بسم الله الرحمن الرحيم حقيقة الموت والاستعداد للآخرة الحمد لله ربِّ العالمين، الحمد لله ...

بسم الله الرحمن الرحيم
حقيقة الموت والاستعداد للآخرة
الحمد لله ربِّ العالمين، الحمد لله الذي خلق الموتَ والحياةَ ليبلوكم أيُّكم أحسنُ عملًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إليه المصير والمنتهى، من أراد صاحبًا فالله يكفيه، ومن أراد مؤنسًا فالقرآن يكفيه، ومن أراد غنًى فالقناعة تكفيه، ومن أراد واعظًا فالموت يكفيه، ومن لم يرد هذا ولا هذا فالنار تكفيه.
وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وعظيمنا وأستاذنا ومعلمنا محمدًا رسول الله ﷺ، القائل: «كفى بالموت واعظًا» رواه الطبراني وحسنه بعض أهل العلم.
صلّى الله وسلّم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، أجارني الله وإياكم من البدع والضلالات، آمين اللهم آمين.
فيا أيها الأحباب الكرام في الله، في ظلِّ التطورات الموجودة في زماننا هذا، والتقنيات المتسارعة، وتقارب الزمان، والتكنولوجيا الحديثة، ومع كل هذه التطورات؛ قد يغفل الإنسان عن الشيء الذي خُلق من أجله، ويغفل عن المصير الذي سيذهب إليه، ويظن مع كثرة هذه التطورات أنه لن يرحل، وأنه سيعيش أبد الآبدين في هذه الدنيا الفانية.
فلا بد من وقفاتٍ يا إخوة الإيمان، فإذا ما ركن الإنسان إلى هذه الدنيا نسي أن الآخرة حق، ونسي أن الموت حق، ونسي أن الدنيا فانية، ونسي أن موطنه الأصلي هناك؛ إما جنة، وإما نار ـ والعياذ بالله ـ للمجرمين والكافرين، ونسي أن الدنيا دار ممر، وأن الآخرة هي دار المقر.
فتجده يغفل ويغفل ويعبث ويلهو في هذه الدنيا الفانية؛ لأنه نسي حقيقةً أمرنا النبي ﷺ أن نكثر من ذكرها، ألا وهي حقيقة الموت.
فالموت مخلوق، خلقه الله عز وجل، فالحياة والموت مخلوقان خلقهما الله للابتلاء والامتحان، قال سبحانه:
﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2].
والنبي ﷺ قال في الحديث الصحيح: «أكثروا من ذكر هادم اللذات» رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه وصححه الألباني.
أكثروا من ذكره حتى لا نضيع في هذه الدنيا الفانية، وحتى لا ننسى الله، وحتى نستعد للقاء الله عز وجل، ولنرجع إلى موطننا الأصلي.
فكلنا راحلون، كلنا راحلون، ولو دامت الدنيا لأحدٍ لدامت لأفضل الخلق عليه الصلاة والسلام، فقد قال الله له:
﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: 30].
وقال سبحانه:
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185].
وقال سبحانه:
﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ۝ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: 26-27].
ويقول جل وعلا:
﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: 78].
وهذا نداء للمجرمين والظالمين الذين بطشوا وتكبروا في هذه الدنيا، وظنوا أن حصونهم ستمنعهم من الرحيل، فقال الله:
﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾، ولو كنتم في قصور عالية محصنة، تظنون أن أحدًا لن يصل إليكم.
ولذلك يا إخوة الإيمان، حتى لا تزيدنا الغفلة عما خُلقنا من أجله، لا بد أن نعيش مع هذه المشاهد، نتذكر لنستعد؛ لأنه ستأتي هذه اللحظات حتمًا لا محالة لنا جميعًا.
وكل يوم يموت أناس، وتُشيَّع جنائز، ونحن ننتظر متى يأتي دور كل واحد منا.
كلنا سنرحل، لا أحد يبقى أبدًا، فهل نحن مستعدون؟
ولذلك قد تجد البعض لا يريد أن يُذكر بالموت، لكنه حقيقة لا بد أن نتذكرها؛ لأن النبي ﷺ قال: «أكثروا من ذكر هادم اللذات».
كم تمر علينا جنائز؟
كم من أحباب؟
كم من أصحاب؟
كم من آباء وأمهات؟
وكأن الأمر لا يعنينا!
ولذلك يصف الله حال الإنسان وهو يرحل من هذه الدنيا، فقال سبحانه:
﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ ۝ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ ۝ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَٰكِنْ لَا تُبْصِرُونَ ۝ فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ۝ تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الواقعة: 83-87].
﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾؛ اقترب الرحيل، وبدأت الروح تصعد وتخرج،
﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾؛ أقرباؤه حوله، لا يستطيعون أن يفعلوا شيئًا، الطبيب بجواره، والدواء بجواره، لكن إذا جاء أمر الله انتهى كل شيء.
﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ﴾؛ أي بملائكتنا، ﴿وَلَٰكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾.
ثم يأتي التحدي:
﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ۝ تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
فإذا جاء الأجل لا يتأخر الإنسان ساعة ولا يتقدم، قال سبحانه:
﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: 34].
لكن ما الذي ينفع الإنسان؟
الأعمال الصالحة.
قال سبحانه:
﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ ۝ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: 88-89].
أهله يبكون عليه، وهو يُبشر بروح وريحان وربٍّ راضٍ غير غضبان.
ولله در القائل:
ولدتك أمك يا ابن آدم باكيًا
والناس حولك يضحكون سرورًا
فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا
في يوم موتك ضاحكًا مسرورًا
ويقول سبحانه:
﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِي ۝ وَقِيلَ مَنْ ۜ رَاقٍ ۝ وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ ۝ وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ ۝ إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة: 26-30].
﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾؛ هل هناك من يرقيه؟ هل هناك من ينقذه؟
﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ﴾؛ أي أيقن أنه سيرحل.
﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾؛ اجتمعت شدة الدنيا بشدة الآخرة، وسكرات الموت بآلامها.
ولذلك كان السلف يخافون أن تدخل الدنيا إلى قلوبهم فتلهيهم عن الآخرة.
فهذا هارون الرشيد رحمه الله ـ وقد ظلمه كثير من الناس بما نُسج حوله من الروايات المكذوبة ـ كان يحج عامًا ويغزو عامًا، وكان يقول للسحابة: “أمطري حيث شئتِ فسيأتيني خراجك”.
ويُذكر أنه قال للزاهد بهلول: عظني.
فقال له: أين آباؤك وأجدادك من لدن آدم إلى يومنا هذا؟
قال: تحت الأرض.
قال: فأين قصورهم؟ وأين أموالهم؟
قال: ذهبت.
قال: فما نفعتهم قصورهم في قبورهم؟
فبكى هارون الرشيد رحمه الله.
ثم قال له: زدني.
فقال: يا أمير المؤمنين، هب أنك عمرت السنين الطويلة، أليس القبر غاية كل حي، ويُسأل بعده عن كل شيء؟!
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه، فيا فوز المستغفرين.
الخطبة الثانية:
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
أما بعد:
فمن عرف الله في الرخاء عرفه الله في الشدة، ومن أعظم الشدائد سكرات الموت.
ولذلك دخلت ابنة الإمام سعيد بن المسيب رحمه الله عليه وهو في آخر لحظاته فبكت، فقال لها:
يا بنية، أبكي أو لا تبكي، فو الذي نفسي بيده ما فاتتني تكبيرة الإحرام أربعين سنة.
ذكره الذهبي في السير.
وهذا بلال بن رباح رضي الله عنه، مؤذن رسول الله ﷺ، لما حضرته الوفاة، قالت زوجته: واكرباه!
فقال: “لا تقولي واكرباه، ولكن قولي: وافرحاه، غدًا نلقى الأحبة، محمدًا وصحبه” رواه ابن سعد وغيره.
الله أكبر!
هذه هي السعادة الحقيقية، وهذه هي الراحة الحقيقية.
وكان بعض السلف في المعارك يُطعن بالسهم فينزعه والدم يتدفق منه، ويقول: “فزت ورب الكعبة”، كما قالها الصحابي الجليل أنس بن النضر رضي الله عنه يوم أحد، رواه البخاري ومسلم بمعناه.
هؤلاء ضحوا بأموالهم وأنفسهم لنصرة دين الله، فعاشوا لله، فوجدوا السعادة في أحلك الظروف.
وإخواننا المستضعفون في فلسطين وغيرها يضحون بأنفسهم وأموالهم وفلذات أكبادهم من أجل دين الله ومقدسات المسلمين، وهم قادرون على حياة الدنيا، لكنهم اختاروا نصرة الحق.
ولذلك يا عباد الله، الدنيا فانية، وقد قال النبي ﷺ:
«لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء» رواه الترمذي وصححه الألباني.
فالاستعدادَ الاستعدادَ للقاء الله عز وجل، حتى لا يندم الإنسان يوم لا ينفع الندم.
قال سبحانه:
﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ۝ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ كَلَّا ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ۖ وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: 99-100].
وقال سبحانه:
﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة: 11].
وقال سبحانه:
﴿وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: 12].
ندمٌ يوم لا ينفع الندم.
نسأل الله أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
اللهم أصلحنا وأصلح شباب المسلمين.
اللهم أصلحنا وأصلح نساء المسلمين.
اللهم أصلحنا وأصلح بنات المسلمين.
اللهم ألبسهن ثوب العفة والحشمة والطهارة يا رب العالمين.
اللهم أصلح أولادنا وذرياتنا ونساءنا.
﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: 74].
اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين.
اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا غاية رغبتنا، ولا إلى النار مصيرنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا يا رب العالمين.
اللهم احفظ بلادنا وسائر بلاد المسلمين من كيد الكائدين.
اللهم اجمع كلمة المسلمين على الحق المبين.
اللهم عليك بالمتآمرين على الإسلام والمسلمين من اليهود والنصارى والمنافقين، أرنا فيهم عجائب قدرتك يا قوي يا متين.
اللهم حرر المسجد الأقصى من دنس اليهود.
اللهم كن لعبادك المستضعفين في فلسطين والسودان واليمن وفي سائر بلاد المسلمين يا رب العالمين.
عباد الله، صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال سبحانه:
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
وأقم الصلاة.
...المزيد

الديمقراطية الديوبندية! "الذهاب للتصويت عبادة، أرجو أن تتوضؤوا في الصباح الباكر وتصلوا ركعتين ...

الديمقراطية الديوبندية!

"الذهاب للتصويت عبادة، أرجو أن تتوضؤوا في الصباح الباكر وتصلوا ركعتين نافلة، وعندما تذهبون إلى مركز الاقتراع، ستكونون هناك وحدكم، لن يكون معكم ممثل عن الحزب الوطني، ولا عن حزب الشعب، ولا عن حركة الإنصاف، ولا عن جمعية العلماء، ستكون وحدك أمام الله، فاستشعر مراقبته، وتوجه نحو القبلة، وصوّت لمن تراه مناسبًا".

تخيّل أنّ هذا الخطاب الذي يتفجّر ديمقراطية وبالضرورة كفرا، هو واحد من خطابات عديدة صادرة عن أبرز مشايخ "جامعة الجهاد" -كما يسمونها- وأشهر "الحوزات العلمية" التي تخرّج منها أكابر قادة طالبان بشطريها، وآخرون من دونهم نهلوا من نفس المناهل الديوبندية، فماذا عساهم يفرّخون لنا في زمن السامري وأحفاده؟!

يعود التصريح السابق إلى شيخ الديمقراطية وإمامها "محمد إدريس" الذي لطالما هتف بها ودعا إليها من داخل المساجد التي حوّلها إلى مسرح للترويج لحملاته الانتخابية الكفرية، دعما لحزبه السياسي الديمقراطي البغيض "جمعية علماء الإسلام" الذي يتبنى الديمقراطية نهجا، وينافح عنها ويُعبّد الناس إليها.

منهجيا، ينحدر هذا "الرمز الديمقراطي" من "المدرسة الديوبندية" التي تأسست في الهند تحت مسمى: "دار العلوم ديوبند" وامتدت إلى جارتها تحت مسمى: "دار العلوم حقانية" على يد مؤسسها "عبد الحق أكوروي" الذي درس في فرعها الهندي قبل أن ينقل تجربتها الديوبندية إلى باكستان، لتصبح لاحقا "صرحا ديوبنديا" تخرّج منه أبرز قادة طالبان ونالوا درجة "الحقانية" الشهيرة.

لقد كان الرجل إماما من أئمة "دين الديمقراطية" بل كان شعلة الحملات الانتخابية وصوتها الهادر، يدعو إليها على المنابر، مناوئا للشريعة مصادما للتوحيد، إلا إنْ كان للجهاديين اليوم رأي آخر فيما يتعلق بحكم الديمقراطية المنبرية!

وكان كغيره من قادة الجمعية الديوبندية، يرى أن التصويت لحزبه السياسي في الانتخابات "شهادة شرعية" لا يجوز كتمها، ويحث طلابه على المشاركة في العملية الديمقراطية قطعا للطريق على القوى العلمانية! ولم نسمع عن ديمقراطية تواجه العلمانية إلا عند هؤلاء وسلفهم "الإخوان"، وسيزول عجبك عندما تعلم أن هذه القوى العلمانية ليسوا سوى خصومه ومنافسيه على صناديق الاقتراع.

كما كان شيخ القاعدة وطالبان يقدّم حزبه للحكومة "المتأمركة" كبديل آمن للإرهاب! ويحذّر من أن خسارة حزبه للانتخابات ستؤدي إلى تقوية الجماعات الخارجة عن "دين الديمقراطية".

ومن العجائب أنّ أحد "الأفرع المجهرية" الذي تخرج بعض قادته من نفس الحوزة الديوبندية؛ سارع إلى نعي إمام الديمقراطية وعضو البرلمان السابق!! واتهم المجاهدين بأنهم أداة في يد الاستخبارات الدولية! مع أن الجميع بات يعلم أن الاستخبارات الدولية جرّبت كل الحلول، فلم تجد أنجع من تدجين "الجهاديين" لضرب المجاهدين من دمشق إلى كابل وما زالت العملية تتوسع.

ومن المفارقات، أن شيخ ذلك "الفرع المجهري" ومولاهم ومعلمهم وقدوتهم وقائدهم "إدريس" كان قد أشاد بدور "قيادة جيشه المتأمرك" في الوساطة بين "الصهيوصليبية" وإيران!، كما قاد جهود الإصلاح بنفسه بين "حكومة القاعدة" والحكومة الباكستانية "المتأمركة" التي دعت القاعدة لإسقاطها في آخر بياناتها، انتصارا للإمارة التي خرج "إدريس" فيها ليصلح بينهما!

وقد يتساءل المرء عن طبيعة هذه العلاقة المعقدة بين مشايخ الحوزات الديوبندية الديمقراطية، والجهاديين الذين يقال إنهم يكفّرون الديمقراطية، ولعل الجواب في فهم طبيعة العلاقة بين "شيخ الطريقة" الذي لا يُسأل عما يفعل، و "المريد" الذي لا يملك من أمره شيئا أمام قداسة "المولوي" العظيم.

فالعلاقة بين المعلم والطالب في "الحوزة الحقانية" هي نسخة طبق الأصل من علاقة "الشيخ ومريده" في الطرق الصوفية! حيث يتم تنشئته على الطاعة العمياء للشيخ، وتقديسه وتعظيمه، حتى لو كان الشيخ يروّج لدين الديمقراطية والانتخابات الكفرية في الخطب المنبرية!

ومما شاع وراج عن هذه "الحوزة الديوبندية" وأئمتها من أرباب الديمقراطية، أنهم "مشايخ الحديث!" وهذا تضليل منهجي تاريخي ضارب بجذوره في البيئة الأفغانية الباكستانية، ينبغي أن يُصحح، فأهل الحديث هم أهل التوحيد والولاء والبراء، هم أهل منابذة المشركين وهدم مناهجهم وياسقهم وديمقراطيتهم التي يدين بها ويدعو إليها "إدريس" وغيره ممن قطف رؤوسهم أهل الحديث بحق، نحسبهم ولا نزكيهم.

وابسطوا الصحاح والسنن والمسانيد، هاتوا المعاجم والزوائد والموطآت، نقِّبوا في المستخرجات والمستدركات، وقبلها الآيات، ودلونا على ما يبيح "الديمقراطية الديوبندية" التي يعتنقها هؤلاء، ويداريها الجهاديون وينعون أربابها! إن جريمة هؤلاء الديمقراطيين الإسلاميين أشدّ من جريمة الديمقراطيين الخلّص، لأن الديمقراطيين الإسلاميين يشرعنون كفرهم باسم الدين! ويغلّفون الديمقراطية بشعارات نصرة الإسلام والمسلمين! وهذا جرم مضاعف وتجارة بالدين؛ لا يفعله الديمقراطيون التقليديون، بل يقدمونها كما هي بسفورها وقذارتها، وهؤلاء يقدمونها في صورة مغايرة يتقبلها "المريد" ويقدّم لها صوته، كما يقدّم غيره لها روحه.

ولم يكن مستغربا مسارعة "هيئة علماء الإخوان" إلى نعي شيخ الديمقراطية، فالطيور على أشكالها تقع، فالإخوان هم أرباب الديمقراطية قبل أن تتسلل منهم إلى الجهاديين، لكن ما كان لافتا في ثناء الإخوان على شيخ القاعدة وطالبان؛ هو تسليطهم الضوء على دعمه للحوار بين طالبان وباكستان، وإشادته بدور جيشه في الوساطة بين أمريكا وإيران، ومساعدته في الحد من انتشار "التفسيرات المتشددة"، وشغله مناصب في البرلمان الإقليمي.

وبتقديرنا فإنّ هذا "الانتقاء الإخواني" هو في الحقيقة "تنظير عميق" يمارسه أقطاب الإخوان على مريدي القاعدة وطالبان مفاده: فيمَ اختلفنا؟!

ونحن نقول: حقا، فيمَ اختلفتم؟! فإن لم تكن هذه الديمقراطية هي التي كفّرها الجهاديون في مقتبل أعمارهم، وناصبوا أهلها العداء فما هي الديمقراطية؟! هل عابوها على خصومهم عجزا، ولمّا طبقتها أحزابُهم ومراجعُهم صححوها وتعذّروا لأئمتها؟ أحرام على العلمانيين حلال للجهاديين؟! أديمقراطية سوداء وأخرى بيضاء؟! {أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُولَٰئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ}.

وكيف يصح في الأفهام شيء
إذا احتاج النهار إلى دليل؟!



● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 546
السنة السابعة عشرة - الخميس 19 ذو القعدة 1447 هـ
...المزيد

مقتطف من كلمة "وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا" وأما النداء الذي نطلقه اليوم فموجه إلى ...

مقتطف من كلمة "وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا"


وأما النداء الذي نطلقه اليوم فموجه إلى الأمة الإسلامية وأبنائها، ماذا تنتظرون؟ لقد تمايز الكفار فيما بينهم فبين معسكر شرقي شيوعي وبين معسكر غربي رأسمالي، يتناحر الكفار على سيادة العالم، ولقد باتتِ الدولُ الشيوعية صغيرها وكبيرها تتطاول على هبل العصر أمريكا، و والله ما كسرَ شوكتها وأرغمَ أنفها وصغّرها في عيونهم سوى المجاهدينَ في سبيلِ اللهِ، ابتداءً من الشرارة التي انطلقت من العراق إلى يومنا هذا، وها هي غيوم الحرب أبرقت وأرعدت فتارة تمطرُ هنا وتارة تمطر هناك، وعما قريب بإذن الله تسيل وديانُ الدم الصليبي والمجوسي والرافضي وغيرهم من الكفرة في شتى بقاع الأرض، فلا تظنوا بأنكم ستبقوْنَ في منأى عن هذه الحرب، فإن عباد الصليب سيقحمون طواغيت بلادكم فيها شاءَوْا أم أبَوْا فانظروا لأنفسكم واعتبروا بغيركم قال تعالى: {‌الَّذِينَ ‌آمَنُوا ‌يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا}. ولقد روى البخاري عَنْ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا القِتَالُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَإِنَّ أَحَدَنَا يُقَاتِلُ غَضَبًا، وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً، فَرَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ، قَالَ: وَمَا رَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ قَائِمًا، فَقَالَ: (‌مَنْ ‌قَاتَلَ ‌لِتَكُونَ ‌كَلِمَةُ ‌اللَّهِ ‌هِيَ ‌العُلْيَا، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ). وها هي الدولة الإسلامية -أعزها الله-، الدولةُ الوحيدةُ التي تدعوا إلى دين الله وتحكيم شريعته وإعلاء كلمته، بلا تدليسٍ ولا تلبيسٍ ولا مداهنةٍ، تدعوكم للالتحاق بها ونصرتها حتى تكون درعا لكم ولجميع المسلمين وحصنا من الكفر وأهله، فالنجاء النجاء يا أيها العقلاء، وأخصُّ بالذكرِ عمومَ المسلمينَ في شرقِ آسيا في الفلبينَ وسنغافورةَ وماليزيا وإندونيسيا، وفي الهند والبنغال وباكستان، لقد رأينا أنكم مستضعفون ولكن ليس من قلة بكم، فأنتم أمثالُ النجومِ عددا، ولكنكم أقل عزيمة وجلدا، ولقد أكلكم الخوف وعدم الجرأة على نصرة دين الله ومحاربة أعدائه، فدونكم إخوانكم المجاهدين في الدولة الإسلامية فالتحقوا بهم وانصروهم وكونوا عونا لهم في قتالهم للهندوس والشيوعين والكفرة والمرتدين من أبناء جلدتكم، فلقد أكثر أعداؤكم الطعن في دينكم، فإلى متى أنتم تصمتون وفي الذل والهوان تمكثون، فمم تخافون؟ وأنتم برغم صمتكم تقتلون وتعذبون وتهانون، وما نقموا منكم إلا أنكم مسلمون، ولقد أمن جانبكم الهندوس فطعنوا في دينكم وشتموا نبيكم -بأبي هو وأمي عليه الصلاة والسلام-، فبأي وجه تلقون الله سبحانه وتعالى وبأي حجة تحتجون؟، أيغار عباد البقر على بقرتهم، وعباد الفئران على فأرتهم، ولا تغارون على دينكم وعرض نبيكم، إنها والله الذلة والهوان وحب الدنيا كما أخبر الصادق المصدوق صلوات ربي وسلامه عليه فقَدْ رَوَى الإمامُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، بِإِسْنَادَيْنِ جَيِّدَيْنِ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (‌إذَا ‌تَبَايَعْتُمْ ‌بِالْعِينَةِ وَاتَّبَعْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ وَتَرَكْتُمْ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَرْفَعُهُ عَنْكُمْ حَتَّى تُرَاجِعُوا دِينَكُمْ). فراجعوا دينكم وانصروا إخوانكم وجاهدوا في سبيل الله تنالوا خيري الدنيا والآخرة بإذن الله.

وإلى أهل السنة في إفريقية، لقد سطعَت عندكم شمسُ الحق واضحةً جليةً، فها هم المجاهدون اليومَ بفضل الله يملؤون أرض إفريقية قسطا وعدلا بعد أن ملئت ظلما وجورا، في توسع وتمدد للمسلمين، وعزةٍ ونصرٍ وتمكينٍ، بفضل من الله وحده، ولقد أَجْلَوْا عن سماء إفريقية غبارَ عقودٍ من الاستعبادِ الصليبي لأبنائها وسرقة خيراتها، فانظروا إلى الذل الذي كنتم فيه وارفعوا أبصاركم إلى العز الذي عليه أبناء الدولة الإسلامية اليوم، فبعد أن كنتم تساقون خدما لاستخراجِ خيراتِ بلادِكم ليأخذَها الصليبيون وبعد أن كان أبناؤكم يقطعون آلاف الأميال وآلاف المخاطر والأهوال ليصلوا إلى أوروبا أذلة ليعملوا مقابل دراهم معدودة، منَّ الله عليكم بأن أخرج منكم رجالا أشداء، أبوا الضيم وحملوا على عاتقهم نصرة دين الله ومحاربة الصليبِ ومن والاه، وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، فبتنا بفضل الله نسمعُ اليومَ وبكلِّ فخر عن قتل ونحر وسحق ودحر وتهجير للنصارى وتدمير لجيوش الصليب والردة في إفريقية، فأبشري يا إفريقية لقد عاد أحفاد الصحابة الفاتحين، لإعادة النصر والتمكين، لشريعة رب العالمين،
فسارعوا يا أبناء الإسلام، واشحذوا كل مهند صمصام، وقاتلوا أعداء الله اللئام، بانضمامكم اليوم إلى دولة الإسلام، فلقد كان من الأعمال المباركة لجنودها الأبطال الثأرُ لإخوانهم المسلمين الذين قتلهم التحالف الصليبي في سرت والموصل والرقة وغيرها من ولايات الدولة الإسلامية، فقام أسود إفريقية للثأر فقتلوا النصارى وشردوهم وحرقوا وهدموا منازلهم وهذه بتلك ولم ندرك ثأرنا بعد والقادم أدهى وأمرّ وليعيشن النصارى رعبا تنخلع منه قلوبهم وتشيب منه مفارق ولدانهم إن شاء الله؛ وذلك لحربهم على المسلمين وقتالهم لعباد الله المجاهدين، {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}.



● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 363
السنة الرابعة عشرة - الخميس 9 ربيع الآخر 1444 هـ

مقتطف:
من كلمة "وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا"
للشيخ المجاهد أبي عمر المهاجر -حفظه الله تعالى-
...المزيد

كيف حالك على الصراط غدا؟ الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على إمام المتقين وعلى آله ...

كيف حالك على الصراط غدا؟



الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على إمام المتقين وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد.

فإن في القيامة أهوالا وأهوالا، ما ينتهي هول إلا وبعده ما هو أشد منه، حتى يصير حال العبد إلى مثواه في الجنة أو النار، وما أمِن تقيٌّ على نفسه قبل دخول الجنة، ولا ركَنَ إلى عمله مَن عرف عظيم الخطب، كفى بعرصاتها وطول وقوفها قارعة، وكفى بحرّ الشمس ودنوِّها غُمة، يوم الحسرة والتغابن يوم التناد والفرار، فزعٌ أكبر وأمرٌ عصيب لو لم تكن لهم أجساد لا تفنى لذابت من أهوالها وزلزالها.

وقد ذكر لنا ربنا في كتابه العزيز أوصاف ذلك اليوم وأحوال الناس فيه، وفي السنة ما فيه تفصيل لدقائق تلك الأحوال، فالناس بين وقوف طويل، وحساب عسير، وتطاير للصحف، وصراط ممدود على متن جهنم، ومعرفة كل ذلك من الإيمان باليوم الآخر، وسنتناول في مقالنا هذا أمر الصراط، فنتذكر ما فيه من أحوال وأهوال، لعلنا نكون خِفافا غدا في عبوره.


- خوف الصالحين من الصراط

إن عباد الله الصالحين لتنتابهم صنوف الخوف إذا ذُكر الصراط، وكان بعضهم كلما ذكر آية الصراط بكى، فقد كان عبد الله بن رواحة واضعا رأسه في حجر امرأته، فبكى، فبكت امرأته، قال: ما يبكيك؟ قالت: رأيتك تبكي فبكيت، قال: إني ذكرت قول الله: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا}، فلا أدري أنجو منها، أم لا؟ [الطبري]

قال ابن كثير: "وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} قال: ورود المسلمين المرور على الجسر بين ظهرانيها، وورود المشركين أن يدخلوها".


- صفة الصراط

والصراط جسر مستقيم أسفله جهنم سوداء مدلهمة وبين جنباته خطاطيف وكلاليب كأمثال الأشواك تخطف العباد وتخدشهم، جاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثم يؤتى بالجسر فيجعل بين ظهري جهنم، قلنا يا رسول الله: وما الجسر؟ قال مِدحضة مزلّة عليه خطاطيف وكلاليب وحسكة مفلطحة لها شوكة عقيفاء تكون بنجد يقال لها السعدان)، قال النووي: "والدحض والمزلة بمعنى واحد وهو الموضع الذي تزل فيه الأقدام ولا تستقر" [شرح مسلم]، وقال ابن بطال في (كلاليب): "جمع كلوب، وهو الذي يتناول به الحداد الحديد من النار، والخطاطيف جمع خطاف، والخطاف حديدة معوجة الطرف يجذب بها الأشياء". [شرح البخاري]

وجاء في صفته أيضا أنه أدقّ من الشعرة وأحدّ من السيف، قال أبو سعيد: "بلغني أن الجسر أدق من الشعرة وأحد من السيف". [مسلم]

فهل أعددت يا عبد الله ما يثبّتك على هذا الصراط؟! فلو أرّقك فكرك وأهمك طيلة حياتك لتعمل بما يخلّصك من تلك اللحظات ما كان ذلك كثيرا، فالنجاة النجاة.


- من يمر على الصراط؟

في عرصات القيامة بعد أن ينتهي الحساب يُساق الكافرون سوقا إلى النار مباشرة، فلا يمرون على الصراط، ففي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثم يؤتى بجهنم تعرض كأنها سراب، فيقال لليهود: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزير ابن الله، فيقال: كذبتم، لم يكن لله صاحبة ولا ولد، فما تريدون؟ قالوا: نريد أن تسقينا، فيقال: اشربوا، فيتساقطون في جهنم. ثم يقال للنصارى: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال: كذبتم، لم يكن لله صاحبة ولا ولد، فما تريدون؟ فيقولون: نريد أن تسقينا، فيقال: اشربوا، فيتساقطون. حتى يبقى من كان يعبد الله، من بر أو فاجر).


- حال المنافقين على الصراط

قال الله تعالى: {يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ} [الحديد]، قال ابن كثير: "وقال الضحاك: ليس أحد إلا يعطى نورا يوم القيامة، فإذا انتهوا إلى الصراط طفئ نور المنافقين، فلما رأى ذلك المؤمنون أشفقوا أن يطفأ نورهم كما طفئ نور المنافقين فقالوا: ربنا أتمم لنا نورنا" [التفسير]، وقال القرطبي: "قال المفسرون: يعطي الله المؤمنين نورا يوم القيامة على قدر أعمالهم يمشون به على الصراط، ويعطي المنافقين أيضا نورا خديعة لهم، دليله قوله تعالى: {وَهُوَ خَادِعُهُمْ} وقيل: إنما يعطون النور، لأن جميعهم أهل دعوة دون الكافر، ثم يسلب المنافق نوره لنفاقه" [التفسير]

فذاك مآلهم وتلك ساعة هلاكهم، بعد أن تنطفئ أنوارهم يخادعون فيتساقطون في نار جهنم جميعا، ولا يبقى إلا الموحدون.


- أحوال المؤمنين على الصراط

أما عباد الله المؤمنون الموحدون الذين لم يشركوا بالله شيئا ولم يقعوا في الكفر، فإنهم على أحوال وبحسب أعمالهم في الدنيا، جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (المؤمن عليها كالطرف وكالبرق وكالريح وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلَّم، وناج مخدوش ومكدوس في نار جهنم حتى يمر آخرهم يسحب سحبا) [متفق عليه].

قال النووي: "قوله صلى الله عليه وسلم: (فناج مسلم ومخدوش مرسل ومكدوس في نار جهنم) معناه: أنهم ثلاثة أقسام قسم يسلم فلا يناله شيء أصلا، وقسم يخدش ثم يرسل فيخلص، وقسم يكردس ويلقى فيسقط في جهنم" [شرح مسلم]، وقال عليه الصلاة والسلام: (فإنها مثل شوك السعدان، غير أنه لا يعلم ما قدر عظمها إلا الله، تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم الموبق بعمله -أو الموثق بعمله-، ومنهم المخردل، أو المجازى…).

وأنوار الناس في الصراط بحسب أعمالهم أيضا، قال ابن كثير: في قوله تعالى: {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ}، "يقول تعالى مخبرا عن المؤمنين المتصدقين أنهم يوم القيامة يسعى نورهم بين أيديهم في عرصات القيامة، بحسب أعمالهم كما قال عبد الله بن مسعود في قوله تعالى: (يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ) قال: على قدر أعمالهم يمرون على الصراط، منهم مَن نوره مثل الجبل، ومنهم مَن نوره مثل النخلة، ومنهم مَن نوره مثل الرجل القائم، وأدناهم نورا مَن نوره في إبهامه يتقد مرة ويطفأ مرة، ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير" [التفسير]

وأول من يتجاوز الصراط نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأمته، قال عليه الصلاة والسلام: (فأكون أنا وأمتي أول من يجيز ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل ودعوى الرسل يومئذ اللهم سلم سلم) [متفق عليه]


- كيف يهون عليك العبور؟

ومن سار على صراط الله المستقيم في الدنيا سهل عليه المرور على الصراط في الآخرة، ومن كان في الدنيا أسرع إلى تلبية نداء ربه في الصلاة والزكاة والجهاد وأبواب الخيرات فذلك في الصراط أسرع عبورا وأخف عليه، ومن تخلّف وتكاسل واتبع الشهوات عسُر عليه العبور، قال ابن القيم رحمه الله: "ومنها أن مشيهم على الصراط في السرعة والبطء بحسب سرعة سيرهم وبطئه على صراط الله المستقيم في الدنيا، فأسرعهم سيرا هنا أسرعهم هناك، وأبطؤهم هنا أبطؤهم هناك، وأشدهم ثباتا على الصراط المستقيم هنا أثبتهم هناك، ومن خطفته كلاليب الشهوات والشبهات والبدع المضلة هنا؛ خطفته الكلاليب التي كأنها شوك السعدان هناك، ويكون تأثير كلاليب الشهوات والشبهات والبدع فيه هاهنا فناج مسلّم ومخدوش مسلّم ومخردل أي مقطّع بالكلاليب مكردس في النار كما أثر فيهم تلك الكلاليب في الدنيا جزاء وفاقا وما ربك بظلام للعبيد" [اجتماع الجيوش].

والورع وترك السفاسف والفضول مما يسهل السير على الصراط غدا، قال ابن قدامة: "والتحقيق فيه أن الورع له أول وغاية، وبينهما درجات في الاحتياط، فكلما كان الإنسان أشد تشديدا، كان أسرع جوازا على الصراط، وأخف ظهرا، وتتفاوت المنازل في الآخرة بحسب تفاوت هذه الدرجات في الورع" [مختصر منهاج القاصدين]

فطوبى لمن كان في الخير سبّاقا وللفضائل آخذا، وللمعالي أهلاً، نسأل الله أن يجعلنا منهم. والحمد لله رب العالمين.



● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 363
السنة الرابعة عشرة - الخميس 9 ربيع الآخر 1444 هـ
...المزيد

أحفاد الصحابة في قلب إيران! لم يتوقف مجاهدو الدولة الإسلامية -كما فعل غيرهم- عند حدود الكلام ...

أحفاد الصحابة في قلب إيران!



لم يتوقف مجاهدو الدولة الإسلامية -كما فعل غيرهم- عند حدود الكلام عن جرائم الرافضة التي عمّت كتب التاريخ وملأت صفحات الحاضر، ولا عند حدود التنظير عن شرك الرافضة وحربهم للإسلام وطعنهم في أئمته كأبي بكر وعمر وسائر الصحابة -رضوان الله عنهم-، بل تجاوز المجاهدون تلك المرحلة وكسروا تلك الحدود وارتقوا في مدارج السالكين فصدّقوا القول بالعمل، ومزجوا الدموع بالدماء، فجعلوا الرافضة هدفا رئيسا لهم، وأدموا قلوبهم حيثما كانوا.

وإن العداوة بين المسلمين والرافضة عداوة دينية تاريخية، فتاريخ الرافضة حافل بحرب الإسلام والغدر بأهله، والرافضة مرتدون مشركون ليسوا من أهل الإسلام وإنْ نسبوا أنفسهم إليه، فهم عبّاد البشر يؤلّهونهم ويقدّسونهم ويستغيثون بهم ويدْعونهم ويدّعون عصمتهم، ويزعمون أن آل البيت -رضي الله عنهم- أرباب لهم! فما فارقوا النصارى شبرا، وكلٌ من النصارى والرافضة مشمول بقول الله عز وجل في سورة براءة: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ}.

ولم يحصر جنود الخلافة قتالهم للرافضة في مكان دون آخر، بل حيث ما وُجد الرافضة فثمت أسياف الموحدين في رقابهم، فقد انفردت دولة الإسلام -بتوفيق الله تعالى- في قتال الرافضة في العراق والشام والجزيرة واليمن وخراسان وفي معقلهم ومنبت شرّهم إيران المجوسية، حتى تعالت أصواتهم بالعويل والنواح في كل موطئ وطأته أقدام جنود الدولة الإسلامية.

ولم يعد من المستغرَب اختلاط أصوات صراخ الرافضة بأصوات "استنكار وإدانة" أوليائهم وحلفائهم المرتدين ممّن يحسبون أنفسهم على الإسلام، والإسلام براءٌ منهم براءة الذئب مِن دم يوسف -عليه السلام-، فهؤلاء الذين ينوحون ويستنكرون ويشجبون كلّما سال الدم الرافضي النجس هم شركاء للرافضة في إثمهم وشركهم، وغدا بإذن الله يكونون شركاء في المصير نفسه وبئس المصير.

لقد كانت عملية الانغماسيّ العُمريّ -رحمه الله- العملية الرابعة التي ينفّذها جنود الخلافة في عقر دولة المجوس إيران، بعد ثلاث عمليات أخرى طالت أهدافا استراتيجية، تمثلت في ضرب "البرلمان الشركي" و"ضريح الخميني" في "طهران"، وضرب العرض العسكري في" الأحواز" واليوم يضرب المجاهدون مجددا ضريحا ومعبدا مركزيا للرافضة في "شيراز"، وهذا تنوع في الأهداف يُحسب للدولة الإسلامية، وكلها بوقوعها داخل إيران فإنها كسْر لأنف الرافضة في إيران وضرب لمعنويات أذنابهم خارجها.

وبتنوع الأهداف في عقر دار الرافضة تُبيّن الدولة الإسلامية أن جهادها مبنيٌّ على أصولٍ سليمة في قتال المشركين، وأن الرافضة هدف باعتبار شركهم وعبادتهم غير الله ومحاربة دينه وطعنهم بصحابة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، ويطالهم القتال أيّا كانوا سواء ساسة في البرلمان، أو جنودا في الجيش، أو أفرادا مرتدين يرتادون معابدهم ودور شركهم، فالمرتد ليس له إلا السيف أو الإسلام.

ومِن سَفَهِ الرأي أن يتحدث متحدثٌ عن جهل أفراد الرافضة بعد أن ضربوا بأطناب الشرك في كل من العراق والشام واليمن وخراسان وغيرها وقتلوا من أهل السنة ما لا يُحصى لبسط نفوذهم وتوسيع رقعتهم ونشر باطلهم، ناهيك عن قولهم بكفر عموم أهل السنة واستحلال دمائهم، فما عاد القوم يعاملون أهل السنة إلا بالقتال، في حين ما يزال كثير من المحسوبين على أهل السنة يراوحون مكانهم في موقفهم من الرافضة!

فالواجب على المسلمين أن يُدركوا أنه لا حلّ للرافضة إلا بالقتال، قال الشيخ أبو محمد العدناني رحمه الله: "إن معركتنا مع الرافضة معركة واحدة في العراق والشام واليمن وباقي الجزيرة وخراسان، لا فرق بين مكان ومكان، وإن كل من يقف معهم أو يحالفهم أو يساندهم أو يعاونهم بقليل أو كثير فهو عدو لنا ولا فرق بينه وبينهم عندنا". فالحرب بين المسلمين والرافضة وأوليائهم مستمرة في كل مكان؛ معركة دينية ينتصرون فيها لشركهم وباطلهم، والمسلمون ينتصرون فيها لدينهم وعقيدتهم وأعراضهم.

لقد غضب النبي -صلى الله عليه وسلم- ذات مرة لأبي بكر -رضي الله عنه- فقال: (إنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إلَيْكُمْ فَقُلتُمْ: كَذَبْتَ، وقَالَ أبو بَكْرٍ: صَدَقَ، ووَاسَانِي بنَفْسِهِ ومَالِهِ، فَهلْ أنتُمْ تَارِكُوا لي صَاحِبِي؟ مـرَّتين..) [البخاري]، وقال -صلى الله عليه وسلم- أيضا: (لا تَسُبُّوا أصْحابِي، لا تَسُبُّوا أصْحابِي، فَوالذي نَفْسِي بيَدِهِ لو أنَّ أحَدَكُمْ أنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، ما أدْرَكَ مُدَّ أحَدِهِمْ، ولا نَصِيفَهُ) [مسلم].

واليوم يجترئ ويتطاول الرافضة المرتدون على أبي بكر وعمر وسائر الصحابة وأمهات المؤمنين -رضوان الله عليهم-، ويُحيون مجالسهم واحتفالاتهم بسبّهم وتكفيرهم والطعن في أعراضهم، بل ويجترئ أولياؤهم الكفرة الفجرة على مواساتهم وتعزيتهم بقتلاهم في كل مرة تسيل دماؤهم فيها، عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
وإنّ فرسان الإسلام الغيارى لن يدَعوا مَن يؤذي النبي -صلى الله عليه وسلم- في صحابته، وإن اجترأ هؤلاء الكفرة على مقام الصحابة الكرام، فإن للصحابة أحفادا أشد جرأة في الحق، يتوارثون الثأر جيلا عن جيل، وقد تعاهدوا وعقدوا العزم أن يُذيقوا الرافضة وأشياعهم بأسًا عُمريّا بسيف الصدّيق -بإذن الله تعالى-.

وقد بيّن القرآن الكريم أنّ كل عمل يغيظ الكفار أو ينال منهم، هو عمل صالح مأجور، لقوله تعالى: {وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ} [التوبة] قال الإمام الطبري: "ولا يصيبون من عدوّ الله وعَدُوّهم شيئًا في أموالهم وأنفسهم وأولادهم؛ إلا كتب الله لهم بذلك كله، ثوابَ عمل صالح قد ارتضاه". وقد يُبارك الله في هذا العمل فيكون أنكى بهم وأشد عليهم بحسب صدق وإخلاص الفاعل، ولو كان واحدًا، كفعل أخينا أبي عائشة -نحسبه ولا نزكيه-، والذي ثأر لأمّنا عائشة -رضي الله عنها- وعن أبيها وسائر الصحابة، فانغمس حاسرا في صفوف الرافضة، فشفى الله على يديه صدور قوم مؤمنين.

وإن دولة الإسلام بتمددها وتوسيع دائرة جهادها، تكون قد فتحت المجال أمام أبناء الإسلام في كل مكان لنصرة دينهم، ويسّرت على المسلمين سبل الجهاد بعد أن تفنّن دعاة السوء في وضع العوائق والموانع أمامهم، فليس اليوم أمام الصادقين من أبناء الإسلام إلا أن يسلّوا سيوفهم ويذخّروا بنادقهم ويُعدّوا أحزمتهم فينثروا أشلاء الرافضة ويسفكوا دماءهم فوق كل أرض وتحت كل سماء، فيكونوا أحفادًا للصحابة بحق كما كان غيرهم من جنود الإسلام البررة، {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}.



● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 363
السنة الرابعة عشرة - الخميس 9 ربيع الآخر 1444 هـ
...المزيد

علامات تعظيم الأوامر والمناهي ❖ علامات تعظيم الأوامر - رعايةُ أوقاتها وحدودها - الحرصُ ...

علامات تعظيم الأوامر والمناهي


❖ علامات تعظيم الأوامر

- رعايةُ أوقاتها وحدودها

- الحرصُ على تحسينها

- فعلُها في أوقاتها، والمسارعة إليها عند وجوبها

- التفتيشُ على أركانها وواجباتها وكمالها

- الحزنُ والكآبة والأسف عند فوات حقّ من حقوقها


❖ علامات تعظيم المناهي

- الحرصُ على التباعد من مظانها وأسبابها وما يدعو إليها، ومجانبة كلّ وسيلة تقرب منها.

- ترك ما لا بأسَ به حذراً مما به بأس، ومجانبة الفضول من المباحات خشيةَ الوقوع في المكروه.

- مجانبة من يجاهر بارتكابها ويحسنها ويدعو إليها ويتهاون بها ولا يبالي ما ركب منها.

- الغضبُ لله عز وجل إذا انتهكت محارمُه، وأن يجدَ المسلمُ في قلبه حزناً وكسرة إذا عُصي الله، ولم يستطع هو أن يغير ذلك.

- عدم الاسترسال مع الرخصة إلى حدّ يكون صاحبه جافياً غير مستقيم على المنهج الوسط.

- التسليم لأمر الله تعالى وحكمه امتثالا لما أمر به، سواء ظهرت له حكمتُه أو لم تظهر. [الوابل الصيّب - بتصرف]



● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 362
السنة الرابعة عشرة - الخميس 2 ربيع الآخر 1444 هـ
إنفوغرافيك العدد
...المزيد

(فلله العزة جميعا) إنَّ الله تبارك وتعالى هو العزيز الغلّاب الذي لا يغالبه مُغالب، وقد قضى ...

(فلله العزة جميعا)



إنَّ الله تبارك وتعالى هو العزيز الغلّاب الذي لا يغالبه مُغالب، وقد قضى ربُّنا أنْ تكون العزة له سبحانه ولرسوله -صلى الله عليه وسلم- وللمؤمنين فقال: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}، فمَن آمن به صار عزيزا؛ كما دلّنا سبحانه في كتابه العزيز إلى طريق العزة وسبيل التمكين لهذا الدين فقال: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ}، فأيقنَّا أنَّ هذا الدين لن يكون كله لله إلا بالقتال والعزة، لا بالقعود والذل والهوان.

كما اقتضت سُنة القوي العزيز سبحانه، أن لا ينتشر وينتصر هذا الدين في ربوع الأرض إلا بالقوة والمغالبة لقوله تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا}، قال القرطبي رحمه الله: "أي لولا ما شرعه الله تعالى للأنبياء والمؤمنين من قتال الأعداء، لاستولى أهل الشرك وعطلوا ما بينته أرباب الديانات من مواضع العبادات، ولكنه دفع بأن أوجب القتال ليتفرغ أهل الدين للعبادة، فالجهاد أمر متقدم في الأمم، وبه صلحت الشرائع واجتمعت المتعبدات".

بل كان من عزة هذا الدين أنْ جعل -سبحانه- أشرف الرزق ما أُخذ من الكفار على وجه القوة والغلبة والقهر فصار غنيمة، وهو رزق قائد هذه الأمة نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- فقال: (وجُعل رزقي تحت ظل رُمحي) [أحمد]، وهو مصدر إمداد للمجاهدين اليوم لا ينضب.

ومِن العزة استعلاء المؤمن بهذا الدين ومنهاجه القويم على أهل الباطل ومناهجهم الكفرية العفنة، فالمؤمن عزيز بإيمانه بربه سبحانه، كما قال تعالى: {وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}، وحُقَّ لمن ينتسب لهذا الدين ويجاهد في سبيله أنْ يكون عزيزا شامخا رافع الرأس؛ لأنه يقوم بالرسالة العظمى للبشرية مكملا مهمة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- المتمثلة بقوله تعالى: {وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً}، وبعد وفاته -صلى الله عليه وسلم- فالأمة تكمل الرسالة وتقوم بالأمر، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (بلغوا عني ولو آية) [البخاري].

ومن عزة هذا الدين ألا يظل المسلم في أرض يُمنع فيها من عبادة ربه وإقامة شريعته؛ بل يجب عليه أن يخرج منها مهاجرا إلى أرض غيرها فأرض الله واسعة، قال الله تعالى: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ}، كما أن المؤمن العزيز يرى بلاد الإسلام واحدة وإن فرّقتها الحدود أو مزقتها القيود، فكل أرض حُكمت يوما بحكم الإسلام هي أرضه، ويجب عليه انتزاعها وردها بالقوة لتحكم بشرع الله كما كانت، وهذا المُرتقب بحول الله وقوته، وهي بشرى نبينا -صلى الله عليه وسلم- إذ قال: (بشّر هذه الأمة بالسناء والرفعة، والنصر والتمكين في الأرض) [أحمد]، فأمة التوحيد مُبشَّرة بكل معاني العزّ والتمكين.

ولعزة الدين كان لا بد من سلطان ينصره بالقوة ويدافع عنه، ويقيم حدوده ويقاتل عدوه، كما في قوله تعالى: {وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا} قال ابن كثير: "وقال قتادة فيها أن نبي الله -صلى الله عليه وسلم- علم ألا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان، فسأل سلطانا نصيرا لكتاب الله، ولحدود الله، ولفرائض الله، ولإقامة دين الله".

والعزة بالدين لا تساويها عزة، وهي التي تحمل المؤمنين على أن يقاتلوا عدوا يفوقهم في العدد أضعافا مضاعفة، ثم يهزموهم بقوة الله وفضله.

وتلك العزة التي حولت المثنى بن حارثة الشيباني إلى أول غاز يغزو بلاد الفرس بعد أن كانت بنو شيبان تخشى الفرس طيلة سني الجاهلية، بل وما كانت عزة العرب وأنفتهم ترقى بهم أن يتجرؤوا على فارس والروم فلمّا دخلوا في الإسلام ما أبقوا لفارس أرضا تُقِلّهم ولا سماء تُظِلّهم، وطردوا الروم من الشام ومصر وشمال إفريقية حتى وصلوا إلى أجزاء من أوروبا يحملون رسالة الإسلام "لا إله إلا الله محمد رسول الله".

وعزة الإسلام تضع كل المعاني الجاهلية تحت الأقدام، فبه المؤاخاة والولاء والنصرة؛ لأن كل عزة بسواه ذل، كما رُوي عن الفاروق عمر رضي الله عنه قوله: "إنا قوم أعزنا الله بالإسلام، فلن نلتمس العز بغيره" [مصنف ابن أبي شيبة]، وهذا فقه عمر الذي كان إسلامه فتحا وعزا للمسلمين.
والطريق الوحيد لتحقيق العزة لأمة الإسلام هو الجهاد في سبيل الله وحده، لقوله تعالى: {وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ}، وبتركه يسلّط عليها الذل، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (…وتركتم الجهاد؛ سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم) [أبو داود]، وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه في أول خطبة له يبيّن مَعلَما مُهِمًّا من معالم الخلافة على منهاج النبوة: "لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل" [تاريخ الخلفاء].

ولقد ضل أكثر الأفراد والجماعات اليوم، فيمموا وجوههم نحو أعداء الله قِبَل الشرق أو الغرب يبتغون عندهم العزة والتأييد والدعم، فما وجدوا إلا الذل والمهانة، قال الله تعالى: {الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} فهل العزة إلا من العزيز الوهاب؟ وهل العون إلا من الغني المنّان؟، إنك لتجد أحدهم -وإن زاحمته الحُرّاس وأحاطت به الجنود- حقيرا، وصاحب الحق عزيز النفس وإن كان في الزنازين أسيرا.

ومن صفات الطائفة المنصورة أنها عزيزة بدينها فلا يضرها من خالفها من الأعداء ولو كثروا، ولا من خذلها من الأصدقاء ولو قَرُبوا، فتمضي قافلة الطائفة المنصورة يلتحق بها كل مؤمن صادق عزيز حتى يأتي وعد الله وهم على ذلك.

والمسلم المتأمل في أحوال دولة الإسلام، لا تخطئ عينه صور هذه العزة في نشأتها وقيامها وتمددها، في جهادها وقتالها لكل ملل الكفر، في تمكينها ورخائها، أو في محنتها وثباتها، في ولائها وبرائها، في خطابها وإعلامها، فكل شيء فيها ينبض بالعزة التي مصدرها الجهاد على منهاج النبوة بعد صحة التوحيد، وكل من انضوى تحت لوائها مخلصا محتسبا ظفر وشعر بهذه العزة، وجعل الله له المهابة في صدور الكافرين، وما ذاك إلا ثمرة الاستمساك والاعتزاز بهذا الدين العظيم، ولا عجب فقد قال تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا}.



● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 362
السنة الرابعة عشرة - الخميس 2 ربيع الآخر 1444 هـ
...المزيد

إنَّا لِله وَإنَّا إِليه رَاجعُوْنَ ▪️معناها: (إنّا لله) أي: إننا ملكه وعبيده وخلْقُه، ...

إنَّا لِله وَإنَّا إِليه رَاجعُوْنَ


▪️معناها:

(إنّا لله) أي: إننا ملكه وعبيده وخلْقُه، وفيها توحيد وإقرار بالعبودية والملك لله تعالى، (وإنا إليه راجعون) أي: إننا راجعون إلى الله تعالى بعد الموت، للحساب على ما عملنا في الدنيا، وفيها إقرار بالبعث والنشور، والتسليم لأمر الله تعالى وقضائه، وتسمّى: كلمة الاسترجاع.


▪️دليلها:

قوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة]


▪️فضلها:

عن أم سلمة -رضي الله عنها- قالت: "سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: "إنا لله وإنا إليه راجعون"، اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها، إلا آجره الله من مصيبته، وأخلف له خيرا منها)، قالت: فلمّا توفي أبو سلمة قلت كما أمرني رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأخلف الله لي خيرا منه: رسول الله -صلى الله عليه وسلم-"[مسلم]


▪️آثارها:

يدخل المسلم القائل لهذه الكلمة، المستحضِر لمعانيها، في الصابرين الذين يوفّون أجورهم بغير حساب، ويدرك صلوات الله تعالى عليه ورحمته إيّاه، ومن آثارها أيضا: زيادة الإيمان بالله تعالى، وتحصيل الرضا بقضائه وقدره، والتسليم لأمره سبحانه، وتذكّرُ الآخرة والزهد في الدنيا، وتخفيف الحزن عند المصيبة.


❖تنبيهات:

تُقال هذه الكلمة عند أول وقوع المصيبة وهو الأولى، أو عند تذكرها بعد وقوعها، كما تُقال عند تهديد العدو للمسلمين بالقتل أُسوةً بسحرة فرعون لمّا آمنوا، قال القرطبي: "جعل الله هذه الكلمات ملجأ لذوي المصائب، وعصمة للممتحَنين، لِما جمعت من المعاني المباركة".



● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 361
السنة الرابعة عشرة - الخميس 24 ربيع الأول 1444 هـ
إنفوغرافيك العدد
...المزيد

من أقوال علماء الملة قال الإمام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: "كثير من الناس إذا رأى المنكر أو ...

من أقوال علماء الملة

قال الإمام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-:

"كثير من الناس إذا رأى المنكر أو تغيّرَ كثيرٍ من أحوال الإسلام: جزع وكَلَّ وناح، وهو منهي عن هذا، بل هو مأمور بالصبر والتوكل والثبات، وأن يؤمن بالله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وأن العاقبة للتقوى، وأن ما يصيبه فهو بذنوبه؛ فليصبر إن وعد الله حقّ، وليستغفر لذنبه وليسبح بحمد ربه بكرة وعشيا" [مجموع الفتاوى] ...المزيد

حديث نبوي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (قال الله ...

حديث نبوي



عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (قال الله تعالى: "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر"، واقرؤوا إن شئتم: {فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جزَاءً بِما كَانُوا يَعْملُونَ} [السجدة]). [متفق عليه] ...المزيد
يتم الآن تحديث اوقات الصلاة ...
00:00:00 يتبقى على
28 ذو القعدة 1447
الفجر 00:00 الظهر 00:00 العصر 00:00 المغرب 00:00 العشاء 00:00

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً