علامات تعظيم الأوامر والمناهي ❖ علامات تعظيم الأوامر - رعايةُ أوقاتها وحدودها - الحرصُ ...

علامات تعظيم الأوامر والمناهي


❖ علامات تعظيم الأوامر

- رعايةُ أوقاتها وحدودها

- الحرصُ على تحسينها

- فعلُها في أوقاتها، والمسارعة إليها عند وجوبها

- التفتيشُ على أركانها وواجباتها وكمالها

- الحزنُ والكآبة والأسف عند فوات حقّ من حقوقها


❖ علامات تعظيم المناهي

- الحرصُ على التباعد من مظانها وأسبابها وما يدعو إليها، ومجانبة كلّ وسيلة تقرب منها.

- ترك ما لا بأسَ به حذراً مما به بأس، ومجانبة الفضول من المباحات خشيةَ الوقوع في المكروه.

- مجانبة من يجاهر بارتكابها ويحسنها ويدعو إليها ويتهاون بها ولا يبالي ما ركب منها.

- الغضبُ لله عز وجل إذا انتهكت محارمُه، وأن يجدَ المسلمُ في قلبه حزناً وكسرة إذا عُصي الله، ولم يستطع هو أن يغير ذلك.

- عدم الاسترسال مع الرخصة إلى حدّ يكون صاحبه جافياً غير مستقيم على المنهج الوسط.

- التسليم لأمر الله تعالى وحكمه امتثالا لما أمر به، سواء ظهرت له حكمتُه أو لم تظهر. [الوابل الصيّب - بتصرف]



● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 362
السنة الرابعة عشرة - الخميس 2 ربيع الآخر 1444 هـ
إنفوغرافيك العدد
...المزيد

(فلله العزة جميعا) إنَّ الله تبارك وتعالى هو العزيز الغلّاب الذي لا يغالبه مُغالب، وقد قضى ...

(فلله العزة جميعا)



إنَّ الله تبارك وتعالى هو العزيز الغلّاب الذي لا يغالبه مُغالب، وقد قضى ربُّنا أنْ تكون العزة له سبحانه ولرسوله -صلى الله عليه وسلم- وللمؤمنين فقال: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}، فمَن آمن به صار عزيزا؛ كما دلّنا سبحانه في كتابه العزيز إلى طريق العزة وسبيل التمكين لهذا الدين فقال: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ}، فأيقنَّا أنَّ هذا الدين لن يكون كله لله إلا بالقتال والعزة، لا بالقعود والذل والهوان.

كما اقتضت سُنة القوي العزيز سبحانه، أن لا ينتشر وينتصر هذا الدين في ربوع الأرض إلا بالقوة والمغالبة لقوله تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا}، قال القرطبي رحمه الله: "أي لولا ما شرعه الله تعالى للأنبياء والمؤمنين من قتال الأعداء، لاستولى أهل الشرك وعطلوا ما بينته أرباب الديانات من مواضع العبادات، ولكنه دفع بأن أوجب القتال ليتفرغ أهل الدين للعبادة، فالجهاد أمر متقدم في الأمم، وبه صلحت الشرائع واجتمعت المتعبدات".

بل كان من عزة هذا الدين أنْ جعل -سبحانه- أشرف الرزق ما أُخذ من الكفار على وجه القوة والغلبة والقهر فصار غنيمة، وهو رزق قائد هذه الأمة نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- فقال: (وجُعل رزقي تحت ظل رُمحي) [أحمد]، وهو مصدر إمداد للمجاهدين اليوم لا ينضب.

ومِن العزة استعلاء المؤمن بهذا الدين ومنهاجه القويم على أهل الباطل ومناهجهم الكفرية العفنة، فالمؤمن عزيز بإيمانه بربه سبحانه، كما قال تعالى: {وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}، وحُقَّ لمن ينتسب لهذا الدين ويجاهد في سبيله أنْ يكون عزيزا شامخا رافع الرأس؛ لأنه يقوم بالرسالة العظمى للبشرية مكملا مهمة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- المتمثلة بقوله تعالى: {وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً}، وبعد وفاته -صلى الله عليه وسلم- فالأمة تكمل الرسالة وتقوم بالأمر، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (بلغوا عني ولو آية) [البخاري].

ومن عزة هذا الدين ألا يظل المسلم في أرض يُمنع فيها من عبادة ربه وإقامة شريعته؛ بل يجب عليه أن يخرج منها مهاجرا إلى أرض غيرها فأرض الله واسعة، قال الله تعالى: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ}، كما أن المؤمن العزيز يرى بلاد الإسلام واحدة وإن فرّقتها الحدود أو مزقتها القيود، فكل أرض حُكمت يوما بحكم الإسلام هي أرضه، ويجب عليه انتزاعها وردها بالقوة لتحكم بشرع الله كما كانت، وهذا المُرتقب بحول الله وقوته، وهي بشرى نبينا -صلى الله عليه وسلم- إذ قال: (بشّر هذه الأمة بالسناء والرفعة، والنصر والتمكين في الأرض) [أحمد]، فأمة التوحيد مُبشَّرة بكل معاني العزّ والتمكين.

ولعزة الدين كان لا بد من سلطان ينصره بالقوة ويدافع عنه، ويقيم حدوده ويقاتل عدوه، كما في قوله تعالى: {وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا} قال ابن كثير: "وقال قتادة فيها أن نبي الله -صلى الله عليه وسلم- علم ألا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان، فسأل سلطانا نصيرا لكتاب الله، ولحدود الله، ولفرائض الله، ولإقامة دين الله".

والعزة بالدين لا تساويها عزة، وهي التي تحمل المؤمنين على أن يقاتلوا عدوا يفوقهم في العدد أضعافا مضاعفة، ثم يهزموهم بقوة الله وفضله.

وتلك العزة التي حولت المثنى بن حارثة الشيباني إلى أول غاز يغزو بلاد الفرس بعد أن كانت بنو شيبان تخشى الفرس طيلة سني الجاهلية، بل وما كانت عزة العرب وأنفتهم ترقى بهم أن يتجرؤوا على فارس والروم فلمّا دخلوا في الإسلام ما أبقوا لفارس أرضا تُقِلّهم ولا سماء تُظِلّهم، وطردوا الروم من الشام ومصر وشمال إفريقية حتى وصلوا إلى أجزاء من أوروبا يحملون رسالة الإسلام "لا إله إلا الله محمد رسول الله".

وعزة الإسلام تضع كل المعاني الجاهلية تحت الأقدام، فبه المؤاخاة والولاء والنصرة؛ لأن كل عزة بسواه ذل، كما رُوي عن الفاروق عمر رضي الله عنه قوله: "إنا قوم أعزنا الله بالإسلام، فلن نلتمس العز بغيره" [مصنف ابن أبي شيبة]، وهذا فقه عمر الذي كان إسلامه فتحا وعزا للمسلمين.والطريق الوحيد لتحقيق العزة لأمة الإسلام هو الجهاد في سبيل الله وحده، لقوله تعالى: {وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ}، وبتركه يسلّط عليها الذل، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (…وتركتم الجهاد؛ سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم) [أبو داود]، وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه في أول خطبة له يبيّن مَعلَما مُهِمًّا من معالم الخلافة على منهاج النبوة: "لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل" [تاريخ الخلفاء].

ولقد ضل أكثر الأفراد والجماعات اليوم، فيمموا وجوههم نحو أعداء الله قِبَل الشرق أو الغرب يبتغون عندهم العزة والتأييد والدعم، فما وجدوا إلا الذل والمهانة، قال الله تعالى: {الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} فهل العزة إلا من العزيز الوهاب؟ وهل العون إلا من الغني المنّان؟، إنك لتجد أحدهم -وإن زاحمته الحُرّاس وأحاطت به الجنود- حقيرا، وصاحب الحق عزيز النفس وإن كان في الزنازين أسيرا.

ومن صفات الطائفة المنصورة أنها عزيزة بدينها فلا يضرها من خالفها من الأعداء ولو كثروا، ولا من خذلها من الأصدقاء ولو قَرُبوا، فتمضي قافلة الطائفة المنصورة يلتحق بها كل مؤمن صادق عزيز حتى يأتي وعد الله وهم على ذلك.

والمسلم المتأمل في أحوال دولة الإسلام، لا تخطئ عينه صور هذه العزة في نشأتها وقيامها وتمددها، في جهادها وقتالها لكل ملل الكفر، في تمكينها ورخائها، أو في محنتها وثباتها، في ولائها وبرائها، في خطابها وإعلامها، فكل شيء فيها ينبض بالعزة التي مصدرها الجهاد على منهاج النبوة بعد صحة التوحيد، وكل من انضوى تحت لوائها مخلصا محتسبا ظفر وشعر بهذه العزة، وجعل الله له المهابة في صدور الكافرين، وما ذاك إلا ثمرة الاستمساك والاعتزاز بهذا الدين العظيم، ولا عجب فقد قال تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا}.



● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 362
السنة الرابعة عشرة - الخميس 2 ربيع الآخر 1444 هـعلامات تعظيم الأوامر والمناهي
...المزيد

إنَّا لِله وَإنَّا إِليه رَاجعُوْنَ ▪️معناها: (إنّا لله) أي: إننا ملكه وعبيده وخلْقُه، ...

إنَّا لِله وَإنَّا إِليه رَاجعُوْنَ


▪️معناها:

(إنّا لله) أي: إننا ملكه وعبيده وخلْقُه، وفيها توحيد وإقرار بالعبودية والملك لله تعالى، (وإنا إليه راجعون) أي: إننا راجعون إلى الله تعالى بعد الموت، للحساب على ما عملنا في الدنيا، وفيها إقرار بالبعث والنشور، والتسليم لأمر الله تعالى وقضائه، وتسمّى: كلمة الاسترجاع.


▪️دليلها:

قوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة]


▪️فضلها:

عن أم سلمة -رضي الله عنها- قالت: "سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: "إنا لله وإنا إليه راجعون"، اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها، إلا آجره الله من مصيبته، وأخلف له خيرا منها)، قالت: فلمّا توفي أبو سلمة قلت كما أمرني رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأخلف الله لي خيرا منه: رسول الله -صلى الله عليه وسلم-"[مسلم]


▪️آثارها:

يدخل المسلم القائل لهذه الكلمة، المستحضِر لمعانيها، في الصابرين الذين يوفّون أجورهم بغير حساب، ويدرك صلوات الله تعالى عليه ورحمته إيّاه، ومن آثارها أيضا: زيادة الإيمان بالله تعالى، وتحصيل الرضا بقضائه وقدره، والتسليم لأمره سبحانه، وتذكّرُ الآخرة والزهد في الدنيا، وتخفيف الحزن عند المصيبة.


❖تنبيهات:

تُقال هذه الكلمة عند أول وقوع المصيبة وهو الأولى، أو عند تذكرها بعد وقوعها، كما تُقال عند تهديد العدو للمسلمين بالقتل أُسوةً بسحرة فرعون لمّا آمنوا، قال القرطبي: "جعل الله هذه الكلمات ملجأ لذوي المصائب، وعصمة للممتحَنين، لِما جمعت من المعاني المباركة".



● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 361
السنة الرابعة عشرة - الخميس 24 ربيع الأول 1444 هـ
إنفوغرافيك العدد
...المزيد

من أقوال علماء الملة قال الإمام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: "كثير من الناس إذا رأى المنكر أو ...

من أقوال علماء الملة

قال الإمام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-:

"كثير من الناس إذا رأى المنكر أو تغيّرَ كثيرٍ من أحوال الإسلام: جزع وكَلَّ وناح، وهو منهي عن هذا، بل هو مأمور بالصبر والتوكل والثبات، وأن يؤمن بالله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وأن العاقبة للتقوى، وأن ما يصيبه فهو بذنوبه؛ فليصبر إن وعد الله حقّ، وليستغفر لذنبه وليسبح بحمد ربه بكرة وعشيا" [مجموع الفتاوى] ...المزيد

حديث نبوي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (قال الله ...

حديث نبوي



عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (قال الله تعالى: "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر"، واقرؤوا إن شئتم: {فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جزَاءً بِما كَانُوا يَعْملُونَ} [السجدة]). [متفق عليه] ...المزيد

علامات تعظيم الأوامر والمناهي ❖ علامات تعظيم الأوامر - رعايةُ أوقاتها وحدودها - الحرصُ ...

علامات تعظيم الأوامر والمناهي


❖ علامات تعظيم الأوامر

- رعايةُ أوقاتها وحدودها

- الحرصُ على تحسينها

- فعلُها في أوقاتها، والمسارعة إليها عند وجوبها

- التفتيشُ على أركانها وواجباتها وكمالها

- الحزنُ والكآبة والأسف عند فوات حقّ من حقوقها


❖ علامات تعظيم المناهي

- الحرصُ على التباعد من مظانها وأسبابها وما يدعو إليها، ومجانبة كلّ وسيلة تقرب منها.

- ترك ما لا بأسَ به حذراً مما به بأس، ومجانبة الفضول من المباحات خشيةَ الوقوع في المكروه.

- مجانبة من يجاهر بارتكابها ويحسنها ويدعو إليها ويتهاون بها ولا يبالي ما ركب منها.

- الغضبُ لله عز وجل إذا انتهكت محارمُه، وأن يجدَ المسلمُ في قلبه حزناً وكسرة إذا عُصي الله، ولم يستطع هو أن يغير ذلك.

- عدم الاسترسال مع الرخصة إلى حدّ يكون صاحبه جافياً غير مستقيم على المنهج الوسط.

- التسليم لأمر الله تعالى وحكمه امتثالا لما أمر به، سواء ظهرت له حكمتُه أو لم تظهر. [الوابل الصيّب - بتصرف]



● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 362
السنة الرابعة عشرة - الخميس 2 ربيع الآخر 1444 هـ
إنفوغرافيك العدد
...المزيد

(خالصة يوم القيامة) الحمد لله الذي جعل نعيم الدنيا الزائل للناس أجمعين المسلمين منهم ...

(خالصة يوم القيامة)



الحمد لله الذي جعل نعيم الدنيا الزائل للناس أجمعين المسلمين منهم والكافرين، وخص نعيم الآخرة الدائم لعباده المؤمنين السائرين على نهج النبي الأمين صلى الله عليه وسلم وعلى آله الطيبين وصحابته المجاهدين ومن سار على هديهم إلى يوم الدين، أما بعد.

نطوف اليوم في رحاب آيات من الذكر الحكيم، نذكّر بها أنفسنا والقارئين بحقيقة الدنيا وهوانها على الله تعالى، ونتدبر معاني هذه الآيات وننهل من تفاسير علماء السنة في بيان اشتراك الناس في نعيم الدنيا، واختصاص المؤمنين بنعيم الآخرة كما في قوله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [الأعراف]، قال ابن كثير رحمه الله: "يقول تعالى ردا على من حرم شيئا من المآكل أو المشارب، والملابس، من تلقاء نفسه، من غير شرع من الله: (قُلْ) يا محمد، لهؤلاء المشركين الذين يحرمون ما يحرمون بآرائهم الفاسدة وابتداعهم: (مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي: هي مخلوقة لمن آمن بالله وعبده في الحياة الدنيا، وإن شركهم فيها الكفار حبًا في الدنيا، فهي لهم خاصة يوم القيامة، لا يشركهم فيها أحد من الكفار، فإن الجنة محرمة على الكافرين" [التفسير].

وفي ذلك قال القرطبي رحمه الله: "(خالصة يوم القيامة): أي يخلص الله الطيبات في الآخرة للذين آمنوا، وليس للمشركين فيها شيء كما كان لهم في الدنيا من الاشتراك فيها" [التفسير].

فإن الكفار مع ما هم فيه من النعم في هذه الحياة الدنيا ليس لهم حظ في الآخرة إلا النار كما قال تعالى: {وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران]، قال الإمام الطبري رحمه الله: "يعني بذلك جل ثناؤه: يريد الله أن لا يجعل لهؤلاء الذين يسارعون في الكفر، نصيبًا في ثواب الآخرة، فلذلك خذلهم فسارعوا فيه. ثم أخبر أنهم مع حرمانهم ما حرموا من ثواب الآخرة، لهم عذاب عظيم في الآخرة، وذلك عذابُ النار".


- كثيرها قليل زائل:

ولذلك فلا تغتر بما هم فيه من المتاع القليل وإن حسبته كثيرا فهو زائل وفان، وكل ما كان كذلك فهو قليل وإن ظهر أنه كثير، قال تعالى: {لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ}[آل عمران] قال ابن كثير في تفسيره: "يقول تعالى: لا تنظروا إلى ما هؤلاء الكفار مترفون فيه، من النعمة والغبطة والسرور، فعمّا قليل يزول هذا كله عنهم، ويصبحون مرتهنين بأعمالهم السيئة، فإنما نمد لهم فيما هم فيه استدراجا، وجميع ما هم فيه (مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ)".

أما الموحدون الصابرون الثابتون الذين لم يتركوا جهادهم ونصرتهم ولم يخضعوا لعدوهم ولم يرتدوا عن دينهم برغم كل ما أصابهم؛ فلهم ثواب الدنيا والآخرة كما قال تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران]، قال الإمام الطبري رحمه الله: "يعني بذلك تعالى ذكره: فأعطى الله الذين وصفهم بما وصفهم، من الصبر على طاعة الله بعد مقتل أنبيائهم، وعلى جهاد عدوهم، والاستعانة بالله في أمورهم، واقتفائهم مناهج إمامهم على ما أبلوا في الله (ثوابَ الدنيا) يعني: جزاء في الدنيا، وذلك النصرُ على عدوهم وعدو الله، والظفرُ والفتح عليهم، والتمكين لهم في البلاد، (وحسن ثواب الآخرة) يعني: وخير جزاء الآخرة على ما أسلفوا في الدنيا من أعمالهم الصالحة، وذلك: الجنة ونعيمها".كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "ثم أخبر سبحانه أن جماعة كثيرة من أنبيائه قتلوا، وقتل معهم أتباع لهم كثيرون، فما وهن من بقي منهم، لما أصابهم في سبيل الله، وما ضعفوا وما استكانوا… بل تلقوا الشهادة بالقوة والعزيمة والإقدام... أعزة كراما مقبلين غير مدبرين" [مجموع الفتاوى]، وقال رحمه الله: "لما علم القوم أن العدو إنما يدال عليهم بذنوبهم، وأن الشيطان إنما يستزلهم ويهزمهم بها، وأنها نوعان تقصير في حق، أو تجاوز لحد، وأن النصر منوط بالطاعة، {قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا}، ثم علموا أن ربهم تبارك وتعالى، إن لم يثبت أقدامهم وينصرهم لم يقدروا هم على تثبيت أقدام أنفسهم، ونصرها على أعدائهم، فسألوه ما يعلمون أنه بيده دونهم، وأنه إن لم يثبّت أقدامهم وينصرهم لم يثبتوا، ولم ينتصروا" [مجموع الفتاوى].


- أهون من جدي أسكّ:

أيها المؤمنون المجاهدون.. إنّ هذه الدنيا عند الله حقيرة هينة ومن هوانها أنها أهون من جيفة جدي "أَسَكّ" مقطوع الأذنين كما في حديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مر بالسوق، داخلا من بعض العالية، والناس كنفته، فمر بجدي أسك ميت، فتناوله فأخذ بأذنه، ثم قال: (أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟) فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟! قال: (أتحبون أنه لكم؟)، قالوا: والله لو كان حيا كان عيبا فيه؛ لأنه أسك، فكيف وهو ميت؟! فقال: (فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم) [مسلم]، وهي أقل من جناح بعوضة! كما في حديث سهل بن سعد الساعدي -رضي الله عنه- قال: قَالَ رَسُول اللَّه -صلى الله عليه وسلم-: (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء) [رواه الترمذي، وَقالَ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ].

لأجل ذلك لم يجعل الله تعالى الدنيا جزاء لأوليائه المؤمنين به، المصدقين لرسله، المجاهدين في سبيله، بل جعل جزاءهم جنة عرضها السماوات والأرض.

وفي المقابل لم يجعل العذاب فيها هو الخزي الوحيد لأعدائه كما قال الله عن المنافقين: {سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ}، فقد قال غير واحد من العلماء: "المرة الأولى في الدنيا، والثانية في البرزخ؛ {ثُمَّ يُرَدُّونَ إلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ} فِي الْآخِرَة". [مجموع الفتاوى]

وقال عن الكفار: {لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}.

بل لولا افتتان الناس واغترارهم بالدنيا لجعلها الله بأسرها للكفار كما قال تعالى: {وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ} [الزخرف]، قال القرطبي رحمه الله: "قال العلماء: ذكر حقارة الدنيا وقلة خطرها، وأنها عنده من الهوان بحيث كان يجعل بيوت الكفرة ودرجها ذهبا وفضة لولا غلبة حب الدنيا على القلوب، فيحمل ذلك على الكفر" [التفسير]، وقال ابن كثير رحمه الله: "أي: لولا أن يعتقد كثير من الناس الجهلة أن إعطاءنا المال دليل على محبتنا لمن أعطيناه، فيجتمعوا على الكفر لأجل المال... {لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ} أي: سلالم ودرجا من فضة... {عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ}، أي: يصعدون" [التفسير].

فنعلم من هذا أن المؤمن وإنْ فاته شيء من متاع الدنيا وزهرتها، فإنه لم يخسر بل الفوز الكبير هو ثباته على دينه وعقيدته وتقديمه الحياة الباقية على الدنيا الفانية، ولكل مؤمن عبرة وعظة في قصة أصحاب الأخدود وكيف سمّى الله ثباتهم على دينهم -مع كونهم لم ينالوا من حظوظ الدنيا شيئا- بالفوز الكبير وفي غيرها أيضا من قصص المؤمنين.

كما أخبر سبحانه في سورة الصف أن الثبات على الإيمان ومراغمة الكفار سبب في الغفران ودخول الجنان وأن هذا هو الفوز العظيم فقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}، ثم عطف على الفوز العظيم أمرا آخر يحبه الناس فقال: {وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ}.فإياك أخي المسلم المجاهد أن تكون ممن قال الله فيهم: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا}، بل احرص على أن تكون ممن قال الله فيهم: {وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا}.

قال ابن القيم رحمه الله: "والقرآن مملوء من التزهيد في الدنيا، والإخبار بخستها، وقلتها وانقطاعها، وسرعة فنائها، والترغيب في الآخرة، والإخبار بشرفها ودوامها، فإذا أراد الله بعبد خيرا أقام في قلبه شاهدا يعاين به حقيقة الدنيا والآخرة، ويؤثر منهما ما هو أولى بالإيثار" [المدارج].

فاسعوا أيها المؤمنون إلى الجنات والمساكن الطيبات والدرجات العاليات؛ فهي خير مستقرا وأحسن مقيلا، والحمد لله رب العالمين.



● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 361
السنة الرابعة عشرة - الخميس 24 ربيع الأول 1444 هـ
...المزيد

أذلةٍ على المؤمنين مع عزة نفس المسلم واستعلائه بالإيمان، فإنه لا يرى في الذلّة لإخوانه ...

أذلةٍ على المؤمنين


مع عزة نفس المسلم واستعلائه بالإيمان، فإنه لا يرى في الذلّة لإخوانه المسلمين ما يحُطّ من قدره، بل هي مما يزيده رفعةً وعزّة؛ لأن هذه الذلّة من التواضُعِ لله تعالى، الذي يرفع الله به قدر صاحبه، فالجزاء من جنس العمل، وهي أيضا عبادة يؤجر عليها، ويفعلها قُرْبة لله تعالى، يرجو بها رضاه سبحانه، وفي هذه العبادة من زيادة الألفة بين المسلمين وجمع صفهم وصفاء مجتمعهم ما يدفع المؤمن للحرص عليها، والمبادرة إليها، وفي هذا المقال نسلط الضوء على شيء من ذلك، إن شاء الله تعالى.


"رحماء بينهم"

لقد جاءت نصوص الكتاب والسنة تحث على الرحمة بين المسلمين والذلة عليهم والتواضع لهم، ولين الجانب والخطاب معهم، بل أمر الله تعالى نبيه -صلى الله عليه وسلم- بذلك في قوله تعالى: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الحجر]، قال الطبري -رحمه الله-: "وقوله {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} يقول تعالى ذكره لنبيه محمد -صلى الله عليه وسلم-: وألِنْ لمن آمن بك، واتبعك واتبع كلامك، وقرِّبهم منك، ولا تجف بهم، ولا تَغْلُظ عليهم، يأمره تعالى ذكره بالرفق بالمؤمنين، والجناحان من بني آدم: جنباه، والجناحان: الناحيتان" [التفسير].

وقد امتثل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمر ربه، وأنِس به المسلمون، لما وجدوا منه من رقة القلب ولين الجانب والرحمة بهم، قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ..} [آل عمران]، وقد صار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أسوة حسنة للمسلمين في ذلك، وقد ذكر الله تعالى صفات مَن يحملون رسالته بحقها، في قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ..} [المائدة] قال ابن القيم -رحمه الله-: "لما كان الذُّل منهم ذلَّ رحمة وعطف وشفقة وإخبات، عدَّاه بأداة "على" تضمينًا لمعاني هذه الأفعال، فإنَّه لم يرد به ذلَّ الهوان الذي صاحبه ذليل، وإنما هو ذلُّ اللين والانقياد". [مدارج السالكين].

إذن فمن صفات المؤمنين المجاهدين الذين يحبهم الله ويحبونه: أنهم أذلة فيما بينهم، يتواضع أحدهم لأخيه، ويرحمه ويعطف عليه ويكون في حاجته، ويحب له ما يحب لنفسه، وليس في هذا معنى الذلة والانكسار والضعف بل هو من جنس الذُّل للأبوين، الذي يزيد الله به البار بهما رفعة ومقاما، قال تعالى: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ...} [الإسراء].


- نماذج من حياة الصحابة والسلف:

لقد كان هذا المعنى حاضرا في حياة الصحابة والسلف الصالح -رضي الله عنهم-، لا يمنعهم الجاه ولا المال من التذلل لبعضهم، فتأمل في حال الصدّيق أبي بكر -رضي الله عنه-، حين كان يحلب أغنام المسلمين قبل أن يكون خليفة، فلمّا صار خليفة للمسلمين ودخل السوق سمع جارية تقول: "الآن لا يحلب لنا"، فقال خليفة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "بلى لأحلبنَّها لكم، وإنِّي لأرجو ألَّا يغيِّرني ما دخلت فيه" [تاريخ دمشق].

ومن ذلك أيضا أن عمر الفاروق ذهب وهو أمير المؤمنين إلى زيد بن ثابت -رضي الله عنهما- "فاستأذن عليه، فأذن له، ورأسه في يد جارية له ترجّله (تمشط شعره)، فنزع رأسه، فقال له عمر: دعْها ترجلْك، فقال: يا أمير المؤمنين، لو أرسلت إليّ جئتك، فقال عمر: إنما الحاجة لي" [الأدب المفرد]، مع أن الفاروق أكبر عمرا من زيد بن ثابت -رضي الله عنهما- بما يقرب من 30 عاما فتأمّل! وقد أخذ ابنه عبد الله بن عمر -رضي الله عنه- هذا الخلق السامي، قال مجاهد: "صحبت عبد الله بن عمر -رضي الله عنه- لأخدمه، فكان هو يخدمني!" [السنة للخلال].

وقال إسماعيل بن إسحاق الثَّقفي عن الإمام أحمد ابن حنبل -رحمهما الله-: "قلت لأبي عبد الله أوَّل ما رأيته: يا أبا عبد الله، ائذن لي أن أقبِّل رأسك، فقال: لم أبلغ أنا ذاك" [الآداب لابن مفلح]، وقال عنه يحيى بن معين: "ما رأيت مثل أحمد بن حنبل صحبناه خمسين سنة، ما افتخر علينا بشيء ممَّا كان فيه مِن الخير" [سير أعلام النبلاء]، وكُتب العلماء فيها الكثير من هذه الصور والنماذج المشرقة التي تحكي عن واقع عاشه الصحابة والتابعون، من التذلل فيما بينهم وعدم إظهار العزة إلا على الكافرين والمرتدين، فقويت بذلك صفوفهم وانتصروا على عدوهم.


- من صور التذلل للمؤمنين:

وصور هذه الطاعة عديدة ووجوهها أكثر من أن تحصى، منها: الخدمة العامة في الأعمال اليومية بين المجاهدين في مضافاتهم ومعسكراتهم، أو بين عامة المسلمين في حلهم وترحالهم، وبذل النصح لهم وتعليم الجاهل وتنبيه الغافل منهم، وإحسان الظن بالمسلمين بقول أو عمل قد تشتبه عليك حقيقته، ودفع ما يجانب ذلك من سوء الظن فإن بعض الظن إثم.ومنها: إطلاق الوجه وبشّه عند ملاقاة المؤمنين وإفشاء السلام، ومنها حسن المعاملة والمعاشرة ولين الخطاب والجانب، وترك ما يخالف ذلك من الغلظة والجفاء والمراء والخصومة والنميمة.

ومنها أيضا: الإيثار على النفس ولو كانت بها خصاصة، وحب الخير للمسلمين كما يحبه المسلم لنفسه، والشفقة عليهم والتألم لمصابهم، والفرح لفرحهم والحرص على ما ينفعهم.

ومنها كذلك: الصبر والحلم عليهم والعفو والصفح والمغفرة عمّن أساء منهم، ومنها: سلامة الصدر تجاههم بحيث لا يبيت المسلم ليلة وفي قلبه شحناء تجاه أخيه المسلم، وغيرها من صور التذلل من المسلم لإخوانه، والتي تنتج في النهاية صفا مسلما متماسكا متآلفا، بعيدا عن أحقاد النفوس وإيغار الصدور وفساد ذات البين، يتعاون فيه المسلمون على البر والتقوى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويتناصحون فيما بينهم ويتواصون بالحق ويتواصون بالصبر.

نسأل الله أن يجعلنا من المتذللين على إخوانهم المسلمين، وأن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه إنه على كل شيء قدير، والحمد لله رب العالمين.



● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 361
السنة الرابعة عشرة - الخميس 24 ربيع الأول 1444 هـ
...المزيد

صحوات الشام واقتتال المصالح مرة أخرى في الشام، تتقاتل الفصائل والميليشيات المرتدة على حطام ...

صحوات الشام واقتتال المصالح



مرة أخرى في الشام، تتقاتل الفصائل والميليشيات المرتدة على حطام الدنيا، كلٌ منهم يريد أنْ يثبت لسيّده أنه الأجدر بالدعم من غيره، والأقدر على تحقيق مصالح "الداعمين"، أو أنه الأبعد عن "الإرهاب" والأقرب للاندماج والتماهي مع "النظام الدولي" الكفري، وكالعادة لم تغب عن معارك المرتدين هذه أوصاف "الجهاد!" مع صيحات "التكبير" ومصطلحات "الفتوحات" للمنتصرين و"دفع الصائل" للمهزومين! في أسلوب رخيصٍ متكررٍ للتستر بالدين؛ لا يستحي منه هؤلاء الفرقاء المتشاكسون، الذين فرّقتهم مصالحهم الحزبية، وجمّعهم وصفُ "الأدوات" التي تعمل في الساحة الشامية وفق ما يريد "اللاعبون الدوليون"، الذين حددوا لهم الضوابط ورسموا لهم الحدود، فمن خرج منهم عن حدّه تلقّى صفعة من سيّده أرجعته إلى الطريق المرسوم له، والحدّ المسموح به، والفراغ المقرر له أن يملأه، في مشهد عبودية واستخذاء صار علامة ملازمة لهذه الفصائل المرتدة التي زادت بلاد الشام وأهله رهقًا، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

شرعيًا، لا تختلف هذه الفصائل فيما بينها من ناحية الحكم بغير ما أنزل الله، وموالاة الكفار على المسلمين، والجري خلف إرضاء "النظام الدولي" الكفري وكسب تعاطفه أو اعترافه، شأنهم شأن باقي الحكومات المرتدة في المنطقة، إلا أن بعض هذه الفصائل تحاول إخفاء ردتها وخيانتها، بتصدير الكثير من الحديث عن الكتاب والسنة في خطاباتها وبياناتها وملتقياتها، مع بعض المظاهر المؤيِّدة لذلك، على طريقة حكام آل سلول الكفرة الفجرة.

ولم يغب عن المشهد أيضًا الدعوات لاستخدام "الحاضنة الشعبية" لهؤلاء المرتدين الذين يقاتلون في سبيل إرضائها، تلك الحاضنة التي صارت فتنة أخرى للفصائل الثورية الوطنية أو تلك التي تنسب نفسها للجهاد، فيعملون لإرضائها حتى لو كان هذا على حساب سخط الله، وحتى لو أدى ذلك بهم للردة والخروج عن الدين والعياذ بالله، فالأكثرية والأغلبية التي تمثلها "الحاضنة" مقدَّمة عندهم على الحقّ، وهو ما ينسف كل دعواتهم النظرية للكفر بـ"الديمقراطية" التي طالما ادّعوا محاربتها بألسنتهم، وكذّبتهم على الواقع أفعالهم، في فصام بين القول والعمل صار سمة لهؤلاء المرتدين الذين بدّلوا دينهم وأخلفوا الله ما وعدوه، حين تخلوا عن حكم الشريعة فيما مكّنهم الله فيه؛ خوفا من "المجتمع الدولي" أن يقاتلهم، ويسلب منهم ملكهم الفاني، وطمعا بدعمه والاعتراف بهم، أو على الأقل تركُهم وما حصلوه من مكاسب مادية على أرضٍ يتنعمون عليها اليوم، وعمّا قريب بإذن الله سيكونون تحتها؛ ليواجهوا ما اقترفوا من الكفر بالله العظيم وموالاة أعدائه والحرب على أوليائه.

وفي الوقت الذي يحاول كل طرف من هؤلاء أن يبيّض صفحته أمام طواغيت العالم ليسترضيهم، ويستجلب دعمهم، تجد على الطرف الآخر من هؤلاء وطغاتهم: الدولة الإسلامية -أعزها الله- تصارح الجميع بحقيقتهم، وتصدع بتكفيرهم والبراءة منهم، على ملة إبراهيم الخليل -عليه السلام-، فلا استثناء لمرتد، ولا تنازل لطاغوت، ولا مداهنة على حساب الدين، لسان حالها مستعلية بالإيمان: {إِنَّا بُرَءَٰٓؤُاْ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ٱلْعَدَٰوَةُ وَٱلْبَغْضَآءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحْدَهُ} [الممتحنة]، وتصيح بهذه الجموع التائهة في فوضى الحزبية، من هيئات وتنظيمات وفصائل: أنّ سبيل الله واحد واضح، لا يتعدد الحق فيه، وكل سبيل سواه ضلال، ينتهي بسالكه نحو الهلاك، قال ابنُ مسعودٍ -رضي الله عنه-: "خطّ لنا رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- خطّا ثم قال: (هذا سبيل الله)، ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله، ثم قال: (هذه سبل على كل سبيلٍ منها شيطان يدعو إليه)، ثم قرأ: {وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِي مُستَقِيمٗا فَٱتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُم عَن سَبِيلِهِ}" [رواه أحمد].

وقد اتبعت الدولة الإسلامية صراط الله المستقيم، فسمّت هؤلاء المرتدين بمسمّاهم، لأن المقياس فيها رباني، لا يتبع لأهواء الأطراف الضامِنة، ولا إملاءات الدول الداعمة، وها هي حقائق هؤلاء المرتدين، تتكشف يوما بعد يوم إلى الحد الذي لا يُبقي عذرا لجاهل أو تأويلا لمجادل، فطريق الحق واحد واضح أبلج، لا مجال فيه للزيغ أو الروغان، لكن تكاليفه عظيمة كبيرة، ضعفت همم هذه الفئات من المرتدين عن تحمّلها، فاختار كلّ منهم سبيله الذي يزعم أنه يحقق له مصلحته، نابذا كتاب الله وأمره ونهيه وراء ظهره.إن ما يجري في الشام من اقتتال فصائل الصحوات فيما بينهم، لا يمكن أن نعزله عن فتاوى البلاعمة المضلّين داخل الشام وخارجها من المحسوبين على ما يُعرف بـ"التيار الجهادي"، فقد شارك هؤلاء في صبّ شُبَه الضلال على النفوس الضعيفة؛ فولّدت فتاواهم هذه ضلالا وانحرافا واقتتالا، زاد الأمة الإسلامية تشرذما وانقساما، بل أنتجت فتاواهم المشبوهة حرابة للدين والمجاهدين، شأنهم في ذلك شأن أمثالهم من مشايخ الطواغيت الذين تصدوا لساحات الجهاد من قبل فأفسدوها، كالعراق وأفغانستان والجزائر والجزيرة وغيرها، فقُتل بفتاواهم المجاهدون، واستبيحت أراضي المسلمين، وما زال المستمعون لهم يتهاوون في دركات الضلال، ويضْفون على انحرافاتهم وشركياتهم صبغة الإسلام! في الوقت الذي هم يعملون على هدمه! ويمكّنون لأعداء الأمة بتنفيذ مصالحهم نيابة عنهم، كل ذلك باسم السياسة الشرعية والمصلحة المرعية، والشريعة ومصالحها ومقاصدها بعيدة عنهم بعد المشرقين.

وسواء تبدلت هذه الفصائل أو أعيد توزيعها على المناطق، وفقا لمصالح وأجندة الدول المتورطة في الشام، تبقى حقيقة أنهم مرتدون عن الإسلام، وأن وجودهم مؤقت طارئ، وأن هذه الأراضي هي أراضي المسلمين، لا بد أن تحكم بشرع الله، رغم أنوف "اللاعبين" واتفاقاتهم ومساراتهم وخرائط طرقهم، وعسى أن يكون ذلك قريبا، (وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ)، والحمد لله رب العالمين.



● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 361
السنة الرابعة عشرة - الخميس 24 ربيع الأول 1444 هـ
...المزيد

علامات تعظيم الأوامر والمناهي ❖ علامات تعظيم الأوامر - رعايةُ أوقاتها وحدودها - الحرصُ ...

علامات تعظيم الأوامر والمناهي


❖ علامات تعظيم الأوامر

- رعايةُ أوقاتها وحدودها

- الحرصُ على تحسينها

- فعلُها في أوقاتها، والمسارعة إليها عند وجوبها

- التفتيشُ على أركانها وواجباتها وكمالها

- الحزنُ والكآبة والأسف عند فوات حقّ من حقوقها


❖ علامات تعظيم المناهي

- الحرصُ على التباعد من مظانها وأسبابها وما يدعو إليها، ومجانبة كلّ وسيلة تقرب منها.

- ترك ما لا بأسَ به حذراً مما به بأس، ومجانبة الفضول من المباحات خشيةَ الوقوع في المكروه.

- مجانبة من يجاهر بارتكابها ويحسنها ويدعو إليها ويتهاون بها ولا يبالي ما ركب منها.

- الغضبُ لله عز وجل إذا انتهكت محارمُه، وأن يجدَ المسلمُ في قلبه حزناً وكسرة إذا عُصي الله، ولم يستطع هو أن يغير ذلك.

- عدم الاسترسال مع الرخصة إلى حدّ يكون صاحبه جافياً غير مستقيم على المنهج الوسط.

- التسليم لأمر الله تعالى وحكمه امتثالا لما أمر به، سواء ظهرت له حكمتُه أو لم تظهر. [الوابل الصيّب - بتصرف]



● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 362
السنة الرابعة عشرة - الخميس 2 ربيع الآخر 1444 هـ
إنفوغرافيك العدد
...المزيد

سلسلة بوصلة الروح - رحلة في مكارم الأخلاق ● الحلقة التاسعة: المروءة والاحترام وهي جامعة ...

سلسلة بوصلة الروح - رحلة في مكارم الأخلاق


● الحلقة التاسعة: المروءة والاحترام


وهي جامعة المحاسن والمكارم التي تظهر في الأفعال لا في الأقوال، عن عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها- أنها قالت: "ما ضَرَبَ رَسولُ الله -صَلَّى الله عليه وسلَّمَ- شيئًا قَطُّ بيَدِهِ، وَلَا امْرَأَةً، وَلَا خَادِمًا؛ إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَا نِيلَ منه شَيْءٌ قَطُّ، فَيَنْتَقِمَ مِن صَاحِبِهِ؛ إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِن مَحَارِمِ اللَّهِ، فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ" [أخرجه مسلم]. ...المزيد

مؤسسة آفاق الإلكترونية سلسلة نصائح أمنية الحلقة السابعة: الفقرة الأولى احذر بشدة من: * ...

مؤسسة آفاق الإلكترونية

سلسلة نصائح أمنية
الحلقة السابعة: الفقرة الأولى

احذر بشدة من:

* الروابط الإلكترونية
* الملفات المرسلة إليك

⚠️ أناشيد
⚠️ ملفات PDF
⚠️ إصدارات
⚠️ صوتيات

فهذه من أسهل وأسرع طرق الاختراق ...المزيد
يتم الآن تحديث اوقات الصلاة ...
00:00:00 يتبقى على
21 ذو القعدة 1447
الفجر 00:00 الظهر 00:00 العصر 00:00 المغرب 00:00 العشاء 00:00

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً