوبهم، وأن يثبت أقدامهم وينصرهم على عدوهم، وكان مِن فقههم أن دعوا ربهم أن يغفر لهم ذنوبهم، لعلمهم أن الذنوب سبب لتأخير النصر، وسبب لضياعه، ومثله قوله تعالى: {وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}، فهذه الآيات وغيرها نص صريح في أهمية تزوّد المجاهد بالذكر عمومًا، والدعاء خصوصا لتحصيل الثبات والنصر.
وإن مما يدخل في أبواب زاد المجاهد، بل يتربع على عرشه؛ زاد العلم، ومعلوم أن العلماء أكثر الناس خشية لله تعالى والتزود بالعلم طريق إلى تحصيل الخشية، لقوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}، وزاد العلم يرافق المجاهد في ميدانه الإعلامي والعسكري والأمني، يلازمه قبل المعركة وبعدها، يصاحبه عندما يسلم ويغنم أو يخفق ويُصاب، فيقاتل المجاهد ويقتل ويحزّ وينحر ويحرق ويفجّر ويدمّر وهو متيقن غير مرتاب، يرافقه الدليل الشرعي بل يسبقه إلى غزوته، يسابق أزيز رصاصه ويزاحم بريق سيفه، ولذا فعلى المجاهدين أن يجتهدوا في تحصيل أسبابه وأن يهيّئوا الكوادر الشرعية باستمرار، وأن يغمسوهم في الميادين فيمزجوا العلم بالعمل والفقه بالواقع، فيتقدّموا الصفوف ويكونوا كما كان علماء السلف في مقدمة الجيوش، مقاتلين ناصحين آمرين بالمعروف وناهين عن المنكر، فهم صمام الأمان للجهاد، وفقدهم ثلمة لا تخفى على من عاشر وعاصر الميادين.
وإن أهمية الزاد الإيماني لا تقتصر على المجاهد الممتشق سلاحه في الميادين والمعسكرات داخل الولايات القائمة، بل تزداد هذه الأهمية في حق مفارز المجاهدين العاملة في عقر ديار الكافرين، فهم بحاجة إلى اعتناء أكبر بالتربية الإيمانية والزاد الإيماني؛ كونهم يعملون في بيئة معادية لا معين لهم فيها على الطاعة والتوحيد، وعليهم أن يدركوا أنّ الأخوة الإيمانية التي يعيشونها، وفضيلة التواصي بالحق والصبر التي يحيونها بينهم؛ هي من أهم أسباب الإعانة على الطريق في هذه البيئة الصعبة التي بحاجة إلى رجال تزودوا بخير زاد ونهلوا من موارد الإيمان وأسهروا ليلهم في محاريب الإخبات، وانتصروا في محاريب الصلوات، فكانوا بذلك أهلا أن ينتقلوا للعمل في هذه البيئات عالية المخاطر عالية الأجور بإذن الله تعالى.
وعلى المجاهد في أي بيئة كان؛ أن يجتهد في زيادة رصيده الإيماني متحصنا بالذكر متسلحًا بالتقوى، وأن يرقى مدارج السالكين، وأن يرتقي في درجات العبودية لله تعالى، فإنها الدرجة التي امتدح الله بها نبيه محمدا -صلى الله عليه وسلم- في مقام المعراج فقال تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الإسراء]
وبالمحصلة، فإن زاد المجاهد الإيماني والعلمي، خير عون له في جهاده، وهو أوسع مِن أنْ يُحصر في أبواب معيّنة، والواجب على المجاهدين أن يهيّئوا زادهم، وأن يقسّموا أورادهم، ذكرًا وقيامًا وصيامًا، ويقسّموا أوقاتهم رصدا وإعدادًا وتربصًا، ويتأهبوا ويستعدوا ويتسلحوا بالإيمان والتقوى، فإنّ العالم يشتعل ويتسارع نحو هاوية الاصطدام، وإنّ الملاحم التي خلت نقطة في بحر الملاحم القادمة إنْ شاء الله، فتزودوا لذلك فإن خير الزاد التقوى، والله وليّ المتقين.
● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 357
السنة الرابعة عشرة - الخميس 26 صفر 1444 هـ ...المزيد
يتم الآن تحديث اوقات الصلاة ...
00:00:00
يتبقى على
17
ذو القعدة
1447
| الفجر 00:00 | الظهر 00:00 | العصر 00:00 | المغرب 00:00 | العشاء 00:00 |